اتفاق جمركي «تاريخي» بين أميركا واليابان

ترمب خفّض الرسوم مقابل استثمارات ضخمة وسط غموض في التفاصيل وتفاعل قوي من الأسواق

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا في مناسبة سابقة بالبيت الأبيض في شهر فبراير الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا في مناسبة سابقة بالبيت الأبيض في شهر فبراير الماضي (أ.ف.ب)
TT

اتفاق جمركي «تاريخي» بين أميركا واليابان

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا في مناسبة سابقة بالبيت الأبيض في شهر فبراير الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا في مناسبة سابقة بالبيت الأبيض في شهر فبراير الماضي (أ.ف.ب)

في خطوة عدّها مراقبون مفصلية في مسار العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة واليابان، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن التوصل إلى اتفاق تجاري «تاريخي» مع طوكيو، يتضمن خفضاً كبيراً في الرسوم الجمركية على السيارات اليابانية، مقابل حزمة استثمارية يابانية بقيمة 550 مليار دولار.

وجاء هذا التطور وسط تحركات دبلوماسية وتجارية حثيثة من البيت الأبيض لعقد صفقات مع حلفاء آسيويين قبيل الموعد النهائي في الأول من أغسطس (آب) لفرض رسوم جديدة.

الصفقة، التي وُصفت بأنها «الأكبر من نوعها»، حسب تعبير ترمب، أثارت ردود فعل واسعة في الأسواق العالمية، خصوصاً في قطاع السيارات، وشكَّلت نقطة تحوّل في علاقات البلدين التي طالما تأرجحت بين التعاون والتوتر.

بائع صحف في العاصمة اليابانية طوكيو يحمل جريدة تبرز إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن الاتفاق التجاري مع اليابان (أ.ب)

ملامح الاتفاق

وحسب المعلومات المتاحة، ينص الاتفاق على خفض الرسوم الجمركية الأميركية على واردات السيارات اليابانية من 27.5 في المائة إلى 15 في المائة، بما في ذلك الرسوم الأساسية التي تبلغ 2.5 في المائة، والرسوم الإضافية المفروضة منذ أبريل (نيسان) الماضي بنسبة 25 في المائة. كما يشمل تخفيضاً للرسوم التي كان من المقرر تطبيقها من 1 أغسطس على سلع يابانية أخرى، من 25 إلى 15 في المائة.

في المقابل، وافقت اليابان على تقديم حزمة تمويل واستثمار تشمل قروضاً وضمانات حكومية بقيمة 550 مليار دولار، بهدف دعم الشركات اليابانية في بناء سلاسل توريد مرنة في قطاعات استراتيجية، مثل الأدوية وأشباه الموصلات، وهي قطاعات تواجه فيها الولايات المتحدة تحديات هيكلية منذ جائحة «كورونا».

وأشاد رئيس الوزراء الياباني، شيغيرو إيشيبا، بالاتفاق، وعدّه بدوره «تاريخياً»، مؤكداً أنه يُمثل أدنى مستوى من الرسوم المفروضة على دولة لديها فائض تجاري مع الولايات المتحدة. وقد بلغ حجم التجارة الثنائية بين البلدين نحو 230 مليار دولار في عام 2024، منها 70 مليار دولار فائضاً لصالح اليابان.

شاشة في بورصة العاصمة اليابانية طوكيو تظهر حركة الأسهم التي شهدت صعوداً كبيراً يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

قفزة في أسهم السيارات

وردّت الأسواق المالية بسرعة على الاتفاق، فقد ارتفع مؤشر «نيكي» الياباني بنسبة 4 في المائة، مسجلاً أعلى مستوى له منذ عام، مدفوعاً بارتفاع كبير في أسهم شركات السيارات. وسجّلت «تويوتا» قفزة بأكثر من 14 في المائة، في حين ارتفعت أسهم «هوندا» بنحو 11 في المائة.

وتجاوز تأثير الاتفاق حدود اليابان؛ حيث شهدت أسهم شركات صناعة السيارات الأوروبية والكورية الجنوبية ارتفاعاً واضحاً بدافع التفاؤل في إمكانية توصل بلدانهم إلى اتفاقات مماثلة مع واشنطن.

كما أبدى نائب محافظ بنك اليابان، شينيتشي أوشيدا، تفاؤله بالاتفاق، وعدّه «تقدماً كبيراً» يُخفف من حالة عدم اليقين الاقتصادي، ما يزيد من فرص تحقيق هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة للتضخم.

تحفظات وانتقادات

لكن في الداخل الأميركي، لم يكن الاتفاق موضع ترحيب بالإجماع، فقد أعربت شركات صناعة السيارات الأميركية عن قلقها من الاتفاق، عادّة أنه يمنح الأفضلية للمركبات اليابانية على حساب تلك المصنعة في أميركا الشمالية.

وقال مات بلانت، رئيس مجلس سياسة السيارات الأميركي: «أي اتفاق يفرض تعريفة أقل على الواردات اليابانية التي لا تحتوي تقريباً على مكونات أميركية، مقارنة بالرسوم على المركبات المصنّعة في أميركا الشمالية ذات المكونات الأميركية العالية، هو اتفاق سيئ لصناعة السيارات الأميركية وعمالها».

كما لا يشمل الاتفاق واردات الصلب والألمنيوم اليابانية، التي تظل خاضعة لرسوم إضافية بنسبة 50 في المائة. وأكد المفاوض الياباني، ريوسي أكازاوا، أن هذه المواد لم تُدرج ضمن الاتفاق، وكذلك الإنفاق الدفاعي، الذي كان أحد مطالب إدارة ترمب في وقت سابق.

عشرات السيارات المعدة للتصدير مصفوفة في ميناء يوكوهاما الياباني (رويترز)

أبعاد سياسية واقتصادية أوسع

ويُعد الاتفاق إنجازاً شخصياً للرئيس ترمب، الذي كتب عبر منصته «تروث سوشيال»: «لقد أبرمنا للتو أكبر صفقة تجارية في التاريخ مع اليابان». وعبّر في تصريح لاحق من البيت الأبيض عن أمله في تشكيل مشروع مشترك مع اليابان لدعم خط أنابيب غاز في ألاسكا، ما يُشير إلى توجّه نحو توسيع التعاون الاقتصادي، ليشمل الطاقة والبنية التحتية.

من جانبه، أعرب أكازاوا، كبير المفاوضين اليابانيين، عن ارتياحه. وكتب عبر منصة «إكس»: «المهمة-أُنجزت»، مُلمّحاً إلى أن الاتفاق جاء بعد مفاوضات ماراثونية، وأنه تم التوصل إليه بعد تنازلات من الطرفين، خصوصاً بشأن اختبارات السلامة اليابانية على السيارات الأميركية المستوردة، والتي تعهدت طوكيو بالتخلي عنها.

نقاط من الغموض

ورغم الأجواء الاحتفالية التي صاحبت الإعلان، فإن الاتفاق لا يخلو من الغموض، سواء من حيث تفاصيل التنفيذ، أو الشروط الدقيقة المرتبطة بالاستثمارات اليابانية. وكان من أبرز الدلائل على ذلك تصريح رئيس الوزراء إيشيبا نفسه بأن حكومته «ستدرس تفاصيل الاتفاق بعناية» قبل تقديم تقييم نهائي.

رئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا يتحدث إلى الصحافيين يوم الأربعاء عقب الإعلان عن الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة (إ.ب.أ)

كما غابت عن الاتفاق قضايا جوهرية، مثل أسعار الصرف، التي لطالما كانت نقطة خلاف بين البلدين. وأكد وزير المالية الياباني، كاتسونوبو كاتو، أن الاتفاق لم يتضمن أي إشارة إلى أسعار صرف العملات، رغم توقعات بأن واشنطن قد تضغط على طوكيو لتعزيز قيمة الين مقابل الدولار.

في السياق ذاته، لم يتضمن الاتفاق بنداً يتعلق بالإنفاق الدفاعي الياباني، وهو مطلب كرّره ترمب في عدة مناسبات، عاداً أن على الحلفاء دفع حصة أكبر من تكاليف الدفاع المشترك.

انعكاسات دولية

وجاء الاتفاق الياباني-الأميركي في وقت تسعى إدارة ترمب لإبرام سلسلة من الاتفاقات الثنائية قبل الأول من أغسطس، وهي المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي لتطبيق رسوم جمركية جديدة على الدول غير المتعاونة.

فقد أعلنت واشنطن مؤخراً عن اتفاقيات إطارية مع كل من بريطانيا، وإندونيسيا، والفلبين، فيما تُشير الأنباء إلى وصول وفد من الاتحاد الأوروبي إلى واشنطن لبدء مفاوضات مماثلة. كما هدأت معركة الرسوم الجمركية المتبادلة مع الصين مؤقتاً، رغم بقاء عدد من القضايا العالقة.

ويرى محللون أن اتفاق ترمب مع اليابان يمكن أن يُشكل نموذجاً للعلاقات التجارية الأميركية في المرحلة المقبلة، يقوم على خفض الرسوم مقابل التزامات استثمارية ملموسة، في وقت يُحاول فيه البيت الأبيض تقليص العجز التجاري المزمن للولايات المتحدة.

ويُمثل الاتفاق خطوة قوية تحمل في طياتها فرصاً اقتصادية واعدة، ولكنها أيضاً تكشف عن توازنات معقّدة في النظام التجاري العالمي. وفي حين تنظر الأسواق إليه بتفاؤل، يتطلّب نجاحه الفعلي تنفيذاً شفافاً وتوازناً دقيقاً بين مصالح الدولتين.

أما على المستوى الدولي، فإن الاتفاق يُرسل رسالة واضحة، مفادها أن الإدارة الأميركية عازمة على إعادة تشكيل قواعد التجارة العالمية وفق معايير جديدة، تتخطى الاتفاقات متعددة الأطراف، نحو نهج ثنائي أكثر مباشرة؛ وإن كان أكثر جدلاً.


مقالات ذات صلة

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

الاقتصاد محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

قال محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، إن حالة عدم اليقين العالمي الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)

محافظ بنك إنجلترا من العلا: الاقتصاد العالمي يتماسك رغم تصاعد المخاطر

قال محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد وزير المالية الصيني متحدثاً في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وزير المالية الصيني يحذر من تباطؤ النمو واتساع فجوة التنمية عالمياً

قال وزير المالية الصيني، إن الاقتصادات الناشئة تواجه ثلاث تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية وتزايد أوجه القصور في الحوكمة العالمية.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد فقد القطاع الصناعي الألماني الذي يُعدُّ عصب الاقتصاد عوامل دعم مهمة بسبب رسوم ترمب الجمركية (رويترز)

ألمانيا تخسر تريليون دولار منذ 2020 جرَّاء الأزمات الاقتصادية

بلغت التكلفة الاقتصادية لسلسلة الأزمات التي شهدتها ألمانيا خلال السنوات الماضية قرابة تريليون يورو (1.18 تريليون دولار)، حسب تقديرات معهد الاقتصاد الألماني.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد قطعة نقدية من فئة 2 يورو إلى جانب ورقة نقدية من فئة 10 جنيهات إسترلينية في صورة توضيحية (رويترز)

«المركزي الأوروبي»: تأخير «اليورو الرقمي» يعزز هيمنة شركات التكنولوجيا الأجنبية

دعا البنك المركزي الأوروبي، الاتحادَ الأوروبي، إلى تسريع اعتماد «اليورو الرقمي»، محذراً من أن أي تأخير قد يعمّق اعتماد القارة على شركات التكنولوجيا الأجنبية.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
TT

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)

قال محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، إن حالة عدم اليقين العالمي الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية -ولا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتزايد للوساطة المالية غير المصرفية.

وخلال مشاركته في «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة»، أوضح السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات مثل طلبات تغطية الهوامش وخصومات الضمانات وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

وأشار إلى أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات، مضيفاً أن هذه الاقتصادات تواجه هشاشة هيكلية ومؤسسية تحد من قدرتها على امتصاص الصدمات، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتجزؤ التجارة وارتفاع مستويات الدين وتكاليفه.

وأوضح أن التمييز بين الاقتصادات الأكثر مرونة وتلك الأكثر هشاشة يرتكز على عاملين أساسيين: أولهما وجود أطر سياسات محلية متماسكة نقدية ومالية وتنظيمية تدعم الاستجابات المعاكسة للدورات الاقتصادية، وتحد من تقلب تدفقات رؤوس الأموال، وثانيهما توفر «ممتصات صدمات» فعالة، وفي مقدمتها احتياطيات كافية من النقد الأجنبي، إلى جانب عمق الأسواق المالية، بما في ذلك أسواق الدين ورأس المال وأسواق النقد.

وتطرق السياري إلى تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وأضاف أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

وأكد أن التعاون الدولي يظل عنصراً محورياً في مواجهة مواطن الضعف المستجدة، مشيراً إلى التقدم الملحوظ الذي حققه صانعو السياسات عالمياً، وأهمية تبادل الخبرات لتعزيز الجاهزية الرقابية والتنظيمية بما يدعم الاستقرار المالي العالمي.

واختتم السياري كلمته عبر تأكيده 3 أولويات للتعاون الدولي: تعزيز تبادل البيانات عبر الحدود لدعم الرقابة وتقييم مواطن الضعف، وتحقيق قدر أكبر من المواءمة والتشغيل البيني في تبني التقنيات الناشئة، بما يحفظ الاستقرار المالي، وتسريع تبادل المعرفة لتحديث الأطر الرقابية والإشرافية.


أبرز منظّري التجارة الدولية في «هارفارد»: السعودية تملك «شيفرة» النجاح في عالم مجزأ

البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
TT

أبرز منظّري التجارة الدولية في «هارفارد»: السعودية تملك «شيفرة» النجاح في عالم مجزأ

البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما أسماه «التكامل المجزأ». وفي حديثه إلى «الشرق الأوسط»، على هامش مؤتمر العلا، أشار أنتراس إلى أن رؤية السعودية وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

يُعدُّ البروفسور بول أنتراس واحداً من أبرز المنظرين الاقتصاديين في العصر الحديث، وهو أستاذ كرسي «روبرت برينكتون» للاقتصاد في جامعة هارفارد. تتركز أبحاثه التي غيَّرت مفاهيم التجارة الدولية حول «سلاسل القيمة العالمية» وكيفية تنظيم الشركات إنتاجها عبر الحدود. ويعدّ أنتراس مرجعاً عالمياً في فهم كيفية تأثير القوانين والتكنولوجيا على تدفق السلع السعودية وتحدي «الصناديق الجاهزة».

بدأ أنتراس حديثه بانتقاد الطريقة التقليدية في تصنيف الاقتصادات، قائلاً: «من الصعب جداً تقديم عبارات عامة حول كيفية استفادة الأسواق الناشئة من التحول التجاري الدولي، والسبب هو أننا غالباً ما نحب وضع الدول في صناديق أو سلال واحدة كما نفعل مع القارات». وأوضح أنتراس أن مصطلح «الأسواق الناشئة» يخفي خلفه هياكل صناعية متباينة تماماً، مبيِّناً الفرق الجوهري للحالة السعودية: «هناك اقتصادات تعتمد بشكل مكثف على تصدير الصناعات التحويلية، وهذه يمثل التكامل التجاري والوصول للأسواق شريان حياة لها، وهي الأكثر قلقاً من ضغوط المنافسة الصينية التي بدأت بالانزياح من السوق الأميركية نحو أسواقهم. لكن في المقابل، نجد اقتصاداً مثل السعودية، يُصدِّر كثيراً، ولكنه يواجه منافسةً ضئيلةً جداً من جانب الصين في سلعته الأساسية». ويرى أنتراس أن هذا الوضع يخلق فرصةً ذهبيةً للمملكة. فـ«بالنسبة للسعودية، هذا الوقت هو فرصة للحصول على سلع من الصين بتكلفة أرخص من السابق، أو الحصول على تشكيلة متنوعة من البضائع التي لم تكن متاحةً لها لأنها كانت تتدفق بالكامل نحو السوق الأميركية».

وحول كيفية تعامل الأسواق الناشئة مع ضغوط «الإغراق» والمنافسة، وجَّه أنتراس نصيحةً صريحةً: «أعتقد أن على الأسواق الناشئة إظهار أقل قدر ممكن من الميول الحمائية. لن يكون الأمر سهلاً؛ لأن نمو الصادرات الصينية سيؤثر حتماً على بعض المنتجين المحليين، مما سيخلق ضغوطاً سياسية لحمايتهم. لكن الطريق الصحيح للمستقبل هو أن تسوِّق نفسك بوصفك اقتصاداً ملتزماً بنظام متعدد الأطراف، اقتصاداً يسمح للمنتجين الأجانب بالبيع في سوقك، ويشجع منتجيك في الوقت ذاته على استكشاف الأسواق الخارجية. يجب أن نتجنَّب تماماً محاكاة ما تفعله الدول الكبيرة مثل الولايات المتحدة». وعند سؤاله عن حماية الصناعات المحلية المتضررة، أضاف: «نعم، الإغراق الصيني يمثل قلقاً جدياً لبعض الدول التي تمتلك قاعدة تصنيع محلية تتنافس مباشرة مع الصين، ولكن بالنسبة للسعودية، القلق أقل لأنها لا تملك تلك القاعدة التي تتصادم مباشرة مع المنتجات الصينية. في الواقع، الواردات الرخيصة قد تفيد المستهلك السعودي. وإذا وُجد قطاع متضرر، فهناك طرق أفضل لحماية الناس من الحمائية، مثل تقديم خطط ائتمان، أو إعانات، أو مساعدة الشركات على إعادة التفكير في نماذج أعمالها وتطويرها».

العولمة لم تمت... بل أصبحت «مجتزأة»

ورداً على السؤال الجدلي حول نهاية العولمة، صاغ أنتراس مفهوماً جديداً، قائلاً: «لا أظن أن العولمة قد انتهت، بل أسميها (التكامل المجزأ - Fragmented Integration). سنستمر في التكامل، لكن الاتفاقات التجارية ستُبرَم بطرق مختلفة. لم يعد بإمكاننا الاعتماد فقط على المفاوضات متعددة الأطراف للوصول إلى الأسواق، لأن الشعور بالالتزام بتلك الاتفاقات تَراجَع عالمياً. الصفقات ستظل تُوقَّع، لكنها ستكون أكثر تعقيداً، وسيبقى عدم اليقين هو العنوان الأبرز».

الفائدة والذكاء الاصطناعي: الوجه الآخر للعملة

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، قال أنتراس: «أسعار الفائدة المرتفعة، مضافةً إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، تحد دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن، الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ويرى أنتراس أن هذا النمو هو المُخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».

قلق الوظائف... والتدخل الحكومي

لم يخفِ أنتراس قلقه العميق تجاه سوق العمل، حيث عدّ أن التحدي المقبل مزدوج وخطير؛ فهو يجمع بين مطرقة المنافسة الصينية وسندان الأتمتة عبر الذكاء الاصطناعي. وقال أنتراس بلهجة تحذيرية: «أنا قلق جداً بشأن مستقبل العمالة؛ فالمنافسة الشرسة من الصادرات الصينية، إذا تزامنت مع أتمتة الوظائف عبر الذكاء الاصطناعي، قد تؤدي إلى اضطرابات حادة في سوق العمل، وتحديداً بين أوساط العمال الشباب».

وأكد أنتراس أن هذا المشهد لا يمكن تركه لقوى السوق وحدها، بل يتطلب استراتيجيةً استباقيةً. «هنا تبرز الحاجة الماسة لتدخُّل الحكومات، وهو تدخُّل يتطلب موارد مالية ضخمة، واستعداداً عالي المستوى». ويرى أنتراس أن المَخرَج الوحيد هو «شرط الإنتاجية»؛ فإذا أثبتت التقنيات الجديدة قدرتها على رفع الإنتاجية بالقدر المأمول، فإن هذا النمو سيوفر للحكومات «الحيز المالي» اللازم لتعويض المتضررين وإعادة تأهيل الكوادر البشرية. واختتم هذه النقطة بالتأكيد على أن النجاح يكمن في «إيجاد توازن دقيق بين معالجة الآثار السلبية قصيرة المدى، والاستثمار في المكاسب الاستراتيجية طويلة الأجل».


الهند وماليزيا تتعهّدان التعاون في مجال الرقائق الإلكترونية

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
TT

الهند وماليزيا تتعهّدان التعاون في مجال الرقائق الإلكترونية

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)

جدَّد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا ​مودي، ونظيره الماليزي أنور إبراهيم، الأحد، تعهداتهما بتعزيز التجارة، واستكشاف أوجه التعاون المحتملة في مجالات أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية والدفاع وغيرها.

جاء ذلك في إطار زيارة يقوم بها مودي لماليزيا تستغرق ‌يومين، وهي الأولى ‌له منذ أن رفع ‌البلدان ⁠مستوى ​العلاقات ‌إلى «شراكة استراتيجية شاملة» في أغسطس (آب) 2024.

وقال أنور إن الشراكة تشمل تعاوناً عميقاً في مجالات متعددة، منها التجارة، والاستثمار، والأمن الغذائي، والدفاع، والرعاية الصحية، والسياحة.

وأضاف في مؤتمر ⁠صحافي بعد استضافة مودي في مقر ‌إقامته الرسمي في العاصمة الإدارية بوتراجايا: «إنها (شراكة) شاملة حقاً، ونعتقد أنه يمكننا المضي قدماً في هذا الأمر وتنفيذه بسرعة بفضل التزام حكومتينا».

وعقب اجتماعهما، شهد أنور ومودي توقيع 11 ​اتفاقية تعاون، شملت مجالات أشباه الموصلات، وإدارة الكوارث، وحفظ السلام.

وقال ⁠أنور إن الهند وماليزيا ستواصلان جهودهما لتعزيز استخدام العملة المحلية في تسوية المعاملات عبر الحدود، وعبَّر عن أمله في أن يتجاوز حجم التجارة الثنائية 18.6 مليار دولار، وهو الرقم الذي سُجِّل العام الماضي.

وأضاف أنور أن ماليزيا ستدعم أيضاً جهود الهند ‌لفتح قنصلية لها في ولاية صباح الماليزية بجزيرة بورنيو.