الترويكا الأوروبية «مستعدة» لتحريك إعادة العقوبات الأممية على إيران

وجهت بلاغاً رسمياً للأمم المتحدة ومجلس الأمن

موظف يُشير بيده خلال مغادرة وفد أوروبي القنصلية الإيرانية عقب محادثات نووية بإسطنبول في 25 يوليو 2025 (إ.ب.أ)
موظف يُشير بيده خلال مغادرة وفد أوروبي القنصلية الإيرانية عقب محادثات نووية بإسطنبول في 25 يوليو 2025 (إ.ب.أ)
TT

الترويكا الأوروبية «مستعدة» لتحريك إعادة العقوبات الأممية على إيران

موظف يُشير بيده خلال مغادرة وفد أوروبي القنصلية الإيرانية عقب محادثات نووية بإسطنبول في 25 يوليو 2025 (إ.ب.أ)
موظف يُشير بيده خلال مغادرة وفد أوروبي القنصلية الإيرانية عقب محادثات نووية بإسطنبول في 25 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

وجهت فرنسا وألمانيا وبريطانيا رسالة إلى الأمم المتحدة عبرت فيها عن استعدادها لتفعيل آلية «سناب باك» لإعادة فرض العقوبات على إيران ما لم تعد إلى المفاوضات مع المجتمع الدولي بشأن برنامجها النووي، ولم يتم التوصل إلى حل دبلوماسي لملفها النووي بحلول نهاية أغسطس (آب).

وجاء في الرسالة التي نشرتها وزارة الخارجية الفرنسية أن وزراء خارجية ما تسمى بمجموعة «الترويكا» الأوروبية كتبوا إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ومجلس الأمن، الثلاثاء، للإشارة إلى إمكان «إعادة فرض العقوبات»، ما لم تتخذ إيران إجراء.

وأكدت دول «الترويكا» الأوروبية الثلاث أنها «ملتزمة باستخدام جميع الأدوات الدبلوماسية المتاحة لضمان عدم تطوير إيران سلاحاً نووياً»، ما لم تمتثل طهران للمهلة النهائية.

وكانت صحيفتا «فاينانشال تايمز» و«لوموند» أول ما تحدث عن هذه الرسالة.

وقال الوزراء في الرسالة: «أوضحنا أنه إذا لم تكن إيران مستعدة للتوصل إلى حل دبلوماسي قبل نهاية أغسطس 2025، أو أنها لا تغتنم فرصة التمديد، فإن المجموعة مستعدة لتفعيل آلية إعادة فرض العقوبات»، والتي تعرف بموجب نص الاتفاق النووي «سناب باك»، ويطلق عليها الإيرانيون «آلية الزناد».

وأضافوا أنهم عرضوا على إيران تمديداً محدوداً كي يتسنى إجراء مفاوضات مباشرة بينها وبين الولايات المتحدة، لكن طهران لم ترد حتى الآن على هذا العرض.

اجتماع بين وزراء خارجية الترويكا الأوروبية ونظيرهم الإيراني في جنيف 20 يونيو 2025(أ.ب)

ويأتي تحذير مجموعة «الترويكا» الأوروبية بعد محادثات «جادة وصريحة ومفصلة» مع إيران في إسطنبول، الشهر الماضي، وهو أول اجتماع مباشر منذ الضربات الجوية الإسرائيلية والأميركية على مواقع نووية إيرانية في يونيو (حزيران).

وبموجب الاتفاق، الذي تنقضي مهلته في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، يمكن لأي طرف إعادة فرض العقوبات. وكثّفت الدول الثلاث تحذيراتها لإيران على خلفية تعليقها التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وجاء التصعيد بعدما شنت إسرائيل حرباً استمرت 12 يوماً مع إيران في يونيو، استهدفت خلالها منشآت نووية وعسكرية إيرانية، فيما نفذت الولايات المتحدة ضربات على مواقع نووية في إيران.

وقال وزراء الخارجية: الألماني يوهان فادفول، والفرنسي جان نويل بارو، والبريطاني ديفيد لامي: «أوضحنا أنه ما لم ترغب إيران في التوصل إلى حل دبلوماسي قبل نهاية أغسطس 2025، أو لم تغتنم فرصة التمديد، فإن مجموعة الدول الأوروبية الثلاث مستعدة لتفعيل آلية (سناب باك)» حسبما أوردت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ووقّعت الدول الثلاث، إلى جانب الولايات المتحدة والصين وروسيا، عام 2015، الاتفاق المعروف باسم «خطة العمل الشاملة المشتركة»، الذي نص على فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني للحد من تخصيب اليورانيوم الذي يمكن استخدامه في تطوير سلاح نووي، مقابل رفع العقوبات الدولية تدريجياً عن طهران.

وفي عام 2018، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب انسحاب بلاده من الاتفاق، وأمر بفرض عقوبات جديدة على إيران. أما الدول الأوروبية فأكدت التزامها بالاتفاق، لكن رسالتها الأخيرة أشارت إلى خروقات إيرانية، بينها تخزين كميات من اليورانيوم المخصب تتجاوز بأكثر من 40 مرة الحد المسموح به بموجب اتفاق 2015.

وأضاف الوزراء في الرسالة، التي كانت صحيفة «فايننشال تايمز» أول ما كشف عنها: «نحن على استعداد، ولدينا أسس قانونية لا لبس فيها، للإبلاغ عن عدم امتثال إيران الكبير لخطة العمل الشاملة المشتركة، وبالتالي تفعيل آلية الزناد، ما لم يتم التوصل إلى حل مرضٍ بحلول نهاية أغسطس 2025».

نهاية التعاون

وسبق أن باشرت الولايات المتحدة اتصالاتها مع إيران التي تنفي السعي لتطوير سلاح نووية، بشأن أنشطتها النووية. لكن المباحثات توقفت مع بدء القصف الإسرائيلي على إيران.

وحتى قبل الضربات، أعربت قوى دولية عن مخاوفها حيال القيود التي فرضتها طهران على عمل مفتّشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وجرت مباحثات، في وقت سابق من هذا الأسبوع، بين مسؤول إدارة الضمانات في الوكالة الدولية ونائب المدير العام، ماسيمو أبارو، الذي زار طهران، الاثنين، لساعات محدودة.

وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أعلن، الأحد، أن المباحثات تقتصر على بحث إطار جديد للتعاون. ولم تتضح بعد ما إذا تمكن الطرفان من إحراز تقدم، كما لم تنشر هوية المسؤولين الذين قابلهم أبارو خلال زيارته الخاطفة.

وقلل عراقجي من قدرة «الترويكا» الأوروبية على تفعيل آلية «سناب باك». وقال: «الأوروبيون لم يعودوا مشاركين في الاتفاق النووي من وجهة نظرنا». وأضاف: «موقفنا لا يزال واضحاً؛ فمن وجهة نظرنا، آلية (سناب باك) للعودة السريعة إلى العقوبات الأممية ليست مطروحة، وأوروبا غير قادرة على اتخاذ مثل هذا الإجراء».

وكرر عراقجي تفسيره الذي أشار إليه، الأسبوع الماضي، لأول مرة، قائلاً إن «الأوروبيين، نظراً للمواقف التي اتخذوها، لم يعودوا يُعدّون مشاركين في الاتفاق النووي من وجهة نظرنا. بالطبع، هناك مناقشات فنية وقانونية بهذا الشأن، التي يتواصل زملائي معهم بشأنها».

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية من لقاء عراقجي ونائب وزير الخارجية النرويجي أندرياس موتزفلت كرافيك في طهران 5 أغسطس الحالي

والشهر الماضي، بعث عراقجي رسالة إلى الأمم المتحدة، قال فيها إن مجموعة الدول الأوروبية الثلاث لا تملك الشرعية لإعادة تفعيل آلية العقوبات. ورداً على ذلك، كتب الوزراء الثلاثة في رسالتهم التي بعثوها، الثلاثاء، أن «لا أساس» لمزاعم عراقجي.

وشددوا على أنهم، بوصفهم موقّعين على الاتفاق، سيكون «استخدامهم البنود ذات الصلة (في قرارات الأمم المتحدة) مبرراً قانونياً بشكل واضح ولا لبس فيه لتفعيل آلية (سناب باك) لإعادة فرض قرارات مجلس الأمن الدولي الصادرة بحق إيران التي تحظر عليها التخصيب، وتعيد فرض عقوبات الأمم المتحدة».

في وقت سابق من هذا الأسبوع، وصف نائب وزير الخارجية الإيراني مجيد تخت روانجي، إن الموعد النهائي الذي حددته القوى الأوروبية بأنه «أحادي»، لكنه قال إن طهران مستعدة لمواصلة المحادثات مع القوى الأوروبية.

وشدد تخت روانجي، في مقابلة مع وكالة «كيودو» اليابانية، على أن البرنامج النووي الإيراني «سيظل سلمياً»، وأن طهران مستعدة للتعاون مع الوكالة الذرية لضمان عمليات تفتيش آمنة وشفافة، بما في ذلك في المنشآت التي تضررت مؤخراً، وذلك وفقاً لتوجيهات جديدة سيتم الاتفاق عليها مع الوكالة التابعة للأمم المتحدة.

وقال تخت روانجي، في المقابلة التي أجراها السبت ونشرت الاثنين، إن طهران مستعدة لقبول بعض القيود على برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية، لكن وقف تخصيب اليورانيوم بالكامل «غير قابل للتفاوض».

وقال تخت روانجي: «يمكن لإيران أن تكون مرنة بشأن قدرات وحدود التخصيب، لكنها لا يمكن أن توافق على وقفه تحت أي ظرف لأنه أمر أساسي، وعلينا أن نعتمد على أنفسنا لا على وعود فارغة». وأضاف: «الأمر بسيط وواضح: إذا أصرت الولايات المتحدة على التخصيب الصفري، فلن يكون هناك اتفاق».

وقال أيضاً: «لكي تستمر المفاوضات، يجب على واشنطن أن تضمن أنها لن تهاجم إيران مرة أخرى إذا استؤنفت المحادثات». وصرح: «على الولايات المتحدة أن توضح ما إذا كانت مهتمة فعلاً بحوار يحقق مكاسب للطرفين أم بفرض إرادتها».

وقال منوشهر متكي، العضو في البرلمان الإيراني الذي شغل منصب وزير الخارجية في الفترة بين عامي 2005 و2010، إن البرلمان «مستعد للانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي» إذا أعادت الدول الأوروبية الثلاث فرض العقوبات الدولية وقامت بتفعيل آلية «إعادة فرض العقوبات».

وقال متكي لوكالة «دفاع برس»، التابعة لوزارة الدفاع، إن البرلمان سيقر مشروع قانون للانسحاب من الاتفاق النووي لعام 2015 في غضون 24 ساعة حال تفعيل مجموعة «الترويكا» الأوروبية لآلية «إعادة فرض العقوبات».

وخلال حربها مع إسرائيل، قالت طهران إن نوابها يعدون مشروع قانون ربما يدفعها إلى الانسحاب من المعاهدة، التي صادقت عليها عام 1970. وتكفل هذه المعاهدة حق الدول في الحصول على الطاقة النووية للأغراض المدنية مقابل إلزامها بالتخلي عن الأسلحة النووية والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة.


مقالات ذات صلة

لوفتهانزا تعلن تجنّب المجال الجوي لإيران والعراق «حتّى إشعار آخر»

أوروبا طائرات تابعة لخطوط «لوفتهانزا» الألمانية (د.ب.أ)

لوفتهانزا تعلن تجنّب المجال الجوي لإيران والعراق «حتّى إشعار آخر»

أعلنت شركة الطيران الألمانية «لوفتهانزا» الأربعاء أن الطائرات التابعة لفروعها ستتجنّب المجال الجوّي في إيران والعراق «حتّى إشعار آخر».

«الشرق الأوسط» (برلين)
شؤون إقليمية أورسولا فون دير لاين إلى جانب رئيسة حكومة آيرلندا كريسترون فروستدوتير في بروسك (إ.ب.أ)

الأوروبيون متمسكون برفض «التغيير بالقوة» في إيران

إجراءات الأوروبيين إزاء إيران محدودة وأشدها فرض عقوبات إضافية ويتمسكون برفض تغيير النظام الإيراني بتدخل خارجي كما يتخوفون من ضرب استقرار المنطقة في حال حصوله.

ميشال أبونجم (باريس)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال جلسة أسئلة موجهة إلى الحكومة في الجمعية الوطنية بباريس 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وزير خارجية فرنسا: ندرس إمكانية إرسال وحدات «يوتلسات» للإنترنت إلى إيران

​قال وزير الخارجية الفرنسي، الأربعاء، إن باريس تدرس إمكانية ‌المساعدة ‌في ‌توفير خدمات ⁠الإنترنت ​بإيران ‌من خلال إرسال وحدات استقبال من شركة «يوتلسات».

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية جانب من الاحتجاجات في إيران (أ.ب)

تركيا تكثف مساعيها لتهدئة التوتر في إيران وإبعاد خطر التدخل الخارجي

عبّرت تركيا عن قلقها إزاء الوضع في إيران وأكدت ضرورة إجراء حوار من أجل تخفيف التوترات في المنطقة وسط مخاوف من تدخلات خارجية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد إيرانيون يمرون أمام أحد فروع بنك «آينده» عام 2017 (أ.ف.ب)

سقوط «آينده»... كيف فجَّرت إمبراطورية الظل المالية بركان الغضب في إيران؟

لم تكن الشرارة التي أشعلت فتيل الاضطرابات الأخيرة في إيران ناتجة من مطالب سياسية تقليدية أو صدام آيديولوجي فحسب، بل بدأت من داخل النظام المصرفي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

إيران تغلق مؤقتا مجالها الجوي أمام معظم الرحلات 

طائرتان تابعتان للخطوط الجوية الإيرانية في مطار الخميني الدولي جنوب طهران (أرشيفية - ميزان)
طائرتان تابعتان للخطوط الجوية الإيرانية في مطار الخميني الدولي جنوب طهران (أرشيفية - ميزان)
TT

إيران تغلق مؤقتا مجالها الجوي أمام معظم الرحلات 

طائرتان تابعتان للخطوط الجوية الإيرانية في مطار الخميني الدولي جنوب طهران (أرشيفية - ميزان)
طائرتان تابعتان للخطوط الجوية الإيرانية في مطار الخميني الدولي جنوب طهران (أرشيفية - ميزان)

أفاد إشعار على موقع إدارة الطيران الاتحادية بأن إيران أغلقت مجالها الجوي مؤقتا أمام ​جميع الرحلات الجوية باستثناء الرحلات الدولية منها وإليها بتصريح رسمي اعتبارا من الساعة 2215 بتوقيت غرينتش أمس الأربعاء.

وذكر الإشعار أنه من المقرر أن يستمر الإغلاق لأكثر من ساعتين حتى 0030 بتوقيت غرينتش، مع احتمال تمديده. وقال مسؤول أمريكي أمس الأربعاء إن الولايات المتحدة تسحب بعض الأفراد من قواعدها في الشرق الأوسط، ‌وذلك بعد أن ‌قال مسؤول إيراني كبير إن ‌طهران ⁠حذرت ​جيرانها من ‌أنها ستستهدف القواعد الأميركية إذا تعرضت إيران لقصف أميركي.

ويمثل إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة بأعداد متزايدة في مناطق النزاع خطرا كبيرا على حركة الطيران. وقالت إنديغو، أكبر شركة طيران هندية، إن بعض رحلاتها الدولية ستتأثر بالإغلاق المفاجئ للمجال الجوي الإيراني. وعادت إلى موسكو رحلة تابعة لشركة إيروفلوت ⁠الروسية كانت متجهة إلى طهران بعد الإغلاق، وفقا لبيانات موقع فلايت ‌رادار24.

وأصدرت ألمانيا أمس الأربعاء توجيهات جديدة ‍تحذر فيها شركات الطيران في ‍البلاد من دخول المجال الجوي الإيراني، وذلك ‍بعد فترة وجيزة من قيام شركة لوفتهانزا بإعادة جدولة رحلاتها الجوية عبر الشرق الأوسط وسط تصاعد التوتر في المنطقة.

وتحظر الولايات المتحدة بالفعل على جميع الرحلات الجوية التجارية الأميركية التحليق فوق ​إيران ولا توجد رحلات جوية مباشرة بين البلدين.

وألغت شركات الطيران مثل فلاي دبي والخطوط الجوية ⁠التركية عددا من الرحلات الجوية إلى إيران في الأسبوع الماضي. وقالت لوفتهانزا أمس الأربعاء إنها ستتجنب التحليق في المجالين الجويين الإيراني والعراقي حتى إشعار آخر بينما ستسير رحلات نهارية فقط إلى تل أبيب وعمان من الأربعاء حتى الاثنين من الأسبوع المقبل حتى لا تضطر أطقم الطائرات إلى المبيت في المطارات. وأضافت في بيان أن بعض الرحلات قد تُلغى نتيجة لهذه الإجراءات.

وقالت شركة الطيران الإيطالية إيتا إيروايز، التي تعد مجموعة لوفتهانزا أحد المساهمين ‌الرئيسيين فيها، إنها ستعلق أيضا رحلاتها الليلية إلى تل أبيب حتى يوم الثلاثاء من الأسبوع المقبل.


الجيش الإسرائيلي يرفع جهوزيته استعداداً لـ«كل السيناريوهات»

عناصر من القوات الخاصة بالبحرية الإسرائيلية خلال تدريبات مشتركة مع قوات أميركية (الجيش الإسرائيلي)
عناصر من القوات الخاصة بالبحرية الإسرائيلية خلال تدريبات مشتركة مع قوات أميركية (الجيش الإسرائيلي)
TT

الجيش الإسرائيلي يرفع جهوزيته استعداداً لـ«كل السيناريوهات»

عناصر من القوات الخاصة بالبحرية الإسرائيلية خلال تدريبات مشتركة مع قوات أميركية (الجيش الإسرائيلي)
عناصر من القوات الخاصة بالبحرية الإسرائيلية خلال تدريبات مشتركة مع قوات أميركية (الجيش الإسرائيلي)

على رغم أن تقديرات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تشير إلى أن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، يتجه إلى تنفيذ ضربة عسكرية محدودة ضد إيران، هدفها دفع النظام في طهران إلى طاولة المفاوضات، وليس تغيير النظام لصالح الاحتجاجات الشعبية الضخمة، وبالتالي ستتردد إيران كثيراً وقد تلجم نفسها وتمتنع عن الرد بضرب إسرائيل؛ فإن الأجواء في تل أبيب متوترة وتخيم عليها حالة من الحيرة والتلبك.

وبحسب ما أوردته هيئة البث العام الإسرائيلية (كان 11)، الأربعاء، فإن الاجتماع الذي عقده «الكابينت» (المجلس الوزاري المصغر الشؤون السياسية والأمنية في الحكومة)، برئاسة بنيامين نتنياهو، مساء الثلاثاء، تداول في مختلف السيناريوهات، ولكنه لم يستقر على سيناريو محدد حول حجم الأزمة.

ضبابية الأميركيين

ونقل عن مصدر رفيع قوله إن الأميركيين يحافظون على السر ولا يكشفون نواياهم بشكل دقيق. ويتركون الأمور ضبابية بشكل متعمد. ولذلك فإن على إسرائيل أن تكون متيقظة وعلى أهبة الاستعداد لمواجهة أخطر السيناريوهات.

وقالت القناة إن أجهزة الأمن الإسرائيلية قدمت للقيادة السياسية، صورة عن الوضع في إيران قالت فيها إن هناك ما لا يقل عن 4 آلاف مدني قتلوا حتى الآن في الاحتجاجات داخل إيران، مع تقدير بأن العدد الحقيقي قد يكون أعلى. وترى إسرائيل، بحسب التقرير، أن «مستوى العنف المرتفع المستخدم من قبل السلطات الإيرانية يُعد مؤشراً على قلق النظام من اهتزاز استقراره الداخلي»، في ظل اتساع رقعة الاحتجاجات وغياب قيادة مركزية لها.

ومن هنا جاء الاستنتاج بأن «أميركا ستضرب حتماً، في حال لم يتخل القائد الإيراني عن غطرسته ويلجم نفسه ويوقف البطش». لكن المصدر الذي اعتمدته القناة أكد أن الضربة الأميركية لن تكون عملية حربية ضخمة لكنها ستكون موجعة. وهنا يسأل السؤال حول طبيعة الرد الإيراني، وهل سيكون بمثابة كسر للقوالب والدخول في صدامات إقليمية مع الجميع، أم سيتحكم العقل ويتجهون لتحقيق المطلب الأميركي الأساسي، وهو العودة إلى مفاوضات الاتفاق النووي بطريقة إيجابية؟!

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرأس اجتماع الكابينت الإسرائيلي في يناير 2025 (د.ب.أ)

رفع حالة التأهب

أما «القناة 12» الإسرائيلية، فشددت على أن أجهزة الأمن، وعلى رغم أنها «لن تفاجأ في حال وقوع ضربة إذا امتنعت طهران عن الرد بضرب إسرائيل»، فقد قررت رفع حالة التأهّب الأمني إلى المستوى الأقصى، خلال الساعات الأخيرة. وأكدت أن من يقرأ جيداً تصريحات ترمب بشأن إيران، ويطلع على الحراك الأميركي، يدرك أن الضربة الأميركية لا بد منها، وباتت أقرب من أي وقت مضى.

ونقلت عن وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، قوله في اجتماع مغلق، أن الولايات المتحدة قد تتحرك في المرحلة الأولى عبر وسائل غير عسكرية، من دون تنفيذ ضربة عسكرية «صاخبة وعلنية»، كما أن السؤال المطروح حالياً لم يعد «هل» ستتحرك الولايات المتحدة عسكرياً، بل «متى».

توقعات الرد الإيراني

وفي هذا الإطار، أفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي بأنه، و«ضمن حدود ما تسمح الرقابة العسكرية بنشره في هذه المرحلة»، فإن الجيش الإسرائيلي رفع من مستوى جاهزيته تحسباً لسيناريوهات تصعيد محتملة مع إيران، مشيرة إلى أن حالة التأهّب رُفعت في عدة تشكيلات عسكرية للتعامل مع سيناريوهات مختلفة. وقال مسؤول أمني إسرائيلي رفيع: «الرد الإيراني سيتحدد وفق طبيعة وحجم العملية الأميركية. فقد لا تؤدي عملية محدودة بالضرورة إلى رد ضد إسرائيل، لكن عملية واسعة قد تفرض رداً، ونحن مستعدون لذلك دفاعياً وهجومياً».

وأشار التقرير إلى أن الاستعدادات الإسرائيلية لا تقتصر على الجبهة الداخلية، بل تشمل أيضاً رفع مستوى الجهوزية في البعثات الدبلوماسية والمصالح الإسرائيلية حول العالم، خشية استهداف سفارات أو جاليات يهودية في حال التصعيد.

فتح الملاجئ

وكشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن العديد من البلديات الإسرائيلية، بالتنسيق مع الجبهة الداخلية، قررت فتح الملاجئ لحماية المواطنين من أي هجوم إيراني، وبينها بلدية ديمونة، التي يقع المفاعل النووي ضمن منطقة نفوذها. وأكدت أن الجيش أعد بطاريات القبة الحديدية وغيرها من وسائل الدفاع الجوي لتكون في أعلى جاهزية.

وأفادت القناة 13 بأن المنظومة الأمنية الإسرائيلية تُجري تنسيقاً وثيقاً مع الإدارة الأميركية خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، في ظل متابعة حثيثة للسيناريوهات المطروحة.

وأكدت القناة أن تقديرات الأجهزة الأمنية تميل إلى أن الاحتجاجات في إيران «تمتلك إمكانات غير مسبوقة قد تؤدي إلى زعزعة، بل وربما إسقاط، النظام الإيراني»، ولذلك فإن احتمال أن تقوم القيادة الإيرانية بتوجيه ضربات يائسة وارد. وقالت إنه بحسب المعطيات التي عُرضت على الوزراء في «الكابينت»، فإن 500 عنصر من أجهزة النظام الإيراني قتلوا خلال المواجهات مع المتظاهرين، ما يُعد «مؤشراً على تمرد واسع» يتجاوز ما شهدته موجات احتجاج سابقة.


الأوروبيون متمسكون برفض «التغيير بالقوة» في إيران

أورسولا فون دير لاين إلى جانب رئيسة حكومة آيرلندا كريسترون فروستدوتير في بروسك (إ.ب.أ)
أورسولا فون دير لاين إلى جانب رئيسة حكومة آيرلندا كريسترون فروستدوتير في بروسك (إ.ب.أ)
TT

الأوروبيون متمسكون برفض «التغيير بالقوة» في إيران

أورسولا فون دير لاين إلى جانب رئيسة حكومة آيرلندا كريسترون فروستدوتير في بروسك (إ.ب.أ)
أورسولا فون دير لاين إلى جانب رئيسة حكومة آيرلندا كريسترون فروستدوتير في بروسك (إ.ب.أ)

تجد الدول الأوروبية نفسها عاجزة عن التأثير في الأحداث الدامية التي تعيشها إيران في أسبوعها الثالث. وحتى اليوم، اكتفى الاتحاد الأوروبي على مستوى المجموعة والأعضاء فرادى، بالتنديد بما يحصل في شوارع المدن الإيرانية من قمع وعنف وقتل، فيما الأرقام متضاربة إزاء أعداد الضحايا.

جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي، وصف صباح الأربعاء، في حديث لإذاعة «آر تي إل» ما يحصل بأنه «القمع الأكثر عنفاً في التاريخ المعاصر لإيران، ويجب أن يتوقف حتماً». ولكن لا يبدو أن باريس ستذهب أبعد من استدعاء السفير الإيراني لإيصال رسالة إلى السلطات الإيرانية لوضع حد لعنفها «على نحو حتمي».

ميرتس: النظام الإيراني ينهار

ما قامت به باريس فعلت مثله غالبية العواصم الأوروبية مثل برلين ولندن ومدريد وبرشلونة ولاهاي وبروكسيل، وكذلك المفوضية الأوروبية بلسان رئيستها أورسولا فون دير لاين، ومسؤولة السياسة الخارجية كايا كالاس. بيد أن فون دير لاين أضافت، في تغريدة على منصة «إكس»، أنها «سوف تقترح فرض عقوبات إضافية على المسؤولين عن عمليات القمع على وجه السرعة». وبما أن الأوروبيين يحملون «الحرس الثوري» مسؤولية القمع، فإن أصواتاً عديدة تطالب بوضعه على لائحة الإرهاب الأوروبية. لكن المسؤولة الأوروبية ردت، الثلاثاء، بأنه «ليست هناك أسس قانونية» تتيح مثل هذا التدبير مع تذكيرها بأن الاتحاد سبق له أن جمّد أصول «الحرس الثوري» وحظر منح تأشيرات سفر لعناصره على خلفية انتهاك حقوق الإنسان. وكانت فون دير لاين قد كتبت في تغريدة سابقة أن «أوروبا تقف بالكامل إلى جانب المتظاهرين المطالبين بالحرية». ومن جانبه، لم يتأخر البرلمان الأوروبي في إصدار قرار يمنع ممثلي إيران الرسميين من الولوج إلى مقره.

ما ينوي الاتحاد القيام به يتطابق مع خطط بريطانيا التي أعلنت وزيرة خارجيتها، إيفيت كوبر، الثلاثاء، أن لندن ستُقدم اقتراح قانون لـ«فرض عقوبات شاملة وإضافية» على إيران مع «استهداف قطاعات المال والطاقة والنقل وغيرها من الصناعات الرئيسية التي تُساهم في تعزيز برنامج طهران النووي». وحسب كوبر، فإن لندن «ستعمل بشكل أوثق مع الاتحاد الأوروبي وشركاء آخرين لدرس تدابير إضافية». أما ألمانيا، فإنها، وفق وزارة الخارجية، عازمة على تقليص حجم تجارتها مع إيران في إطار الضغط على سلطات طهران.

بيد أن المستشار الألماني فريدريتش ميرتس كان الأكثر عنفاً في تناوله الملف الإيراني إذ اعتبر، الثلاثاء، في تصريح خلال زيارته للهند أن النظام الإيراني «لا يستطيع البقاء في السلطة إلا من خلال العنف، وإنه عملياً في نهايته»، مضيفاً: «أعتقد أننا نشهد الآن بالفعل الأيام والأسابيع الأخيرة لهذا النظام». واتهم النظام بأنه «فاقد للشرعية»، كاشفاً عن أن وزراء خارجية ألمانيا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة «على اتصال وثيق لضمان حدوث انتقال سلمي في إيران إلى حكومة ديمقراطية شرعية».

متظاهرون أمام السفارة الفرنسية في طهران يحملون صوراً لمواطنتهم مهدية أسفندياري التي تحاكم في باريس بتهم الإرهاب (أ.ف.ب)

لماذا المواقف المتساهلة

كثيرة هي التساؤلات حول «ميوعة» ردود الفعل الأوروبية على ما يحصل في إيران. فالتوصيف بالغ التشدد لكن الأفعال يرى كثيرون أن الأوروبيين على مستوى المسؤولية. وطالب نواب في البرلمان الأوروبي، ومنهم الفرنسي رافاييل كلوكسمان، المفوضية باتخاذ تدابير جذرية من غير الذهاب إلى حد المطالبة بالتدخل العسكري. ودعا برلمانيون إلى وقف كل المعاملات التجارية مع إيران وفرض عزلة دبلوماسية على طهران بما في ذلك قطع العلاقات الدبلوماسية، وتجميد أصول مسؤوليها، ومنعهم من الدخول إلى أوروبا، فضلاً عن المطالبة بتحقيق دولي محايد. وباختصار بعدم الاكتفاء بالتنديد والتصريح. وأكثر من جهة شددت على أن الاتحاد الأوروبي يمكن أن يمثل قوة ذات تأثير، وعليه استخدامها لوضع حد لما يجري في إيران.

ترد مصادر أوروبية في باريس بتأكيد أن الأوروبيين «يقومون بما هم قادرون عليه»، وهم ينطلقون من مبدأين: الأول، رفض اللجوء إلى القوة في العلاقات الدولية. والثاني، اعتبارهم أن تغيير الأنظمة السياسية مسألة داخلية ولا يمكن أن يتم بواسطة تدخلات خارجية.

وتشير هذه المصادر إلى التجارب الفاشلة التي حصلت في أفغانستان والعراق وليبيا التي تبين كلها «عبث فرض تغيير الأنظمة» بواسطة التدخلات العسكرية، في إشارة واضحة لنوايا أميركية. وقال برتراند بيزانسينو، السفير الفرنسي السابق في منطقة الخليج لـ«الشرق الأوسط»، إن الأوروبيين «يدركون محدودية الدور الذي يمكن أن يلعبوه. العقوبات استنفدوها مع تفعيل آلية الزناد (سناب باك) في مجلس الأمن، كما أن إيران غير آبهة بما يقومون به، وما يهمها إيجاد وسيلة لكسب الوقت لتهدئة الرئيس ترمب والتوصل معه إلى تفاهم يضمن بقاء النظام».

كذلك يتخوف الأوروبيون من «فراغ اليوم التالي» في إيران في حال سقوط النظام وغياب وجه معارض يفرض نفسه، ومن انعدام التنسيق داخل الحركة الاحتجاجية. كذلك يرون أن «أي تصعيد يمكن أن يضرب استقرار المنطقة (الشرق الأوسط) المهزوزة أصلاً». وتتطابق الرؤية الأوروبية مع المخاوف الخليجية من تصعيد عسكري في المنطقة وفق ما صدر عن عدة مسؤولين خليجيين. وقال الناطق باسم الخارجية الفرنسية بعد ظهر أمس، إن إحدى أولويات باريس «التحضر لكل الاحتمالات الممكنة ومنها التدخلات الخارجية (في إيران) وتجنب التصعيد الإقليمي الذي لا نريده». وكانت هذه النقطة بالذات من ضمن الرسائل التي أوصلها وزير الخارجية بارو إلى نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر بالتأكيد على ضرورة تجنب التصعيد.

رئيس الحكومة الفرنسية سيباستيان لوكورنو متحدثاً إلى النواب في البرلمان (إ.ب.أ)

فرنسا و«الحذر البالغ»

يعي الجميع أن الاتحاد الأوروبي يتكون من 27 دولة يصعب غالباً التوفيق بينها بخصوص السياسة الخارجية حيث تسعى كل منها للمحافظة على مصالحها. وفي الوقت الراهن، تبدو باريس الأكثر تراجعاً. ورداً على من يتهم الحكومة بـ«الحذر البالغ» قال رئيسها، سيباستيان لو كورنو، في كلمة أمام البرلمان، الاثنين، إن ما يهم باريس هو «الوضع الهش والمقلق للغاية» لسيسيل كوهلر وجاك باريس، المحتجزَين منذ أكثر من ثلاث سنوات، تحت الإقامة الجبرية في السفارة الفرنسية بطهران، مضيفاً أن «الجمهورية الفرنسية تقف إلى جانب الشعب الإيراني». وبنظره، فإن الحذر «يفضي أيضاً إلى عدم إغفال الأساس، أي المحافظة على قيمنا (...) وحماية الشعب الفرنسي أينما كان، بما في ذلك الجالية الفرنسية في إيران، وحماية مصالح فرنسا في المنطقة». وتجدر الإشارة إلى المحاكمة الجارية حالياً في باريس للإيرانية مهدية أسفندياري المتهمة بتمجيد الإرهاب، التي تريد طهران مقايضتها بكوهلر وباريس.

وكان اتصال هاتفي آخر قد حصل بين بارو ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بعد الانتقادات الأوروبية لأداء السلطات الإيرانية مع المتظاهرين. وكتب الأخير في منشور عبر تطبيق «تلغرام»، الأربعاء، أنه خلال المكالمة الهاتفية مساء أمس الثلاثاء، ناقش مع نظيره الفرنسي «الأحداث» الأخيرة في بلاده.