تركيا قلقة من استغلال «قسد» تطورات السويداء لتفعيل خطة تقسيم سوريا

مصادر أكدت لـ«الشرق الأوسط» تحركها دبلوماسياً مع أميركا... وحفاظها على الخيار العسكري

مقاتلون من البدو والعشائر في سيارة بمدينة السويداء وتصاعد الدخان من منازل محترقة وسط اشتباكات بين مقاتلين من العشائر وفصائل درزية في جنوب سوريا (د.ب.أ)
مقاتلون من البدو والعشائر في سيارة بمدينة السويداء وتصاعد الدخان من منازل محترقة وسط اشتباكات بين مقاتلين من العشائر وفصائل درزية في جنوب سوريا (د.ب.أ)
TT

تركيا قلقة من استغلال «قسد» تطورات السويداء لتفعيل خطة تقسيم سوريا

مقاتلون من البدو والعشائر في سيارة بمدينة السويداء وتصاعد الدخان من منازل محترقة وسط اشتباكات بين مقاتلين من العشائر وفصائل درزية في جنوب سوريا (د.ب.أ)
مقاتلون من البدو والعشائر في سيارة بمدينة السويداء وتصاعد الدخان من منازل محترقة وسط اشتباكات بين مقاتلين من العشائر وفصائل درزية في جنوب سوريا (د.ب.أ)

تبدي تركيا قلقاً متزايداً من احتمالات استغلال «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية التطورات التي أعقبت الاشتباكات في السويداء وتعزيز سيناريوهات تقسيم سوريا.

وفي هذا الإطار، كشفت مصادر تركية أن أنقرة أبقت على الخيارات العسكرية مطروحة في أعقاب الهجوم الإسرائيلي الأخير على سوريا، لمواجهة أي سيناريوهات تقسيم محتملة.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»، شريطة عدم الكشف عنها، إن القوات التركية قد تنفذ بالتعاون مع الجيش السوري تدخلاً عسكرياً إذا لم تُلقِ وحدات حماية الشعب الكردية أسلحتها، وإذا لم تنفذ «قسد» اتفاق الاندماج في الجيش السوري الموقع مع دمشق في مارس (آذار) الماضي.

مخاوف التقسيم

وأضافت المصادر أن أنقرة تدرك أن خطة تقسيم سوريا إلى 4 دويلات عربية في الوسط، ودرزية في الجنوب، وعلوية في الغرب، وكردية في الشمال، التي كُشف عنها للمرة الأولى عام 1969، «تجرى محاولة لتطبيقها حالياً من خلال تكتيك خلق الفوضى على الأرض، والهجوم، والتقسيم، والتفتيت».

ولفتت المصادر إلى أن تركيا ستواصل الدفاع عن وحدة أراضي سوريا، سواء في إطار أمن الحدود أو الاستقرار الإقليمي، وأنها تدعم النهج الأميركي الداعي إلى دمج عناصر «قسد» في الجيش السوري ونزع أسلحتها، وتمارس سياسة الترقب والانتظار، لكن التدخل العسكري قد يكون حتمياً، وفقاً للتطورات على الأرض.

فيدان وروبيو خلال لقاء في إسطنبول الشهر الماضي (رويترز)

وفي هذا الإطار، بحث وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، في اتصال هاتفي مع نظيره الأميركي ماركو روبيو، مساء الجمعة الماضي، الوضع في جنوب سوريا، مشدداً على ضرورة إنهاء الاشتباكات وعودة الهدوء إلى سوريا في أقرب وقت.

كما أكد فيدان، بحسب مصادر وزارة الخارجية التركية، أهمية تنفيذ التفاهمات التي تم التوصل إليها بين الأطراف في سوريا، في إشارة إلى الاتفاق بين الحكومة السورية و«قسد»، وأنه لن يتم السماح إطلاقاً لـ«التنظيمات الإرهابية» في إشارة إلى «قسد - الوحدات الكردية»، باستغلال الوضع في جنوب سوريا.

ووجه فيدان رسالة مفادها أن التدخلات الإسرائيلية في الأراضي السورية تزيد تفاقم المشكلة، وأن أي اعتداء على سلامة أراضي سوريا ووحدتها وسيادتها، يضر بجهود السلام الإقليمية أيضاً، وأن تركيا تدعم الدور الأميركي «البناء» في سوريا ومستعدة للعمل مع واشنطن والدول الأخرى لإنهاء الصراع والتوتر بشكل دائم.

تحذيرات لـ«قسد»

وكان فيدان قد حذر «قسد»، الأربعاء الماضي، من خطورة استغلال الأوضاع المضطربة في سوريا على خلفية التطورات في محافظات السويداء، لافتاً إلى أن تركيا تلقت معلومات عن تحركات لمسلحي «الوحدات الكردية».

وقال: «رسالتنا لهم أن يبتعدوا عن محاولة استغلال الاضطرابات وألا يزيدوا تعقيد العملية الحساسة في سوريا، وأن يلعبوا دوراً بنَّاءً، وإلا فإن الانتهازية تحمل معها مخاطر كبيرة».

في السياق ذاته، أكد مصدر مسؤول بوزارة الدفاع التركية، الخميس، أن القوات المسلحة تواصل حربها ضد «العناصر الإرهابية في شمال سوريا (في إشارة إلى الوحدات الكردية)، لضمان أمن تركيا ومنع إنشاء ممر إرهابي على حدودها».

وقال إن تطبيق اتفاق الاندماج الموقع بين الحكومة السورية و«قسد»، وكذلك الاشتباكات الأخيرة في السويداء، تخضع لمتابعة دقيقة وحساسة، و«موقفنا من سوريا واضح، هدفنا هو سوريا آمنة ومستقرة وقوية، تضمن سلامة أراضيها ووحدتها السياسية».

«قسد» أرسلت تعزيزات إلى دير الحافر في محافظة حلب بعد اشتباكات مع القوات السورية (إعلام تركي)

وكشفت مصادر عسكرية عن أن الجيش السوري أرسل تعزيزات إلى بلدة دير حافر، الواقعة على طريق الرقة والمتاخمة للمحور الجنوبي لمدينة منبج في شرق محافظة حلب، شمال سوريا، لمواجهة تحركات «قسد» في المنطقة.

وقالت، بحسب وسائل إعلام رسمية تركية ليل السبت - الأحد، إن القوات السورية نقلت أيضاً جنوداً وأسلحة من منبج إلى دير حافر، بعدما أرسلت «قسد» تعزيزات إلى المنطقة في أعقاب اشتباكات مع الجيش السوري في 15 يوليو (تموز) الحالي، استمرت لساعات.

وبحسب المصادر، وصل نحو 150 شاحنة (بيك آب) مجهزة بمضادات جوية، قادمة من مقر الفرقة 17 التابعة لـ«قسد» في الرقة، إلى خطوط جبهتها في ريف حلب. وأشارت إلى أن اشتباكات متقطعة وقعت مع وحدات تابعة لوزارة الدفاع السورية أثناء وصول الشاحنات.

نفي التدخل ضد الدروز

ونفت الرئاسة التركية مزاعم استهداف أنقرة للدروز في سوريا في أعقاب الاشتباكات الدامية التي وقعت في محافظة السويداء الأسبوع الماضي. وقال مركز مكافحة التضليل بدائرة الاتصال برئاسة الجمهورية التركية، في بيان عبر حسابه في «إكس»، إنه «لوحظ تداول بعض منصات التواصل الاجتماعي، بشكل مقصود وممنهج، محتويات أخذت منحىً استفزازياً سافراً، ذهبت إلى الزعم بأنّ تركيا تستهدف الطائفة الدرزية في سوريا».

وأكد البيان أنّ «هذه الادعاءات المغرضة لا تستند إلى أي أساس حقيقي وتشكل جزءاً من حملة تضليل إعلامي تسعى إلى المس بعدالة السياسة الخارجية التركية، وتشويه صورتها التي تقوم على احترام المبادئ الإنسانية».

وجاء البيان رداً على ما تناقلته بعض منصات التواصل الاجتماعي عن «تورط المخابرات التركية في تحريك العشائر السورية نحو محافظة السويداء، ودعمها لها في مواجهة فصائل السويداء المحلية».


مقالات ذات صلة

الجيش السوري يستنفر بعد رصد حشود عسكرية لـ«قسد» شرق حلب

المشرق العربي قوات الشرطة العسكرية السورية تنتشر في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب (د.ب.أ) play-circle

الجيش السوري يستنفر بعد رصد حشود عسكرية لـ«قسد» شرق حلب

أعلن الجيش السوري، اليوم (الأحد)، حالة الاستنفار بين قواته بعد رصد حشود عسكرية لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في شرق حلب.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي حافلة تقلّ عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» تغادر حي الشيخ مقصود في حلب (إ.ب.أ)

«قسد» تسحب مقاتليها من الأشرفية والشيخ مقصود في حلب

ذكر التلفزيون السوري، مساء أمس (السبت)، أن حافلات دخلت حي الشيخ مقصود بمدينة حلب؛ لإخراج مَن تبقَّى من عناصر «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عربات لقوات الأمن والجيش السوري في حلب (رويترز)

سوريا: انقطاع المياه عن مدينة حلب بعد إيقاف «قسد» ضخ مياه الفرات

قُطعت المياه عن مدينة حلب مساء (السبت) بعد إيقاف «قوات سوريا الديمقراطية» ضخ مياه نهر الفرات شرق حلب، مما يهدد ملايين الناس في مدينة حلب وريفها بالعطش.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
خاص مواطنون ينتظرون إجلاءهم من حي الشيخ مقصود في حلب (رويترز)

خاص ماذا بعد حلب؟ فرصة للدبلوماسية ومفاوضات «تحت الضغط»

تتجه الأنظار الآن إلى نوع العلاقة التي ستنشأ بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يهيمن عليها الأكراد في شمال شرقي البلاد.

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي قوات الأمن التابعة للحكومة السورية تقوم بإجلاء سكان حي الشيخ مقصود في حلب (أ.ف.ب) play-circle

«الخارجية السورية»: العملية في حلب لا تستهدف الأكراد بل استعادة النظام وحماية المدنيين

أكدت «الخارجية السورية» أن الحكومة نفذت «عملية محددة» في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب لاستعادة النظام وحماية المدنيين ولم يكن الهدف استهداف الأكراد كعرقية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

إسرائيل توقّع اتفاقية أمنية مع ألمانيا بشأن مكافحة الإرهاب والدفاع السيبراني

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت يوقّعان اتفاقية أمنية (مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت يوقّعان اتفاقية أمنية (مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي)
TT

إسرائيل توقّع اتفاقية أمنية مع ألمانيا بشأن مكافحة الإرهاب والدفاع السيبراني

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت يوقّعان اتفاقية أمنية (مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت يوقّعان اتفاقية أمنية (مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي)

وقّعت إسرائيل وألمانيا، الأحد، اتفاقية أمنية لتوسيع نطاق التعاون في مكافحة الإرهاب والدفاع السيبراني، وفق ما أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مشيراً إلى تهديدات تشكّلها إيران وحلفاؤها.

وجاء في بيان أصدره مكتب نتنياهو أن «إيران ووكلاءها؛ (حزب الله) و(حماس) والحوثيين، لا يهدّدون إسرائيل فحسب، بل أيضاً الاستقرار الإقليمي والأمن الدولي».

وتابع البيان: «إن الإعلان الذي وُقّع اليوم يرسّخ تعاوناً عميقاً مع ألمانيا في مجالات الأمن السيبراني ومكافحة الإرهاب والتقنيات المتقدمة».

وأضاف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «على أعداء إسرائيل أن يعلموا أنهم تحت أعيننا في كل وقت وفي كل مكان».

الإعلان وقّعه نتنياهو ووزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت الذي يجري زيارة إلى إسرائيل.

وقال نتنياهو، في بيان منفصل: «أعتقد أن ألمانيا وإسرائيل هما شريكان طبيعيان. لقد تعاونّا في مشروع (حيتس 3) - السهم 3 - كما تعاونّا في مجالات عدة».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت خلال زيارته إلى إسرائيل (مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي)

وأوضح البيان أن المبادرة تُضفي الطابع الرسمي على شراكة أمنية واسعة النطاق بين الأجهزة الأمنية في البلدين.

وفي الشهر الماضي، وقّعت ألمانيا وإسرائيل عقداً بـ3.1 مليار دولار لتوسيع نطاق منظومة الدفاع المضادة للصواريخ الباليستية «حيتس 3» (آرو 3)، وهي منظومة إسرائيلية الصنع تم تطويرها بدعم أميركي. العقد الذي وُقّع أصلاً في عام 2023، باتت قيمته نحو 6.5 مليار دولار. وتقول إسرائيل إنه أكبر عقد تصدير عسكري في تاريخ البلاد.

في وقت سابق الأحد، أجرى وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر محادثات مع دوبريندت، دعا خلالها الاتحاد الأوروبي إلى تصنيف «الحرس الثوري» الإيراني «منظمة إرهابية».

وجاءت الدعوة في حين تشهد إيران احتجاجات بدأت في 28 ديسمبر (كانون الأول) بإضراب نفّذه تجار في بازار طهران على خلفية تدهور سعر صرف العملة والقدرة الشرائية، وسرعان ما تحوّلت إلى حراك يرفع شعارات سياسية مناهضة لسلطات إيران القائمة منذ عام 1979.


غوتيريش يحض السلطات الإيرانية على ضبط النفس

تجمع احتجاجي في منطقة بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)
تجمع احتجاجي في منطقة بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)
TT

غوتيريش يحض السلطات الإيرانية على ضبط النفس

تجمع احتجاجي في منطقة بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)
تجمع احتجاجي في منطقة بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)

أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الأحد عن «صدمته» إزاء تقارير عن الاستخدام المفرط للقوة ضد المتظاهرين في إيران، داعياً السلطات إلى ضبط النفس.

وأعرب ستيفان دوجاريك المتحدث باسم غوتيريش في بيان عن «صدمة» الأمين العام إزاء تقارير تفيد بـ«ممارسة العنف واستخدام السلطات الإيرانية المفرط للقوة ضد محتجين»، داعياً إلى «ممارسة أقصى درجات ضبط النفس والامتناع عن الاستخدام غير الضروري أو المفرط للقوة».

وحض غوتيريش طهران على إعادة خدمات الاتصالات والإنترنت فوراً، مؤكداً أن قطعها «يعرقل تدفق المعلومات ويقوّض الحقوق الأساسية»، وشدد على أنه «يجب أن يتمكن جميع الإيرانيين من التعبير عن مظالمهم سلمياً ومن دون خوف»، مع ضرورة احترام وحماية حرية التعبير وحقوق تكوين الجمعيات والتجمع السلمي.

ويأتي موقف غوتيريش متسقاً مع ما خلص إليه تقرير بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن إيران، التي أعربت عن قلق بالغ إزاء معلومات موثوقة تفيد باستخدام القوة المفرطة ضد متظاهرين، واعتقالات واسعة شملت أطفالاً، وبث «اعترافات» من مراكز احتجاز.

ودعت البعثة إلى وقف أي استخدام غير ضروري أو غير متناسب للقوة، والإفراج عن جميع المحتجزين تعسفياً، وإعادة الوصول الكامل إلى الإنترنت والهاتف المحمول، مع الالتزام بالقانون الدولي لحقوق الإنسان وضمان المساءلة عن الانتهاكات الموثقة.


إيران تستعد لحرب محتملة في ظل تصاعد الاحتجاجات

متظاهرون يرقصون حول نار مشتعلة في شارع وسط طهران (أ.ب)
متظاهرون يرقصون حول نار مشتعلة في شارع وسط طهران (أ.ب)
TT

إيران تستعد لحرب محتملة في ظل تصاعد الاحتجاجات

متظاهرون يرقصون حول نار مشتعلة في شارع وسط طهران (أ.ب)
متظاهرون يرقصون حول نار مشتعلة في شارع وسط طهران (أ.ب)

هددت إيران، الأحد، باستهداف إسرائيل والقواعد والمراكز والسفن العسكرية الأميركية في المنطقة إذا تعرضت لضربة أميركية، في وقت دخلت فيه الاحتجاجات التي اندلعت في 28 ديسمبر (كانون الأول) أسبوعها الثالث وسط انقطاع واسع للاتصالات، وصعوبة التحقق من حجم العنف وعدد الضحايا.

وفي وقت تواجه فيه المؤسسة الحاكمة في إيران أكبر احتجاجات مناهضة للحكومة منذ 2022، هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الأيام القليلة الماضية مراراً بالتدخل، محذراً القادة الإيرانيين من مغبة استخدام القوة مع المتظاهرين.

وحذر رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، الولايات المتحدة من «سوء التقدير». وقال في كلمة بثها التلفزيون الرسمي من داخل البرلمان، إن «الأراضي المحتلة» في إشارة إلى إسرائيل، إضافة إلى «جميع القواعد والسفن الأميركية» في المنطقة، ستكون «أهدافاً مشروعة» في حال وقع هجوم على إيران، مخاطباً «الرئيس الأميركي المتوهم».

وردد نواب داخل البرلمان هتافات «الموت لأميركا والموت لإسرائيل»، وفق البث المباشر للجلسة. وأضاف أن طهران «لا تحصر» ما وصفه بـ«الدفاع المشروع» في الرد بعد وقوع الفعل، وأنها ستتحرك بناءً على «مؤشرات موضوعية» على وجود تهديد.

أعضاء البرلمان الإيراني يهتفون حول قاليباف وهو يتحدث عن رد إيران على الهجمات الأميركية المحتملة (رويترز)

في الوقت نفسه، اتهم الرئيس مسعود بزشكيان الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف وراء «زرع الفوضى والاضطراب» عبر التحريض على أعمال شغب، ودعا الإيرانيين إلى النأي بأنفسهم عمن وصفهم بـ«المخربين والإرهابيين».

وقال بزشكيان في مقابلة بثها التلفزيون الرسمي إن «الاحتجاج حق»، لكنه شدد على «عدم السماح» لمجموعة من مثيري الشغب بـ«تدمير المجتمع بأسره». مضيفاً أن أعداء إيران استقدموا «إرهابيين... أضرموا النيران في مساجد، وهاجموا البنوك والممتلكات العامة».

وأضاف أن الحكومة مستعدة للاستماع إلى مطالب الناس ومعالجة القضايا الاقتصادية التي فجرت الاحتجاجات، لكنه اعتبر أن حرق الممتلكات العامة والمصارف والمساجد «لا علاقة له بالاحتجاج». وتابع «إذا كان للشعب هواجس سنسمعها، من واجبنا أن نسمعها ونحل مشكلاته. لكن واجبنا الأكبر يقضي بعدم السماح لمثيري شغب بزرع الفوضى في المجتمع».

وتحدث بزشكيان أيضاً عن إجراءات حكومية قال إنها تستهدف استقرار السوق، وتعزيز الإنتاج، وزيادة القوة الشرائية ضمن «خطة لإصلاح نظام الدعم»، وفق ما عرض في حديثه التلفزيوني.

بزشكيان يخاطب الإيرانيين عبر التلفزيون الرسمي (رويترز)

نجحت السلطات الإيرانية في احتواء احتجاجات سابقة، لكن الاحتجاجات الأحدث ‌تأتي في وقت لا تزال فيه طهران تتعافى من حرب العام الماضي وفي ظل ‍تراجع نفوذها في المنطقة بعد ضربات تلقاها حلفاؤها، مثل جماعة «حزب ‍الله» اللبنانية، منذ أن شنت (حماس) هجمات على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وتأتي الاضطرابات في ‍إيران في وقت يستعرض فيه ترمب قوة الولايات المتحدة على الساحة الدولية، بعد إطاحته بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وتلميحه إلى ضم محتمل لجزيرة غرينلاند سواء بصفقة شراء أو استخدام القوة.

تجمعات ليلية في طهران

ميدانياً، تداول ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تظهر تجمعات ليلية في أحياء من طهران، بينها حي بونك، مع هتافات، وقرع أجسام معدنية، وتلويح بهواتف مضاءة.

وأظهر مقطع فيديو تداولته وسائل التواصل الاجتماعي، السبت، حشوداً كبيرة تجمعت في حي بونك في طهران ليلاً، وهي تقرع الحاجز المعدني لأحد الجسور وأجساماً معدنية تعبيراً عن الاحتجاج. وأظهر مقطع ⁠فيديو آخر حشوداً غفيرة تسير في أحد شوارع طهران ليلاً، وهم يصفقون ويهتفون. وسُمع رجل يقول: «لا بداية ولا نهاية لهذا الحشد»، وذكرت «رويترز» أنها تأكدت من الموقعين.

وأظهرت مقاطع أخرى مواجهات متناثرة في مدن بينها مشهد ثاني كبريات المدن الإيرانية، إضافة إلى تقارير عن احتجاجات في كرمان ومدن أخرى، لكن التحقق من كثير من المواد بقي محدوداً بسبب انقطاع الاتصالات.

وحسب روايات متداولة، فإن طائرات مسيرة حلقت فوق مناطق في طهران تجمع محتجين في العاصمة لرصد التحركات. وقالت منظمة نشطاء حقوق الإنسان (هرانا) إن نمط الاحتجاجات في العاصمة اتخذ شكل تجمعات متفرقة وقصيرة الأمد، استجابة للوجود الأمني المكثف والضغط الميداني.

ورفع بعض المتظاهرين العلم الرسمي للبلاد في زمن الشاه الذي أطاحت به ثورة 1979، وحملوا أيضاً صوراً لنجل الشاه، رضا بهلوي، أحد أبرز الأصوات في صفوف المعارضة المنقسمة.

نيران مشتعلة وسط شارع خلال احتجاجات في شمال طهران (تلغرام)

وكتب بهلوي، المقيم في الولايات المتحدة، في منشور على منصة «إكس»: «لا تغادروا الشوارع». وانطلقت الاحتجاجات في 28 ديسمبر على خلفية انهيار العملة الإيرانية، التي تجاوز سعر الدولار فيها 1.4 مليون ريال، في ظل اقتصاد يرزح تحت وطأة العقوبات الدولية، قبل أن تتوسع المطالب لتتحول إلى تحدٍ مباشر لنظام الحكم في الجمهورية الإسلامية

الرواية الرسمية للمستجدات

ظهر مراسلو التلفزيون الإيراني الرسمي، صباح الأحد، في شوارع عدة مدن لإظهار مناطق وُصفت بالهادئة، مع عرض تاريخ على الشاشة، من دون أن تشمل اللقطات طهران أو مشهد.

ومنذ بدء الاحتجاجات، اتهمت السلطات الإيرانية الولايات المتحدة وإسرائيل بتأجيج الاضطرابات، بينما تحدث مسؤولون عن «مثيري شغب» و«إرهابيين» وعمليات منظمة تستهدف الأمن الداخلي.

ونقلت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني قوله، الأحد، إن «أعمال التخريب» آخذة في الانحسار. وقال: «الأوضاع الأمنية في البلاد هي الآن مستقرة ومناسبة بفعل جهود جميع الأجهزة المعنية، خصوصاً قوات حفظ الأمن، والتوترات وأعمال التخريب نحو الانحسار». وفي تصريحات للتلفزيون الرسمي، مساء السبت، أكد مؤمني أن «من يقودون الاحتجاجات نحو التدمير والفوضى والأعمال الإرهابية لا يدَعون صوت الشعب يُسمع».

وفي هذا السياق، قال قائد الشرطة الإيرانية أحمد رضا رادان إن قوات الأمن شددت مستوى التعامل مع ما سماهم «مثيري الشغب» في إطار «تنسيق» بين الأجهزة الأمنية والشرطية.

وأضاف رادان أن «اعتقالات مهمة» نُفذت خلال الليل بحق أشخاص وصفهم بأنهم «عناصر رئيسية» في أعمال الشغب، من دون ذكر أعداد أو أسماء.

وزعم رادان، استناداً إلى ما قال إنها تقارير للطب الشرعي، أن «جزءاً ملحوظاً» من الضحايا سقطوا نتيجة «أسلحة بيضاء» وطعنات، وأن بعض حوادث إطلاق النار جرت من مسافات قريبة جداً، معتبراً أن ذلك يشير إلى أن المسؤولية ليست على قوات الأمن بل على «عناصر مدربة وموجهة»، بحسب قوله.

ونشرت وسائل إعلام رسمية روايات عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف قوات الأمن خلال الأيام الماضية في طهران ومدن أخرى.

وبث التلفزيون الرسمي لقطات لجنائز عناصر أمن في مدن بغرب البلاد، كما عرض مشاهد لاحتراق مبانٍ ومركبات، وقالت تقارير رسمية إن «مثيري الشغب» أحرقوا مسجداً في مدينة مشهد.

ونقلت وسائل إعلام رسمية أيضاً تقارير عن مقتل عناصر أمن في كرمانشاه، وسقوط ضحايا في محافظات أخرى، من دون إعلان حصيلة إجمالية رسمية.

صورة نشرتها وكالة «تسنيم» من تشييع ضابط في الجيش الإيراني في كرمانشاه غرب البلاد

وأفاد التلفزيون الرسمي بأن 30 عنصراً من قوات الأمن سيدفنون في مدينة أصفهان وسط البلاد، وأن 6 من عناصر الأمن قُتلوا على يد «مثيري شغب» في كرمانشاه غرب البلاد، إضافة إلى سقوط 13 قتيلاً في محافظة فارس، و7 من قوات الأمن في خراسان الشمالية.

وزعمت وكالة «تسنيم»، نقلاً عن «مصدر مطّلع»، أنه خلال «الليالي الماضية في طهران ومدن أخرى»، كان عدد عناصر القوات الأمنية الذين قضوا بعد اشتباكات مع محتجين «ملحوظاً».

أكثر من 500 قتيل

في المقابل، قالت «وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان» في إيران «هرانا»، وهي منظمة مقرها الولايات المتحدة، وتعتمد على شبكة ناشطين داخل البلاد للتحقق من المعلومات، إن عدد القتلى ارتفع إلى 538 شخصاً.

وأضافت «هرانا» أن غالبية القتلى من المتظاهرين، وأن بين الضحايا 48 من أفراد القوات العسكرية والأمنية، وأن أكثر من 10 آلاف و600 شخص أوقفوا، مع تلقي ادعاءات بأعداد أكبر من القتلى لا تزال قيد التحقق، وفق حصيلة تداولتها تقارير وكالات.

إيرانيون يبكون بجانب الجثث الموضوعة في أكياس خارج مركز كهريزك للطب الشرعي في جنوب طهران (رويترز)

ولم تصدر الحكومة الإيرانية أرقاماً رسمية شاملة عن ضحايا الاحتجاجات. وأكدت منظمة «سنتر فور هيومن رايتس أن إيران» التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً أنها تلقت «إفادات شهود عيان وتقارير موثوقاً بها تُشير إلى مقتل مئات المتظاهرين في أنحاء إيران خلال انقطاع الإنترنت الحالي»، حسبما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية». وجاء في البيان أن «مجزرة تجري في إيران، وعلى العالم أن يتحرك الآن لمنع المزيد من الخسائر في الأرواح». وأشارت إلى أن المستشفيات «مكتظة»، وأن مخزون الدم آخذ في النفاد، ملاحِظَة أن متظاهرين كثراً أُصيبوا في عيونهم بفعل أساليب تتعمد قوات الأمن اتباعها في مكافحة المظاهرات.

وقالت «منظمة حقوق الإنسان في إيران» ومقرها النرويج إنها وثقت منذ بدء الاحتجاجات مقتل ما لا يقل عن 192 متظاهراً، بينهم 9 دون الثامنة عشرة.

ومع استمرار انقطاع الإنترنت وقيود الاتصال، قالت جهات حقوقية وإعلامية إن الوصول إلى بيانات مستقلة حول حجم الاحتجاجات والضحايا يواجه صعوبات كبيرة.

وقالت منصة «نت بلوكس» المعنية بمراقبة الإنترنت إن الاتصال بالشبكة في إيران بقي عند نحو 1 في المائة من المستويات المعتادة مع استمرار الحجب أكثر من 60 ساعة.

وتسربت مقاطع الفيديو على ما يبدو عبر خدمة «ستارلينك» رغم الحجب التام للإنترنت الذي تشهده إيران، ويجعل التواصل الطبيعي مع العالم الخارجي مستحيلاً، سواء عبر تطبيقات المراسلة أو حتى خطوط الهاتف.

وتصاعدت حدة الخطاب الرسمي بالتوازي مع المشاهد الميدانية، إذ قال علي لاريجاني، الموصوف بأنه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، إن على القضاء التعامل بحزم مع من وصفهم بـ«صانعي انعدام الأمن».

متظاهرون يرقصون حول نار مشتعلة في شارع وسط طهران (أ.ب)

وميز لاريجاني بين احتجاجات اقتصادية قال إنها «مفهومة» وبين أعمال «شغب» عدها منظمة وعنيفة، واتهم منفذيها بارتكاب أعمال قال إنها تشبه «أساليب داعش»، بما في ذلك القتل والحرق.

كما قال سعيد جليلي، ممثل المرشد في المجلس الأعلى للأمن القومي إن الخصوم يسعون إلى تحقيق أهدافهم عبر اضطرابات داخلية، ورأى أن ما يجري امتداد لـ«حرب» لم تحقق أهدافها خلال الأشهر الماضية، وفق ما نقلت وسائل إعلام إيرانية.

المشرحة

وبثت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، التي تعد من بين قلة من وسائل الإعلام الحكومية التي ما زالت تملك إمكانية الوصول إلى الإنترنت، تقريراً مصوراً، يوم الأحد، من داخل عنبر كبير في طهران ظهرت فيه جثث كثيرة، وزعمت أن مقتلهم مرتبط بأعمال نفذها «معترضون».

ولم يحدد التقرير موقع العنبر أو الجهة التابعة لها، كما لم يتضمن اسم الطب الشرعي أو تفاصيل رسمية عن هويات الضحايا أو أسباب الوفاة.

وجاء ذلك بعد تداول صور ومقاطع قيل إنها التقطت في محيط الطب الشرعي ومشرحة كهريزك، تظهر عائلات داخل قاعة كبيرة تبحث بين الجثامين عن أقاربها، وبعضها يشارك في

التعرف إلى الضحايا.

وأكدت هيئة الإذاعة والتلفزيون صحة تلك الصور في تقرير لاحق، لكنها نسبت مقتل «غالبية» الظاهرين فيها إلى «معارضي الحكومة»، وفق ما نُقل عنها.

في السياق نفسه، تداولت تقارير إعلامية وشهادات من داخل إيران روايات عن اكتظاظ بعض المستشفيات بالمصابين، لكن التحقق المستقل من التفاصيل بقي محدوداً.

تصاعد الدخان مع تجمع المتظاهرين وسط احتجاجات مناهضة للحكومة في مشهد (رويترز)

مطالب دولية

على المستوى الدولي، أشار البابا ليو الرابع عشر في الفاتيكان إلى إيران بوصفها مكاناً «تستمر فيه التوترات في حصد أرواح كثيرة». وقال إنه يأمل ويصلي من أجل أن يُرعى «الحوار والسلام» بصبر سعياً إلى «الصالح العام للمجتمع بأسره»، وفق ما نقل عن كلمته.

كما دعت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن إيران السلطات إلى استعادة الوصول إلى الإنترنت والهاتف المحمول «فوراً»، ووقف القمع العنيف للاحتجاجات الجارية. وقالت إنها تلقت معلومات وصفتها بالموثوق بها تشير إلى أن المجلس الأعلى للأمن القومي أصدر توجيهاً لقوات الأمن بشن حملة «حاسمة» لإنهاء الاحتجاجات.