اتفاق جمركي «تاريخي» بين أميركا واليابان

ترمب خفّض الرسوم مقابل استثمارات ضخمة وسط غموض في التفاصيل وتفاعل قوي من الأسواق

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا في مناسبة سابقة بالبيت الأبيض في شهر فبراير الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا في مناسبة سابقة بالبيت الأبيض في شهر فبراير الماضي (أ.ف.ب)
TT

اتفاق جمركي «تاريخي» بين أميركا واليابان

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا في مناسبة سابقة بالبيت الأبيض في شهر فبراير الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا في مناسبة سابقة بالبيت الأبيض في شهر فبراير الماضي (أ.ف.ب)

في خطوة عدّها مراقبون مفصلية في مسار العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة واليابان، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن التوصل إلى اتفاق تجاري «تاريخي» مع طوكيو، يتضمن خفضاً كبيراً في الرسوم الجمركية على السيارات اليابانية، مقابل حزمة استثمارية يابانية بقيمة 550 مليار دولار.

وجاء هذا التطور وسط تحركات دبلوماسية وتجارية حثيثة من البيت الأبيض لعقد صفقات مع حلفاء آسيويين قبيل الموعد النهائي في الأول من أغسطس (آب) لفرض رسوم جديدة.

الصفقة، التي وُصفت بأنها «الأكبر من نوعها»، حسب تعبير ترمب، أثارت ردود فعل واسعة في الأسواق العالمية، خصوصاً في قطاع السيارات، وشكَّلت نقطة تحوّل في علاقات البلدين التي طالما تأرجحت بين التعاون والتوتر.

بائع صحف في العاصمة اليابانية طوكيو يحمل جريدة تبرز إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن الاتفاق التجاري مع اليابان (أ.ب)

ملامح الاتفاق

وحسب المعلومات المتاحة، ينص الاتفاق على خفض الرسوم الجمركية الأميركية على واردات السيارات اليابانية من 27.5 في المائة إلى 15 في المائة، بما في ذلك الرسوم الأساسية التي تبلغ 2.5 في المائة، والرسوم الإضافية المفروضة منذ أبريل (نيسان) الماضي بنسبة 25 في المائة. كما يشمل تخفيضاً للرسوم التي كان من المقرر تطبيقها من 1 أغسطس على سلع يابانية أخرى، من 25 إلى 15 في المائة.

في المقابل، وافقت اليابان على تقديم حزمة تمويل واستثمار تشمل قروضاً وضمانات حكومية بقيمة 550 مليار دولار، بهدف دعم الشركات اليابانية في بناء سلاسل توريد مرنة في قطاعات استراتيجية، مثل الأدوية وأشباه الموصلات، وهي قطاعات تواجه فيها الولايات المتحدة تحديات هيكلية منذ جائحة «كورونا».

وأشاد رئيس الوزراء الياباني، شيغيرو إيشيبا، بالاتفاق، وعدّه بدوره «تاريخياً»، مؤكداً أنه يُمثل أدنى مستوى من الرسوم المفروضة على دولة لديها فائض تجاري مع الولايات المتحدة. وقد بلغ حجم التجارة الثنائية بين البلدين نحو 230 مليار دولار في عام 2024، منها 70 مليار دولار فائضاً لصالح اليابان.

شاشة في بورصة العاصمة اليابانية طوكيو تظهر حركة الأسهم التي شهدت صعوداً كبيراً يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

قفزة في أسهم السيارات

وردّت الأسواق المالية بسرعة على الاتفاق، فقد ارتفع مؤشر «نيكي» الياباني بنسبة 4 في المائة، مسجلاً أعلى مستوى له منذ عام، مدفوعاً بارتفاع كبير في أسهم شركات السيارات. وسجّلت «تويوتا» قفزة بأكثر من 14 في المائة، في حين ارتفعت أسهم «هوندا» بنحو 11 في المائة.

وتجاوز تأثير الاتفاق حدود اليابان؛ حيث شهدت أسهم شركات صناعة السيارات الأوروبية والكورية الجنوبية ارتفاعاً واضحاً بدافع التفاؤل في إمكانية توصل بلدانهم إلى اتفاقات مماثلة مع واشنطن.

كما أبدى نائب محافظ بنك اليابان، شينيتشي أوشيدا، تفاؤله بالاتفاق، وعدّه «تقدماً كبيراً» يُخفف من حالة عدم اليقين الاقتصادي، ما يزيد من فرص تحقيق هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة للتضخم.

تحفظات وانتقادات

لكن في الداخل الأميركي، لم يكن الاتفاق موضع ترحيب بالإجماع، فقد أعربت شركات صناعة السيارات الأميركية عن قلقها من الاتفاق، عادّة أنه يمنح الأفضلية للمركبات اليابانية على حساب تلك المصنعة في أميركا الشمالية.

وقال مات بلانت، رئيس مجلس سياسة السيارات الأميركي: «أي اتفاق يفرض تعريفة أقل على الواردات اليابانية التي لا تحتوي تقريباً على مكونات أميركية، مقارنة بالرسوم على المركبات المصنّعة في أميركا الشمالية ذات المكونات الأميركية العالية، هو اتفاق سيئ لصناعة السيارات الأميركية وعمالها».

كما لا يشمل الاتفاق واردات الصلب والألمنيوم اليابانية، التي تظل خاضعة لرسوم إضافية بنسبة 50 في المائة. وأكد المفاوض الياباني، ريوسي أكازاوا، أن هذه المواد لم تُدرج ضمن الاتفاق، وكذلك الإنفاق الدفاعي، الذي كان أحد مطالب إدارة ترمب في وقت سابق.

عشرات السيارات المعدة للتصدير مصفوفة في ميناء يوكوهاما الياباني (رويترز)

أبعاد سياسية واقتصادية أوسع

ويُعد الاتفاق إنجازاً شخصياً للرئيس ترمب، الذي كتب عبر منصته «تروث سوشيال»: «لقد أبرمنا للتو أكبر صفقة تجارية في التاريخ مع اليابان». وعبّر في تصريح لاحق من البيت الأبيض عن أمله في تشكيل مشروع مشترك مع اليابان لدعم خط أنابيب غاز في ألاسكا، ما يُشير إلى توجّه نحو توسيع التعاون الاقتصادي، ليشمل الطاقة والبنية التحتية.

من جانبه، أعرب أكازاوا، كبير المفاوضين اليابانيين، عن ارتياحه. وكتب عبر منصة «إكس»: «المهمة-أُنجزت»، مُلمّحاً إلى أن الاتفاق جاء بعد مفاوضات ماراثونية، وأنه تم التوصل إليه بعد تنازلات من الطرفين، خصوصاً بشأن اختبارات السلامة اليابانية على السيارات الأميركية المستوردة، والتي تعهدت طوكيو بالتخلي عنها.

نقاط من الغموض

ورغم الأجواء الاحتفالية التي صاحبت الإعلان، فإن الاتفاق لا يخلو من الغموض، سواء من حيث تفاصيل التنفيذ، أو الشروط الدقيقة المرتبطة بالاستثمارات اليابانية. وكان من أبرز الدلائل على ذلك تصريح رئيس الوزراء إيشيبا نفسه بأن حكومته «ستدرس تفاصيل الاتفاق بعناية» قبل تقديم تقييم نهائي.

رئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا يتحدث إلى الصحافيين يوم الأربعاء عقب الإعلان عن الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة (إ.ب.أ)

كما غابت عن الاتفاق قضايا جوهرية، مثل أسعار الصرف، التي لطالما كانت نقطة خلاف بين البلدين. وأكد وزير المالية الياباني، كاتسونوبو كاتو، أن الاتفاق لم يتضمن أي إشارة إلى أسعار صرف العملات، رغم توقعات بأن واشنطن قد تضغط على طوكيو لتعزيز قيمة الين مقابل الدولار.

في السياق ذاته، لم يتضمن الاتفاق بنداً يتعلق بالإنفاق الدفاعي الياباني، وهو مطلب كرّره ترمب في عدة مناسبات، عاداً أن على الحلفاء دفع حصة أكبر من تكاليف الدفاع المشترك.

انعكاسات دولية

وجاء الاتفاق الياباني-الأميركي في وقت تسعى إدارة ترمب لإبرام سلسلة من الاتفاقات الثنائية قبل الأول من أغسطس، وهي المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي لتطبيق رسوم جمركية جديدة على الدول غير المتعاونة.

فقد أعلنت واشنطن مؤخراً عن اتفاقيات إطارية مع كل من بريطانيا، وإندونيسيا، والفلبين، فيما تُشير الأنباء إلى وصول وفد من الاتحاد الأوروبي إلى واشنطن لبدء مفاوضات مماثلة. كما هدأت معركة الرسوم الجمركية المتبادلة مع الصين مؤقتاً، رغم بقاء عدد من القضايا العالقة.

ويرى محللون أن اتفاق ترمب مع اليابان يمكن أن يُشكل نموذجاً للعلاقات التجارية الأميركية في المرحلة المقبلة، يقوم على خفض الرسوم مقابل التزامات استثمارية ملموسة، في وقت يُحاول فيه البيت الأبيض تقليص العجز التجاري المزمن للولايات المتحدة.

ويُمثل الاتفاق خطوة قوية تحمل في طياتها فرصاً اقتصادية واعدة، ولكنها أيضاً تكشف عن توازنات معقّدة في النظام التجاري العالمي. وفي حين تنظر الأسواق إليه بتفاؤل، يتطلّب نجاحه الفعلي تنفيذاً شفافاً وتوازناً دقيقاً بين مصالح الدولتين.

أما على المستوى الدولي، فإن الاتفاق يُرسل رسالة واضحة، مفادها أن الإدارة الأميركية عازمة على إعادة تشكيل قواعد التجارة العالمية وفق معايير جديدة، تتخطى الاتفاقات متعددة الأطراف، نحو نهج ثنائي أكثر مباشرة؛ وإن كان أكثر جدلاً.


مقالات ذات صلة

استقرار أسعار النحاس... قوة الدولار توازن مخاوف إمدادات تشيلي

الاقتصاد ألواح النحاس في مصفاة «غلينكور» الكندية في مونتريال بكيبيك (أ.ف.ب)

استقرار أسعار النحاس... قوة الدولار توازن مخاوف إمدادات تشيلي

استقرت أسعار النحاس، يوم الثلاثاء، إذ حدّت قوة الدولار الأميركي من تأثير المخاوف بشأن اضطرابات الإمدادات في تشيلي، أكبر منتج للنحاس في العالم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رجل يتفقد هاتفه في أحد شوارع طوكيو (أ.ف.ب)

هبوط حاد للأسهم الآسيوية مع تصاعد مخاطر الطاقة وترقب نتائج الشركات

تراجعت الأسهم الآسيوية بقوة، الثلاثاء، بقيادة أسهم التكنولوجيا وأشباه الموصلات، مع اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد الأمير عبد العزيز بن سلمان يتحدث في افتتاح مؤتمر البترول العالمي في الرياض (الشرق الأوسط)

خطط سعودية لتطوير خط أنابيب «شرق ــ غرب»

أعلن وزير الطاقة وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، أن المملكة تستهدف رفع قدرة تصدير النفط إلى نحو 10 ملايين برميل يومياً خلال

عبير حمدي (الرياض) دانة الدريس (الرياض)
الاقتصاد سفينة حاويات تبحر عبر قناة السويس (رويترز)

عجز حساب المعاملات الجارية في مصر يبلغ 22.5 مليار دولار

ذكر البنك المركزي المصري، يوم الاثنين، أن عجز حساب المعاملات الجارية بلغ 22.5 مليار دولار في السنة المالية 2025-2026 مقارنة مع 15.4 مليار دولار في العام السابق.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد سيارات صينية مُعدّة للتصدير في ميناء تايسانغ شرق الصين (أ.ف.ب)

أوروبا تقيّد السيارات الصينية باتفاق تجاري جديد

دخلت المنافسة بين شركات السيارات الصينية والأوروبية مرحلة جديدة، بعدما توصل «الاتحاد الأوروبي» والصين إلى اتفاق يضع سقفاً لواردات السيارات الهجين الصينية...

«الشرق الأوسط» (عواصم)

استقرار أسعار النحاس... قوة الدولار توازن مخاوف إمدادات تشيلي

ألواح النحاس في مصفاة «غلينكور» الكندية في مونتريال بكيبيك (أ.ف.ب)
ألواح النحاس في مصفاة «غلينكور» الكندية في مونتريال بكيبيك (أ.ف.ب)
TT

استقرار أسعار النحاس... قوة الدولار توازن مخاوف إمدادات تشيلي

ألواح النحاس في مصفاة «غلينكور» الكندية في مونتريال بكيبيك (أ.ف.ب)
ألواح النحاس في مصفاة «غلينكور» الكندية في مونتريال بكيبيك (أ.ف.ب)

استقرت أسعار النحاس، يوم الثلاثاء، إذ حدّت قوة الدولار الأميركي من تأثير المخاوف بشأن اضطرابات الإمدادات في تشيلي، أكبر منتج للنحاس في العالم.

وتراجعت العقود القياسية للنحاس لأجل ثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن بنسبة 0.2 في المائة إلى 14,590.50 دولار للطن المتري بحلول الساعة 01:26 بتوقيت غرينتش، بعدما سجلت أعلى مستوى لها في أسبوعين خلال جلسة التداول السابقة، وفق «رويترز».

وفي بورصة شنغهاي للعقود الآجلة، استقر عقد النحاس الأكثر تداولاً عند 110,720 يواناً للطن.

وحام الدولار الأميركي قرب أعلى مستوياته في 18 شهراً، مدعوماً بالطلب على الملاذات الآمنة في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط. وتؤدي قوة العملة الأميركية إلى زيادة تكلفة المعادن المقوّمة بالدولار بالنسبة إلى حاملي العملات الأخرى، ما يحدّ من الطلب عليها.

وفي المقابل، ظلّت مخاوف الإمدادات حاضرة في الأسواق، بعدما علّقت شركة التعدين الحكومية التشيلية «كوديلكو» جزئياً عملياتها في منجم «إل تينيينتي» إثر انهيار أرضي. وفي الوقت نفسه، كان من المقرر استئناف المحادثات بين شركة «أنتوفاغاستا» ونقابتين عماليتين في منجم «سنتينيلا» للنحاس، في وقت استمر فيه الإضراب.

وتراجعت مخزونات النحاس خارج الولايات المتحدة خلال الأشهر الأخيرة، مع تحويل مسار الشحنات إلى السوق الأميركية تحسباً لفرض رسوم جمركية محتملة على واردات النحاس المكرّر.

وفي سياق متصل، رفعت شركة «بي إم آي» توقعاتها لمتوسط سعر النحاس خلال عام 2026 إلى 13,500 دولار للطن، مقارنة بتقديرات سابقة بلغت 12,700 دولار، مستندةً إلى تشوهات السوق المرتبطة بالرسوم الجمركية واستمرار القيود على الإمدادات.

وقالت الشركة: «من المتوقع أن تشهد الأسعار تقلبات حادة خلال ما تبقى من العام، استجابةً للتطورات والإعلانات المتعلقة بالسياسة الجمركية، فيما يُرجّح أن يكون القرار الأميركي النهائي العامل الحاسم في تحديد اتجاه الأسعار على المدى القريب».

أداء المعادن الأخرى

على صعيد المعادن الأخرى المتداولة في بورصة لندن، انخفض الألمنيوم بنسبة 0.4 في المائة إلى 3,039 دولاراً للطن، بعدما لامس أدنى مستوى له في ثمانية أشهر يوم الاثنين. كما تراجع الزنك بنسبة 0.6 في المائة إلى 3,735 دولاراً، فيما استقر الرصاص عند 1,882 دولاراً. وانخفض النيكل بنسبة 0.2 في المائة إلى 15,585 دولاراً، والقصدير بنسبة 0.7 في المائة إلى 52,810 دولارات للطن.

وفي بورصة شنغهاي، تراجع الألمنيوم بنسبة 0.6 في المائة، والزنك بنسبة 1.3 في المائة، والنيكل بنسبة 0.4 في المائة، والقصدير بنسبة 0.4 في المائة، في حين ارتفع الرصاص بنسبة 0.3 في المائة.


صندوق النقد يتوقع نمو الاقتصاد السعودي 7.9 % في 2027

صورة من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
صورة من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
TT

صندوق النقد يتوقع نمو الاقتصاد السعودي 7.9 % في 2027

صورة من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
صورة من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

يتوقع صندوق النقد الدولي أن يسجل الاقتصاد السعودي نمواً قوياً بنسبة 7.9 في المائة خلال عام 2027، في انعكاس مرتقب لتعافي إنتاج الطاقة وصادراتها واستعادة حركة التجارة الإقليمية تدريجياً، مع انحسار الاضطرابات المرتبطة بالحرب وإعادة فتح مضيق هرمز وفق السيناريو الأساسي للتقرير.

وتعكس التوقعات قدرة الاقتصاد السعودي على استعادة زخمه بعد الضغوط التي فرضتها اضطرابات إنتاج الطاقة ونقلها خلال العام الحالي، مستفيداً من تنوع مسارات تصدير النفط والبنية التحتية التي تتيح توجيه جانب من الصادرات عبر البحر الأحمر، بعيداً عن مضيق هرمز.

وفي تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» لشهر أكتوبر (تشرين الأول)، قدّر الصندوق انكماش الاقتصاد السعودي بنسبة 3.3 في المائة خلال 2026، قبل أن يرتفع النمو إلى 7.9 في المائة في العام التالي. وكان الصندوق يتوقع في أبريل (نيسان) نمواً بنسبة 3.1 في المائة في 2026 و4.5 في المائة في 2027، ما يعكس تغيراً كبيراً في مسار التوقعات مع تطورات الحرب وافتراضات عودة النشاط الاقتصادي.

بنية تصدير تدعم مرونة الاقتصاد

ويستفيد الاقتصاد السعودي من امتلاك منافذ بديلة لتصدير النفط، وفي مقدمتها خط أنابيب «شرق ـ غرب»، الذي ينقل الخام من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بطاقة تصل إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً. وتستهدف المملكة رفع الطاقة الاستيعابية لأنابيب النفط إلى 10 ملايين برميل يومياً، بما يعزز مرونة منظومة التصدير في مواجهة اضطرابات الملاحة.

وتعزز هذه البدائل قدرة المملكة على الحد من أثر اضطرابات الملاحة في تدفقات النفط، فيما يتيح التعافي التدريجي للإنتاج والصادرات، وفق افتراضات الصندوق، دعماً للنشاط الاقتصادي خلال العام المقبل.

تعافٍ خليجي تقوده عودة إنتاج الطاقة

ولا يقتصر النمو القوي المتوقع على السعودية، إذ يرجح الصندوق تعافي اقتصادات خليجية أخرى بمعدلات مرتفعة في 2027، مع استعادة الإنتاج والصادرات والخدمات اللوجستية. ويتوقع نمو الاقتصاد القطري بنسبة 18.8 في المائة، والكويتي بنسبة 17.1 في المائة، والبحريني بنسبة 13.9 في المائة، والإماراتي بنسبة 7.7 في المائة، في حين يُرجح أن يبلغ النمو في سلطنة عُمان 2.2 في المائة.

وتأتي هذه التوقعات بعد ضغوط حادة خلال 2026، يُرجح أن ينكمش خلالها اقتصاد الكويت بنسبة 16.7 في المائة، وقطر بنسبة 15.6 في المائة، والبحرين بنسبة 11.3 في المائة، مقابل 3.9 في المائة للإمارات، فيما يُتوقع أن تحقق سلطنة عُمان نمواً بنسبة 4.1 في المائة.

ويفترض السيناريو الأساسي للصندوق بدء إعادة فتح مضيق هرمز في مارس (آذار) 2027، والعودة بصورة عامة إلى ظروف ما قبل الحرب بحلول أكتوبر من العام نفسه، مع استعادة تدفقات الطاقة وحركة الشحن والتأمين والمدفوعات تدريجياً.

وتبقى سرعة تحقق هذا التعافي مرتبطة بمسار الصراع واستقرار الملاحة، إلا أن تنوع منافذ التصدير السعودية يشكل عاملاً داعماً لقدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات واستعادة النمو مع تحسن الظروف الإقليمية.


هبوط حاد للأسهم الآسيوية مع تصاعد مخاطر الطاقة وترقب نتائج الشركات

رجل يتفقد هاتفه في أحد شوارع طوكيو (أ.ف.ب)
رجل يتفقد هاتفه في أحد شوارع طوكيو (أ.ف.ب)
TT

هبوط حاد للأسهم الآسيوية مع تصاعد مخاطر الطاقة وترقب نتائج الشركات

رجل يتفقد هاتفه في أحد شوارع طوكيو (أ.ف.ب)
رجل يتفقد هاتفه في أحد شوارع طوكيو (أ.ف.ب)

تراجعت الأسهم الآسيوية بقوة، الثلاثاء، بقيادة أسهم التكنولوجيا وأشباه الموصلات، مع اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط واستمرار ارتفاع أسعار النفط، ما عزز الضغوط التضخمية وأبقى الدولار عند مستويات مرتفعة، في وقت تستعد فيه الأسواق لاختبار مهم مع انطلاق موسم إعلان نتائج الشركات الأميركية.

وعادت أسعار الطاقة إلى صدارة العوامل المحركة للأسواق العالمية، مع تقييم المستثمرين تداعيات التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والحرب بين روسيا وأوكرانيا. وبلغت العقود الآجلة لخام برنت 105.9 دولار للبرميل، بالقرب من أعلى مستوياتها في أسبوعين، وسط تقلبات ناجمة عن مخاطر الإمدادات بعد الهجمات على السعودية، مقابل احتمالات زيادة إمدادات الديزل الروسي.

وقالت تشارو تشانانا، كبيرة استراتيجيي الاستثمار في «ساكسو» بسنغافورة، إن الأسواق تعيد اكتشاف أهمية الجغرافيا السياسية عندما تنعكس تداعياتها على التضخم. وأضافت أن الارتفاع الجديد في أسعار النفط يضغط على عوائد السندات ويحد من جاذبية أسهم النمو المرتفعة التقييم، خصوصاً مع هشاشة الهدنة المتعلقة بالطاقة بين روسيا وأوكرانيا واستمرار مخاطر الإمدادات في الشرق الأوسط.

وفي أسواق الأسهم، تراجع المؤشر الأوسع نطاقاً لأسهم منطقة آسيا والمحيط الهادئ باستثناء اليابان، التابع لـ«إم إس سي آي»، بنسبة 2 في المائة في التعاملات المبكرة، فيما هبط مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي، المثقل بأسهم التكنولوجيا، بنسبة 6 في المائة. وانخفض مؤشر «نيكي» الياباني 2.6 في المائة مع استئناف التداول بعد عطلة.

وعزا كايل رودا، كبير المحللين في «كابيتال دوت كوم»، جانباً من الخسائر إلى موجة البيع التي طالت أسهم أشباه الموصلات في «وول ستريت» خلال الجلسة السابقة، وامتدت آثارها إلى الأسواق الآسيوية.

وكان مؤشر «ناسداك» قد تراجع 0.5 في المائة الاثنين، متأثراً بخسائر شركات الرقائق، وسط مخاوف المستثمرين بشأن استدامة صعود أسهم الذكاء الاصطناعي في ظل اشتداد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين. وأضاف رودا أن ارتفاع النفط مجدداً، إلى جانب تمركز المستثمرين قبيل صدور بيانات التضخم وإعلان نتائج الشركات، عزز الميل إلى تجنب المخاطر في آسيا.

وساعدت هذه الأجواء الحذرة على إبقاء الدولار قرب أعلى مستوياته في 18 شهراً، فيما جرى تداول اليورو عند 1.1157 دولار، والين الياباني عند 158.50 ين للدولار.

نتائج المصارف الأميركية تحت الاختبار

وتتجه أنظار المستثمرين إلى نتائج المصارف الأميركية هذا الأسبوع، بحثاً عن مؤشرات بشأن أثر الارتفاع الأخير في عوائد سندات الخزانة على أنشطة الإقراض وإبرام الصفقات وتكاليف التمويل.

وأدت الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب المخاوف بشأن تنامي الدين الحكومي، إلى موجات بيع متكررة في أسواق السندات خلال الأسابيع الأخيرة، دفعت تكاليف الاقتراض إلى مستويات مرتفعة لم تشهدها الأسواق منذ عقود في أنحاء العالم.

ومن المقرر أن تعلن أربعة من أكبر ستة مصارف أميركية، هي «جي بي مورغان تشيس» و«غولدمان ساكس» و«سيتي غروب» و«ويلز فارغو»، نتائجها في وقت لاحق الثلاثاء.

وقال أنتوني ساغليمبيني، كبير استراتيجيي الأسواق في «أميربرايز فاينانشال»، إن المستثمرين سيبحثون في نتائج المصارف عن مؤشرات بشأن استمرار الأسر في سداد التزاماتها والاقتراض والإنفاق بمستويات صحية.

وأضاف أن موسم نتائج الربع الثالث يبدأ والأسهم قريبة من مستويات قياسية، ما يترك مجالاً محدوداً لخيبة الأمل، مشيراً إلى أن استمرار صعود الأسهم يتطلب نتائج قوية من الشركات وقدرتها على الحفاظ على الزخم حتى نهاية العام.

وفي سوق السندات، تراجع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات 2.9 نقطة أساس إلى 5.214 في المائة خلال التعاملات الآسيوية، ليظل قريباً من أعلى مستوى له في 24 عاماً، البالغ 5.364 في المائة، الذي سجله الأسبوع الماضي.