«ملف استرداد الأموال المنهوبة»: الجزائر تصطدم بعراقيل قضائية دولية

الرئيس تبون صرَح في 2023 بأن القضاء صادر أملاكاً بقيمة 22 مليار دولار

وزير العدل يتحدث في المؤتمر(الوزارة)
وزير العدل يتحدث في المؤتمر(الوزارة)
TT

«ملف استرداد الأموال المنهوبة»: الجزائر تصطدم بعراقيل قضائية دولية

وزير العدل يتحدث في المؤتمر(الوزارة)
وزير العدل يتحدث في المؤتمر(الوزارة)

أكدت الجزائر أنها واجهت عراقيل في تنفيذ خطتها لاسترداد الأموال المنهوبة في الخارج، بسبب تعقيدات فرضتها الأنظمة القضائية في بعض الدول. وأظهرت سويسرا، في الآونة الأخيرة، استعدادها للتعاون في هذا المسار، الذي يشمل شخصيات بارزة من النظام السابق ممن عملوا مع الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019).

وصرّح وزير العدل الجزائري لطفي بوجمعة، بأن الحكومة «حققت إنجازات في مجال استرداد الأموال مصدر عائدات فساد، غير أن هذه الجهود اصطدمت بكثير من التحديات سببت بطئاً في تجاوب بعض الدول». وعزا ذلك إلى «طبيعة أنظمتها القضائية وتشابك الإجراءات المتبعة، إضافة إلى تعدد الجهات المعنية، بما في ذلك الهيئات القضائية والدبلوماسية وغير ذلك».

رجال أعمال في السجن بتهمة غسيل أموال (الشرق الأوسط)

وكان الوزير يتحدث الأحد، في مؤتمر عقدته «السلطة العليا للشفافية ومكافحة الفساد»، بمناسبة «اليوم الأفريقي لمحاربة الفساد»، حيث شدد على أن الدول الأفريقية تعاني من الفساد «نتيجة ضعف الشفافية والمساءلة وآليات المحاسبة». موضحاً أن «تعزيز الحوكمة الرشيدة ومكافحة هذه الظاهرة مرتبطان ببعضهما بعضاً»، داعياً إلى «توحيد الجهود والتزام الجميع» في هذا المسعى.

وكشف بوجمعة في كلمته، أن السلطات القضائية الجزائرية أرسلت ما يقارب 335 طلباً للمساعدة القضائية الدولية إلى 32 دولة في شكل إنابات قضائية دولية، منذ عام 2020، من دون تقديم تفاصيل، مع العلم أن الرئيس عبد المجيد تبون سبق أن أكد أنه تم الحجز على فندق كبير في إسبانيا، بفضل التعاون مع حكومتها، ليعود رجل الأعمال علي حداد، المسجون منذ خمس سنوات بتهمة «غسل أموال».

الجنرال غالي بلقصير قائد جهاز الدرك السابق محل أمر دولي بالقبض عليه (الشرق الأوسط)

كما ذكر تبون، العام الماضي، في تصريحات للصحافة الأجنبية، أن فرنسا «لا تتعاون معنا بالشكل الكافي» بخصوص طلبات جزائرية للتحفظ على ودائع مالية وعقارات، تتبع وزراء ووجهاء كانوا جزءا من النظام في مراحل سابقة، من أبرزهم وزير الصناعة سابقا عبد السلام بوشوارب (2015 - 2017)، الذي رفضت محكمة فرنسية في مارس (آذار) الماضي تسليمه إلى الجزائر، والذي أدانه القضاء الجزائري بعقوبات قاسية بناء على تهم «فساد مالي». وفي تقدير القضاء الفرنسي «لم تقدم الجزائر أدلة كافية حول شروط محاكمة عادلة لبوشوارب»، في حال تم تسليمه. وشكلت هذه القضية حلقة من حلقات التوتر الشديد بين البلدين.

وبخلاف فرنسا، اتخذت سويسرا خطوة مهمة في تعاونها مع الجزائر في مجال «استرداد الأموال المنهوبة». ففي 2023 صادر القضاء الفيدرالي السويسري وديعة بـ1.7 مليون يورو في بنك سويسري، تعود لبوشوارب تمهيداً لتحويلها إلى الجزائر، التي تطالب أيضاً من برن، التحفظ على أموال لوزير الطاقة سابقاً شكيب خليل، المقيم في الولايات المتحدة الأميركية حالياً، والذي تمت إدانته بالسجن بتهمة «الفساد» التي تلاحق أيضاً زوجته ونجله. وقد أطلقت الجزائر ضده مذكرة توقيف دولية.

وزير الصناعة سابقاً عبد السلام بوشوارب (الشرق الأوسط)

ومطلع يوليو (تموز) الحالي، زار وزير العدل والشرطة السويسري بيت يانس، الجزائر وبحث مع نظيره لطفي بوجمعة، مسألة «العائدات ذات منشأ إجرامي»، وصرَح للصحافة بأن الطرفين «تعهدا بمساعدة بعضهما بعضاً من أجل تحقيق خطوات ملموسة في محاربة الفساد»، موضحاً أن برن «ستقدم المساعدة للجزائر في مسعى استرجاع الأموال التي هي أموال الشعب الجزائري».

وتحدث المسؤول السويسري عن «شروط» تفرضها بلاده على أي دولة تعتقد بوجود أموال عامة في البنوك السويسرية مصدرها ممارسات فساد. وهذه «الشروط» هي التي أشار إليها الوزير بوجمعة في حديثه عن «تعقيدات تفرضها أنظمة قضائية أجنبية».

وزير الطاقة سابقاً شكيب خليل متهم بالفساد (الشرق الأوسط)

وبعد تنحي الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة عن الحكم في 2 أبريل (نيسان) 2019، تحت ضغط مظاهرات الشارع، أطلقت الجزائر تحقيقات حول «الفساد الكبير»، أسفرت عن إدانة عدد كبير من المسؤولين المدنيين والعسكريين ورجال الأعمال بعقوبات ثقيلة بالسجن، يوجد من بينهم 3 رؤساء حكومات هم: أحمد أويحيى وعبد المالك سلال ونور الدين بدوي.

ولا تعرف حتى الساعة، قيمة «المال المسروق» الموجود في الخارج. أما في الداخل، فصرح رئيس البلاد عبد المجيد تبون عام 2023، بأن قيمة الأملاك والأموال التي صادرها القضاء، بعد محاكمات في إطار «الفساد»، تصل إلى 22 مليار دولار. وكتبت الصحافة يومها، أن جهاز الأمن اكتشف أموالاً طائلة مخزنة في شقة بالعاصمة ملك لقائد سلاح الدرك السابق الجنرال غالي بلقصير، الهارب من القضاء منذ 2021، الذي يعيش حالياً في جزيرة «فوانتاو» بالمحيط الهادئ، وفق ما ذكرته صحف فرنسية.

وزير الطاقة سابقاً شكيب خليل متهم بالفساد (الشرق الأوسط)

وفي كلمته بمناسبة «اليوم الأفريقي لمكافحة الفساد»، شدّد بوجمعة على أن «نهب المال العام يضعف مؤسسات الدولة وأجهزتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويشكل عقبة كبرى أمام تقدم أي مجتمع». فهذه الآفة، حسبه، «تعطل الإدارة والتنمية، وتعرقل وظائف الدولة وتقوض أسسها، ما ينعكس سلباً على فاعلية المؤسسات ويؤدي إلى هشاشة في أجهزة الحكم».

وفي مواجهة هذا التحدي العالمي، تبنّت الحكومات الأفريقية، ومنها الجزائر، وفق الوزير ذاته، أدوات قانونية إقليمية لمكافحة الفساد. مشيداً بـ«أهمية اتفاقية الاتحاد الأفريقي للوقاية من الفساد ومكافحته، التي تم إعدادها في 11 يوليو (تموز) 2003. وقد صادقت الجزائر على هذه الاتفاقية التي وقعتها 49 دولة من أصل 55 عضواً في الاتحاد الأفريقي».

«نهب المال العام يضعف مؤسسات الدولة وأجهزتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ويشكل عقبة كبرى أمام تقدم أي مجتمع»

وزير العدل الجزائري لطفي بوجمعة

إن قيمة الأملاك والأموال التي صادرها القضاء بعد محاكمات في إطار «الفساد» تصل إلى 22 مليار دولار

عبد المجيد تبون


مقالات ذات صلة

الجزائر: أرصدة شقيق بوتفليقة تعيد جدل «الأموال المنهوبة» للواجهة

شمال افريقيا سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة (الشرق الأوسط)

الجزائر: أرصدة شقيق بوتفليقة تعيد جدل «الأموال المنهوبة» للواجهة

منذ الإطاحة بحكم عبد العزيز بوتفليقة في 2 أبريل 2019، على خلفية الحراك الشعبي، أطلقت السلطات الجزائرية حملة قضائية واسعة ضد الفساد.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزير العدل الجزائري خلال عرض مشروع تعديل قانون العقوبات على اللجنة القانونية البرلمانية (وزارة  العدل)

وزير العدل الجزائري يتعهد بـ«محاكمة عادلة» في جرائم «إضرام النار»

تعهد وزير العدل الجزائري لطفي بوجمعة بتوفير جميع ضمانات المحاكمة العادلة لكل من يُتهم في جرائم تصل عقوبتها إلى الإعدام

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي لدى إلقاء كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أمس (أ.ب)

ترمب يخيّر طهران بين اتفاق أو «الدمار الشامل»

واشنطن: علي بردى ــ لندن: «الشرق الأوسط»

«الشرق الأوسط» (لندن) علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا حرائق مستعرة بمنطقة قالمة شرق الجزائر في يوليو الماضي (الحماية المدنية)

الجزائر تربط حرائق الصيف بـ«إيعاز أجنبي» وتفتح باب التنفيذ الفعلي للإعدام

أعلنت الجزائر رسمياً رفع التجميد عن عقوبة الإعدام إذا ثبتت على أي شخص تهمة «إضرام النار عمداً».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قبل مغادرته إلى نيويورك لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة في مطار مهر آباد بطهران 22 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

طائرة الرئيس الإيراني تحط في الجزائر إثر «توقف تقني»

قال التلفزيون الجزائري الرسمي إن الطائرة الخاصة بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، حطت، اليوم (الثلاثاء)، بمطار الجزائر الدولي «هواري بومدين» إثر توقف تقني.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

مطالبة تونسية بـ«مراجعة اتفاق الشراكة» مع الاتحاد الأوروبي

وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي (أ.ف.ب)
وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي (أ.ف.ب)
TT

مطالبة تونسية بـ«مراجعة اتفاق الشراكة» مع الاتحاد الأوروبي

وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي (أ.ف.ب)
وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي (أ.ف.ب)

شدّد وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي، أثناء لقائه مع المفوضة الأوروبية للمتوسط، دوبرافكا شويتسا، على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك، على ضرورة مراجعة اتفاقية الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي «بما يضفي عليها مزيداً من الواقعية والإنصاف، ويجعلها مجسّمة لشراكة حقيقية ومتضامنة، تستجيب للتحولات الراهنة وتراعي بصورة أفضل مصالح الطرفين وأولوياتهما، ولا سيما ما يتعلق بالمبادلات التجارية والتعاون المالي والبرامج العلمية المشتركة»، على ما أفاد بيان أصدرته «الخارجية» التونسية.

وأوضح البيان، أن اللقاء كان مناسبة «لتأكيد أهمية العلاقات بين تونس والاتحاد الأوروبي وضرورة مواصلة تطويرها، في إطار شراكة متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والندّية، وتراعي سيادة تونس وتحترم مؤسساتها الوطنية».

خفر السواحل التونسي يحاول إيقاف بعض المهاجرين في البحر أثناء محاولتهم العبور إلى إيطاليا (أرشيفية - رويترز)

كما تم التطرق إلى آفاق التعاون الأورومتوسطي، حيث أكّد الوزير التونسي «دعم بلاده لكل مبادرة من شأنها تعزيز الاندماج والتعاون في الفضاء المتوسطي، على أساس شراكة فعلية ومسؤولية مشتركة تراعي أولويات الدول الشريكة، وتأخذ بعين الاعتبار محورية القضية الفلسطينية التي تتطلب حلاً عادلاً وشاملاً ودائماً، لا يمكن في غيابه إرساء ركائز الأمن والاستقرار والتنمية المشتركة في المنطقة».

وتناول اللقاء أيضاً ملف الهجرة والتنقل، حيث جدّد النفطي «تأكيد تمسّك تونس بمقاربة شاملة ومتوازنة للهجرة، تقوم على احترام حقوق الإنسان ومعالجة الأسباب العميقة للهجرة غير النظامية، مع مواصلة مكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، وتعزيز مسارات التنقل والهجرة النظامية».

من ناحيتها، أوضحت المسؤولة الأوروبية «أنها تعي متطلبات المرحلة من أجل إرساء شراكة على قاعدة المصالح المشتركة واحترام السيادة وتطوير أطر الحوار، معبّرة عن الأمل في أن يشكّل مجلس الشراكة التونسية الأوروبية منطلقاً لهذه العلاقة».


انتخابات المغرب ترسم خريطة جديدة في البرلمان

فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
TT

انتخابات المغرب ترسم خريطة جديدة في البرلمان

فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)

رسمت الانتخابات التشريعية المغربية، التي جرت الأربعاء، خريطة حزبية جديدة في البرلمان، مع صعود حزب «الأصالة والمعاصرة» إلى المرتبة الأولى، وتراجع «التجمع الوطني للأحرار والاستقلال»، مقارنةً بنتائج انتخابات 2021، مقابل عودة قوية لحزب «العدالة والتنمية» إلى الواجهة.

وأظهرت النتائج حصول «الأصالة والمعاصرة» على 97 مقعداً، يليه «التجمع الوطني للأحرار» بـ66 مقعداً، ثم «الاستقلال» بـ65، فيما حل «العدالة والتنمية» رابعاً بـ54 مقعداً. وتوزعت المقاعد الأخرى على «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» و«الحركة الشعبية» و«التقدم والاشتراكية» و«الاتحاد الدستوري». وبلغت نسبة المشاركة 38.02 في المائة.

ومنذ ما قبل انطلاق الاقتراع، برز اسمان داخل «الأصالة والمعاصرة» في النقاش غير الرسمي بشأن رئاسة الحكومة المقبلة، هما: فوزي لقجع، وفاطمة الزهراء المنصوري.


«منشن الداخلية»... أزمات وصم وتشهير ترافق طلب النجدة في مصر

إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
TT

«منشن الداخلية»... أزمات وصم وتشهير ترافق طلب النجدة في مصر

إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)

باتت الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية المصرية على «فيسبوك» تحظى بمتابعة عالية، بعد أن أصبحت منصة رئيسية لتلقي البلاغات عبر مقاطع فيديو يجري تصويرها في الشارع أو المنازل لحوادث أو مخالفات، وخاصة بعد أن عززتها الاستجابة السريعة للشرطة للتحقق من صحة تلك المقاطع وضبط المتهمين.

واحتلت الصفحة المركز الثاني عالمياً بين الحسابات الحكومية الأعلى أداءً في الربع الثالث لعام 2025، بعد «البيت الأبيض» الأميركي، وفقاً لتقرير مؤسسة (Emplifi) العالميّة.

ورغم العائد الإيجابي لتلك الطريقة الحديثة في تسهيل توثيق الجرائم وسرعة التبليغ عنها، فإنها لا تخلو من وصم وتشهير عبر نشر صور أشخاص دون إذن منهم، وأحياناً تثبت براءتهم، بعد التحقق من الملابسات، التي قد لا تكون واضحة من الوهلة الأولى.

استجابة فورية لبلاغ عن مغالاة في الأجرة (وزارة الداخلية المصرية)

آثار سلبية

ورغم أهمية الاستغاثة الإلكترونية التي أصبحت أسرع وأسهل من الذهاب إلى قسم الشرطة، يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق أن لها آثاراً سلبية، مشيراً إلى أنها «حولت البلاغ الخاص إلى محاكمة علنية قبل أن ينتهي التحقيق».

ويقول صادق لـ«الشرق الأوسط»: «فارق كبير بين التبليغ السري للقنوات الرسمية سواء النجدة أو رقم واتساب لتلقي البلاغات والاستغاثات، وبين نشر فيديو يُظهر الوجه والعنوان والتفاصيل على العام؛ فالأخيرة ليست مساعدة أمنية لضبط جريمة ما فقط، وإنما تتعدى ذلك إلى كونها عقوبة مجتمعية فورية».

وانتشرت في الفترة الأخيرة مقاطع فيديو مع الإشارة لوزارة الداخلية، تتهم أشخاصاً بارتكاب جرائم، ثم يتضح لاحقاً أن التصور خاطئ. ومن ضمن هذه الوقائع التي انتشرت بقوة اتهام راكب لسائق حافلة باختطاف طفل؛ نظراً لعدم وجود شبه ظاهر بينهما، ليتضح في النهاية أن الطفل ابن السائق، بعد حملة تنمر به وبزوجته باعتبارهما «أفقر من أن ينجبا طفلاً جميلاً منمقاً».

الشرطة المصرية تستجيب لاستغاثة بالفيديو عن سرقة سيارات بالإكراه من قبل ملثمين (الداخلية المصرية)

وفي واقعة أخرى، رُفعت الكاميرات لتلقط مشاجرة زوج وزوجته في الشارع بغرض التبليغ والمساعدة، دون الحصول على إذن منهما، لكنهما تضررا من هذا «التشهير».

ويصل الأمر أحياناً إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ قُتلت قاصر عمرها 16 عاماً في منطقة الصف (جنوب القاهرة) يوم 16 سبتمبر (أيلول) الحالي على يد شقيقها، بعد نشر تغيبها ثم العثور عليها لدى صديق في الإسكندرية.

بريء حتى تثبت إدانته

ويشير المحامي سامح سمير إلى أن نشر صور أشخاص دون إذنهم، خصوصاً في سياقات سلبية، ينضوي على جريمة تشهير يُعاقب عليها القانون.

وقال: «لو أن شخصاً نشر سباً وقذفاً لآخر على السوشيال ميديا دون صورته، فإن الحكم عادة يكون غرامة؛ أما لو نشر صاحب السب والقذف صورة، يرتفع الحكم إلى الحبس»، محذراً من خطورة تحول أفراد المجتمع إلى «مخبرين» يسارعون بالتقاط الصور ومقاطع الفيديو ونشرها على «صفحة الداخلية» حتى دون فهم السياق في أحيان كثيرة.

وانتقد كذلك في حديثه لـ«الشرق الأوسط» نشر قوات الأمن صوراً ومقاطع فيديو لمتهمين، حتى وإن كانت مموهة، لافتاً إلى المبدأ الدستوري والأساس القانوني القائم على أن المتهم «بريء حتى تثبت إدانته»، وإلى أن نشر هذه الصور يُسهِّل التعرف على هوية أصحابها، خصوصاً بين المعارف والأصحاب.

استغاثة تتعلق بسرقة دراجة نارية (وزارة الداخلية المصرية)

ويشير الباحث في علم الاجتماع، عصام فوزي، إلى أن «المكايدة» كانت قائمة طوال الوقت تحت ما يعرف بـ«البلاغات الكيدية»، لكنها كانت محدودة؛ نظراً لما تنطوي عليه من كلفة مالية من خلال اللجوء لمحامٍ لصياغة البلاغ؛ لكن مع انتشار آلية «منشن الداخلية»، أصبح الأمر أسرع وأسهل.

ورغم بعض آثار النشر السلبية، قال: «لا يمكن نكران أن هذه الآلية التي تلقى استجابة سريعة من الأمن ساهمت في زيادة شعور المواطن بالحضور الأمني، ونجحت بالفعل في ضبط جناة كثيرين».

«حرمانية» التصوير

وخصصت وزارة الأوقاف خطبة الجمعة، 25 سبتمبر، لـ«حرمة تصوير الأفراد دون إذن، وحرمة الحياة الخاصة»، وفق نص الخطبة الذي نشرته الأربعاء، مشددة على أن «أعراض الناس ليست مشاعاً».

وأضافت: «حال وجود فيديو أو صور تثبت حقاً، فعلى الشخص التقدم بها للجهات، لا نشرها بغرض التشهير والترند».

ويحذر أستاذ علم النفس، جمال فرويز، من مخاطر كبيرة قد يتعرض لها البعض عند التشهير بهم وتقديمهم كمتهمين، حتى إذا اتضحت براءتهم فيما بعد.

وقال: «الاستجابة تختلف باختلاف الشخصية؛ فالشخصيات العصبية التي تُعَد عرضة للأمراض النفسية قد تصاب بأعراض اكتئابية وقد تفكر بإيذاء النفس».

وأضاف: «كلما كان الشخص ينتمي لطبقة اجتماعية أعلى، وارتفع مستوى تعليمه، كانت احتمالات تأزمه نفسياً أكبر».