المعلمون يستعدُّون لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الصفوف الدراسية

رغم المخاوف من الخصوصية والتحيُّز وتراجع التفكير النقدي للتلاميذ

المعلمون يستعدُّون لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الصفوف الدراسية
TT

المعلمون يستعدُّون لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الصفوف الدراسية

المعلمون يستعدُّون لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الصفوف الدراسية

يُقرّ نحو 60 في المائة من معلمي رياض الأطفال والمدارس الثانوية باستخدام الذكاء الاصطناعي لتخطيط الدروس، والتواصل مع أولياء الأمور، والمساعدة في وضع الدرجات، كما كتب مايكل ج. كوزاك*.

صدمة تعليمية

أحدثت منصات الذكاء الاصطناعي التوليدي صدمة واسعة في قطاع التعليم، برياض الأطفال والمدارس الثانوية، منذ إطلاق «تشات جي بي تي» (ChatGPT) للجمهور قبل ما يقرب من 3 سنوات.

ويزداد الإيمان بضرورة إتقان الطلاب والمعلمين هذه الأدوات الفعّالة، على الرغم من استمرار كثير من المخاوف بشأن المساواة والخصوصية والتحيز، وتراجع التفكير النقدي لدى الطلاب.

نقلة نوعية في ممارسات التعليم

بصفتي أستاذاً يُدرّس معلمي المستقبل، وعضواً في مجموعة عمل تُركّز على الذكاء الاصطناعي، فقد لاحظتُ قدرة الذكاء الاصطناعي على إحداث نقلة نوعية في ممارسات التدريس والتعلم في مدارس رياض الأطفال والمدارس الثانوية.

من الحفظ والتلقين إلى الإبداع

أما الاتجاهات التي ألاحظها -والتي أشجعها- فهي أن يستخدم معلمو رياض الأطفال والمدارس الثانوية الذكاء الاصطناعي للتحول من الحفظ والتلقين إلى التركيز على التفكير النقدي والإبداع.

بعد الإصدار العام لتطبيق «ChatGPT» أواخر عام 2022، حظرت بعض المناطق التعليمية الكبرى استخدام الذكاء الاصطناعي في البداية بسبب مخاوف من الغش. كما عكست الاستطلاعات مخاوف بشأن قيام روبوتات الدردشة بتزوير المعلومات، مثل المراجع في الأوراق المدرسية، بالإضافة إلى مخاوف بشأن المعلومات المضللة والتحيزات الموجودة في ردود الذكاء الاصطناعي على الأسئلة.

ميل الطلاب لاستخدام الأدوات الذكية

من ناحية أخرى، مال الطلاب إلى استخدام الذكاء الاصطناعي بكثافة. نشرت منظمة «Common Sense Media» التي تقدم توصيات بشأن استخدام الأطفال لوسائل الإعلام، تقريراً في عام 2024، يُظهر أن الطلاب يستخدمون البحث وروبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لأداء واجباتهم المدرسية وللتخلص من الملل، بالإضافة إلى أسباب شخصية أخرى، بما في ذلك «إنشاء محتوى على سبيل المزاح، والتخطيط للأنشطة، وطلب المشورة الصحية».

ولم يكن معظم المعلمين وأولياء أمور الطلاب المشاركين في الدراسة على دراية باستخدام الطلاب لهذه التقنية.

وخلال عملي في جامعة دريكسل؛ حيث كنتُ أُدرّس طلاب الدراسات العليا الطامحين لمنصب مدير أو مشرف مدرسة، وجدتُ أنه في عام 2023، كان طلاب الصفوف من الروضة حتى الصف الثاني عشر يخشون استخدام الذكاء الاصطناعي بسبب السياسات المُطبّقة في مناطقهم التي تحظره. ومع ذلك، سرعان ما اتضح أن الطلاب كانوا قادرين على إخفاء استخدامهم للذكاء الاصطناعي من طريق توجيهه لإدراج بعض الأخطاء في واجباتهم.

تخطيط الدروس وتقييم التلاميذ

في الوقت نفسه، وعلى الرغم من مخاوف المدرسين الأولية بشأن الذكاء الاصطناعي، فإن نحو 60 في المائة من معلمي الصفوف من الروضة حتى الصف الثاني عشر يُقرّون الآن باستخدام الذكاء الاصطناعي لتخطيط الدروس والتواصل مع أولياء الأمور والمساعدة في التقييم. ولا تزال المخاوف بشأن غش الطلاب قائمة، ولكن المدرسين الذين يعانون من ضيق الوقت يجدون أن استخدام الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يوفر لهم الوقت ويُحسّن من تدريسهم.

توفير الوقت

وكشفت دراسة حديثة أجرتها مؤسسة «والتون وغالوب» أن المدرسين الذين استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي أسبوعياً وفروا ما معدله 5.9 ساعة أسبوعياً، أعادوا تخصيصها «لتقديم ملاحظات أكثر دقة للطلاب، وإنشاء دروس مُخصصة، وكتابة رسائل البريد الإلكتروني، والعودة إلى منازلهم وعائلاتهم في وقت أكثر ملاءمة».

فتح آفاق جديدة للتدريس

أوصي طلابي في الدراسات العليا باستخدام الذكاء الاصطناعي؛ لأنني أعتقد أن تجاهل الاتجاهات الناشئة في التعليم ليس بالأمر الحكيم. وأعتقد أن الفوائد تفوق السلبيات إذا ما تعلَّم الطلاب الاستخدام الأخلاقي للتكنولوجيا ووُضعت ضوابط، مثل اشتراط الاستشهاد بالذكاء الاصطناعي بوصفه مصدراً إذا استخدمه الطلاب في المقررات الدراسية.

يقول المؤيدون لهذا التوجه، إن الذكاء الاصطناعي يُغيّر التدريس نحو الأفضل؛ لأنه يُجبر المدرسين على تحديد طرق إضافية للطلاب لإظهار فهمهم للمحتوى. وتشمل بعض الاستراتيجيات للطلاب الذين يعتمدون بشكل مفرط على الذكاء الاصطناعي: العروض الشفهية، والتعلم القائم على المشاريع، وبناء ملفات لأفضل أعمال الطالب.

أدلة تطوير وابتكار

يمكن أن تتضمن إحدى الممارسات عرض الطلاب أدلة على شيء ابتكروه أو نفّذوه أو طوّروه لمواجهة تحدٍّ ما. كذلك يمكن أن تشمل بناء جسر صغير لتوضيح كيفية تأثير القوى على الهياكل، أو صوراً، أو فيديو لطلاب يستخدمون جهاز أخذ عينات من المياه للتحقق من التلوث، أو طلاباً يصممون ويزرعون حديقة مجتمعية. قد يُنتج الذكاء الاصطناعي الخطوات اللازمة لبناء المشروع، ولكن سيتعين على الطلاب القيام بالعمل بأنفسهم.

يمكن للمدرسين أيضاً استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء دروس مُصممة خصيصاً لاهتمامات الطلاب، وترجمة النصوص بسرعة إلى لغات متعددة، والتعرف على الكلام للطلاب الذين يعانون من صعوبات سمعية. كما يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي كمعلم لتخصيص التدريس، وتقديم ملاحظات فورية، وتحديد فجوات تعلم الطلاب.

عندما كنتُ مشرفاً مدرسياً، كنتُ أسأل المتقدمين لوظائف التدريس دائماً عن كيفية ربط دروسهم الصفَّية بالواقع. واجه معظمهم صعوبة في تقديم أمثلة ملموسة. من ناحية أخرى، وجدتُ أن الذكاء الاصطناعي مفيد في هذا الصدد؛ إذ يُقدم إجابات على سؤال الطلاب الدائم حول سبب حاجتهم إلى تعلم ما يُدرّس.

شريك فكري لتطوير المهارات

يستخدم المدرسون في مدارس الروضة وحتى الصف الثاني عشر الذكاء الاصطناعي لمساعدة الطلاب على تطوير مهارات التعاطف لديهم. ومن الأمثلة على ذلك حثّ الذكاء الاصطناعي على «إعادة تصميم تجربة اليوم الدراسي الأول لطالب منقول إلى مدرسة إعدادية جديدة». وقد أنشأ الذكاء الاصطناعي خطوات العمل والأسئلة الأساسية اللازمة لصقل الحلول الأولية للطلاب.

في صفي، استخدمتُ الذكاء الاصطناعي لتعزيز مهارات التفكير النقدي لدى طلاب الدراسات العليا. جعلتُ طلابي يتخيلون أنهم رؤساء جامعات يواجهون فقدان التمويل الحكومي الأساسي، ما لم يطبقوا سياسات تحدّ من النقد العلني للوكالات الحكومية الفيدرالية في الحرم الجامعي. وهذا التقييد المقترح الذي صُمم كمتطلب للحفاظ على «الحياد المؤسسي»، يتطلب من الطلاب وضع خطة عمل تستند إلى معرفتهم بالأنظمة والتفكير التصميمي. بعد أن يطور كل فريق حله، استخدمتُ الذكاء الاصطناعي لصياغة أسئلة ونقاط مقابلة لحلهم المقترح. بهذه الطريقة، يصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً فكرياً نقدياً لاستكشاف النتائج المقصودة وغير المقصودة، والثغرات في تفكير الطلاب، والحلول المحتملة التي ربما تم تجاهلها.

الذكاء الاصطناعي نقطة انطلاق

يشجع إيثان موليك، الباحث في مجال الذكاء الاصطناعي، المعلمين على استخدام الذكاء الاصطناعي كنقطة انطلاق، على غرار ارتجال موسيقيي الجاز، كوسيلة لإطلاق العنان لإمكانات جديدة. وينصح موليك الناس بالشراكة مع الذكاء الاصطناعي كذكاء مشترك، وأن يكونوا جزءاً من العملية، وأن يتعاملوا مع الذكاء الاصطناعي كزميل عمل، وإن كان يحتاج إلى حثّ للحصول على أدلة، وأن يتعلموا كيفية استخدامه بشكل جيد. وأنا أتفق معه في هذا الرأي.

تغير وجهات النظر حول الذكاء الاصطناعي

أثارت بعض الدراسات المبكرة حول آثار استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم مخاوف من أن سهولة استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي ستؤثر سلباً على تعلم الطلاب، وتضعف مهارات التفكير النقدي لديهم.

أعتقد أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات، ولكنني وجدت في عملي الخاص وفي عمل طلابي في الدراسات العليا أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعزز العمل البشري. على سبيل المثال: تستخدم الأدوات المسماة «مساعدو التدريس المدعومون بالذكاء الاصطناعي»، مثل «خاناميغو» (Khanmigo) أو «بيغيتو بوتس» (Beghetto Bots)، الذكاء الاصطناعي لمساعدة الطلاب على حل المشكلات والتوصل إلى حلول مبتكرة دون الكشف عن الإجابات.

تُظهر لي تجاربي مع مُدرسين آخرين في الخطوط الأمامية أنهم بدأوا في تغيير نظرتهم تجاه استخدام الطلاب الذكاء الاصطناعي، ولا سيما مع إدراك المُدرسين لفائدة الذكاء الاصطناعي في عملهم. على سبيل المثال: قال أحد طلابي في الدراسات العليا، إن منطقته تُوظّف لجنة من المُعلّمين والطلاب وخبراء خارجيين لاستكشاف كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل أخلاقي، وبطريقة لا تُضعف مهارات التفكير النقدي لدى الطلاب.

وأخيراً بدأ المُدرسون يُدركون أن الذكاء الاصطناعي لن يختفي في أي وقت قريب، وأن من الأفضل تعليم طلابهم كيفية استخدامه، بدلاً من تركهم وشأنهم.

* أستاذ مُشارك في الإدارة والقيادة التربوية بجامعة دريكسل. مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

سلاسل الإمداد أمام اختبار الذكاء الاصطناعي... المرونة تتجاوز دقة التنبؤ

خاص يُعد التنبؤ بالطلب باستخدام تعلم الآلة أكثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي انتشاراً في سلاسل الإمداد وتستخدمه 45 % من المؤسسات (أدوبي)

سلاسل الإمداد أمام اختبار الذكاء الاصطناعي... المرونة تتجاوز دقة التنبؤ

يكشف توسع الذكاء الاصطناعي في سلاسل الإمداد عن أن المرونة تعتمد على تكامل الأنظمة والبيانات، وتحويل التوصيات إلى قرارات تشغيلية سريعة.

نسيم رمضان (لندن)
العالم استراتيجية الرئيس ترمب التكنولوجية: تعزيز الجيش وردع الصين وتحديد مستقبل الذكاء الاصطناعي

استراتيجية الرئيس ترمب التكنولوجية: تعزيز الجيش وردع الصين وتحديد مستقبل الذكاء الاصطناعي

مزيج أمثل من المنصات الجوية الحربية من النظم الذاتية والمأهولة منخفضة التكلفة

باتريك تاكر (واشنطن)
تكنولوجيا تعتمد «أنثروبيك» على بصمة نصية خفية تُنشأ في أثناء التوليد عبر أنماط إحصائية في اختيار الكلمات وليست علامة مرئية داخل النص ( أدوبي)

كيف تعمل البصمة النصية في «Claude»... ومتى يمكن أن تختفي؟

تزداد قابلية اكتشاف البصمة في النصوص الأطول، في حين تكون الإشارة أضعف في المقاطع القصيرة أو المحتوى الذي يفرض صياغات محددة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص أحد مشاريع الطاقة الشمسية في الجوف شمال السعودية (واس)

خاص الخليج يهيئ بنيته التحتية لاستقطاب رؤوس الأموال الطويلة الأجل

تستعرض السعودية والخليج فرصاً استثمارية واعدة في الطاقة المتجددة والبنية الرقمية، مع توجه متزايد نحو تمويل المشاريع بالشراكة مع القطاع الخاص.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد رقاقة إلكترونية معروضة في جناح شركة «إس كيه هاينكس» في غوانغجو بكوريا الجنوبية (رويترز)

«إس كيه هاينكس» الكورية تعلن أكبر عملية لإعادة شراء أسهمها بـ28.9 مليار دولار

أعلنت شركة «إس كيه هاينكس»، إحدى أبرز شركات صناعة الرقائق في كوريا الجنوبية، الأربعاء، أنها ستعيد شراء أسهم بقيمة قياسية تبلغ 40 تريليون وون.

«الشرق الأوسط» (سيول)

اكتشاف أسرع نجم يدور حول ثقب أسود بـ«درب التبانة»

الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
TT

اكتشاف أسرع نجم يدور حول ثقب أسود بـ«درب التبانة»

الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)

اكتشف العلماء أسرع نجم معروف حتى الآن، يدور بسرعة فائقة حول الثقب الأسود فائق الكتلة الموجود في مركز مجرتنا، درب التبانة، وقد يصبح المفتاح لقياس دوران هذا الثقب لأول مرة، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتزيد كتلة هذا النجم بنحو 50 في المائة عن شمسنا ويفوقها في درجة السطوع بمقدار خمسة أمثال، ويتحرك بسرعات تصل إلى نحو 90 مليون كيلومتر في الساعة أثناء دورانه حول «ساجيتاريوس إيه*» وهو الثقب الأسود الرئيسي لمجرة درب التبانة.

وهذه السرعات أكبر من سرعة الضوء بثمانية في المائة. ولم يتم اكتشاف أي نجم آخر في مجرتنا أو في أي مكان آخر بهذه السرعة من قبل.

ويتحرك النجم الذي يطلق عليه «إس301» في مدار بيضاوي حول «ساجيتاريوس إيه*»، ويستغرق نحو 8.7 سنة لإتمام دورة كاملة.

وتبلغ أقرب نقطة له من الثقب الأسود نحو 11.5 مثل المسافة بين الأرض عن الشمس، وهي وحدة قياس تعرف بالوحدة الفلكية.

وهذا يعني أن أقرب نقطة مرور للنجم تزيد قليلاً على المسافة التي تفصل كوكب زحل عن الشمس، وأبعد نقطة له عن «ساجيتاريوس إيه*» عند نحو 1360 وحدة فلكية.

والثقوب السوداء أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع أن ينفذ منها. وتبلغ كتلة الثقب «ساجيتاريوس إيه*» نحو أربعة ملايين مثل الشمس، ويقع على بعد نحو 26 ألف سنة ضوئية من الأرض.

والسنة الضوئية الواحدة هي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة كاملة، وتساوي 9.5 تريليون كيلومتر.

و«ساجيتاريوس إيه*» في حالة سكون حالياً، لكن جاذبيته هائلة مما يعني أنه قادر على ابتلاع النجوم أو أي مواد أخرى تقترب منه أكثر من اللازم. لكن الباحثين يقولون إن من المفترض أن يظل النجم «إس301» في مأمن من غضب الثقب الأسود.

وقال ستيفان غيلسن عالم الفيزياء الفلكية في معهد «ماكس بلانك» للفيزياء في ألمانيا، وهو أحد قادة البحث الذي نُشر اليوم الأربعاء في دورية «نيتشر»، إن «مداره لن يتلاشى في أي وقت قريب. ومن ثم، سيتغير اتجاه المدار، لكنه ليس معرضاً لخطر الابتلاع».

ولا يعرف حتى الآن أي نجم آخر يدور بهذه الدرجة من القرب من الثقب الأسود.

وراقب الباحثون «إس301» باستخدام مقياس التداخل للتلسكوب الكبير التابع للمرصد الأوروبي الجنوبي في تشيلي.

وقد يتيح التأثير المستمر الذي يمارسه «ساجيتاريوس إيه*» على هذا النجم خلال مداره للعلماء فهم الثقب الأسود بشكل أفضل، بما في ذلك إمكانية قياس دورانه.


ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»
TT

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

تزداد ظاهرة «إلنينو» قوةً باستمرار، وقد تكون الظروف الجوية الحادة التي ستجلبها بمثابة لمحة عما ينتظرنا في عالم أكثر دفئاً.

الأقوى على الإطلاق

يقول خبراء الأرصاد الجوية إن ظاهرة «إلنينو»، هذا العام، قد تصبح الأقوى على الإطلاق؛ وهذا يعني احتمال حدوث تأثيرات مناخية شديدة، تتراوح بين فترات جفاف طويلة في بعض أنحاء العالم وزيادة في العواصف وهطول الأمطار بمناطق أخرى، ما قد يؤدي إلى فيضانات عارمة.

«إلنينو» ظاهرة تجتاح مياه المنطقة الاستوائية للمحيط الهادئ

عالم يشهد ارتفاعاً مؤقتاً في الحرارة بمقدار درجتين مئويتين

تعتمد شدة ظاهرة «إلنينو» على مدى ارتفاع درجات حرارة المحيطات عن معدلاتها الطبيعية؛ إذ تؤثر هذه المياه الأكثر دفئاً على الغلاف الجوي، ما يؤدي إلى تغيير أنماط الطقس وتضخيم حِدتها. وتتزامن ظاهرة «إلنينو»، هذا العام، مع درجات حرارة مرتفعة بالفعل في المحيطات ومع صيف شديد الحرارة.

وهذا يعني أن الحرارة التي تجلبها الظاهرة قد تدفع متوسط ​​درجة الحرارة العالمية الشهرية لتتجاوز حاجز الارتفاع بمقدار درجتين مئويتين (3.6 درجة فهرنهايت)؛ وهو الحد الذي طالما عددناه سقفاً ينبغي عدم تجاوزه لتجنب «الأضرار الواسعة وغير المتوقعة» الناجمة عن تغير المناخ.

تفاقم الآثار المناخية

في الواقع، تجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد حد «آمن» للاحتباس الحراري. فنحن نشهد، بالفعل، آثار تغير المناخ، متمثلة في تسجيل الولايات المتحدة أكثر فصول الصيف حرارة على الإطلاق، وتوالي موجات الحر الشديدة في أنحاء أوروبا. ومع ذلك فإن كل زيادة، ولو طفيفة، في درجات الحرارة تؤدي إلى تفاقم الآثار المناخية، والحد من الاحترار يمكن أن يساعد في درء كوارث أكثر تطرفاً.

اختبار حقيقي لصمود كوكب الأرض

نحن لم نصل بعدُ إلى عالمٍ ترتفع فيه الحرارة بمقدار درجتين مئويتين؛ إذ يقول الخبراء إنه باستثناء تأثير دورة «إلنينو»، لن يصل كوكبنا إلى هذا المستوى من الاحترار قبل عقد أو عقدين آخرين. لكن إذا قادتنا ظاهرة «إلنينو» إلى هذا المستوى مؤقتاً، فقد نحصل على لمحة عما سيبدو عليه ذلك العالم.

وكتب روبرت رود، كبير العلماء بمنظمة «بيركلي إيرث» (Berkeley Earth)، على منصة «بلوسكاي» (Bluesky) تعليقاً على ظاهرة «إلنينو»، هذا العام: «قد تكون الأشهر الاثنا عشر المقبلة بمثابة اختبار حقيقي للقدرة على الصمود: حرارة قياسية، وطقس متطرف، وخسائر في المحاصيل، وتأثيرات متتابعة... إنها، جزئياً، لمحة عما يُخبئه لنا المستقبل».

من جهته يصف زيك هاوسفاذر، وهو عالم مناخ يعمل لدى منظمة «بيركلي إيرث» ويشغل منصب رئيس أبحاث المناخ بشركة «سترايب» (Stripe)، ظاهرة «إلنينو» الحالية بأنها بمثابة «آلة زمن»، إذ إن الاحترار الذي تجلبه هذه الظاهرة المناخية - الذي يمتد حتى نهاية عام 2026 ويدخل في عام 2027 - قد يماثل درجات الحرارة التي يتوقع العلماء أن تسود في عام 2037.

إلنينو ظاهرة لا تشبه الاحتباس الحراري

لكن ثمة أمراً مهماً يجب مراعاته؛ فلكل من ظاهرة «إلنينو» وغازات الدفيئة تأثيرات مختلفة. فقد كتب هاوسفاذر وعالِم المناخ أندرو ديسلر، في مقال نُشر على منصتهما المشتركة «ذا كلايمت برينك» (The Climate Brink) عبر خدمة «سابستاك »: «يمكن للعالم المستقبلي الذي ارتفعت حرارته بفعل الغازات الدفيئة، والعالم الحالي الذي ارتفعت حرارته مؤقتاً بفعل ظاهرة إلنينو، أن يتشاركا في متوسط ​​درجة الحرارة العالمية نفسه، رغم وجود اختلافات جوهرية في تأثيرات هذا الاحترار».

إن ما نشير إليه جميعاً باسم «التغير المناخي» يرتبط بالاحترار العالمي الناجم عن انبعاث الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي؛ حيث تعمل هذه الانبعاثات على حبس الحرارة، ما يؤدي إلى رفع درجة حرارة الكوكب.

في المقابل، يرى خبراء المناخ أن ظاهرة «إلنينو» تشبه، إلى حد كبير، «إعادة توزيع للحرارة» الموجودة بالفعل داخل نظامنا المناخي؛ فخلال هذه الظاهرة، تتغير الرياح وتدفع مياه المحيط الدافئة نحو مناطق أخرى، ما يؤثر، بدوره، على حرارة الغلاف الجوي.

احترار «إلنينو» ليس متساوياً عبر العالم

وهذا يعني أن الاحترار المرتبط بظاهرة «إلنينو» ليس عالمياً بالمعنى الشامل؛ إذ تشهد بعض أجزاء الكوكب درجات حرارة أعلى، بينما تنخفض الحرارة في أجزاء أخرى. كما تُغير الظاهرة أنماط هطول الأمطار بطريقة متفاوتة ومتباينة حول العالم.

وبهذا المعنى، لن تحاكي ظاهرة «إلنينو» الحالية الصورة الكاملة للاحترار العالمي- الناجم عن الأنشطة البشرية وتراكم الغازات الدفيئة- الذي يتوقع العلماء أن يشهده الكوكب بحلول عام 2037.

ومع ذلك، ستجلب هذه الظاهرة لمناطق معينة من العالم بعضاً من تلك التأثيرات المتفاقمة التي يحملها في طياته كوكب أكثر سخونة- مثل درجات الحرارة القياسية وفترات هطول الأمطار الغزيرة للغاية- وبصورة غير مسبوقة، مقارنة بأي دورة سابقة لظاهرة «إلنينو».

* مجلة «فاست كومباني»

Your Premium trial has ended


لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟
TT

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

أجريتُ على مدار العامين الماضيين مئات المحادثات حول الذكاء الاصطناعي، مع جهات تنظيمية ومؤسسات مالية ومهندسين ومديرين تنفيذيين وأشخاص متشككين. وما يبرز باستمرار هو حجم الالتباس والغموض المحيط بهذا المجال؛ فالجميع يتحدثون عن الذكاء الاصطناعي وكأنه تقنية واحدة تسير في اتجاه واحد، في حين أن الواقع أكثر تعقيداً وتفصيلاً بكثير؛ كما كتب شون كامكار*.

الذكاء الاصطناعي نقطة التقاء التنبؤ والاستدلال

يمثل الذكاء الاصطناعي نقطة التقاء لنظامين مختلفين جوهرياً: أحدهما مصمم للتنبؤ (to predict)، والآخر مصمم للاستدلال (to reason). وستحظى الشركات التي تدرك هذا الفرق وتتعلم كيفية الجمع بينهما بميزة كبيرة، متفوقة بذلك على الشركات التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة أحادية النمط.

الذكاء الاصطناعي التنبؤي مقابل الذكاء الاصطناعي التوليدي

الذكاء الاصطناعي التنبؤي، كان لسنوات كثيرة يدعم اتخاذ القرارات بصمت ومن وراء الكواليس؛ إذ تتفوق نماذج تعلم الآلة في رصد الأنماط عبر كميات هائلة من البيانات التاريخية. وعلى سبيل المثال، في قطاع الائتمان، تحلل هذه النماذج أحجاماً ضخمة من البيانات التاريخية لتحديد أنماط يعجز أي محلل بشري عملياً عن رصدها وسط ملايين النتائج؛ فهي تتنبأ باحتمالية سداد المبالغ المالية، ومخاطر الاحتيال، وتقلبات المحفظة الاستثمارية، بدقة تفوق بكثير دقة أنظمة التقييم التقليدية التي أُنشئت قبل عقود.

أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيؤدي وظيفة مختلفة تماماً، فهو يجمع المعلومات، ويتعامل مع الغموض، ويتواصل بلغة بشرية. وبإمكانه شرح أهمية اتجاه معين، وتلخيص النتائج المعقدة، وإبراز المقايضات الاستراتيجية، ومساعدة الأشخاص على التفاعل مع أنظمة كانت تتطلب سابقاً خبرة متخصصة لفهمها. ولا تقتصر وظيفته على التنبؤ فحسب؛ بل تشمل الاستدلال والترجمة (تحويل البيانات إلى مفاهيم مفهومة).

الفرق والدمج بين الاثنين: وأبسط طريقة لفهم هذا الفرق هي التشبيه التالي: يمثل تعلم الآلة «المختبر التشخيصي» الذي يُجري الفحوصات، بينما يمثل الذكاء الاصطناعي التوليدي «الطبيب» الذي يساعد في تفسير النتائج وتحديد الخطوة التالية. لا يستغني أي منهما عن الآخر؛ بل إنهما يتكاملان معاً لإنشاء منظومة أكثر قوة وفعالية.

استخدم نوع الذكاء الاصطناعي المناسب للمهمة

تكتسب هذه التفرقة أهميتها لأن كثيراً من المؤسسات تحاول حالياً إقحام الذكاء الاصطناعي التوليدي في أدوار لم يُصمم أصلاً للقيام بها. فرغم القدرات الهائلة لنماذج اللغة الكبيرة، فإنها ليست أنظمة تنبؤ حتمية (أي لا تعطي نتائج ثابتة ومحددة بدقة رياضية).

إن مطالبة «روبوت محادثة» (chatbot) عمومي الأغراض، باتخاذ قرارات مالية أو تشغيلية مصيرية بشكل مستقل -دون وجود بنية تحتية تحليلية متخصصة تدعمه- تشبه إلى حد ما مطالبة طبيب بتشخيص حالة مريض دون الاستعانة بالمختبرات ولا الفحوصات الطبية ولا قياس المؤشرات الحيوية؛ فالاستدلال الذي يفتقر إلى بيانات موثوقة وراسخة يظل غير جدير بالثقة.

وفي الوقت نفسه، تخلق أنظمة التنبؤ التي تفتقر إلى القابلية للتفسير مشكلة من نوع آخر. ما ألاحظه هو أن المؤسسات باتت قادرة على توليد مخرجات تتسم بدقة متزايدة، ولكنها عصيَّة على الفهم، ولا يفهمها إلا عدد أقل من البشر. وهذا التباين هو ما يشكِّل ملامح المرحلة المقبلة من تبنِّي الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات.

تطبيقات ميدانية متنوعة

على سبيل المثال، في مجال الرعاية الصحية، يمكن لنماذج التنبؤ تحديد المرضى الأكثر عرضة للمخاطر في وقت أبكر، مقارنة بأساليب الفحص التقليدية. ومع ذلك، لا يزال الأطباء بحاجة إلى أنظمة قادرة على تفسير النتائج، وتلخيص الاعتبارات العلاجية، والتواصل بوضوح مع المرضى. وفي مجال المركبات ذاتية القيادة، تعمل إحدى طبقات الذكاء الاصطناعي باستمرار على رصد المسارات والمشاة والمسافات والعوائق لحظة بلحظة، بينما تتولى طبقة أخرى تحديد كيفية استجابة المركبة للظروف المتغيرة.

ويتكرر هذا النمط في كل مكان: ذكاء تنبؤي مقترن بذكاء استنتاجي (قائم على المنطق والتحليل).

الجمع بين التنبؤ والاستنتاج... والتقدير البشري

تُعد عمليات الإقراض من أوضح الأمثلة على ذلك؛ إذ يجب أن تكون عملية التقييم الائتماني حتمية وقابلة للتكرار -بمعنى أن المُدخلات ذاتها يجب أن تُفضي إلى النتيجة والتفسير نفسيهما في كل مرة- وإلا فلن يكون القرار قابلاً للتبرير أمام الجهات الرقابية ولا المقترضين. وهنا تبرز قوة التعلم الآلي، غير أنه لا يوفر وسيلة لاستكشاف دلالات تلك الأرقام ومعانيها.

وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي التوليدي لسد هذه الفجوة؛ فهو يتولى تفسير النتائج في سياقها الصحيح، واختبار سيناريوهات افتراضية بديلة (تحليل «ماذا لو؟») على المحافظ الائتمانية، ومحاكاة تأثير تغيير السياسات على قرارات الموافقة. فبدلاً من الاكتفاء بتقييم القروض، يساعد هذا الذكاء المقرضين على فهم مخرجات الأنظمة التي تتولى عملية التقييم الفعلية. ولا يلغي هذا المزيج دور التقدير البشري؛ بل يعزز قيمته؛ إذ يتيح للبشر تخصيص وقت أقل للتحليل الروتيني، وتكريس وقت أكبر للتعامل مع الحالات الاستثنائية، واتخاذ القرارات الاستراتيجية، وممارسة مهام الرقابة والإشراف.

إن المؤسسات التي تحقق أفضل النتائج هي تلك التي لا تستبدل بالبشر أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ بل تبني أنظمة تتكامل فيها أشكال الذكاء المختلفة: نماذج إحصائية ترصد الأنماط على نطاق واسع، وأنظمة توليدية تحوِّل التعقيد إلى رؤى قابلة للتطبيق، وعنصر بشري يضيف السياق ويقوم بأدوار الرقابة والتقدير.

قدرات التحليل المتقدمة

على مدى عقود، تركزت القدرات التحليلية المتقدمة داخل كبرى المؤسسات العالمية؛ إذ كانت تلك المؤسسات وحدها تمتلك الموارد المالية اللازمة لتوفير البنية التحتية والخبرات المطلوبة لمعالجة المعلومات على نطاق واسع. غير أن الذكاء الاصطناعي بدأ يُغيِّر هذا الواقع؛ فالمنظمات التي ستجني أكبر قدر من الفوائد لن تكون تلك التي تسعى وراء الأتمتة الكاملة؛ بل تلك التي تدمج بين التنبؤ والاستدلال والتقدير البشري، في منظومات عمل تعزز من فاعلية الأفراد.

* الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في شركة «Zest AI»، مجلة «فاست كومباني».