السياب... مبتكر الأنهار العظيمة وعابر الأزمنة

بقي في الثامنة والثلاثين من عمره لم يكبر ولم يهرم

بدر شاكر السيَّاب
بدر شاكر السيَّاب
TT

السياب... مبتكر الأنهار العظيمة وعابر الأزمنة

بدر شاكر السيَّاب
بدر شاكر السيَّاب

مرَّت علينا قبل أيام الذكرى الخامسة والخمسون لرحيل شاعر الحداثة العربية بدر شاكر السيَّاب، ذلك الرحيل المبكر الذي فتح باباً كبيراً لم يكن يخطر ببال السيَّاب. فمنذ رحيله حتى هذه اللحظة، لم تستطع الشعرية العربية وهي تتحدث عن مشروعها التحديثي أنْ تتجاوز السيَّاب، أو تغض النظر النقدي عن مشروعه الحقيقي. وحين نتأمل السنوات الخمس والخمسين التي طوت السيَّاب، سنرى أنَّها سنوات طويلة، فالأطفال الذين ولدوا في ذلك التاريخ ها هم قد أصبحوا أجداداً، وابيضت لحاهم وشاخوا، ولكن السيَّاب بقي في الثامنة والثلاثين من عمره، لم يكبر ولم يهرم، بل فتح غيابُه المبكر شهية النقاد للنبش بهذه التجربة العظيمة، حتى وصل مرحلة كبرى في أنْ يحظى «السيَّاب» بأكبر القراءات النقدية، وأكثرها كماً ونوعاً، بل لا تكاد تظهر دراسة نقدية عن الشعر الحديث إلَّا وكان «السياب» محورها الرئيس، فأي مجدٍ ممكن أنْ يحظى به الشاعر أكثر من هذا المجد؛ أنْ تبقى صالحاً للتداول رغم تغير الأزمنة والأحوال.
إنَّ واحدة من أجمل خصائص شعر «السياب» أنَّه يكبر، أي أنَّ شعره يكبر مع القارئ شيئاً فشيئاً، بمعنى أنَّ القارئ البسيط الذي يقرأ «السياب» سيجد ضالته في بدايات السياب ورومانسيته، وغنائيته العالية:
يا ليتني قد صرتُ ديواني
لأفـرَّ مــن صــدرٍ إلى ثـانِ
حتى قصيدته التي افتتح فيها المشروع الحداثي «هل كان حباً»، وهي قصيدة غنائية تنتمي في روحها للتجربة الكلاسيكية، وليست للتجربة الواقعية أو الحداثية. وبمرور الوقت ونمو عقل القارئ، وتفتح مداركه، واتساع أفقه، سيجد في الوقت نفسه نصوصاً للسيَّاب تلبَّي جوع القارئ الفكري والمعرفي والثقافي (أتعلمين أي حزنٍ يبعث المطرْ - وكيف تنشج المزاريب إذا انهمرْ - وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع - بلا انتهاء كالدم المراق كالجياع - كالحب كالميلاد كالموتى هو المطر). وبهذه الزاوية البسيطة، يتحقق شيءٌ مهمٌ في شعر السيَّاب، وهو أنَّه يكبر كلَّما كبر قارئه، وأقصد بكبر القارئ تمرين عقله على المعارف والثقافات التي كلَّما هضمها كان متلقياً منتجاً، وكأنَّه شريكٌ للسياب في كتابته، ولو بعد موته بخمسة وخمسين عاماً.
وهنا، نتساءل ما الذي يمكن أنْ نكتب عن السيَّاب بعد هذا الكم الهائل الذي كتب عنه، نقداً وتحليلاً وتشريحاً واحتفاءً؟ هل بقيت زوايا معتمة لم يضئها النقد أو لم يكتشفها النقاد الماهرون؟ بالتأكيد، فإنَّ معظم مساحة السيَّاب الشعرية مرَّت عليها عربات النقد، وحرثت أرضها، وأتت أُكلها في أنْ تصدَّرَ للعالم العربي أحد أهم قاماته الشعرية التي فتحت باب الحداثة عريضاً، ليدخل من بعده أفواج الشعراء، مضيفين لهذه التجربة المهمة كثيراً من مفاصل الحداثة التي لم تطأها أقدام السيَّاب.
وأظنُّ أنَّ السيَّاب أصبح العقدة الأكثر والأكبر في الشعرية العربية، ذلك أنَّه رحل مبكراً، ولكنه أنتج الكثير، وكأنَّه كان يستشعر الغياب المفاجئ، فتسابق مع الزمن لينتج هذا «الكم النوعي» من الدواوين الشعرية التي قطع أغلب الطريق فيها على معظم التجارب التي تحاول أنْ تخرج من عباءة الرواد، وكان من أكثر الشعراء عقدة للجيل «الستيني»، الجيل الذي جاء بعد تجربة الرواد، وبالأخص لدى الشاعر الناقد سامي مهدي الذي دائماً ما كان يحاول أن يقدم البيَّاتي على السيَّاب شعرياً، فيقول في كتابه «ذاكرة الشعر»: «أكيد أنَّ المهم هنا ليس السبق في كتابة قصيدة تختلف أبياتها في عدد تفعيلاتها وتتنوع قوافيها، بل السبق في كتابة ما يصح وصفه بأنَّه شعر عربي حديث، وفي هذا المضمار قد يكون البياتي أسبق منهم جميعاً». ويقدم نازك الملائكة نقدياً وثقافياً على السيَّاب أيضاً، بقوله فيما كتبوه عن دواوينهم الأولى وتصوراتهم لما سيكون، فيقول سامي عن نازك: «أما الملائكة، فبدا وعيها أعمق وطموحها أبعد»، وواضح ما عُرف به سامي مهدي من مواقف وقراءات، تميل في أغلبها نحو إعلاء شأن مجايلي السيَّاب، ومحاولة إظهار السيَّاب بثقافة بسيطة متدنية مقارنة بمجايليه، وظهر هذا الأمر في مواضع كثيرة أوردها سامي مهدي في مقالات وكتب. ولسنا هنا بصدد هذا الموضوع، إنما بصدد السنوات التي مرَّت على رحيل السيَّاب، ولكنَّها أبقته مضيئاً، فما الوصفة التي استخدمها السيَّاب في كتابة شعره لكي يبقى مشعاً خالداً متداولاً؟
يقول البعض إن ذلك الاهتمام جاء بسبب التعاطف الذي حصل بعد وفاة السياب، والمرض الذي مر به، والموت المبكر؛ كل ذلك صنع جواً عاماً ألهب مشاعر الناس والنقاد في أنْ يتعاطفوا مع السياب. ولكن هذا الكلام مردود تماماً، فمن الممكن أنْ يتعاطف مجايلوه، أو القريبون منه، زمنياً ومكانياً، في أنْ يكتبوا عن شعره تعاطفاً مع مرضه وفقره وموته، ولكن كيف يمكن أنْ يبقى هذا التعاطف بعد أكثر من خمسين سنة، وكل الشهود ماتوا، ولم يبق إلَّا شعر السيَّاب عارياً أمام أجيالٍ قرأتْ وجربتْ أنواع الكتابات، ومناطق التجريب، لتعود في النهاية إلى النبع الذي حفره السيَّاب، فما هو هذا السحر؟
يرى البعض قدرة السياب اللغوية ومكنته العالية من التراث الأدبي، فيما يرى البعض الآخر قدرته التصويرية ومهارته في صناعة الصورة الشعرية، بينما يرى آخرون قدرة السيَّاب على استدعاء الأسطورة والميثولوجيا بصفته أول من استدعاهن، وإنْ كان بشكل بدائي، والبعض الآخر ينظر لتحولاته السياسية: فمرة شيوعي، ومرة قومي، وأخرى إسلامي ربما، والبعض تحدَّث عن مهارته في الأوزان وتطويعها، والموضوعات وجدتها، و... و... و...، وهناك كثير من الزوايا التي رصدها النقاد في عظمة شعر السيَّاب.
ولكن أعتقد أنَّ ما يخلد الشعراء هو حجم النبوءة في قصائدهم، وليس طاقة الجمال التصويري أو اللغوي وحدهما، فالشعر الذي يحمل رؤية تخرق الزمان وتعبره هو شعر خالد بالنتيجة، ذلك أنَّه يستطيع أنْ يتكيَّف مع أجيال قادمة، وهذا ما دأب عليه شعر السيَّاب في (أنشودة المطر، وفي غريب على الخليج، وفي المومس العمياء، وفي الأسلحة والأطفال، وفي مدينة بلا مطر، وفي أغنية في شهر آب، وفي عشرات النصوص). فمثلاً، يقول في «مدينة بلا مطر»: «وسار صغار بابل يحملون سلال صبارِ - وفاكهة من الفخَّارِ قرباناً لعشتارِ - ويشعل خاطف البرقِ - بظلٍ من ظلال الماء والخضراء والنارِ - وجوههم المدورة الصغيرة وهي تستسقي - ورفَّ كأنَّ ألفَ فراشة رفّتْ على الأفقِ - نشيدهم الصغير - قبور أخوتنا تنادينا - وتبحث عنك أيدينا (...) ويختمها: ولكنْ خفقة الأقدام والأيدي - وكركرة وآهُ صغيرة قبضتْ بيمناها - على قمرٍ يرفرف كالفراشة، أو على نجمة - على هبة من الغيم - على رعشات ماءٍ قُطّرتْ همستْ بها نسمة - لنعلم أنَّ بابل سوف تغسل من خطاياها».
إنَّ طاقة الرؤية التي تكتنف معظم نصوص السيَّاب، وبالأخص تجاربه المتأخرة، هي التي تمنح طاقة الخلود لتلك النصوص، ذلك أن جغرافية التلقي تبقى حدودها مفتوحة إزاء نصوص كهذه، لا تُحدُّ بزمانٍ ولا بمكان. فمثلاً، في «أنشودة المطر» يقول: «أصيح بالخليج يا خليج - يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى - فيرجع الصدى - كأنَّه النشج - يا خليج - يا واهب المحار والردى - أكاد أسمع العراق يذخر الرعود - ويخزن البروق في السهول والجبال - حتى إذا ما فضَّ ختمها الرجال - لم تترك الرياح من ثمود - في الواد من أثر- أكاد أسمع النخيل يشرب المطر - وأسمع القرى تئن والمهاجرين - يصارعون بالمجاذيف وبالقلوع - عواصف الخليج والرعود منشدين - مطر - مطر - مطر». فالطاقة التي حمَّلها السيَّاب لمفردة «لنعلم أنَّ بابل في مدينة بلا مطر» و«أكاد أسمع النخيل في أنشودة المطر» هي طاقة الرؤية العابرة للزمن الذي كان يعيشه السيَّاب، لذلك هي صالحة طازجة في عصرنا هذا، كما أنَّها ستبقى محمَّلة بهذه الحمولة الاستشرافية، لأنها صادرة من وعي استشرافي غير مؤمن بمحدودية الزمان والمكان.
وهنا، أتذكر أنه قبل أكثر من عام استضفنا في اتحاد الأدباء في العراق الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين، وقد تكفلتُ بتقديمه في تلك الأمسية بما يليق به، ومن ثم دعوتُه إلى المنصَّة ليقرأ شعراً، ولكنَّه تحدَّث في البداية عن أول مرة يأتي فيها إلى العراق، وكان ذلك في عام 1971 في المربد، وفي البصرة تحديداً؛ يقول شمس الدين: «ذهبتُ إلى البصرة وفي رأسي شيئان فقط: أنْ أرى نهر بويب العظيم، وشبَّاك وفيقة. وبعد أنْ وصلنا البصرة، ذهبنا بعد أيام لقضاء أبي الخصيب، ومن ثم لجيكور، لرؤية النهر العظيم بويب، وحين وصلنا رأيت شبَّاك وفيقة عبارة عن ثقبٍ في جدار، أمَّا نهر بويب العظيم، فوجدتُه خيطاً ناشفاً من الماء بين النخيل؛ عندها أدركت أنَّ الأنهار يبتكرها الشعراء، وأنَّ المدن يصنعها الخيال».



بعد 68 عاماً... فندق «زهرة الشرق» يغادر المشهد العمراني لمدينة الرياض

تم الانتهاء من بنائه وافتتح أبوابه للزوار وكبار الضيوف عام 1958 ميلادياً (أمانة منطقة الرياض)
تم الانتهاء من بنائه وافتتح أبوابه للزوار وكبار الضيوف عام 1958 ميلادياً (أمانة منطقة الرياض)
TT

بعد 68 عاماً... فندق «زهرة الشرق» يغادر المشهد العمراني لمدينة الرياض

تم الانتهاء من بنائه وافتتح أبوابه للزوار وكبار الضيوف عام 1958 ميلادياً (أمانة منطقة الرياض)
تم الانتهاء من بنائه وافتتح أبوابه للزوار وكبار الضيوف عام 1958 ميلادياً (أمانة منطقة الرياض)

بينما تتسارع خطى الرياض نحو مستقبل ومشهد عمراني متطور، يُسدل طريق الملك عبد العزيز ستارة الفصل الأخير على أحد أهم شواهده التاريخية، فندق «زهرة الشرق»، الذي شُيّد في قلب حي الملز عام 1958، بوصفه أولى بوادر العمارة الحداثية، ويستعد الآن للرحيل والإزالة، مخلفاً وراءه قصصاً سكنت شرفاته، وصوراً خلدها المصور كيث ويلر، وذاكرة عصية على الهدم.

ويُعد فندق «زهرة الشرق» من أوائل المباني الحديثة في مدينة الرياض، وصُمّم بشكل يعكس التطور الذي ظهر في مدينة الرياض آنذاك، ومحاولة عكس صور التحديث في شتى المجالات. وأورد إصدار «ذاكرة الرياض» أن الفندق، الذي أُقيم على طريق الملك عبد العزيز، بحي الملز في الرياض، من تصميم المعماري المصري سيد كريم، وتنفيذ مؤسسة محمد بن لادن، وهو من الفنادق التي أنشأتها الدولة في الخمسينات، وتم الانتهاء من بنائه في 1958، بالتزامن مع فندق «اليمامة» وتسلمه محمد بن لادن بوصفه مستخلصاً مالياً، وانتقلت ملكية الفندق إليه، واستمر على هذا الحال حتى تاريخ إزالته.

الفندق كان يمثل وجهاً حضارياً للعاصمة السعودية في عصره وتتوافر فيه مساحات وملاعب وفق القياسات العالمية (أمانة منطقة الرياض)

سبعة عقود من التاريخ

قال الكاتب والباحث منصور العساف إن عمر الفندق قارب على السبعين سنة، مضيفاً: «كانت ملكيته في أول الأمر لعيد بن سالم، وهو أحد الوجهاء والمسؤولين في بلاط الملك سعود، ثم آلت ملكيته إلى رجل الأعمال محمد بن لادن، بالإضافة إلى فندق (اليمامة) وأصبحا ملكاً له، منذ افتتاحهما».

وأضاف العساف: «يُعدّ (زهرة الشرق) من الفنادق الأولى في مدينة الرياض، وسبقه عدد من الفنادق، وسكن في الفندق خلال تاريخه عدد من المسؤولين والكثير من ضيوف المملكة، وكان مقراً لإقامة عدد من منتخبات وأندية كرة القدم المشاركة في مسابقات رياضية متعددة أُقيمت في الرياض».

ووصف العساف الفندق بأنه كان يمثّل وجهاً حضارياً للعاصمة السعودية، وكان يضم مساحات وملاعب على أعلى طراز وحسب القياسات العالمية، بالإضافة إلى صالة للأفراح ‏بقسمَين للرجال والنساء.

وقال العساف: «كانت قاعة أفراح الفندق، زاخرة بالمناسبات الاجتماعية لا سيما للطبقة المخملية في فترة ‏الستينات والسبعينات، وانحسر وهجه في الثمانينات، عندما بدأ بناء الفنادق الجديدة وبدأت الطفرة العمرانية والاقتصادية في المملكة التي بدأت معها حقبة جديدة من إنشاء الفنادق وقاعات المناسبات الكبيرة التي أُقيمت تلبية للاحتياجات والظروف الاجتماعية المعاصرة».

اشتهر المصور كيث ويلر أحد نزلائه بصوره لتوثيق مدينة الرياض وتفاصيل الفندق مطلع الستينات الميلادية (أمانة منطقة الرياض)

وأورد إصدار «ذاكرة الرياض» الذي أصدرته أمانة منطقة الرياض لتوثيق التطور العمراني للعاصمة السعودية، أنه ومع بداية الطفرة في منتصف السبعينات كانت صالة الأفراح في الدور الأرضي للفندق تُحجز مسبقاً بما لا يقل عن شهرَين بسبب كثرة المناسبات التي كانت تُقام في الفندق، وتم تشغيل مرافق الفندق بطاقتها القصوى خلال فترة السبعينات وبداية الثمانينات.

وعن تفاصيل البناء، ورد في إصدار الذاكرة أن المبنى صُمّم مستخدماً مفردات بصرية حداثية غير مألوفة في عمارة الرياض آنذاك، أفقية المبنى متعدد الأدوار، تتقاطع مع رأسية عناصر الحركة العمودية للمبنى، واستخدام لون مختلف لتمييز الكتل البنائية، وكذلك أضاف نوعاً من التفرد لواجهة المبنى، وهناك عنصر آخر يتميز به تصميم المبنى، وهو انسيابية الخطوط في العنصر الرأسي الأبرز في المبنى الذي يحدد مدخل الفندق الرئيسي.

وكانت الفكرة التصميمية للفندق عبارة عن كتلة رئيسية مستطيلة تحتوي على غرف الإقامة للنزلاء، وكانت غرف النزلاء عبارة عن صفين يفصلهما ممر في المنتصف على طول محور هذا المبنى، ومعظم الغرف تحتوي على شرفات خارجية، ويحتوي الفندق على مطعم، وملاعب لكرة القدم والتنس، وقاعات للمناسبات.

تم تشغيل مرافق الفندق بطاقتها القصوى خلال فترة السبعينات وبداية الثمانينات (أمانة منطقة الرياض)

كيث ويلر... ذاكرة مدينة

قال الباحث منصور العساف إن «من بين من سكن في الفندق المصور كيث ويلر الذي صور معظم معالم مدينة الرياض في مطلع الستينات الميلادية، وهو الذي زوّد المكتبة المحلية السعودية بعمل توثيقي مهم لمدينة الرياض وكذلك مدينة الخرج».

واشتهر المصور كيث ويلر بصوره لتوثيق مدينة الرياض، وقد التقط صوراً للفندق في مطلع الستينات الميلادية، وهو أفضل من وثّق الرياض في ستينات القرن الماضي، ولذلك تُعد صوره من أفضل الشواهد والوثائق في كثير من الكتب التي تتحدث عن الرياض في مرحلة الستينات.

وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صور للفندق في أثناء هدمه، وتشاركوا ذكريات ومواقف ربطت أجيالاً من السعوديين وسكان مدينة الرياض وزوارها مع الفندق الذي بقي لنحو 7 عقود واحداً من معالم العاصمة السعودية.

وعلق بعض المشاركين من الباحثين والمهتمين بتراث المدينة على مواقع التواصل الاجتماعي، عن أهمية حفظ معالم وتراث المدينة الماثل في أحيائها، لا سيما في ظل وجود سجل وطني للتراث العمراني يسهم في صون التراث والمحافظة عليه، وضم في قوائمه آلاف المباني ذات الصبغتَين الحضرية والتاريخية.

وأعلنت هيئة التراث مطلع هذا العام تحقيق المستهدف المعتمد للهيئة بالوصول إلى تسجيل 50 ألف أصل تراث عمراني على مستوى السعودية، وهو أحد المستهدفات التي وُضعت ضمن خطتها في بداية عام 2025.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مصر: جرائم التنقيب عن الآثار تعيد «التجارة الممنوعة» للواجهة

اكتشاف تمثال غرانيتي أثري بعد ضبط 5 أشخاص (وزارة الداخلية المصرية)
اكتشاف تمثال غرانيتي أثري بعد ضبط 5 أشخاص (وزارة الداخلية المصرية)
TT

مصر: جرائم التنقيب عن الآثار تعيد «التجارة الممنوعة» للواجهة

اكتشاف تمثال غرانيتي أثري بعد ضبط 5 أشخاص (وزارة الداخلية المصرية)
اكتشاف تمثال غرانيتي أثري بعد ضبط 5 أشخاص (وزارة الداخلية المصرية)

أعادت واقعة القبض على 5 أشخاص بالبدرشين (جنوب القاهرة) أثناء التنقيب عن الآثار، وبحوزتهم تمثال كبير الحجم من الغرانيت الأحمر، جرائم التنقيب غير المشروع عن الآثار إلى الواجهة؛ كونها تجارة ممنوعة ويجرّمها القانون في مصر.

وقد شهدت الأيام الماضية أكثر من واقعة لضبط آثار لدى أفراد يحاولون بيعها والاتجار فيها بمدن مصرية مختلفة، من بينها واقعة ضبط شخص في محافظة المنيا بحوزته 277 قطعة أثرية، وضبط شخصين في محافظة سوهاج بحوزتهما تابوت مصري قديم، ووصل عدد القضايا المتعلقة بالتنقيب والحفر وحيازة الآثار إلى أكثر من 380 قضية خلال النصف الأول من شهر أبريل (نيسان) الحالي، وفق تقارير نشرتها وسائل إعلام محلية.

وينص القانون المصري رقم 117 لسنة 1983، وهو قانون حماية الآثار، على أن الجهات المعنية بالتنقيب عن الآثار هي الجهات التي يصرّح لها المجلس الأعلى للآثار بالبحث والتنقيب، كما يواجه كل من ينقب عن الآثار خارج الإطار القانوني أو يحاول تهريب قطع أثرية للخارج عقوبات تبدأ من السجن 3 سنوات وغرامة 500 ألف جنيه (الدولار يساوي نحو 54 جنيهاً مصرياً)، وتصل إلى السجن المؤبد وغرامة تصل إلى 5 ملايين جنيه.

قطع أثرية مضبوطة لدى شخص بمحافظة المنيا (وزارة الداخلية المصرية)

وكانت وزارة الداخلية المصرية أعلنت في أوائل أبريل الحالي عن القبض على شخص مقيم في دائرة مركز شرطة ديرمواس بالمنيا، بتهمة حيازة قطع أثرية بقصد الاتجار متخذاً من مسكنه مسرحاً لمزاولة نشاطه الإجرامي.

وأوضحت الوزارة في بيانها أنه عقب تقنين الإجراءات تم استهدافه وأمكن ضبطه، وبحوزته 277 قطعة أثرية متنوعة. وبمواجهته اعترف بأن القطع الأثرية المضبوطة نتاج أعمال الحفر والتنقيب غير المشروع عن الآثار.

وأكد خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن القطع المضبوطة جراء الحفر خلسة زادت حدتها بعد يناير (كانون الثاني) 2011. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «بعض الفتاوى الضالة أسهمت في انتشار هذه الظاهرة بشكل كبير لدرجة شجعت البعض في القرى على البحث عن الآثار وتهريبها، وظهر الغناء الفاحش على مجموعة من الأفراد نتيجة الحفر وتهريب الآثار».

وأضاف: «الموضوع شائك وله أبعاد أثرية وقانونية ودينية واجتماعية ودولية عدة، وبخصوص الحفر خلسة أو التنقيب غير الشرعي فهو مخالف للمادة 32 من قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 وتعديلاته التي تنص على أن السلطة المختصة بأعمال التنقيب عن الآثار فوق الأرض وتحت الأرض والمياه الداخلية والإقليمية المصرية هي المجلس الأعلى للآثار».

وجاءت عقوبة جريمة الحفر خلسة وإخفاء الآثار بقصد تهريبها في المادة 42 في تعديلات القانون رقم 91 لسنة 2018 كالآتي: «تكون العقوبة السجن المشدد مدة لا تقــل عن 3 سنوات ولا تزيد على 7 سنوات لكل من قام بالحفر خلسة أو بإخفاء الأثر أو جزء منه بقصد التهريب، ويحكم في جميع الأحوال بمصادرة الأثر والأجهزة والأدوات والآلات والسيارات المستخدمة في الجريمة لصالح المجلس».

وفى بيان سابق لوزارة الداخلية، في إطار جهود مكافحة جرائم حيازة القطع الأثرية والاتجار بها، أكدت معلومات وتحريات قطاعي (السياحة والآثار – الأمن العام) بالتنسيق مع مديرية أمن سوهاج قيام (شخصين «لأحدهما معلومات جنائية» - مقيمين بسوهاج) بحيازة قطع أثرية بقصد الاتجار، وعقب تقنين الإجراءات تم استهدافهما وضبطهما بنطاق محافظة سوهاج، وضُبط بحوزتهما (تابوت أثري كامل «مكون من جزأين»)، وبمواجهتهما اعترفا بأن التابوت المضبوط نتاج أعمال الحفر والتنقيب عن الآثار بإحدى المناطق الجبلية بدائرة مركز شرطة أخميم، وحيازتهما له بقصد الاتجار فيه، وبعرض التابوت على الجهات المعنية تبيَّن أنه أثري ويعود للعصر الروماني المتأخر.

التابوت الأثري وُجد بحوزة شخصين (وزارة الداخلية المصرية)

وقال الخبير الأثري والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، إن «تجارة الآثار أصبحت حلماً يراود الكثير من التجار والمغامرين؛ بغرض الثراء السريع والفاحش، حيث نجد أن سوق الآثار المصرية في الخارج من أهم مصادر الثروة»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف الشديد، الجميع يعلم ذلك، وتجارة وتهريب الآثار كانت مجالاً واسعاً تورطت فيه أسماء كبيرة ما بين تجار ومهربين».

وتابع أن «تجارة الآثار للخارجين عن القانون والطامعين في الكسب غير المشروع تُعدّ من أهم مصادر الثروة في مصر الآن، ويعود تزايد عمليات التهريب في هذه الفترة إلى البحث عن الثراء السريع، حيث إن الكثير يتعاملون مع الآثار على أنها سلعة تباع وتشتري، ولا يتأثرون بالوعي الأثري، ولا يدركون أهمية الآثار بالنسبة لأي دولة، حيث إن الآثار تعدّ بمثابة تاريخ الحضارة للدولة».


«سينما الشباب» تستحوذ على جوائز «جمعية الفيلم» في مصر

المكرمون في لقطة مع رئيس المهرجان (إدارة المهرجان)
المكرمون في لقطة مع رئيس المهرجان (إدارة المهرجان)
TT

«سينما الشباب» تستحوذ على جوائز «جمعية الفيلم» في مصر

المكرمون في لقطة مع رئيس المهرجان (إدارة المهرجان)
المكرمون في لقطة مع رئيس المهرجان (إدارة المهرجان)

استحوذت 4 أفلام مصرية من صناعة جيل الشباب على أكبر عدد من جوائز مهرجان «جمعية الفيلم» في دورته الـ52، وهي أفلام «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» للمخرج خالد منصور، و«ضي - سيرة أهل الضي» لكريم الشناوي و«6 أيام - وعملت إيه فينا السنين» لكريم شعبان، و«دخل الربيع يضحك» لنهى عادل. وتسلم صناع الأفلام جوائزهم في حفل ختام المهرجان الذي أقيم، الأحد، في دار الأوبرا المصرية بحضور مدير التصوير السينمائي محمود عبد السميع، رئيس «جمعية الفيلم» ورئيس المهرجان، وعدد كبير من صناع الأفلام.

وتصدر فيلم «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» الأفلام الفائزة بحصوله على 5 جوائز لأحسن قصة سينمائية وإخراج لخالد منصور وأحسن ممثل لعصام عمر وأحسن سيناريو لخالد منصور ومحمد الحسيني وأحسن صوت لمحمد صلاح، وأكدت منتجة الفيلم الناقدة رشا حسني أن «(السيد رامبو) حصل على أكثر من 30 جائزة محلية وعالمية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «فرحتنا كبيرة بهذا النجاح الذي حققه أول فيلم لي كمنتجة ولخالد منصور كمخرج، كما يُعد أيضاً التجربة الأولى لعدد كبير من المواهب التي شاركت به، وأنه كفيلم مستقل استطاع أن يحقق المعادلة الصعبة بين أن يكون فيلماً جماهيرياً ويحقق إيرادات لافتة، ويحظى بإشادات نقدية واسعة، كما شارك في عرضه الأول بمهرجان فينيسيا، وطاف مهرجانات عدة»، لافتة إلى تعاونها مجدداً مع المخرج خالد منصور في فيلم جديد.

فيما نال فيلم «ضي - سيرة أهل الضي» جائزة أحسن فيلم بتصويت أعضاء جمعية الفيلم والجمهور، كما حاز جوائز أحسن أفيش لآدم عبد الغفار، وأحسن تصوير لعبد السلام موسى، ومنحت لجنة التحكيم جائزتين في التمثيل لبطل الفيلم بدر محمد والممثلة حنين سعيد التي قامت بدور شقيقته، بينما فاز فيلم «6 أيام - وعملت إيه فينا السنين» على جائزة أحسن ممثلة لبطلته آية سماحة، وفاز أحمد مالك بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، وفازت ليال وطفة بجائزة أحسن موسيقى.

آية سماحة وجائزة أفضل ممثلة من رئيس المهرجان والمخرج عادل الأعصر (إدارة المهرجان)

وحصلت المخرجة نهى عادل على جائزة أفضل حوار عن أول أفلامها «دخل الربيع يضحك»، كما حاز العمل جائزة «سامي السلاموني في التجديد والابتكار»، وحصلت بطلته ريم العقاد على شهادة تقدير في التمثيل. وحصد فيلم «الست» على جائزتي أحسن ملابس من تصميم ياسمين القاضي وأحسن ديكور لمحمد عطية. وحصل الممثل الشاب عمر رزيق على جائزة في التمثيل عن دوره في فيلم «ولنا في الخيال حب»، فيما فاز عمر المهندس بجائزة أفضل مخرج عمل أول عن فيلم «سيكو سيكو»، وكمال الملاخ كأحسن مونتير عن الفيلم نفسه.

وأشاد المخرج محمد ياسين، رئيس لجنة التحكيم، بمستوى الأفلام والتجارب السينمائية الجديدة التي وصفها في كلمته بـ«المبشرة» موجهاً التحية للسينما المصرية التي لا تزال رغم التحديات قادرة على أن تحلم وتجرب وتجدد، كما وجه التحية لجمعية الفيلم لإصرارها على أن تظل هذه المساحة مفتوحة للسينما وصناعها، مؤكداً أن «لجنة التحكيم شاهدت أفلاماً مختلفة في لغتها ومساراتها بين السينما الجماهيرية والرؤية الذاتية، ورأينا في هذا التنوع طاقة حية تؤكد أن السينما لا تسير في اتجاه واحد، بل تتسع للجميع، وأن جيلاً جديداً يسعى بوعي وإخلاص لكي يجد صوته ويصنع مكانته»، على حد تعبيره.

واختار المهرجان 8 أفلام مصرية عبر الاستفتاء السنوي الذي شارك به عدد كبير من النقاد وأعضاء جمعية الفيلم من بين 36 فيلماً تم عرضها خلال عام 2025 بدور العرض، وهي: «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» و«6 أيام - وعملت إيه فينا السنين؟» و«سيكو سيكو»، و«ضي - سيرة أهل الضي» و«دخل الربيع يضحك» و«لنا في الخيال حب؟» و«الست»، حيث أقام المهرجان لها عروضاً جماهيرية تضمنت مناقشات مع صناعها.

لقطة جماعية للمتوجين بجوائز المهرجان (إدارة المهرجان)

وشهد حفل الختام تكريم عدد من الفنانين، من بينهم سلوى خطاب، والموسيقي المصري جورج كازازيان، وعز الدين غنيم رئيس الشركة القابضة للسينما، والناقد طارق الشناوي، وعبّرت سلوى خطاب في كلمتها عن سعادتها بالتكريم من جمعية سينمائية لها مكانتها في المجال السينمائي، فيما عَد الشناوي تكريمه بمهرجان جمعية الفيلم بمثابة تتويج لمسيرته، مؤكداً أن جمعية الفيلم منذ إنشائها قبل أكثر من نصف قرن وهي تشكل جزءاً من وجدان أي ناقد بدعوتها للحريات ودفاعها عن تراث السينما، كما أن لجوائزها مصداقية كبيرة.

المخرج محمد الشناوي تسلم تكريم والده الفنان كمال الشناوي (إدارة المهرجان)

وأهدى المهرجان دورته لاسم المخرج الراحل داوود عبد السيد، كما قام بتكريم اسم الفنان كمال الشناوي، وقال المخرج محمد الشناوي نجل الفنان إن هذا التكريم يعكس مكانة والده المستقرة في السينما المصرية، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «مسيرة كمال الشناوي استمرت لأكثر من نصف قرن، حيث كان بطلاً ونجماً له حضوره وكان يقول عن نفسه إنه سباح مسافات طويلة لاستمرارية عطائه واحترامه لفنه»، لافتاً إلى رفضه في سنواته الأخيرة تقديم أدوار ضعيفة، محافظاً على كيانه الفني حتى آخر لحظة من عمره.