هل تكسر الموجة الحارة في نهاية يوليو الأرقام القياسية المُسجلة عربياً؟

العراق يبلغ 50 درجة ومصر تصل إلى 47

عراقي يواجه درجات الحرارة المرتفعة بغسل وجهه بالماء (أ.ف.ب)
عراقي يواجه درجات الحرارة المرتفعة بغسل وجهه بالماء (أ.ف.ب)
TT

هل تكسر الموجة الحارة في نهاية يوليو الأرقام القياسية المُسجلة عربياً؟

عراقي يواجه درجات الحرارة المرتفعة بغسل وجهه بالماء (أ.ف.ب)
عراقي يواجه درجات الحرارة المرتفعة بغسل وجهه بالماء (أ.ف.ب)

تشهد المنطقة العربية هذه الأيام موجة حر شديدة وغير معتادة، وسط تحذيرات من استمرار ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية في بعض المناطق.

وتُشير تحليلات موقع «طقس العرب» إلى اتساع رقعة تأثر المنطقة خلال الأيام المقبلة بما يُعرف بـ«القبة الحرارية»، وهي كتلة هوائية شديدة السخونة تتمركز في طبقات الجو العليا، وتتركّز بشكل خاص فوق العراق والكويت وشرق السعودية. ومن المتوقع أن يؤدي تمركز هذه الكتلة اللاهبة فوق العراق إلى ارتفاع كبير في درجات الحرارة، قد يتجاوز 50 درجة مئوية في العاصمة بغداد، ما يضعها بين أكثر مدن العالم حرارة مطلع الأسبوع.

ويُعزى هذا الارتفاع أيضاً إلى تعاظم تأثير المرتفع الجوي شبه المداري، الذي يُعزز من شدة القبة الحرارية، لتبلغ ذروتها في العراق والكويت وشرق السعودية، وهي تُعد حالياً من بين المناطق الأشد حرارة على سطح الأرض. كما تمتد تأثيرات هذه الكتلة إلى بلاد الشام، حيث تسود أجواء أكثر حرارة من المعتاد، في حين سجلت مصر درجات حرارة تقترب من 44 درجة مئوية في مناطق عدة.

موجة طويلة

من جانبه، أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ في جامعة الزقازيق ونائب رئيس هيئة الأرصاد الجوية السابق، أن فصل الصيف يشهد عادة موجات حر شديدة لا تتجاوز مدتها يومين أو ثلاثة أيام.

لكن اللافت العام الحالي، حسب قوله، هو استمرار الموجة الحالية إلى أكثر من أسبوع متواصل، حيث تتجاوز درجات الحرارة العظمى حاجز الـ40 درجة مئوية في مصر ومعظم أنحاء المنطقة العربية.

الخرائط الجوية تشير إلى اتساع رقعة تأثر المنطقة العربية بكتلة هوائية شديدة الحرارة (موقع طقس العرب)

وأوضح الدكتور علي قطب، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الموجة الطويلة والحارّة أثّرت على منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، وتزامنت مع ارتفاع ملحوظ في نسب الرطوبة، ما أدى إلى زيادة الإحساس بشدة الحرارة لدى المواطنين.

وبيّن أن السبب الرئيسي وراء هذه الموجة يعود إلى تأثر المنطقة بمنخفض الهند الموسمي، بالتزامن مع وجود مرتفع جوي في طبقات الجو العليا، وهو ما ساهم في استمرار ارتفاع درجات الحرارة، مشيراً إلى أن توزيع الضغط الجوي في الطبقات العليا ساعد كذلك في تعميق تأثير الحرارة.

وأضاف أن هناك علاقة عكسية بين نشاط الرياح ونسب الرطوبة النسبية؛ فكلما هدأت حركة الرياح، زادت قدرة الهواء على حمل بخار الماء، مما يؤدي إلى ارتفاع نسب الرطوبة وبالتالي زيادة الإحساس بحرارة الطقس.

من جانبه، قال الدكتور محمود شاهين، مدير عام التنبؤات والإنذار المبكر في الهيئة العامة للأرصاد الجوية المصرية، إن مصر والمنطقة العربية تمرّ حالياً بموجة شديدة الحرارة نتيجة امتداد منخفض الهند الموسمي العميق، الذي يغطي جميع المناطق والمدن.

وأشار إلى أن ما يميز هذه الموجة عن سابقاتها هو أن ارتفاع درجات الحرارة يتزامن مع ارتفاع ملحوظ في نسب الرطوبة وبخار الماء في الكتل الهوائية، ما يزيد من شعور المواطنين بحرارة الطقس.

سيدة عراقية تحمي وجهها من أشعة الشمس (أ.ف.ب)

وأوضح الدكتور محمود شاهين لـ«الشرق الأوسط» أن الكتل الهوائية التي ترفع درجات الحرارة تكون عادة جافة إلى حد ما، لكن الكتل المؤثرة حالياً رطبة بشكل كبير، حيث تقترب نسبة الرطوبة الصغرى في مصر من 50 في المائة.

وأشار إلى أن ذلك يزيد من الإحساس بالحرارة بشكل كبير، مقارنة بدرجات الحرارة المسجلة فعلياً، التي تُقاس عادة في الظل. وأضاف أن درجات الحرارة تفاوتت خلال ساعات النهار في أنحاء متفرقة من مصر، حيث وصلت في بعض المناطق إلى ما بين 44 و45 درجة مئوية.

هل يستمر الارتفاع؟

وحسب متخصصين في مركز «طقس العرب» الإقليمي، تُظهر الخرائط الجوية تموّجات في التيار النفاث مع أواخر يوليو (تموز) ومطلع أغسطس (آب)، مما يُتيح تقدّم كتلة هوائية أقل حرارة وأكثر رطوبة نحو شرق البحر المتوسط.

ويُتوقّع أن تنكسر الموجة الحارة في مصر خلال الأيام القليلة المقبلة، مع تراجع ملحوظ في درجات الحرارة وعودتها إلى معدلاتها المعتادة. وتبدو تأثيرات هذه الكتلة أوضح في بلاد الشام، حيث تعود الأجواء الصيفية المعتدلة، وتزداد نسب الرطوبة مع نشاط الرياح البحرية وظهور السحب المنخفضة، التي قد تؤدي إلى هطول أمطار محلية على السواحل السورية واللبنانية، حسبما أفاد به «طقس العرب».

كما يُتوقع أن يمتد تأثير الكتلة الهوائية المعتدلة إلى العراق، ما يُسهم في كسر حدة الموجة الحارة هناك، وانخفاض درجات الحرارة، مع نشاط الرياح المثيرة للغبار والأتربة.

مصر تشهد موجة حرارة مرتفعة للغاية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وحول احتمالية تسجيل درجات حرارة قياسية في المنطقة العربية، أشار قطب إلى أن هناك احتمالاً لتسجيل درجات حرارة قياسية أو قريبة منها في بعض المناطق العربية، خاصةً مع استمرار تأثير منخفض الهند الموسمي وارتفاع نسب الرطوبة، ما يزيد من الإحساس بالحرارة.

لكنه أضاف أن هذه الموجة، رغم شدتها وطول مدتها غير المعتاد، لا تعني بالضرورة كسر الأرقام القياسية المسجّلة سابقاً، حيث تجاوزت درجات الحرارة العظمى 48 درجة مئوية في بعض مناطق الشرق الأوسط، بل وصلت إلى أكثر من 50 درجة مئوية في دول مثل الكويت وجنوب مصر، لكن تكرار مثل هذه الموجات خلال شهر أغسطس وارد جداً، في ظل استمرار التغيرات المناخية وظاهرة الاحتباس الحراري.

فيما لفت مدير عام التنبؤات والإنذار المبكر بالهيئة العامة للأرصاد الجوية المصرية إلى أن التغيرات المناخية تلعب دوراً بارزاً في إطالة مدة الموجة، حيث تجاوزت الأسبوع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، متوقعاً أن تبدأ الموجة بالانكسار في مصر يوم الأربعاء المقبل.

وأضاف شاهين أن هذه التغيرات أسهمت في زيادة تطرف موجة الحر، حيث تزامن ارتفاع درجات الحرارة مع ارتفاع كبير في نسب الرطوبة.

وتوقّع شاهين أن تكون الموجة الحالية هي الأشد خلال صيف 2025، مرجحاً ألا تسجل مصر درجات حرارة أعلى خلال ما تبقى من فصل الصيف، حيث ستكون الموجات المقبلة أقل حدة.

ارتفاعات قصوى

تاريخياً، سجّلت مدن حول العالم درجات حرارة قصوى على مدار العقود، وصلت في بعضها إلى مستويات قياسية تهدّد الحياة.

وفي منطقة «وادي الموت» بولاية كاليفورنيا (الولايات المتحدة)، سُجلت أعلى درجة حرارة في التاريخ الحديث عند 56.7 درجة مئوية عام 1913، في حين بلغت حرارة سطح الأرض هناك نحو 93.9 درجة مئوية في عام 1972، وفق شبكة «بي بي سي».

عراقي يواجه درجات الحرارة المرتفعة بغسل وجهه بالماء (أ.ف.ب)

وجاءت مدينة قبلي التونسية في المرتبة الثانية عالمياً بدرجة حرارة بلغت 55 مئوية سُجلت عام 1931، تلتها مدينة الأهواز الإيرانية التي سجلت 54 مئوية في عام 2017.

وفي قائمة أكثر المدن حرارة حول العالم، برزت مدينتا الكويت والبصرة في العراق بدرجات حرارة بلغت 53.9 درجة مئوية، متفوقتين على مدينة تُربت في باكستان التي سجلت 53.7 درجة مئوية. كما شهد معبر الجزيرة الحدودي في الإمارات حرارة بلغت 52.1 درجة مئوية، فيما سُجلت في مدينة ميكسيكالي المكسيكية 52 درجة مئوية.

أما مدينة جدة السعودية، فقد سجّلت أعلى درجة حرارة في تاريخها عند 52 درجة مئوية في يونيو (حزيران) 2010، في حين بلغت الحرارة في مدينة أسوان المصرية 51 درجة مئوية في يوليو 1918، و49.6 درجة مئوية في يوليو 2024، ما يعكس بوضوح أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تُعد من بين أكثر مناطق العالم تأثراً بالموجات الحارة.


مقالات ذات صلة

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

بيئة سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم.

«الشرق الأوسط» (باريس)
بيئة حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)

المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

أفاد فريق من العلماء من مختلف أنحاء العالم، الجمعة، بأن المحيطات امتصت كمية قياسية من الحرارة عام 2025، مما زاد من احتمال ارتفاع مستوى البحار وحدوث عواصف عنيفة.

«الشرق الأوسط» (برست (فرنسا))
الولايات المتحدة​ طائرة تستعد للإقلاع خلال عاصفة شتوية في مطار غريتر روتشستر الدولي بنيويورك (رويترز)

عاصفة شتوية تُلغي مئات الرحلات الجوية في الولايات المتحدة

أدت عاصفة شتوية مصحوبة بهطول ثلوج كثيفة إلى إلغاء مئات من الرحلات في نيويورك وعبر شمال شرقي الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
بيئة قِطع جليد عائمة في المحيط المتجمد الشمالي (رويترز-أرشيفية)

القطب الشمالي يسجّل أعلى معدل حرارة سنوي بتاريخ السجلات

سجّل العام المنصرم أكثر السنوات حرارة على الإطلاق في المنطقة القطبية الشمالية، وفق تقرير صادر عن وكالة أميركية مرجعية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم بحلول نهاية القرن لن يتبقى سوى 9 في المائة من الأنهار الجليدية (رويترز)

باحثون يتوقعون ذوبان آلاف الأنهر الجليدية سنوياً بحلول منتصف القرن

أظهرت دراسة حديثة أن آلاف الأنهر الجليدية ستختفي سنوياً خلال العقود المقبلة، ولن يتبقى منها سوى جزء ضئيل.

«الشرق الأوسط» (باريس)

مصر تتوسع في إقامة المعارض الأثرية بثلاث قارات

المعارض الأثرية المصرية اجتذبت أرقاماً قياسية للزوار في الخارج (وزارة السياحة والآثار)
المعارض الأثرية المصرية اجتذبت أرقاماً قياسية للزوار في الخارج (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر تتوسع في إقامة المعارض الأثرية بثلاث قارات

المعارض الأثرية المصرية اجتذبت أرقاماً قياسية للزوار في الخارج (وزارة السياحة والآثار)
المعارض الأثرية المصرية اجتذبت أرقاماً قياسية للزوار في الخارج (وزارة السياحة والآثار)

بعد النجاح الذي حققته المعارض الأثرية المصرية المؤقتة التي أقيمت في عدة مدن حول العالم واجتذبت ملايين الزوار، أعلن الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، التابع لوزارة السياحة والآثار المصرية، عن التوسع في إقامة المعارض الأثرية المؤقتة في الخارج في 3 قارات، هي آسيا وأوروبا وأميركا خلال العام الحالي.

وعقب رصده للنجاحات التي حققتها المعارض الأثرية الحالية في الخارج خلال الاحتفال بعيد الآثاريين المصريين، الخميس، قال الدكتور محمد إسماعيل خالد، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، إنه «من المقرر أن يشهد عام 2026 تنظيم معارض خارجية جديدة في أوروبا وآسيا وأميركا».

موضحاً في بيان للوزارة أن المعارض الخارجية حقّقت أرقاماً قياسية في أعداد الزائرين، «حيث استقطب معرض (كنوز الفراعنة) المقام بالعاصمة الإيطالية روما نحو 120 ألف زائر منذ افتتاحه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بينما استقبل معرض (مصر القديمة تكشف عن أسرارها - كنوز من المتاحف المصرية) في هونغ كونغ نحو 90 ألف زائر منذ افتتاحه في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وواصل معرض (رمسيس وذهب الفراعنة) نجاحه محققاً نحو 420 ألف زائر بمحطته الحالية في مدينة طوكيو اليابانية منذ افتتاحه في مارس (آذار) الماضي».

وكانت المعارض الأثرية المصرية الخارجية اجتذبت من قبل أرقاماً قياسية، يصل مجموعها إلى ملايين الزوار في أميركا وباريس ولندن وأستراليا، واجتذب معرض «على قمة الهرم... حضارة مصر القديمة» في شنغهاي بالصين أكثر من مليوني زائر خلال فترة عرضه.

المعارض الأثرية روّجت للحضارة المصرية القديمة في الخارج (وزارة السياحة والآثار)

و«يأتي توجه الدولة للتوسّع في إقامة المعارض الأثرية بالخارج عبر 3 قارات كخطوة استراتيجية تتجاوز الإطار الثقافي إلى أبعاد سياسية واقتصادية أعمق»، وفق المتخصّصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان. مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «المعارض الأثرية لم تعد مجرد وسيلة عرض لماضي مصر المجيد، بل أصبحت أداة دبلوماسية ناعمة تُستخدم لإعادة تقديم الدولة المصرية أمام الرأي العام العالمي بوصفها مركزاً حضارياً حياً، بالإضافة إلى كونها أشبه بمتحف مفتوح».

وعدّت هذه المعارض «تخلق حالة من التفاعل الإنساني المباشر مع الحضارة المصرية، وتحوّل الإعجاب التاريخي إلى ارتباط وجداني مع الدولة المعاصرة».

«كما تمثل هذه المعارض استثماراً ذكياً في أحد أقوى الأصول التي تمتلكها مصر؛ تراثها». وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، معتبرة أن «العائد لا يقتصر على رسوم التذاكر أو عقود الاستضافة، بل يمتد إلى الترويج السياحي غير المباشر، وجذب المستثمرين، وتعزيز الثقة الدولية في إدارة مصر لتراثها وفق المعايير العالمية».

ولفتت إلى أن «التوسّع في 3 قارات لا يعني انتشاراً جغرافياً فقط، بل ترسيخاً لمكانة مصر كقوة ثقافية عالمية، فالمعارض الأثرية لم تعد نشاطاً ترويجياً، بل أصبحت جزءاً من مشروع وطني لإعادة بناء صورة مصر في العالم، ليس بوصفها دولة ذات ماضٍ عظيم فحسب، بل كدولة تعرف كيف توظف هذا الماضي في صناعة الحاضر والمستقبل».


«الهاربات»... مسرحية تونسية تربط الحكي بفنون الفُرجة

اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)
اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)
TT

«الهاربات»... مسرحية تونسية تربط الحكي بفنون الفُرجة

اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)
اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)

يقدم العرض المسرحي التونسي «الهاربات» حكاية 6 شخصيات داخل فضاء واحد مغلق، في يوم يبدو عادياً، لكنه يتحول تدريجياً إلى مساحة لكشف الأسرار، والخوف، والرغبة في النجاة، الشخصيات لا تحمل أسماء تقليدية بقدر ما تمثل حالات إنسانية متباينة، لكل واحدة تاريخها، ووجعها، وطريقتها الخاصة في المواجهة، أو الهروب، مما يجعل العرض المشارك ضمن فعاليات «مهرجان المسرح العربي» المقام في القاهرة قائماً على تداخل الحكايات الفردية في مواجهة مصير جماعي واحد.

تبدأ الأحداث بإيقاع هادئ أقرب إلى اللعب، والثرثرة اليومية، قبل أن تتصاعد التوترات مع ظهور الخلافات الصغيرة التي تكشف هشاشة العلاقات بين البطلات، تتحول المساحة إلى ساحة مواجهة غير مباشرة، حيث تتصارع الرغبات المكبوتة مع الخوف، وتتصادم الأحلام المؤجلة مع واقع ضاغط، في صورة أقرب إلى خرافة معاصرة تحاكي الحياة دون تسميتها صراحة.

تعتمد الشخصيات على الحكي وسيلة للدفاع عن الذات، وتبرير الاختيارات، فتروي كل امرأة جزءاً من قصتها، بين فقدان، انتظار، خيبة، أو رغبة في التحرر، هذا التعدد في الأصوات يمنح العرض تنوعاً درامياً، ويجعل المشاهد أمام قصص إنسانية تعكس نماذج مختلفة من النساء في مواجهة المجتمع، والقدر، والذات.

الحركة الجسدية تلعب دوراً رئيساً في التعبير عن الصراع، إذ تتحول خطوات الممثلات، وتكويناتهن الجماعية، وحالات التجمّع، والتفكك إلى لغة بصرية توازي الحوار، في مشاهد كثيرة، يختفي الكلام، وتحل مكانه الإيماءة، والنظرة، والاندفاع، بما يمنح العرض طاقة حركية تحافظ على إيقاعه، وتكثّف معناه.

يبرز داخل العرض حضور رجالي محدود يظهر بوصفه قوة ضغط، أو ذاكرة غائبة أكثر منه شريكاً مباشراً في الحدث، مما يزيد إحساس العزلة لدى الشخصيات النسائية، ويعمّق شعورهن بالحصار، والرغبة في الانفلات، في توازن درامي يخدم فكرة الهروب بوصفه حالة نفسية.

العرض التونسي تناول قضايا اجتماعية في إطار نفسي (إدارة المهرجان)

«الهاربات» تأليف وسينوغرافيا وإخراج وفاء الطبوبي، وبطولة فاطمة بن سعيدان، ومنيرة الزكراوي، ولبنى نعمان، وأميمة البحري، وصبرين عمر، وأسامة الحنايني، وهو أحد العروض المشاركة بالمسابقة الرسمية لمهرجان «المسرح العربي» في دورته التي تتختم بالقاهرة مساء الجمعة.

وفاء طبوبي قالت لـ«الشرق الأوسط» إن «العرض جاء ثمرة رحلة طويلة من الاشتغال اليومي، والتجريب المتواصل»، معتبرة أن «التناغم الذي لمسه الجمهور على الخشبة لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج ستة أشهر كاملة من التدريبات المكثفة، التي بُني خلالها العمل خطوة خطوة، حتى تشكّلت لغته الجسدية، والإيقاعية بصورة عضوية، ومتجانسة».

وأوضحت أن منهجها في العمل اعتمد في مرحلته الأولى على التعامل مع الممثلات بوصفهن شخصيات حقيقية تحمل تجارب، وأسئلة، ومشاعر، قبل الانتقال لاحقاً إلى صياغة الشخصيات الدرامية، وبناء الأداء المسرحي، لافتة إلى أن «هذا المسار أتاح خلق علاقة إنسانية عميقة داخل الفريق، انعكست مباشرة على صدق الحركة، والتفاعل فوق الخشبة».

وقالت وفاء إن «عرض (الهاربات) ينطلق من فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تتضمن طبقات إنسانية متعددة، تسمح بتعدد القراءات، والتأويلات»، مؤكدة أن المسرح بالنسبة لها فعل حي يقوم على الاكتشاف المستمر، لا على القوالب الجاهزة، أو التفسير المغلق.

وأضافت أن المسرح، في تصورها، بمثابة «تمرين بسيط شديد التعقيد»، يتطلب صبراً طويلاً، وانضباطاً عالياً، لأن بناء العلاقة بين الجسد، والفضاء، والإيقاع يحتاج إلى زمن كافٍ حتى يبلغ درجة الانسجام المطلوبة، وهو ما سعت إلى تحقيقه في هذا العمل من خلال التدريب اليومي، والاشتغال الدقيق على التفاصيل، معربة عن سعادتها بردود الفعل التي تلقتها بعد العرض: «ردود الفعل أسعدتني، ومنحتني إحساساً بأن الجهد المبذول وصل إلى المتفرجين بصدق، ووضوح».

العرض التونسي حظي بإشادات في مهرجان المسرح العربي (إدارة المهرجان)

ووصف الناقد المسرحي المصري، باسم صادق، العرض بأنه «أحد أفضل العروض المشاركة في المهرجان، لكونه يحمل خصوصية واضحة تعكس ملامح المسرح التونسي عموماً، إلى جانب البصمة الإخراجية المميزة لمخرجته على وجه الخصوص، سواء على مستوى الرؤية الجمالية، أو إدارة الممثلين، وبناء المشهد المسرحي».

وأضاف صادق لـ«الشرق الأوسط» أن «العرض تميّز بتكامل عناصره الفنية، مع اعتماد أساسي على الفضاء المسرحي العاري من الديكور، وهو اختيار أسهم في التعبير عن حالة الخواء، والإزاحة التي تعيشها الشخصيات، وتواجهها أحياناً بالقوة، وأحياناً أخرى بضعف إنساني مشروع، ما منح المشاهد إحساساً مباشراً بحالة العزلة، والضغوط النفسية التي تحاصر أبطال العمل».

وأضاف أن «هذا الفراغ البصري أتاح مساحة واسعة لطاقات الممثلين الإبداعية، حيث برز تناغم واضح، وتفاعل حيّ بين الشخصيات، خصوصاً في التعبير عن أوجاع الأم، ومعاناة الشخصيات النسائية، إلى جانب الممثل الوحيد المشارك في العرض، وهو ما خلق حالة أداء جماعي متماسك، ومؤثر».

مؤكداً أن «الشخصيات تأرجحت داخل لوحات متتالية شديدة الترابط، نجحت في رصد معاناتها، وتحولاتها النفسية، وإن كانت بعض هذه اللوحات قد عابها بطء الإيقاع أحياناً، مع غلبة السرد على الفعل المسرحي، وهو ما أثّر جزئياً على تدفق المشاهد في بعض المقاطع».

مشيداً باحترافية ممثلات العرض بشكل عام اللاتي «قدمن أداء على مستوى عالٍ من الدقة، والانضباط، مع تميّز خاص للفنانة فاطمة بن سعيدان، التي قدّمت –بحسب وصفه– درساً متكاملاً في الأداء التمثيلي، والتعبيري، جمعت فيه بين العمق، والجدية، وخفة الظل».


تكريم 6 شخصيات عربية بلقب «نوابغ العرب 2025»

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
TT

تكريم 6 شخصيات عربية بلقب «نوابغ العرب 2025»

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)

كُرّم اليوم في دبي 6 شخصيات عربية في حفل جوائز «نوابغ العرب»، وذلك نظير المنجزات والإسهامات في مجالات الطب والاقتصاد، والهندسة والتكنولوجيا والعلوم الطبيعية، والعمارة والتصميم، والأدب والفنون.

وأكد الشيخ محمد بن راشد، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، أن مبادرة «نوابغ العرب» انطلقت لتستمر وتتوسع، وتستثمر في الإمكانات العربية الراهنة والواعدة، مشدداً على أنها تمثل تقديراً حقيقياً للعقل العربي، واحتفاءً بما حققه من منجزات في البحث والتطوير والابتكار والتكنولوجيا والثقافة والمعمار، بما يخدم الإنسان والإنسانية.

وأضاف: «نهنئ الفائزين بجائزة نوابغ العرب 2025: البروفسور عباس الجمل عن فئة الهندسة والتكنولوجيا، والدكتور نبيل صيدح عن فئة الطب، والبروفسور بادي هاني عن فئة الاقتصاد، والبروفسور ماجد شرقي عن فئة العلوم الطبيعية، والدكتورة سعاد العامري عن فئة العمارة والتصميم، والبروفسور شربل داغر عن فئة الأدب والفنون. هذه أسماء عربية نريدها قدوة للأجيال، تنير طريقهم نحو المستقبل بالعلم والمعرفة».

وشدد الشيخ محمد بن راشد على ثقته بقدرات الكفاءات العربية على إحداث تحولات نوعية في مشهد البحث العلمي والتقدم المعرفي والثقافي العالمي، مؤكداً أن المبادرة ستواصل إبراز المنجزات الحضارية المضيئة للعقول العربية، المتفائلة بالمستقبل والطامحة إلى تحقيق أهداف لا تعترف بالمستحيل.

من جانبه، قال محمد القرقاوي، وزير شؤون مجلس الوزراء، إن إطلاق مشروع «نوابغ العرب» يمثل أكبر تقدير فعلي للعقول العربية المتميزة، وأهم استثمار استراتيجي في تمكينها وتشجيع هجرتها العكسية، للمساهمة في نهضة حضارية عربية جديدة.

واعتبر القرقاوي أن تكريم «نوابغ العرب 2025» يشكل رسالة ملهمة لملايين الشباب العربي لخوض غمار التميز والابتكار وصناعة مستقبل مشرق للحضارة العربية والإنسانية.

وفاز عن فئة الطب الدكتور نبيل صيدح، تقديراً لإسهاماته في أبحاث صحة القلب وتنظيم مستويات الكوليسترول، ومساهمته في تطوير أدوية حديثة أسهمت في حماية ملايين الأشخاص من النوبات القلبية والجلطات.

وفي فئة الأدب والفنون، توّج البروفسور شربل داغر، عن مسيرته التي جمعت بين الإبداع الشعري والدراسة النقدية، وإسهاماته في تطوير الدراسات الجمالية والفنية العربية.

أما فئة الاقتصاد، فحصل عليها البروفسور بادي هاني، لإسهاماته الرائدة في الاقتصاد القياسي وتطوير أدوات تحليل البيانات الاقتصادية، بما مكّن الحكومات والمؤسسات من تصميم سياسات أكثر دقة واستناداً إلى البيانات.

وفي فئة الهندسة والتكنولوجيا، نال البروفسور عباس الجمل الجائزة عن أعماله في نظرية معلومات الشبكات، وإسهاماته في تطوير بروتوكولات الاتصالات الرقمية وتقنيات الشرائح الذكية ومستشعرات الصور المستخدمة في الهواتف الذكية.

وحصد البروفسور ماجد شرقي جائزة فئة العلوم الطبيعية، لإسهاماته في دراسة تفاعلات الضوء مع المادة، وتطوير تقنيات الأشعة السينية فائقة السرعة التي فتحت آفاقاً جديدة في الكيمياء والفيزياء وعلوم المواد والطاقة المتجددة.

أما فئة العمارة والتصميم، ففازت بها الدكتورة سعاد العامري، تقديراً لجهودها في صون التراث المعماري الفلسطيني، وتوثيق المباني التاريخية وترميمها وإعادة توظيفها بما يخدم المجتمع ويحفظ الهوية.

وفي كلماتهم، أكد الفائزون أن مبادرة «نوابغ العرب» تمثل منصة استراتيجية لتقدير العقول العربية، وتسليط الضوء على إنجازاتها، وتشجيع الاستثمار في توسيع أثرها، وإلهام الأجيال الشابة.