اتفاق جمركي «تاريخي» بين أميركا واليابان

ترمب خفّض الرسوم مقابل استثمارات ضخمة وسط غموض في التفاصيل وتفاعل قوي من الأسواق

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا في مناسبة سابقة بالبيت الأبيض في شهر فبراير الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا في مناسبة سابقة بالبيت الأبيض في شهر فبراير الماضي (أ.ف.ب)
TT

اتفاق جمركي «تاريخي» بين أميركا واليابان

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا في مناسبة سابقة بالبيت الأبيض في شهر فبراير الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا في مناسبة سابقة بالبيت الأبيض في شهر فبراير الماضي (أ.ف.ب)

في خطوة عدّها مراقبون مفصلية في مسار العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة واليابان، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن التوصل إلى اتفاق تجاري «تاريخي» مع طوكيو، يتضمن خفضاً كبيراً في الرسوم الجمركية على السيارات اليابانية، مقابل حزمة استثمارية يابانية بقيمة 550 مليار دولار.

وجاء هذا التطور وسط تحركات دبلوماسية وتجارية حثيثة من البيت الأبيض لعقد صفقات مع حلفاء آسيويين قبيل الموعد النهائي في الأول من أغسطس (آب) لفرض رسوم جديدة.

الصفقة، التي وُصفت بأنها «الأكبر من نوعها»، حسب تعبير ترمب، أثارت ردود فعل واسعة في الأسواق العالمية، خصوصاً في قطاع السيارات، وشكَّلت نقطة تحوّل في علاقات البلدين التي طالما تأرجحت بين التعاون والتوتر.

بائع صحف في العاصمة اليابانية طوكيو يحمل جريدة تبرز إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن الاتفاق التجاري مع اليابان (أ.ب)

ملامح الاتفاق

وحسب المعلومات المتاحة، ينص الاتفاق على خفض الرسوم الجمركية الأميركية على واردات السيارات اليابانية من 27.5 في المائة إلى 15 في المائة، بما في ذلك الرسوم الأساسية التي تبلغ 2.5 في المائة، والرسوم الإضافية المفروضة منذ أبريل (نيسان) الماضي بنسبة 25 في المائة. كما يشمل تخفيضاً للرسوم التي كان من المقرر تطبيقها من 1 أغسطس على سلع يابانية أخرى، من 25 إلى 15 في المائة.

في المقابل، وافقت اليابان على تقديم حزمة تمويل واستثمار تشمل قروضاً وضمانات حكومية بقيمة 550 مليار دولار، بهدف دعم الشركات اليابانية في بناء سلاسل توريد مرنة في قطاعات استراتيجية، مثل الأدوية وأشباه الموصلات، وهي قطاعات تواجه فيها الولايات المتحدة تحديات هيكلية منذ جائحة «كورونا».

وأشاد رئيس الوزراء الياباني، شيغيرو إيشيبا، بالاتفاق، وعدّه بدوره «تاريخياً»، مؤكداً أنه يُمثل أدنى مستوى من الرسوم المفروضة على دولة لديها فائض تجاري مع الولايات المتحدة. وقد بلغ حجم التجارة الثنائية بين البلدين نحو 230 مليار دولار في عام 2024، منها 70 مليار دولار فائضاً لصالح اليابان.

شاشة في بورصة العاصمة اليابانية طوكيو تظهر حركة الأسهم التي شهدت صعوداً كبيراً يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

قفزة في أسهم السيارات

وردّت الأسواق المالية بسرعة على الاتفاق، فقد ارتفع مؤشر «نيكي» الياباني بنسبة 4 في المائة، مسجلاً أعلى مستوى له منذ عام، مدفوعاً بارتفاع كبير في أسهم شركات السيارات. وسجّلت «تويوتا» قفزة بأكثر من 14 في المائة، في حين ارتفعت أسهم «هوندا» بنحو 11 في المائة.

وتجاوز تأثير الاتفاق حدود اليابان؛ حيث شهدت أسهم شركات صناعة السيارات الأوروبية والكورية الجنوبية ارتفاعاً واضحاً بدافع التفاؤل في إمكانية توصل بلدانهم إلى اتفاقات مماثلة مع واشنطن.

كما أبدى نائب محافظ بنك اليابان، شينيتشي أوشيدا، تفاؤله بالاتفاق، وعدّه «تقدماً كبيراً» يُخفف من حالة عدم اليقين الاقتصادي، ما يزيد من فرص تحقيق هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة للتضخم.

تحفظات وانتقادات

لكن في الداخل الأميركي، لم يكن الاتفاق موضع ترحيب بالإجماع، فقد أعربت شركات صناعة السيارات الأميركية عن قلقها من الاتفاق، عادّة أنه يمنح الأفضلية للمركبات اليابانية على حساب تلك المصنعة في أميركا الشمالية.

وقال مات بلانت، رئيس مجلس سياسة السيارات الأميركي: «أي اتفاق يفرض تعريفة أقل على الواردات اليابانية التي لا تحتوي تقريباً على مكونات أميركية، مقارنة بالرسوم على المركبات المصنّعة في أميركا الشمالية ذات المكونات الأميركية العالية، هو اتفاق سيئ لصناعة السيارات الأميركية وعمالها».

كما لا يشمل الاتفاق واردات الصلب والألمنيوم اليابانية، التي تظل خاضعة لرسوم إضافية بنسبة 50 في المائة. وأكد المفاوض الياباني، ريوسي أكازاوا، أن هذه المواد لم تُدرج ضمن الاتفاق، وكذلك الإنفاق الدفاعي، الذي كان أحد مطالب إدارة ترمب في وقت سابق.

عشرات السيارات المعدة للتصدير مصفوفة في ميناء يوكوهاما الياباني (رويترز)

أبعاد سياسية واقتصادية أوسع

ويُعد الاتفاق إنجازاً شخصياً للرئيس ترمب، الذي كتب عبر منصته «تروث سوشيال»: «لقد أبرمنا للتو أكبر صفقة تجارية في التاريخ مع اليابان». وعبّر في تصريح لاحق من البيت الأبيض عن أمله في تشكيل مشروع مشترك مع اليابان لدعم خط أنابيب غاز في ألاسكا، ما يُشير إلى توجّه نحو توسيع التعاون الاقتصادي، ليشمل الطاقة والبنية التحتية.

من جانبه، أعرب أكازاوا، كبير المفاوضين اليابانيين، عن ارتياحه. وكتب عبر منصة «إكس»: «المهمة-أُنجزت»، مُلمّحاً إلى أن الاتفاق جاء بعد مفاوضات ماراثونية، وأنه تم التوصل إليه بعد تنازلات من الطرفين، خصوصاً بشأن اختبارات السلامة اليابانية على السيارات الأميركية المستوردة، والتي تعهدت طوكيو بالتخلي عنها.

نقاط من الغموض

ورغم الأجواء الاحتفالية التي صاحبت الإعلان، فإن الاتفاق لا يخلو من الغموض، سواء من حيث تفاصيل التنفيذ، أو الشروط الدقيقة المرتبطة بالاستثمارات اليابانية. وكان من أبرز الدلائل على ذلك تصريح رئيس الوزراء إيشيبا نفسه بأن حكومته «ستدرس تفاصيل الاتفاق بعناية» قبل تقديم تقييم نهائي.

رئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا يتحدث إلى الصحافيين يوم الأربعاء عقب الإعلان عن الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة (إ.ب.أ)

كما غابت عن الاتفاق قضايا جوهرية، مثل أسعار الصرف، التي لطالما كانت نقطة خلاف بين البلدين. وأكد وزير المالية الياباني، كاتسونوبو كاتو، أن الاتفاق لم يتضمن أي إشارة إلى أسعار صرف العملات، رغم توقعات بأن واشنطن قد تضغط على طوكيو لتعزيز قيمة الين مقابل الدولار.

في السياق ذاته، لم يتضمن الاتفاق بنداً يتعلق بالإنفاق الدفاعي الياباني، وهو مطلب كرّره ترمب في عدة مناسبات، عاداً أن على الحلفاء دفع حصة أكبر من تكاليف الدفاع المشترك.

انعكاسات دولية

وجاء الاتفاق الياباني-الأميركي في وقت تسعى إدارة ترمب لإبرام سلسلة من الاتفاقات الثنائية قبل الأول من أغسطس، وهي المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي لتطبيق رسوم جمركية جديدة على الدول غير المتعاونة.

فقد أعلنت واشنطن مؤخراً عن اتفاقيات إطارية مع كل من بريطانيا، وإندونيسيا، والفلبين، فيما تُشير الأنباء إلى وصول وفد من الاتحاد الأوروبي إلى واشنطن لبدء مفاوضات مماثلة. كما هدأت معركة الرسوم الجمركية المتبادلة مع الصين مؤقتاً، رغم بقاء عدد من القضايا العالقة.

ويرى محللون أن اتفاق ترمب مع اليابان يمكن أن يُشكل نموذجاً للعلاقات التجارية الأميركية في المرحلة المقبلة، يقوم على خفض الرسوم مقابل التزامات استثمارية ملموسة، في وقت يُحاول فيه البيت الأبيض تقليص العجز التجاري المزمن للولايات المتحدة.

ويُمثل الاتفاق خطوة قوية تحمل في طياتها فرصاً اقتصادية واعدة، ولكنها أيضاً تكشف عن توازنات معقّدة في النظام التجاري العالمي. وفي حين تنظر الأسواق إليه بتفاؤل، يتطلّب نجاحه الفعلي تنفيذاً شفافاً وتوازناً دقيقاً بين مصالح الدولتين.

أما على المستوى الدولي، فإن الاتفاق يُرسل رسالة واضحة، مفادها أن الإدارة الأميركية عازمة على إعادة تشكيل قواعد التجارة العالمية وفق معايير جديدة، تتخطى الاتفاقات متعددة الأطراف، نحو نهج ثنائي أكثر مباشرة؛ وإن كان أكثر جدلاً.


مقالات ذات صلة

اكتتاب «سبايس إكس»... ثراء تاريخي لماسك وتحوُّل في صراع التكنولوجيا بين واشنطن وبكين

الاقتصاد صورة أرشيفية للملياردير الأميركي إيلون ماسك وخلفه نماذج لمركبات شركة «سبايس إكس» (د.ب.أ)

اكتتاب «سبايس إكس»... ثراء تاريخي لماسك وتحوُّل في صراع التكنولوجيا بين واشنطن وبكين

لا يبدو طرح «سبايس إكس» أسهمها للاكتتاب العام حدثاً مالياً عادياً، حتى بمقاييس «وول ستريت» التي اعتادت المبالغات في تسعير شركات التكنولوجيا.

إيلي يوسف (واشنطن)
الاقتصاد سيدة تقرأ صحيفة أمام متجرها في مدينة هونغ كونغ (أ.ف.ب)

قروض الصين الجديدة تُخيّب التوقعات في مايو

ارتفعت قروض البنوك الصينية الجديدة في مايو (أيار) بأقل من المتوقع بعد انكماشها في الشهر السابق.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد محافظ بنك فرنسا إيمانويل مولان يلوح بيده خلال منتدى باريس للتمويل يوم 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

محافظ بنك فرنسا: أزمة الطاقة ستترك آثاراً طويلة الأمد

قال محافظ بنك فرنسا، إيمانويل مولان، إن أزمة الطاقة الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط بدأت بالفعل تدفع مستويات الأسعار إلى الارتفاع.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد مارة يمرون بجوار عرض لصور لاعبي كرة قدم دوليين خارج متجر لشركة «نايكي» يوم 10 يونيو 2026 في سانتا مونيكا بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)

كأس العالم 2026... فرصة استثمارية تعزز أسهم شركات عالمية

تتوقع الأسواق استفادة شركات الرياضة والسياحة والدفع والإعلام من التوسع غير المسبوق لكأس العالم 2026 وزيادة الإنفاق والمشاهدات العالمية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد رجل وامرأة يحتفلان بزواجهما أمام مقر بنك اليابان في وسط العاصمة طوكيو (رويترز)

الشركات اليابانية الصغيرة تعاني ضغوط حرب إيران

أشار استطلاع ياباني إلى أن ارتفاع تكاليف المشتريات يُعدّ أكبر ضغوط حرب الشرق الأوسط على الشركات الصغيرة والمتوسطة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

«سبايس إكس» تستحوذ على اهتمام «وول ستريت» في أول أيام تداولها التاريخية

لوحة إعلانية لشركة «سبايس إكس» تظهر في يوم الطرح العام الأولي للشركة في «ناسداك ماركت سايت» بمدينة نيويورك (رويترز)
لوحة إعلانية لشركة «سبايس إكس» تظهر في يوم الطرح العام الأولي للشركة في «ناسداك ماركت سايت» بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

«سبايس إكس» تستحوذ على اهتمام «وول ستريت» في أول أيام تداولها التاريخية

لوحة إعلانية لشركة «سبايس إكس» تظهر في يوم الطرح العام الأولي للشركة في «ناسداك ماركت سايت» بمدينة نيويورك (رويترز)
لوحة إعلانية لشركة «سبايس إكس» تظهر في يوم الطرح العام الأولي للشركة في «ناسداك ماركت سايت» بمدينة نيويورك (رويترز)

تحرّكت بورصة نيويورك بحذر يوم الجمعة، في أول يوم لتداول شركة «سبايس إكس» التابعة لإيلون ماسك، في وقت توازن فيه الأسواق بين آمال التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.

وبحلول الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش، ارتفع مؤشر «داو جونز» بنسبة 0.27 في المائة، فيما حقق مؤشر ناسداك الثقيل بأسهم التكنولوجيا مكاسب هامشية بلغت 0.05 في المائة، وصعد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» الأوسع نطاقاً بنسبة 0.18 في المائة.

وكانت الآمال بشأن هدنة في الشرق الأوسط قد تعززت في اليوم السابق عقب تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي تحدث عن قرب التوصل إلى اتفاق إطاري بين طرفي النزاع.

لكن إيران أكدت يوم الجمعة أن أي اتفاق نهائي مع واشنطن لإنهاء الحرب يجب أن يحافظ على حقها في تخصيب اليورانيوم وسيطرتها على مضيق هرمز.

وردّ ترمب قائلاً إن طهران «عليها أن تعقل سريعاً».

هذه التصريحات الجديدة حدّت إلى حد ما من تفاؤل المستثمرين، فيما تراجعت أسعار النفط بأقل من 1 في المائة، بعد أن كانت قد سجلت أدنى مستوياتها خلال الجلسة.

وقال ستيف سوسنيك، من منصة «إنتراكتيف بروكرز» لوكالة الصحافة الفرنسية: «من الصعب جداً معرفة ما الذي يحدث». وأضاف: «لقد سمعنا هذا السيناريو عشرات المرات، بين 30 و40 مرة، دون أن يتحقق فعلياً».

وعادت عوائد السندات للارتفاع، حيث استقر عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات عند 4.49 في المائة مقابل 4.46 في المائة في الجلسة السابقة.

وفي المقابل، تتجه الأنظار إلى «سبايس إكس»، وفق سوسنيك، الذي قال إن الشركة «تستحوذ بالكامل على اهتمام السوق».

وكان إيلون ماسك قد أعلن رسمياً إدراج شركته في البورصة يوم الجمعة، مؤكداً أنها ستسهم في نقل البشرية «إلى القمر والمريخ وما بعد ذلك».

وتهدف «سبايس إكس» إلى جمع 75 مليار دولار. ويضع هذا الطرح تقييم الشركة عند نحو 1.765 تريليون دولار، ما يجعلها ضمن أكبر 10 شركات مدرجة في العالم، مع امتلاكها أيضاً شركة الذكاء الاصطناعي «إكس إيه آي» وشبكة التواصل الاجتماعي «إكس».

وقال أنجلو كوركافاس، من شركة «إدوارد جونز»، إن الطرح يمثل «اختباراً مهماً لشهية المخاطرة في السوق». وأضاف أن السهم يُسعّر عند مستويات مرتفعة للغاية، تعادل نحو 100 ضعف الإيرادات خلال 12 شهراً.

وأشار إلى أن الطروحات الكبرى عادة ما تشهد قفزة قوية في أيامها الأولى، قبل أن تتراجع الحماسة تدريجياً.


«سبايس إكس» تدشن أول تداولاتها في «وول ستريت»

يحتفل موظفو «سبايس إكس» خلال مراسم قرع جرس افتتاح التداول للاكتتاب العام الأولي للشركة في «ناسداك ماركت سايت» في نيويورك (أ.ب)
يحتفل موظفو «سبايس إكس» خلال مراسم قرع جرس افتتاح التداول للاكتتاب العام الأولي للشركة في «ناسداك ماركت سايت» في نيويورك (أ.ب)
TT

«سبايس إكس» تدشن أول تداولاتها في «وول ستريت»

يحتفل موظفو «سبايس إكس» خلال مراسم قرع جرس افتتاح التداول للاكتتاب العام الأولي للشركة في «ناسداك ماركت سايت» في نيويورك (أ.ب)
يحتفل موظفو «سبايس إكس» خلال مراسم قرع جرس افتتاح التداول للاكتتاب العام الأولي للشركة في «ناسداك ماركت سايت» في نيويورك (أ.ب)

بدأت شركة «سبايس إكس»، المملوكة لإيلون ماسك، يوم الجمعة، أول أيام تداولها بصفتها شركة مدرجة في «وول ستريت»، عقب أكبر طرح عام أولي في التاريخ، في خطوة تراهن على رؤية طموحة تمتد من الأقمار الاصطناعية إلى استعمار المريخ.

وجمعت الشركة أكثر من 75 مليار دولار في الاكتتاب، مما يجعل ماسك على أعتاب أن يصبح أول تريليونير في العالم، ويمهد الطريق لموجة جديدة من الاكتتابات الكبرى في قطاع الذكاء الاصطناعي خلال الفترة المقبلة.

ومن المتوقع تأكيد مستويات الطلب وأداء السهم خلال أول جلسة تداول في بورصة ناسداك.

وقال ماسك خلال فعالية الإطلاق في قاعدة «ستاربيس» بولاية تكساس، محاطاً بفريقه: «تريد (سبايس إكس) أن تنقلكم إلى القمر، وإلى المريخ، وما هو أبعد من ذلك».

وأضاف: «أنا واثق تماماً بأن هذا الفريق سيحقق ذلك».

وتجمع نحو 100 شخص أمام مقر «ناسداك» في نيويورك احتفالاً بالإدراج، في حين أضاءت شاشات تايمز سكوير شعاراً يقول: «نبني البنية التحتية للمستقبل».

وقالت سارين سيو من شركة «دوفيتيل فايننشال»، التي حضرت الفعالية، إن «ماسك يضع أهدافاً مستقبلية جريئة لا يسعى إليها غيره، وهذا ما يجذب المستثمرين».

وحددت الشركة سعر الطرح عند 135 دولاراً للسهم، ليتجاوز تقييمها نحو 1.8 تريليون دولار، مما يضعها ضمن أكبر الشركات في «وول ستريت»، متقدمة على شركات مثل «تسلا» و«ميتا» و«ولمارت».

ويمكن أن ترتفع الحصيلة الإجمالية إلى أكثر من 86 مليار دولار في حال تفعيل خيار بيع أسهم إضافية.

تأسست «سبايس إكس» عام 2002 على يد ماسك، وتطورت من شركة صواريخ ناشئة إلى لاعب رئيسي في قطاع الفضاء والأقمار الاصطناعية. كما دمجت لاحقاً أعمال الذكاء الاصطناعي التابعة له «إكس إيه آي»، التي تشمل منصة «إكس» (تويتر سابقاً).

وسيُتداول السهم تحت الرمز «SPCX»، وسط ترقب واسع لكيفية استقبال «وول ستريت» هذا الإدراج.

ويأتي الطرح في وقت تستعد فيه شركات ذكاء اصطناعي كبرى، مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك»، لدخول الأسواق العامة.

ورغم الزخم الكبير، تواجه الشركة تساؤلات حول تقييمها المرتفع، في ظل اعتمادها على وعود مستقبلية تشمل إنشاء مراكز بيانات في الفضاء وإرسال البشر إلى المريخ، وهي مشروعات لا تزال في مراحلها النظرية.

كما تعتمد بشكل كبير على توسع خدمة الإنترنت الفضائي «ستارلينك» ونجاح شركة «إكس إيه آي» في سوق الذكاء الاصطناعي، حيث تواجه منافسة قوية من شركات مثل «أوبن إيه آي» و«الأنثروبيك».

وعلى الرغم من تحقيق إيرادات بلغت 18.7 مليار دولار في 2025، سجلت الشركة خسائر صافية تقارب 4.9 مليار دولار نتيجة الاستثمارات الضخمة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

وتشير تقديرات الشركة إلى إمكانية الوصول إلى سوق إجمالي يتجاوز 28.5 تريليون دولار، في أحد أكثر التقييمات طموحاً في تاريخ الشركات.


بين شروط صندوق النقد والاستقرار الداخلي... باكستان تقرّ موازنة بـ67.5 مليار دولار

متداول يعدّ أوراقاً نقدية من الروبية الباكستانية داخل أحد أكشاك صرافة العملات في مدينة بيشاور (رويترز)
متداول يعدّ أوراقاً نقدية من الروبية الباكستانية داخل أحد أكشاك صرافة العملات في مدينة بيشاور (رويترز)
TT

بين شروط صندوق النقد والاستقرار الداخلي... باكستان تقرّ موازنة بـ67.5 مليار دولار

متداول يعدّ أوراقاً نقدية من الروبية الباكستانية داخل أحد أكشاك صرافة العملات في مدينة بيشاور (رويترز)
متداول يعدّ أوراقاً نقدية من الروبية الباكستانية داخل أحد أكشاك صرافة العملات في مدينة بيشاور (رويترز)

اقترحت باكستان، يوم الجمعة، موازنة بقيمة 18.77 تريليون روبية (67.49 مليار دولار)، رفعت فيها الإنفاق الدفاعي، وقلّصت الإنفاق التنموي، وحدّدت هدفاً ضريبياً صارماً، في محاولة من الحكومة لإبقاء برنامجها مع صندوق النقد الدولي على المسار الصحيح دون إثارة تداعيات سياسية داخلية.

وقال وزير المالية محمد أورنجزيب، أمام البرلمان، إن الحكومة ستخصص 3 تريليونات روبية للدفاع في السنة المالية التي تبدأ في يوليو (تموز)، بزيادة 18 في المائة عن العام السابق، في حين حُدّد الإنفاق التنموي الاتحادي عند تريليون روبية.

وجاءت زيادة الإنفاق الدفاعي بعد مشاورات مع الأقاليم حول تجميع الحيز المالي لتلبية الاحتياجات الأمنية، مع خفض خطط التنمية الإقليمية قبل إقرار الموازنة.

وقال أورنجزيب: «تمت زيادة الإنفاق الدفاعي بشكل كبير، لجعل البلاد أكثر قدرة على الصمود في ظل حالة عدم اليقين في المنطقة».

وتُظهر الموازنة مدى محدودية هامش المناورة أمام باكستان، مع أولوية سداد الديون والدفاع وأهداف صندوق النقد الدولي، في حين يتعرض الإنفاق التنموي ودخول الطبقة الوسطى للضغط.

وحددت الحكومة هدفاً للإيرادات الضريبية عند 15.26 تريليون روبية، بزيادة 8.2 في المائة، عن 14.13 تريليون روبية في السنة المالية السابقة، رغم أن هيئة الإيرادات الاتحادية لم تحقق هدفها في السنة المنتهية.

وتتوقع الموازنة عجزاً اتحادياً مقداره 7.02 تريليون روبية، في حين تستهدف عجزاً مالياً إجمالياً عند 5.23 تريليون روبية، أي ما يعادل 3.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بعد فائض إقليمي متوقع مقداره 1.79 تريليون روبية.

ومن المتوقع أن يأتي الجزء الأكبر من الإيرادات من الضرائب والرسوم، بما في ذلك رسم الوقود، الذي يُتوقع أن يدر 20.60 تريليون روبية.

موازنة تحت الضغط

تأتي هذه الموازنة، التي تأخرت أسبوعاً، فيما تواجه باكستان ضغوطاً تضخمية متجددة نتيجة الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهو صراع تسعى إسلام آباد للمساعدة في إنهائه. وقد أدى ارتفاع أسعار النفط الناجم عن الحرب إلى عودة التضخم إلى خانة العشرات، في وقت كان فيه الاقتصاد يظهر علامات تعافٍ.

وتهدف الحكومة إلى تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 4 في المائة وتضخم عند 8.2 في المائة للسنة المالية المقبلة، مقارنة بنمو متوقع عند 3.7 في المائة في السنة المالية 2026، ومتوسط تضخم عند 6.7 في المائة خلال الفترة من يوليو (تموز) إلى مايو (أيار) من السنة المالية المنتهية.

وتسعى إسلام آباد أيضاً للحفاظ على برنامج صندوق النقد الدولي البالغ 7 مليارات دولار على المسار الصحيح، بعد تجنّب التخلف عن السداد في 2023. وقد وافقت باكستان على تحقيق فائض أولي في الموازنة بنسبة 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، باستثناء مدفوعات خدمة الدين، للسنة المالية المقبلة.

وهذا يعني أن الحكومة مطالبة بتحصيل إيرادات تفوق نفقاتها قبل الفوائد، ما يترك مجالاً محدوداً لخفض الضرائب أو إطلاق برامج رعاية اجتماعية جديدة.

ويقول محللون إن الجزء الأكبر من التعديل الضريبي سيقع على الموظفين والشركات الموجودة بالفعل داخل النظام الضريبي، في حين تبقى القطاعات ذات النفوذ السياسي مثل الزراعة والتجزئة والعقارات صعبة الخضوع للضرائب.