«حزب الله» يواجه قرار نزع سلاحه بـ«اعتراض منضبط» سياسي وشعبي

لا استقالة من الحكومة ولا قرار تنظيمي بتحركات شعبية

مجموعة من مناصري «حزب الله» يحرقون الإطارات مساء الخميس اعتراضاً منهم على قرار الحكومة سحب سلاح الحزب (أ.ف.ب)
مجموعة من مناصري «حزب الله» يحرقون الإطارات مساء الخميس اعتراضاً منهم على قرار الحكومة سحب سلاح الحزب (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يواجه قرار نزع سلاحه بـ«اعتراض منضبط» سياسي وشعبي

مجموعة من مناصري «حزب الله» يحرقون الإطارات مساء الخميس اعتراضاً منهم على قرار الحكومة سحب سلاح الحزب (أ.ف.ب)
مجموعة من مناصري «حزب الله» يحرقون الإطارات مساء الخميس اعتراضاً منهم على قرار الحكومة سحب سلاح الحزب (أ.ف.ب)

يتعاطى «حزب الله» و«حركة أمل» بـ«واقعية» مع القرار الذي اتخذته الحكومة لجهة إنهاء الوجود المسلّح على كامل الأراضي اللبنانية، إذ ورغم المواقف التصعيدية التي تصدر من بعض الأشخاص والمسؤولين ولا سيما المحسوبين على «حزب الله»، فإن مقاربة هذا القرار والمؤشرات التي بدأت تظهر منذ اللحظة الأولى خلال اجتماع مجلس الوزراء يوم الثلاثاء، ومن ثم في الجلسة الثانية يوم الخميس، تظهر أن «حزب الله» الذي سبق أن وافق على بنود اتفاق وقف إطلاق النار يدرك حدود السقف الجديد الذي رسم مع تبدّل موازين القوى في المرحلة الأخيرة.

فوزراء «الثنائي» الذين وإن انسحبوا من جلستي مجلس الوزراء عند مناقشة الورقة الأميركية وتحديداً البند المتعلق بسلاح «حزب الله»، فهم أكدوا أنهم لن يستقيلوا من الحكومة، فيما كانت التحركات الشعبية المعترضة التي سجلت مساء الخميس، محدودة و«منضبطة» ولم تخرج من حدود الضاحية الجنوبية لبيروت حيث كان الجيش اللبناني بالمرصاد لأي تجاوزات ومنع خروج المتظاهرين إلى المناطق المحيطة، كما كان لافتاً البيان الحاسم والحازم من قبل قيادة «أمل» التي دعت مناصريها لعدم المشاركة في التحركات.

وكانت الحكومة أقرت، الخميس، جزءاً من ورقة الموفد الأميركي توماس براك، ووافقت على إنهاء الوجود المسلّح على كامل الأراضي اللبنانية بما فيه «حزب الله» ونشر الجيش اللبناني في المناطق الحدودية.

لا استقالة من الحكومة ولا قرار تنظيمي بالتحركات الشعبية

وبعدما حرص الوزراء المحسوبون على «حزب الله» و«حركة أمل» على ألا يرفعوا سقف تصريحاتهم بعيد جلسة الحكومة يوم الخميس، تؤكد مصادر نيابية في «حركة أمل» لـ«الشرق الأوسط» أنه لا يوجد أي قرار تنظيمي من قبل «الثنائي» بالتصعيد لا سياسياً ولا شعبياً، والدعوات التي تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي للتحرك والتجمع هي ارتجالية ولا تتبناها أي جهة».

وفي السياسة، تشدد المصادر من جهتها «على أنه حتى الآن، ليس هناك أي قرار بالاستقالة من الحكومة والذهاب إلى نقطة اللاعودة، بل على العكس هناك رغبة كبيرة بالوصول إلى مخارج تجنب البلد أزمة سياسية نحن في غنى عنها»، لكنها في الوقت عينه تتوقف عند ما تعتبره «تجاهلاً لكل الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على لبنان والتي لا تقتصر على طائفة دون غيرها»، وتقول: «الأجدى بالجميع عدم الاستعجال وإعطاء مهلة للحوار والتواصل».

مشاركون في التحركات الرافضة لقرار سحب السلاح يرفعون رايات لـ«حزب الله» وصوراً لقيادييه (أ.ف.ب)

من جهتها، تشير مصادر وزارية إلى عدم وجود أي أجواء تصعيدية سياسية وشعبية، من قبل «الثنائي» وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «اعتراض وزرائهم وخروجهم من جلسة الحكومة تفادياً للتصويت لم يكن على القرار إنما على التوقيت بحيث يطالبون أن يتم تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي قبل اتخاذ هذا القرار، مؤكدة أنه وفق المعطيات، لا توجد نية لدى الثنائي بالاستقالة من الحكومة كما أن التحركات الشعبية التي حصلت لا تزال ضمن الإطار المقبول والمنطقي في وضع كهذا».

وتؤكد المصادر الوزارية أن الاتصالات السياسية ستبقى مستمرة لمنع افتعال أي مشكلات وسعياً لعقد جلسة للحكومة يوم الثلاثاء المقبل بمشاركة جميع الوزراء، مذكرة بأن القرار الذي اتخذ لم يكن جديداً ولا مفاجئاً انطلاقاً من الوقائع والمعطيات السياسية المستمرة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي كان بموافقة «الثنائي»، ومن ثم مواقف رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وتضيف: «القرار اتخذ ولا شك أن التنفيذ لن يكون سهلاً، لا سيما بالنسبة إلى حزب يمتلك السلاح والقرار منذ 40 عاماً، لكن لا بدّ أن يتم التوصل إلى حل، وليس هناك من مصلحة لأي طرف أن يواجه منطق الدولة بالعنف، وعليهم أن يستوعبوا أن الوضع تغيّر والأيام ستكون كفيلة بهذا الأمر».

وفي موقف لها حول قرار الحكومة، قالت الوزيرة المحسوبة على «حركة أمل»، تمارا الزين، في حديث تلفزيوني: «لا أحد يزايد علينا، اعتراضنا لم يكن يوماً على تكليف الجيش اللبناني، إنما الاتفاقية تمس بسيادة لبنان وتحتاج إلى مشاورات أوسع وإجماع وطني».

وفي رد على سؤال بشأن الاستقالة من الحكومة، قالت تمارا الزين: «لو أردنا التعطيل لما شاركنا في الجلسات وكلّ شيء رهن بما ستؤول إليه الأمور».

لا خيارات أمام «حزب الله» إلا التعامل بواقعية

أمام كل المتغيرات المحلية والخارجية، يرى مدير «مركز المشرق للشؤون الاستراتيجية»، الدكتور سامي نادر، أن «حزب الله» أدرك أن موازين القوى في المنطقة تغيرت، وما كان ممكناً قبل ذلك لم يعد ممكناً اليوم.

ويقول نادر لـ«الشرق الأوسط» إن الوضع الإقليمي تغير وفائض القوة لم يعد موجوداً بعد التدمير الممنهج الذي تعرض له «حزب الله» واغتيال قياداته، وبالتالي أدرك أن الخيارات أمامه محدودة، وهذا ما ترجم بداية عند تشكيل الحكومة وفقدان «الثنائي» الثلث المعطل، كما أنه من الواضح أن رئيس البرلمان، نبيه بري، أدرك مدى هذه التغيرات وأنه لا بد من التعامل معها بواقعية مع ما يرافق ذلك من محدودية هامش المناورة السياسية».

متظاهرون على الدراجات النارية في الضاحية الجنوبية لبيروت إثر اتخاذ الحكومة قرار سحب سلاح «حزب الله» (أ.ف.ب)

وفي الوضع الداخلي اللبناني، يشير نادر إلى «قواعد اللعبة السياسية التي تبدّلت مع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، وذلك لجهة تعاملهما مع القرارات التي تحتاج وقفة حاسمة وحازمة، وهو ما شكّل أيضاً عنصر مفاجأة بالنسبة إلى البعض، وهي أمور جديدة في المعادلة السياسية في لبنان».

من هنا، يرى نادر أن «حزب الله» لا يملك الكثير من الخيارات في ظل هذا الواقع؛ «لأن النزول إلى الشارع والدخول في التحركات الشعبية يعني مواجهة مع اللبنانيين، وهو ما لن يكون له أفق سياسي ولن يلقى صدى إيجابياً لا في الداخل ولا في الخارج»، مضيفاً: «الدليل على ذلك أن التحركات الشعبية بقيت في الضاحية مقابل قرار حاسم من السلطة بعدم السماح لها بالتوسّع، فيما يبدو واضحاً أنه ليس هناك لديهم أي قرار بالاستقالة من الحكومة وأبقوا التزامهم بها؛ لأنهم أكثر من أي وقت مضى بحاجة أن يكونوا في السلطة وألا يعزلوا أنفسهم حيث بات بقاؤهم في المؤسسات خط الدفاع الأول بالنسبة إليهم».


مقالات ذات صلة

معرض «بين الأنفاس»... الصورة تستعيد دورها خارج منطق الشرح

يوميات الشرق ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)

معرض «بين الأنفاس»... الصورة تستعيد دورها خارج منطق الشرح

يواجه معرض «بين الأنفاس» فكرة أنّ الصورة إما أن تُقنِع فوراً وإما أن تُنسَى.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق «أسافر وحدي ملكاً» من تأليف أسامة الرحباني وإخراجه (الشرق الأوسط)

«أسافر وحدي ملكاً»... عندما تُعانق الأحلام نجوم السماء

على مدى نحو 90 دقيقة، انسحب صوت هبة طوجي بسلاسة مهيبة عبر مجموعة من الأغنيات القصيرة...

فيفيان حداد (بيروت)
المشرق العربي رئيس البرلمان نبيه بري (رئاسة البرلمان)

بري: لا يجوز استمرار إسرائيل في عدوانها على لبنان

أكد رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، أنه لا يجوز استمرار إسرائيل في عدوانها على لبنان وخرقها اليومي للسيادة اللبنانية، واستمرار احتلالها أجزاء من الأراضي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق جورج خبّاز وهانا شيغولا في مشهد من فيلم «يونان» (سينما متروبوليس)

فيلم «يونان»... ثقل الغربة وقسوة المنفى في شريط مؤثّر

يختصر الفيلم، بمَشاهده وأحداثه، معاناةَ الغربة... وبين الخيال والواقع، يحمل سرداً لذاكرة صامتة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق خوسيه ماريا غياردو ديل راي وهبة القواس وسفير إسبانيا خيسوس سانتوس أغوادو وماجدة داغر (الشرق الأوسط)

«مهرجان بيروت الدولي للغيتار» ينطلق ويُعلن جائزته

عدا الجائزة المالية، فإنّ الرابحين الثلاثة الأوائل ستكون لهم عقود تضمن جولات في المدن الكبرى، تُعزّز مكانتهم الموسيقية في العالم...

سوسن الأبطح (بيروت)

ملك الأردن يتلقى دعوة من ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

فتيات فلسطينيات يمررن بين أنقاض مبانٍ سكنية دُمرت خلال الحرب (رويترز)
فتيات فلسطينيات يمررن بين أنقاض مبانٍ سكنية دُمرت خلال الحرب (رويترز)
TT

ملك الأردن يتلقى دعوة من ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

فتيات فلسطينيات يمررن بين أنقاض مبانٍ سكنية دُمرت خلال الحرب (رويترز)
فتيات فلسطينيات يمررن بين أنقاض مبانٍ سكنية دُمرت خلال الحرب (رويترز)

​قالت وزارة الخارجية الأردنية، اليوم الأحد، إن الملك عبد الله الثاني تلقى ‌دعوة من الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ⁠ترمب ​للانضمام ‌لمجلس السلام في غزة.

وذكرت الوزارة في بيان: «يجري حالياً دراسة ⁠الوثائق المرتبطة بالدعوة ‌وفق الإجراءات ‍القانونية ‍الداخلية».

ومن المقرر ‍أن يشرف المجلس على الإدارة المؤقتة لقطاع ​غزة، في ظل اتفاق هش لوقف ⁠إطلاق النار منذ أكتوبر (تشرين الأول).

وأعلن البيت الأبيض، مساء الجمعة، تشكيل «مجلس السلام» في غزة والمجلس التنفيذي، بعد يومين من تشكيل لجنة إدارة القطاع، معتبراً ذلك «خطوة حيوية نحو تنفيذ المرحلة الثانية من خطته الشاملة لإنهاء الصراع في غزة».

ويضم المجلس التنفيذي التأسيسي، وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمبعوث الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وصهر ترمب، جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، ورجل الأعمال الأميركي مارك روان، ورئيس البنك الدولي أجاي بانجا، إلى جانب نائب كبير موظفي البيت الأبيض روبرت جابرييل.

كما يضم المجلس التنفيذي لغزة، المبعوث الدولي السابق للشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ومستشار رئيس مجلس الوزراء القطري للشؤون الاستراتيجية علي الذوادي، ورئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد، ووزيرة دولة للتعاون الدولي الإماراتية ريم الهاشمي، ورجل الأعمال القبرصي الإسرائيلي ياكير جاباي، وكبيرة منسقي الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة سيغريد كاج.

وسيتولى ملادينوف مهام «الممثل الأعلى» لغزة، حيث سيعمل حلقة وصل ميدانية بين «مجلس السلام» و«اللجنة الوطنية لإدارة غزة».

وأعلنت مصر وتركيا والأرجنتين وكندا تلقي زعمائها أيضاً دعوات من الرئيس الأميركي للانضمام إلى المجلس.


أوجلان يعدّ معارك سوريا «محاولة تخريب» لعملية السلام في تركيا

جنود أميركيون من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» يقفون في حالة تأهب خلال اجتماع مع «قوات سوريا الديمقراطية» بدير حفر بسوريا أول من أمس (أ.ب)
جنود أميركيون من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» يقفون في حالة تأهب خلال اجتماع مع «قوات سوريا الديمقراطية» بدير حفر بسوريا أول من أمس (أ.ب)
TT

أوجلان يعدّ معارك سوريا «محاولة تخريب» لعملية السلام في تركيا

جنود أميركيون من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» يقفون في حالة تأهب خلال اجتماع مع «قوات سوريا الديمقراطية» بدير حفر بسوريا أول من أمس (أ.ب)
جنود أميركيون من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» يقفون في حالة تأهب خلال اجتماع مع «قوات سوريا الديمقراطية» بدير حفر بسوريا أول من أمس (أ.ب)

وصف زعيم «حزب العمال الكردستاني»، عبد الله أوجلان، القتال الدائر بين الجيش السوري والقوات الكردية في شمال شرقي سوريا بأنه «محاولة لتخريب عملية السلام»، التي بدأت في تركيا مع مقاتلي الحزب.

وأفاد وفد من حزب «المساواة وديمقراطية الشعوب» (حزب اليسار الأخضر) المؤيد للأكراد، الأحد، بأن «أوجلان يرى في هذا الوضع محاولة لتخريب عملية السلام وإرساء مجتمع ديمقراطي».

وكان الوفد قد زار، السبت، مؤسس حزب «العمال» الكردستاني المسجون في إسطنبول منذ عام 1999.

في 27 فبراير (شباط) 2025، دعا زعيم «حزب العمال الكردستاني» الحركة إلى حلّ نفسها وإلقاء السلاح لإنهاء أكثر من 4 عقود من القتال الذي أودى بحياة ما لا يقل عن 50 ألف شخص، وذلك استجابة لمبادرة من أنقرة.

وبعدما أمضوا «ساعتين ونصف الساعة» معه، نقل أعضاء في حزب «المساواة وديمقراطية الشعوب»، ثالث أكبر الأحزاب في البرلمان التركي، عن أوجلان تجديد «التزامه بعملية السلام والمجتمع الديمقراطي، وإشارته إلى أن رؤية 27 فبراير لا تزال قائمة». كما دعا أوجلان إلى «اتخاذ الخطوات اللازمة للمضي قدماً» في المسار السلمي.

وفي منتصف يناير (كانون الثاني)، ندَّدت القيادة العسكرية لـ«حزب العمال الكردستاني» بمحاولة «تقويض وقف إطلاق النار» مع أنقرة من خلال هجوم القوات السورية على آخر حيَّين كانا لا يزالان تحت سيطرة الأكراد في حلب، واللذين انسحب منهما لاحقاً المقاتلون الأكراد.


خط غير واضح يفصل بين الحياة والموت في غزة

تظهر في جباليا شمال قطاع غزة كتلة صفراء تحدد «الخط الأصفر» الذي يفصل بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر (أ.ب)
تظهر في جباليا شمال قطاع غزة كتلة صفراء تحدد «الخط الأصفر» الذي يفصل بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر (أ.ب)
TT

خط غير واضح يفصل بين الحياة والموت في غزة

تظهر في جباليا شمال قطاع غزة كتلة صفراء تحدد «الخط الأصفر» الذي يفصل بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر (أ.ب)
تظهر في جباليا شمال قطاع غزة كتلة صفراء تحدد «الخط الأصفر» الذي يفصل بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر (أ.ب)

قد يُمثّل الخط الفاصل، الذي يكون أحياناً غير مرئي، مسألة حياة أو موت للفلسطينيين في غزة. ويقول مَن يحتمون قرب «الخط الأصفر» الذي انسحب إليه الجيش الإسرائيلي بموجب اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول)، إنهم يعيشون في خوف دائم، إذ يُطلق الجنود الإسرائيليون النار بشكل شبه يومي على كل مَن يعبره أو حتى يوجد بالقرب منه.

ومن بين 447 فلسطينياً قُتلوا بين دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ ويوم الثلاثاء، قُتل 77 على الأقل بنيران إسرائيلية قرب الخط، من بينهم 62 عبروه، وفقاً لوزارة الصحة في غزة. ووجدت وكالة «أسوشييتد برس» أن من بين الضحايا مراهقين وأطفالاً صغاراً.

ورغم أن الجيش وضع بعض البراميل الصفراء والحواجز الخرسانية لتحديد حدود المنطقة الفلسطينية، فإن الخط لا يزال غير واضح في بعض الأماكن، وفي أماكن أخرى وُضع أعمق بنحو نصف كيلومتر (0.3 ميل) مما تم الاتفاق عليه في اتفاق وقف إطلاق النار، ما يُوسِّع الجزء من غزة الذي تسيطر عليه إسرائيل، بحسب فلسطينيين وخبراء في رسم الخرائط.

جثمان الطفلة همسة حوسو التي قتلها الجيش الإسرائيلي وتبلغ من العمر 11 عاماً بمستشفى الشفاء في جباليا (أ.ب)

وقال أحمد أبو جهال، أحد سكان مدينة غزة: «نبتعد عن البراميل. لا أحد يجرؤ على الاقتراب»، مشيراً إلى أن العلامات تبعد أقل من 100 متر (110 ياردات) عن منزله، بدلاً من 500 متر (546 ياردة) تقريباً كما هو موضح في خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي.

وحتى يوم الثلاثاء، أقرّ الجيش الإسرائيلي بقتل 57 شخصاً حول الخط الأصفر، مُدّعياً أن معظمهم من المسلحين. وأوضح أن قواته تلتزم بقواعد الاشتباك لمواجهة الجماعات المسلحة، وأنها تُبلغ الفلسطينيين بموقع الخط وتضع علامات عليه على الأرض «لتقليل الاحتكاك ومنع سوء الفهم».

من السهل التيه

وبموجب وقف إطلاق النار، سحبت إسرائيل قواتها إلى منطقة عازلة يصل عمقها إلى 7 كيلومترات (4 أميال) وتشمل معظم الأراضي الزراعية في غزة، ومناطقها المرتفعة، وجميع معابرها الحدودية. وهذا يُحاصر أكثر من مليونَي فلسطيني في شريط على طول الساحل ووسط غزة.

وقال مدير مستشفى الأهلي في مدينة غزة، فاضل نعيم، إن أشخاصاً من جميع الأعمار، بعضهم متوفون بالفعل، يتوافدون بشكل شبه يومي إلى غرفة الطوارئ مصابين بجروح ناجمة عن طلقات نارية؛ نتيجة تجولهم بالقرب من الخط الفاصل.

ووسط الدمار الهائل في غزة، يصعب في كثير من الأحيان تحديد خط الترسيم، كما قال نعيم. وروى كيف كان يشق طريقه عبر مسارات غير متضررة خلال زيارة قام بها مؤخراً إلى مدينة خان يونس الجنوبية. وقال إنه لم يلاحظ أنه كاد يعبر الخط حتى صرخ عليه السكان المحليون للعودة.

تظهر في جباليا شمال قطاع غزة كتلة صفراء تحدد «الخط الأصفر» الذي يفصل بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر (أ.ب)

وقال الجيش الإسرائيلي إن معظم من قتلهم في أثناء عبورهم الخط كانوا يُشكِّلون تهديداً لقواته. ووفقاً لمسؤول عسكري تحدَّث شريطة عدم الكشف عن هويته تماشياً مع القواعد العسكرية، فإن القوات تصدر تحذيرات صوتية، ثم تطلق طلقات تحذيرية كلما عبر أحدهم الخط. وأقرَّ المسؤول بأن كثيراً من المدنيين يتراجعون عند إطلاق الطلقات التحذيرية، على الرغم من مقتل بعضهم.

قُتل زاهر شاميا، البالغ من العمر 17 عاماً، في أثناء لعبه بالقرب من الخط. كان يعيش مع جده في خيمة تبعد 300 متر (330 ياردة) عن الخط في مخيم جباليا للاجئين شمال غزة. وفي 10 ديسمبر (كانون الأول)، كان يلعب مع ابن عمه وبعض أصدقائه بالقرب من الخط، وفقاً لمقطع فيديو صوره قبل وفاته.

وقُتل زاهر في أثناء لعبه بالقرب من الخط. فجأة، دوت طلقات نارية وتوقف الفيديو. وقال شاهد عيان إن جنوداً كانوا يقتربون من الخط بجرافة مدرعة أطلقوا النار على المراهقين، فأصابوا زاهر. وعثر أحد الجيران في نهاية المطاف على جثة زاهر، التي سُحقت تحت الجرافة، وقال جده كمال البيه: «لم نتعرَّف عليه إلا من رأسه». وأكد الطبيبان، محمد أبو سلمية ورامي مهنا، أن المراهق قُتل برصاص ثم دهسته جرافة. وقال مسؤول عسكري إنه كان على علم بأنَّ شاميا مدني، وأن الجيش يحقق في الأمر. وقالت مرام عطا إن ابنتها عهد البيوك، البالغة من العمر 3 سنوات، كانت تلعب مع إخوتها خارج خيمتهم، القريبة من الخط الأصفر على طول الساحل الجنوبي لغزة، في السابع من ديسمبر. وكانت عطا تُعدّ العدس عندما سمعت طائرات تحلق فوقها، ثم دويّ إطلاق نار. ومرّت قذيفة طائشة بالقرب منها وأصابت عهد، التي فارقت الحياة قبل وصولهم إلى العيادة. وقالت عطا وهي تبكي: «لقد فقدت ابنتي بسبب ما يسمونه (وقف إطلاق نار). أي وقف إطلاق نار يتحدثون عنه؟».

ونفى مسؤول عسكري وقوع عملية القتل.

غموض قاتل

وأفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأن الموقع الدقيق للخط غير واضح، ويختلف بين الخرائط التي نشرها الجيش الإسرائيلي والبيت الأبيض. ولا يتطابق أي منهما مع الخط الذي يبدو أن القوات تحدده على الأرض، وفقاً لفلسطينيين وخبراء في تحديد المواقع الجغرافية. وقام كريس أوسيك، محلل ومستشار استخبارات المصادر المفتوحة، بتحديد المواقع الجغرافية لعدد من المربعات الصفراء استناداً إلى مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي. ووجد 4 مناطق حضرية على الأقل وضعت فيها القوات المربعات على عمق مئات الأمتار داخل غزة، أبعد من الخط الأصفر المحدد في الخريطة العسكرية. قال أوسيك: «هذا ما يحدث عندما تسمح لترمب ببساطة بإنشاء صورة ونشرها على منصة (تروث سوشيال)، وتسمح للجيش الإسرائيلي بإنشاء صورته الخاصة». وأضاف: «إذا لم يكن النظام دقيقاً، بإحداثيات تسهل على الناس تحديد موقعه، فإنك تترك المجال مفتوحاً للجيش الإسرائيلي لتفسير الخط الأصفر كما يشاء».

أطفال فلسطينيون ينظرون إلى الدمار الذي أحدثه الجيش الإسرائيلي في دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

ورفض المسؤول العسكري هذه الانتقادات، قائلاً إن أي انحرافات عن الخريطة لا تتجاوز بضعة أمتار. لكن بالنسبة للفلسطينيين المحاصرين بالدمار والتهجير الواسعَين، فإن كل بضعة أمتار مفقودة تعني منزلاً آخر لا يمكن الاحتماء به، منزلاً آخر يشكّون في إمكانية استعادته.

«الخط يقترب جداً»

بموجب وقف إطلاق النار، من المفترض أن تبقى القوات الإسرائيلية عند الخط الأصفر فقط حتى انسحاب كامل، على الرغم من أن الاتفاق لا يحدد جدولاً زمنياً لذلك. ومع تأخر الخطوات التالية في الاتفاق، وحفر القوات مواقعها على الجانب الإسرائيلي، يتساءل الفلسطينيون عمّا إذا كانوا يشهدون استيلاءً دائماً على الأرض.

في ديسمبر، وصف وزير الدفاع الإسرائيلي الخط الأصفر بأنه «خط حدودي جديد، بمثابة خط دفاعي أمامي لمجتمعاتنا وخط للعمليات».

وواصل الجيش هدم المباني داخل المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل، محولاً الأحياء المتضررة أصلاً إلى أراضٍ قاحلة. وقد سُوّيت مدينة رفح بأكملها تقريباً بالأرض، خلال العام الماضي. ويقول الجيش إن هذا ضروري لتدمير الأنفاق وتجهيز المنطقة لإعادة الإعمار. في بعض المناطق، تجاوزت عمليات الهدم منذ وقف إطلاق النار الخط الأصفر الرسمي.

جثمان الطفلة همسة حوسو التي قتلها الجيش الإسرائيلي وتبلغ من العمر 11 عاماً بمستشفى الشفاء في جباليا (أ.ب)

ومنذ نوفمبر (تشرين الثاني)، سوّت القوات الإسرائيلية مساحةً من حيّ طفة في مدينة غزة بالأرض، تمتدّ نحو 300 متر (330 ياردة) خارج المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل، وذلك وفقاً لصور الأقمار الاصطناعية التي التقطتها شركة «بلانيت لابز» في 14 أكتوبر و18 ديسمبر. وعاد أبو جهال إلى منزله المتضرر في طفة مع بداية وقف إطلاق النار. وقال إنه كان يرى باستمرار ظهور براميل صفراء جديدة، والجيش يُجبر كل من يسكن على جانبه من العلامات على إخلاء منزله. وفي 7 يناير (كانون الثاني)، أصابت نيران إسرائيلية منزلاً بالقرب منه، ما اضطرّ سكانه إلى الإخلاء، على حدّ قوله. وأضاف أبو جهال أن عائلته - بمَن في ذلك زوجته وطفله و7 من أقاربه - قد تضطرّ أيضاً إلى المغادرة قريباً. وقال: «الخط يقترب جداً».