السياب العاشق بين توهج الروح وعماء الجسد

النساء اللواتي خذلنه كن يخبئن دواوينه تحت وسائدهن

تمثال السياب في البصرة
تمثال السياب في البصرة
TT

السياب العاشق بين توهج الروح وعماء الجسد

تمثال السياب في البصرة
تمثال السياب في البصرة

قد تكون علاقة الشاعر العراقي بدر شاكر السياب بالمرأة والحب واحدةً من أكثر العلاقات الإنسانية صلةً بالمرارة والخيبة، والشغف المجهض بالآخر المعشوق. والواقع أن نظرةً متأنيةً إلى سيرة السياب ونتاجه الشعري لا بد أن تقودنا إلى الاستنتاج بأن ما وسم حياته العاطفية بطابع التعقيد والاختلال كان يعود إلى تكوينه الريفي الرومانسي، وإلى يتمه المبكر وافتقاره إلى الحنان الأمومي. إضافة إلى عوامل أخرى بينها افتقاره للوسامة، والتعارض القائم بين إحساسه المرير برفض النساء له، والأنا المزهوة بمكانتها العالية على المستوى الإبداعي.

على أن القارئ المتعمق في تجربة السياب العاطفية لا بد له أن يلاحظ نوعاً من التشابك الضدي الذي يحكم علاقته بالمرأة، ويتوزع بين وجهين للأنوثة، أحدهما شهواني والآخر طهراني. فبموازاة القصائد الرومانسية المبكرة التي تقدم صورة للمرأة ناضحة بالنقاء الأمومي والبراءة البتولية، ثمة نصوص أخرى تظهرها في صورة المكر والمخاتلة والفساد الروحي، وصولاً إلى الفسق والبغاء والمتاجرة بالجسد. وقد ظهر التشابك بين الرؤيتين على نحو واضح في الملحمة الطويلة «بين الروح والجسد»، التي اتخذت شكل حوار شائك بين شاعر الروح وشاعر الشهوة.

كما أن ثنائية الجسدي والروحي تجد تعبيراتها وظلالها المختلفة عبر توزع السياب الصعب بين القرية والمدينة، وهو الذي رأى في الأولى حنينه الأبدي إلى مساقط الإلهام والبراءة الأمومية، في حين أنه رأى في الثانية مكاناً لتزييف القيم وقتل البراءة الإنسانية. وقد انشطرت صور المرأة ووجوهها لدى صاحب «أنشودة المطر»، بين الملامح الطيفية لنساء ريفيات مستبعدات الجسد ورهينات الأحلام، ونساء مدينيات منزوعات الروح، ومصنوعات من اللحم الخالص.

الأرجح أن تصورات الشاعر الرومانسية عن المرأة قد ضاعف من منسوبها الجمال الفريد لقريته الصغيرة جيكور، كما لمنطقة أبي الخصيب الواقعة في جنوب العراق، والمظللة بأعداد لا تُحصى من أشجار النخيل. إضافة إلى الرغبة الدفينة واللاواعية في تحويل الحبيبة المنشودة إلى نسخة معدلة عن الأم الغائبة، بكل ما تجسده من حنان بالغ ومثالية أخلاقية.

ومع ذلك، فإذا كان بالأمر اليسير العثور على ما يؤكد لوعة السياب وصدقه البالغ في حبه للمرأة، فإن من الصعوبة بمكان الوقوف على نموذج لهذا الحب، مكتمل الصفات وواضح المعالم. فنحن نجد أنفسنا إزاء عشرات القصائد والمقطوعات التي خص بها الشاعر حبيبات كثيرات تراءى له أنه وقع في غرامهن، في حين أنهن يظهرن من خلال شعره أقرب إلى «قصاصات» معشوقات متداخلات الوجوه والأطياف والأسماء.

وفي تقديمه المطول لديوان السياب، يعدد ناجي علوش بعضاً من أسماء الفتيات اللواتي تعلق بهن الشاعر في مطالع شبابه، ولم يظفر منهن بغير المخاتلة والإشفاق والكلام المعسول. وإذ نتعرف من بين تلك الأسماء إلى لميا ولميعة ولبيبة ووفيقة، فالملاحظ أن الأخيرة احتلت منزلة استثنائية في قلب السياب، وهو الذي حوّل شباك منزلها المجاور لمنزله، إلى شباك كوني لتبادل النظرات بين عشاق الأرض بأسرها. حتى إذا قضت الفتاة نحبها إثر مرض داهم، ظلت أطيافها الزفافية المتجولة في حدائق الموت، تطارد الشاعر في حله وترحاله، فكتب في أوج حنينه إليها:

لوفيقة

في ظلام العالم السفليّ حقلُ

فيه مما يزرع الموتى حديقة

يلتقي في جوها صبحٌ وليلُ

وخيالٌ وحقيقة

أما لميعة التي التقى بها السياب في دار المعلمين العليا في بغداد، وكتب لها العديد من القصائد، فلم تكن سوى الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، ذات الجمال اللافت والحضور الجريء. ومع أن لميعة أقرت بإعجابها ببدر وملاطفتها له، فإنها اعترفت بأن ما جمعها بالشاعر ظل محصوراً في نطاق الشعر والثقافة والأدب. وهي إذ أكدت على عدم مبادلتها الشاعر الأحاسيس نفسها والحب إياه، لم تنكر حرصها كأنثى على أن تكون عروسة أحلامه وملهمته الأثيرة. ويبدو أنها نجحت في ذلك، بدليل رسوخها في قلبه وذكره لها بالاسم في قوله:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ليلٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديك ترتجفان من فرَقٍ ومن بردِ

تنزُّ به صحارى للفراق تسوطها الأنواءْ

وحيث بدت إقبال من ناحيتها أشبه بحبل النجاة الأخير الذي مُدّ للسياب في أوج وحشته ومعاناته العاطفية، فقد كانت مسارعته إلى الزواج منها نوعاً من التعبير الملموس عن خشيته من تبديل رأيها بشأنه، وتنضم إلى كوكبة نسائه المفقودات. والأدل على ذلك قوله:

وما من عادتي نكران ماضيّ الذي كانا

ولكنْ، كلّ من أحببتُ قبلكِ ما أحبوني

ولا عطفوا عليّ، عشقتُ سبعاً كنّ أحيانا

ترفُّ شعورهنّ عليّ، تحملني إلى الصينِ

أما الوجه الآخر للمرأة عند السياب، فقد ولد من أحشاء التضافر الرمزي بين صورة المدينة الموبوءة، والأنوثة المجردة من الروح. فهو إذ رأى بغداد في صورة عامورة الجديدة والكابوس والمبغى الكبير، كادت نماذجه الأنثوية المدينية أن تقتصر على صور النساء الشهوانيات والمومسات وفتيات المواخير.

ولعل في بعض نصوص السياب ما يشير إلى فشله في إقامة علاقات جسدية تُذكر مع حبيباته «البخيلات»، واقتصار هذه العلاقات على بائعات الهوى السخيات بالعطاء، الأمر الذي يظهره قوله عن إحداهن «ضممتُ منها جثة بيضاءَ، تكفنتْ من داخلٍ، وقبرها في جوفها تناءى».

ومع أن مثل هذه النصوص تستند إلى تجربة بدر القاسية مع المرأة فهي قد كُتبت، بتأثير واضح من التجارب المماثلة لبودلير وإلياس أبو شبكة وآخرين. وإذ تعكس مطولة بدر الشهيرة «المومس العمياء» ما يتصل بانتمائه الآيديولوجي الماركسي، وهو الذي عدَّ بائعات الهوى مجرد ضحايا بائسات لمجتمعات القهر والإفقار وغياب العدالة، فإن في القصيدة ملامسة واضحة لمكبوتات الشاعر ومعاناته وهواماته، بما حولها إلى متحف هائل للكوابيس والرغبات الجحيمية الشهوانية، وصديد الأجساد، والرموز الدالة على التمزق الإنساني.

وإذا كان تركيز الشاعر على معاناة المرأة المومس يمنحه وهو المريض المستوحش والمتعطش إلى الحياة، ما يسميه باشلار «متعة التجانس»، فإن في جعلها عمياء ما يعكس نوعاً من النزوع السادي المضمر للانتقام من الجسد الأنثوي، عبر إطفائه بالكامل، أو مساواة ظلمته بالقبر، الذي كان السياب يقيم على مقربة منه. لا بل إن بدراً كان يرى في صورة «سليمة» العمياء والمحطمة انعكاساً لجسده الواهن و«الأعمى» والأقرب إلى الحطام:

شفتاكِ عاريةٌ وخدُّكِ ليس خدَّكِ يا سليمة

ماذا تخلَّف منكِ فيكِ سوى الجراحات القديمة؟

أن يعجز الإنسان عن أن يستجير من الشقاء

حتى بوهمٍ أو برؤيا، أن يعيش بلا رجاءْ

أوليس ذاك هو الجحيم؟

الأرجح أن ارتباط السياب الزوجي بإقبال هو الذي أعاد إليه بعض اعتباره لنفسه وأعاد لعلاقته بالمرأة شيئاً من توازنها المفقود

الأرجح أن ارتباط السياب الزوجي بإقبال، هو الذي أعاد إليه بعض اعتباره لنفسه، وأعاد لعلاقته بالمرأة شيئاً من توازنها المفقود. ومع أن حياتهما الزوجية كانت مشوبة بالكثير من التوترات، بفعل الطبيعة الرتيبة للمؤسسة، إضافة إلى الفروق الثقافية الواسعة بين الطرفين، فإن بدر وجد فيها الخيار الوحيد الممكن، في ظل التردي المتمادي لأوضاعه الصحية والنفسية والمادية. اللافت أن السياب الذي يعلن في لحظة انفعال غاضب «ولولا زوجتي ومزاجها الفوار لم تنهدّ أعصابي»، هو نفسه الذي ينتظرها مرات كثيرة بفارغ الصبر، والذي يهديها قصيدته «وغداً سألقاها»، التي تعدّ واحدة من أكثر القصائد جرأة و«إباحية » في الشعر العربي الحديث.

وكما أسهمت إقبال في إرساء نوع من المصالحة الرمزية بين جسد الشاعر وروحه، فقد أكسبها السياب رمزية إضافية عبر مماهاتها بالتراب الأم، بخاصة في فترات ابتعاده عن العراق، منفياً أو باحثاً عن علاج، ليخاطبها في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

أحببتُ فيكِ عراق روحي أو حببتكِ أنتِ فيهْ

لو جئتِ في البلد الغريب إليّ ما كمل اللقاءْ

الملتقى بكِ والعراقُ على يديَّ هو اللقاءْ

وإذا كانت علاقة السياب أخيراً بالمرأة والحب والحياة أشبه بسلسلة متصلة من المفارقات، فإن من بين أكثر المفارقات غرابة، أن يقف الشاعر من الشعر الذي كتبه موقف الغيور الحاسد. فهو إذ قارن بين تهافت النساء على تلقف قصائده بوجيب القلوب، وبين تلهفه الخائب إلى امرأة تبادله الحب الحقيقي، لم يلبث أن هتف من أعماق حرقته:

يا ليتني أصبحتُ ديواني لأفرّ من صدرٍ إلى ثانِ

قد بتُّ من حسدٍ أقول له: يا ليت من تهواكَ تهواني

ألك الكؤوس ولي ثمالتها ولك الخلود وإنني فانِ؟


مقالات ذات صلة

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح
ثقافة وفنون الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

فاز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

منذ مطلع يناير 2026 بدأ يتشكّل، بهدوء لافت ودون أي إعلان رسمي، تجمع قرائي حول رواية «الحرب والسلام» اختار لنفسه إيقاعاً غير مألوف، ما صار يُعرف بالقراءة البطيئة

خالد الغنامي

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».