لبنان يخوض امتحان استعادة الثقة

ضغوط وإغراءات دولية أنتجت إصلاحات سياسية وإدارية

مصرف لبنان (الشرق الأوسط)
مصرف لبنان (الشرق الأوسط)
TT

لبنان يخوض امتحان استعادة الثقة

مصرف لبنان (الشرق الأوسط)
مصرف لبنان (الشرق الأوسط)

تخوض السلطات اللبنانية امتحاناً لاستعادة الثقة مع المجتمع الدولي، أطلقت خلاله إصلاحات سياسية ومالية وقانونية وإدارية، بدءاً بتطبيق بند من ورقة قدمها الموفد الأميركي توماس برّاك. الورقة متصلة بإقرار مهلة زمنية لتنفيذ «حصرية السلاح» بيد الأجهزة الرسمية اللبنانية، تمهيداً لتثبيت الهدنة مع إسرائيل ووقف الحرب بشكل كامل، ولتسوية النزاعات الحدودية مع سوريا، وهذا بموازاة حراك آخر لترسيم الحدود مع قبرص، بما يتيح للبنان استخراج الطاقة من مياهه الإقليمية. ما كانت هذه التحركات لتُنشّط من دون ضغوط وإغراءات دولية، تسير عبر عدة مسارات، تبدأ من تثبيت الاستقرار الداخلي والإقليمي عبر حصرية السلاح وقرار السلم والحرب بيد الحكومة اللبنانية، ولا تنتهي الضغوط بالهواجس من انزلاق تصنيف لبنان مالياً إلى القائمة السوداء وفق تقييم «فاتف»، وحجب الاستثمارات، بما يقود لبنان إلى العزلة. أما الإغراءات، فتتمثّل في انفتاح دولي وإقليمي، وتدفق الاستثمارات، وإعادة إعمار ما دمّرته الحرب الإسرائيلية الأخيرة، ورفع التصنيف المصرفي من القائمة الرمادية إلى البيضاء، في ضوء استجابة لبنان لشروط مكافحة الفساد والإصلاح الإداري. تلك الاستجابة تتمثل في إقرار الهيئات الناظمة لقطاعات حيوية مثل «الطيران المدني» و«زراعة القنب الهندي»، كجرعة أولى لتعيين هيئات ناظمة لقطاعات «الاتصالات» و«الكهرباء» و«النفط»، تضاف إليها إصلاحات أخرى .

أعطت حكومة الرئيس نواف سلام في لبنان الأولوية لـ6 ملفات نظراً لحدود ولايتها الزمنية، حسبما قال الرئيس اللبناني جوزيف عون، في كلمة له أواخر الشهر الماضي. وهي تنقسم بين ملفات أمنية وإدارية وإصلاحية وتشريعية، ويتصدّرها «الوقف الفوري للأعمال العدائية الإسرائيلية، وانسحاب إسرائيل خلف الحدود المعترف بها دولياً، وإطلاق سراح الأسرى وبسط سلطة الدولة اللبنانية على كافة أراضيها، وسحب سلاح جميع القوى المسلحة، ومن ضمنها (حزب الله) وتسليمه إلى الجيش اللبناني». ثم هناك «تأمين مبلغ مليار دولار أميركي سنوياً لفترة 10 سنوات من الدول الصديقة لدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية وتعزيز قدراتهما، وإقامة مؤتمر دولي للجهات المانحة لإعادة إعمار لبنان في الخريف المقبل»، إضافة الى «تحديد وترسيم وتثبيت الحدود البرية والبحرية مع سوريا بمساعدة كل من الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة العربية السعودية والفرق المختصة في الأمم المتحدة، وحل مسألة النازحين السوريين، ومكافحة التهريب والمخدرات ودعم زراعات وصناعات بديلة».

تتزامن هذه الأولويات مع الملفات الإصلاحية ومكافحة الفساد، إذ جرى التشديد على أن «القضاء مطلق اليدين لمكافحة الفساد والمحاسبة وإحقاق الحق وتكريس مبدأ المساواة أمام العدالة»، والتعهد بـ«استعادة دولة تحمي الجميع فلا تستقوي فئة بخارج، ولا بسلاح، ولا بمحور، ولا بامتداد ولا بعمق خارجي ولا بتبدل موازين، بل نستقوي جميعاً بوحدتنا ووفاقنا وجيشنا، وأجهزتنا الأمنية».

مكافحة الفساد

لقد أدركت السلطة في لبنان أن الممر الإلزامي لمكافحة الفساد يبدأ من إعادة بناء ثقة الناس بالقضاء. ولذا شكّلت مجلس قضاء جديداً، وهيئة تفتيش قضائي جاهزة للمحاسبة، وهو ما انعكس بتغير في الوضعية القضائية التي تمثلت في توقيف وزيرين سابقين، وإحالة 3 وزراء اتصالات سابقين إلى التحقيق، فضلاً عن توقيفات متصلة بفاعلين في القطاع المصرفي، وتوقيف مسؤولين إداريين، أبرزهم رئيس مجلس إدارة كازينو لبنان رولان خوري.

إلى جانب ذلك، حاولت الدولة منذ انتخاب الرئيس جوزيف عون وتشكيل الحكومة، تعزيز الثقة مع الحاضنة العربية والمجتمع الدولي من خلال الزيارات التي قام بها عون إلى عدة دول أجنبية وعربية، وأعادت البحث في إحياء اتفاقيات نائمة. وأيضاً أدت إلى إعادة فتح سفارات، أو تعيين سفراء معتمدين في بيروت وعودة سياح، عرب وأجانب.

الدولة أولت كذلك أهمية بالغة للأمن، في إطار استعادة الثقة، عبر ضبط التهريب في المطار والمرافئ والمرافق الحدودية، ومكافحة عمليات تبييض الأموال والإرهاب من خلال تفكيك الخلايا النائمة وضرب محاولات تشكيل خلايا جديدة.

كريم سعيد (لينكد إن)

إجراءات قضائية وإدارية

عملياً، تواظب السلطات السياسية والقضائية والنقدية والأمنية، على إبداء التجاوب المستدام مع متطلبات مكافحة الجرائم المالية وتجارة المخدرات وتمويل الإرهاب، وفق قائمة الثغرات المحددة من قبل المجموعة الدولية. وهو ما يراكم حزمة من الإنجازات المُحقّقة في مكافحة التهريب والفساد، والتحسن المستمر في التدقيق والمراقبة الأمنية والجمركية على المعابر البرية والبحرية. فضلاً عن ملاحقة الجرائم المالية الموصوفة التي تقتضي توقيفات قضائية ورفع الحمايات السياسية وسواها.

مصادر معنية بالإصلاحات المالية تقول لـ«الشرق الأوسط» إن كل تلك الإجراءات «تخدم ملف لبنان في (مجموعة العمل المالي الدولية - فاتف)»، موضحة أن المجموعة «لطالما شكت من الفساد والتراخي في محاربة الجرائم المالية». وأردفت المصادر أن السلطات اللبنانية «باتت تجمع أدلة وإثباتات على أنها تكافح الفساد والجرائم المالية، وسجلت سوابق في هذا الإطار»، لافتة إلى أن التعيينات التي حصلت في الإدارة «تشير إلى تغيير بالتجربة اللبنانية»، في إشارة إلى التعيينات المالية والقضائية. ولفتت أيضاً إلى إقرار قوانين مالية مثل «قانون إصلاح أوضاع المصارف، الذي يتيح للجنة الرقابة والمجلس المركزي لمصرف لبنان التدقيق بميزانيات المصارف وأموالها الخاصة وقدرتها على الاستمرار».

وفي هذا السياق، أعلن كريم سُعَيد، حاكم مصرف لبنان (البنك المركزي)، عن إجراء مشاورات في واشنطن مع مسؤولي وزارة الخزانة الأميركية، ولا سيما المعنيين بملف مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. ولقد تركزت النقاشات على الإجراءات المطلوبة لمعالجة الملاحظات الصادرة عن «مجموعة العمل المالي» (FATF)، بما يسهم في إزالة لبنان من «اللائحة الرمادية». كذلك تناولت المشاورات الإجراءات الضرورية لحماية القطاع المالي، بما في ذلك علاقاته مع المصارف المراسلة في الولايات المتحدة، من مخاطر التعامل مع الجمعيات المحظورة.

ملفات «حزب الله» الشائكة

يتناغم هذا الجهد مع الإصلاح السياسي الذي يبدأ من حصرية السلاح، وتحديد جدول زمني لجمعه. وهو قرار أقرّته الحكومة اللبنانية يوم الثلاثاء الماضي، وتعهّدت بتنفيذه خلال مهلة تنتهي في 31 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وكلفت الجيش اللبناني بوضع خطة تطبيقية، يعرضها على الحكومة بمهلة تنتهي أواخر شهر أغسطس (آب) الحالي.

هذا القرار يُعد الاول منذ مطلع التسعينات الذي ينزع الشرعية عن أي سلاح خارج الشرعية، مهما كانت أغراضه، «بعدما كان محميّاً بالشرعية المحلية»، في إشارة إلى البيانات الوزارية المتعاقبة منذ عام 1989 التي نصّت على حق لبنان في مقاومة إسرائيل وتحرير الأرض. بذا تجاهلت الحكومة غضب «حزب الله» وإعلانه عن تجاهله للقرار، وأنه غير معنيّ به.

ولقد بدا واضحاً أن الملفات الإشكالية الكبرى، متصلة بمؤسسات «حزب الله» العسكرية والمالية، وهو ما تسعى السلطات إلى فكفكته. وبالفعل، حظر البنك المركزي، منتصف الشهر الماضي، على المصارف والمؤسسات المالیة وسائر المؤسسات الخاضعة لترخیص من قبله، وعلى مؤسسات الوساطة المالیة وهيئات الاستثمار الجماعي، أن تقوم بأي تعامل مالي أو تجاري، أو غيره، بشكل مباشر أو غير مباشر، كلياً أو جزئياً، مع مؤسسات الصرافة وشركات تحويل الأموال والجمعيات والهيئات غير المرخّصة. وبين هذه «جمعية القرض الحسن» وشركة «تسهيلات» وشركة «اليسر للتمويل والاستثمار» و«بيت المال للمسلمين» وغيرها، من المؤسسات والهيئات والشركات والكيانات والجمعيات المدرجة على لوائح العقوبات الدولية.

وأيضاً أبرم البنك المركزي اتفاقية تعاون مع شركة «كيه 2 إنتغريتي» الأميركية المتخصّصة في الاستشارات بمجال إدارة المخاطر، بهدف تعزيز مكافحة الأنشطة غير القانونية والاحتيال، ووضع وتنفيذ خطة عمل دقيقة تهدف إلى تحديد الثغرات النظامية، وسدّ الفجوات التنظيمية، واستعادة الثقة بالنظام المالي اللبناني محلياً ودولياً.

أدركت السلطة في لبنان أن الممر الإلزامي لمكافحة الفساد يبدأ من إعادة بناء ثقة الناس بالقضاء

تدابير غير كافية

غير أن هذه الإجراءات، وخصوصاً المالية منها، لا ترقى وفق مسؤول مالي معني، تواصلت معه «الشرق الأوسط»، إلى مستوى الإقرار الدولي بسلامة كامل الأنشطة المالية. وأضاف: «إنّما يكفي حالياً المصادقة على التزام سلطات الدولة ومؤسساتها المختصة، وجديّتها في سلوك مسار الاستجابة المطلوبة، بحيث يمثّل الحد الضامن لعدم السقوط إلى (قعر) التصنيف، ومحاولة إقناع المجموعة الدولية بإعادة النظر لاحقاً بإخراج لبنان من القائمة في حال استكمال معالجة نقاط الضعف المتراكمة خارج القطاع المالي».

في الأساس، تفاقمت تعقيدات التصنيف الذي ينذر بالانزلاق إلى «اللائحة السوداء» بحال إهمال مقتضياته، بسبب توسّع عمليات الاقتصاد النقدي (الكاش) من جهة، وتنامي الأنشطة المالية غير المشروعة عبر شبكات لا تخضع للرقابة خارج الجهاز المصرفي من جهة موازية. وهذا الأمر يحتّم، وفق المسؤول المالي، «تكثيف الجهود المتعددة المرجعيات لتقديم الأدلة الدامغة الآيلة إلى تكوين قناعة متجددة لدى الهيئات الخارجية بحصول تبدلات نوعية في صدّ مجمل توصيفات الجرائم المالية».

من جهة أخرى، أقرّ مجلس الوزراء في جلسته، الثلاثاء الماضي، مشروع قانون لإدخال تعديلات مهمة وشاملة على القانون الأساسي رقم 44/ 15 الخاص بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وإحالته إلى مجلس النواب، بحيث تكتمل المرتكزات التشريعية لمجمل الملاحظات والتصويبات التي تلقاها الجانب اللبناني المعني لتطوير الاستجابة للمواصفات الدولية، والواردة خصوصاً من مجموعتي العمل المالي ووزارة الخزانة الأميركية والاتحاد الأوروبي.

وتفضي التحديثات القانونية والتنفيذية، حسب المسؤول المالي، إلى توسيع نطاق المشاركة الوزارية وفتح ملفات قضائية تقع تحت المساءلة والشبهات، بحيث تركز أكثر ضمن استهدافاتها، على الأصول المادية أو غير المادية، بما فيها الوثائق أو المستندات القانونية التي تثبت حق الملكية ومصادر الإثراء غير المشروع، الناتجة عن ارتكاب أو محاولة ارتكاب حزمة كبيرة من تعريفات الجرائم المالية... وبما يشمل وصف الإرهاب وتمويله والمشاركة في جمعيات غير مشروعة، بالإضافة إلى التهرب الضريبي والفساد وصرف النفوذ والاختلاس واستثمار الوظيفة وإساءة استعمال السلطة والإثراء غير المشروع.

 

 

إجراءات مالية في «المصرف المركزي»... لاستعادة الثقة

تتشارك مجموعة من الوزارات والمؤسسات العامة والهيئات النقابية اللبنانية ذات الاختصاص والصلة، في تزويد هيئة التحقيق الخاصة المنشأة لدى مصرف لبنان (البنك المركزي)، بالتحديثات القانونية والإجرائية المستهدفة معالجة الفجوات الموصوفة في مكافحة تبييض (غسل) الأموال وتمويل الإرهاب؛ وذلك تمهيداً لرفع ملف متكامل إلى اجتماعات الخريف الدورية لمجموعتي العمل المالية الإقليمية والدولية (فاتف). يتصف هذا الملف بحساسية بالغة، تتعدّى النطاق المالي البحت، لتصيب مشكلات محدّدة في البعد السياسي الداخلي وقضية «حصرية السلاح» وتوابعها المالية. وهذا أمر يستوجب تبيان التقدّم الحسّي في استجابة لبنان لسد الثغر التي تسبّبت بإدراجه، خلال خريف العام الماضي، ضمن «القائمة الرمادية» للدول غير المتعاونة بالكامل أو التي تعاني أوجه قصور مثبتة في التزام المعايير الدولية. مسؤول مالي لبناني التقته «الشرق الأوسط» قال موضحاً: «تنجز حاكمية البنك المركزي، خطوات نوعية متلاحقة تكفل تحصين القطاع المالي والمصرفي الشرعيين بمواجهة أي شبهات لاستخدام منصاتها وقنواتها التقليدية والإلكترونية في تمرير أي عمليات نقدية أو مالية تحتمل الشكوك والمساءلة. وبذا تعزّز قناعة المؤسسات الدولية بسلامة عمليات وأنشطة هذا القطاع داخل البلاد وعبر الحدود من خلال شبكات البنوك المراسلة». هذا، وبموجب الالتزامات الرسمية، التي سيجري فحص درجاتها ونطاقاتها في التقرير المقبل للمجموعة الدولية، يفترض أن يواصل لبنان العمل مع «مجموعة العمل المالي» لتوسعة نطاق الخطة المتكامل والمتنوعة الاستهدافات ومضامينها، بما يكفل إجراء تقييمات لمخاطر تمويل الإرهاب وغسل الأموال المحددة في التقييم الاقتصادي، والحد من المخاطر وضمان وجود سياسات وتدابير للتخفيف من هذه المخاطر. وينبغي، حسب المعطيات، تعزيز الآليات الكفيلة بالتنفيذ الفعال في الوقت المناسب لطلبات المساعدة القانونية المتبادلة واسترداد الموجودات، وتعزيز فهم الأعمال والمهن غير المالية، وتنفيذ العقوبات المالية المستهدفة من دون تأخير، لا سيما في الأعمال والمهن غير المالية المحددة وبعض المؤسسات المالية غير المصرفية، وإجراء مراقبة مستهدفة وقائمة على المخاطر للمنظمات غير الربحية عالية الخطورة، دون تعطيل أو تثبيط أنشطة المنظمات غير الربحية المشروعة.


مقالات ذات صلة

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

حصاد الأسبوع «تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات

ميشال أبونجم (باريس)
حصاد الأسبوع ميلونشون (رويترز)

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
حصاد الأسبوع قناة السويس (رويترز)

مصر والصين بعد زيارة شي جينبينغ... من شراكة المشاريع إلى صناعة المستقبل

قبل زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى القاهرة، انشغل معظم القراءات بالسؤال عمّا يمكن أن تضيفه الزيارة إلى العلاقات المصرية - الصينية. أما بعد اختتامها،

وارف قميحة
حصاد الأسبوع تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة


«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.