انسحاب مسلحي العشائر البدوية من السويداء بجنوب سوريا

بعد الاتفاق على حل الفصائل

مسلحون من العشائر العربية في السويداء السبت (أ.ف.ب)
مسلحون من العشائر العربية في السويداء السبت (أ.ف.ب)
TT

انسحاب مسلحي العشائر البدوية من السويداء بجنوب سوريا

مسلحون من العشائر العربية في السويداء السبت (أ.ف.ب)
مسلحون من العشائر العربية في السويداء السبت (أ.ف.ب)

بعدما شهدت مدينة السويداء ومحيطها مواجهات واسعة بين عشائر عربية ومسلحين من الطائفة الدرزية، السبت، مع بدء انتشار قوات الأمن السورية داخل المدينة؛ تنفيذاً لبنود اتفاق وقف إطلاق النار، ما ألقى بظلال من الشك حول مستقبل الهدنة التي جاءت لتوقف قتالاً مستمراً منذ الأحد الماضي، أعلنت وزارة الداخلية السورية في نهاية اليوم إنه تم إخلاء السويداء من مقاتلي العشائر كافة، وإيقاف الاشتباكات التي تسببت في سقوط مئات الضحايا داخل أحياء المدينة.

وأوضح نور الدين البابا المتحدث باسم الداخلية السورية، في بيان: «بعد جهود حثيثة بذلتها وزارة الداخلية لتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار وذلك بعد انتشار قواتها في المنطقة الشمالية والغربية لمحافظة السويداء، تم إخلاء مدينة السويداء من جميع مقاتلي العشائر، وإيقاف الاشتباكات داخل أحياء المدينة».

بدوره، أفاد «تلفزيون سوريا» اليوم بأن مسلحين ينتمون إلى عشائر بدوية انسحبوا من المدينة الواقعة في جنوب سوريا.

وأكد التلفزيون أن التحضيرات جارية للبدء في إجلاء المحتجَزين من مسلحي العشائر من مدينة الشهبا في ريف السويداء.

ولم يكن مرَّ سوى وقت قصير على إعلان وقف النار اليوم حتى عادت المواجهات العنيفة بين الفصائل الدرزية، والعشائر العربية التي بدا أنها حقَّقت تقدماً داخل مدينة السويداء نفسها بعدما كانت حتى أمس على أطرافها.

وأفاد مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» بسماعه دوي قصف متقطع وطلقات نارية، صباح السبت، في أحد أحياء مدينة السويداء. ونقل عن مقاتلين دروز قولهم إن مجموعات مهاجِمة تسللت إلى المدينة، تزامناً مع خوض مجموعات أخرى اشتباكات ضد المقاتلين المحليين في ريف المدينة الشمالي.

مقاتلون من العشائر العربية في مدينة السويداء اليوم السبت (أ.ف.ب)

أما منصة «السويداء 24» الإخبارية المحلية في السويداء، فذكرت أن «مجموعات مسلحة قادمة من خارج المحافظة عملت على خرق اتفاق وقف النار، وحاولت التقدُّم في مدينة السويداء، وسط مقاومة عنيفة من الفصائل المحلية والمجموعات الأهلية». وأضافت أن المجموعات المهاجِمة وقعت في كمائن عند محاولتها التوغّل في المدينة.

في المقابل، أظهرت أشرطة فيديو نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاتلي العشائر وهم يخوضون اشتباكات مباشرة مع مقاتلين دروز داخل السويداء نفسها.

وجاءت عودة المواجهات بعد قليل من ظهور المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، في قرية المزرعة بريف السويداء برفقة القوات الحكومية، مؤكداً أن الاتفاق الذي تمَّ التوصُّل إليه ينصُّ على نشر القوات الحكومية في المحافظة كلها، وإعادة المؤسسات الدولة كافة. وفي بيان نشره على منصة «تلغرام»، قال نور الدين البابا: «بدأت قوى الأمن الداخلي بالانتشار في محافظة السويداء في إطار مهمة وطنية، هدفها الأول حماية المدنيين ووقف الفوضى».

مقاتلون من البدو ينتشرون في الوقت الذي تحترق فيه سيارة عند المدخل الغربي لمدينة السويداء معقل الدروز في سوريا (أ.ف.ب)

إلا أن الزعيم الدرزي حكمت الهجري أصدر بياناً باسم الرئاسة الروحية للطائفة، أكد فيه أن الاتفاق يشمل «نشر قوات من الأمن العام على أطراف المحافظة وخارج حدودها».

وقالت مصادر في العشائر لـ«الشرق الأوسط» إن حالة من الغليان لا تزال تسيطر على الأجواء رغم دعوات ضبط النفس والتهدئة، مضيفة أن هناك مخاوف من خرق الاتفاق على أيدي مَن وصفتها بـ«الجهة المستقوية بإسرائيل» (في إشارة إلى جماعة مرتبطة بالشيخ الهجري)، مشيرة إلى ما سبق أن حصل لدى إعلان اتفاق وقف إطلاق النار السابق، يوم الثلاثاء، بين الحكومة والرئاسة الروحية والأعيان، الذي نصَّ على نشر القوات الحكومية في المحافظة، قبل أن يتنصل من الاتفاق الشيخ الهجري. وقالت المصادر ذاتها إن الحكومة تواجه صعوبةً في تهدئة «شباب الفزعات الذين وفدوا من كل المناطق السورية نصرةً للبدو وعناصر الأمن العام الذي قُتلوا غدراً في السويداء»، بحسب وصفها.

مقاتلون من البدو والعشائر خلال المواجهات في مدينة السويداء اليوم (أ.ف.ب)

من جانبها، دعت حركة «رجال الكرامة»، التي يتزعمها رجل الدين الدرزي، ليث البلعوس، إلى التنسيق المباشر والجاد بين القوى الوطنية في السويداء والدولة؛ من أجل إيصال المساعدات الإنسانية والخدمات، وتسريع التعافي، وإعادة الحياة إلى طبيعتها. كما أعلنت هذه الحركة، المتحالفة مع الحكومة، دعمها بشكل واضح «التمييز الذي تتبناه الدولة بين مَن حمل السلاح اضطراراً؛ دفاعاً عن أهله في ظروف الفوضى، ومَن فعل ذلك تنفيذاً لأجندات خارجية تخريبية»، مع التأكيد على أن حماية المدنيين بكل مكوناتهم هي «مسؤولية الدولة وحدها».

وكانت الرئاسة السورية أعلنت، اليوم، وقفاً شاملاً وفورياً لإطلاق النار. وأوضحت أن ذلك يأتي «حرصاً على حقن دماء السوريين، والحفاظ على وحدة الأراضي السورية، واستجابةً للمسؤولية الوطنية والإنسانية».

ودعت الرئاسة السورية، في بيانها، إلى فسح المجال أمام الدولة ومؤسساتها لتثبيت الاستقرار، ووقف سفك الدماء.

ودعت جميع الأطراف، دون استثناء، إلى الالتزام الكامل بالقرار، ووقف الأعمال القتالية كافة فوراً في جميع المناطق، مشيرة إلى أن قوات الأمن بدأت بالانتشار في عدد من المناطق؛ لضمان تنفيذ وقف إطلاق النار، والحفاظ على النظام العام.

وأخيراً، حذَّرت الرئاسة من «أي خرق لهذا القرار»، مؤكدة أن ذلك سيعد انتهاكاً صريحاً للسيادة الوطنية، وسيواجَه بإجراءات قانونية.

خطاب الشرع

وعرض الرئيس السوري، أحمد الشرع، في خطاب السبت تطور الأحداث. وقال إن «الدولة السورية تمكَّنت من تهدئة الأوضاع رغم صعوبة المشهد»، لكن التدخل الإسرائيلي دفع البلاد إلى مرحلة خطيرة تهدد استقرارها؛ نتيجة القصف الذي استهدف جنوب سوريا ومؤسسات الحكومة في دمشق. وأكد الشرع التزامه بـ«حماية الأقليات» ومحاسبة «المنتهكين» من أي طرف، مع بدء نشر قوات الأمن في السويداء.

وكانت واشنطن أعلنت، ليل الجمعة - السبت، اتفاق سوريا وإسرائيل على وقف لإطلاق النار بينهما بعدما قصفت طائرات إسرائيلية مقرات رسمية، والقوات الحكومية في دمشق والسويداء في خضم المعارك بين الدروز والبدو.

وسبق لإسرائيل أن أكدت أنها لن تسمح بالتعرض للأقلية الدرزية، أو أن تنشر الحكومة السورية قوات عسكرية في جنوب البلاد قرب هضبة الجولان التي تحتلها.

وقال وزير خارجيتها جدعون ساعر، السبت، إن الأقليات في سوريا، سواء الكردية أو الدرزية أو العلوية أو المسيحية، معرضة «للخطر» تحت حكم الرئيس الشرع، بحسب ما كتب على منصة «إكس».

وأضاف: «لقد ثبت ذلك مراراً وتكراراً على مدى الأشهر الستة الماضية»، مؤكداً أن على المجتمع الدولي «واجب أن يضمن أمن وحقوق الأقليات في سوريا، وأن يرهن قبول سوريا مجدداً في عائلة الأمم، بحمايتهم».

بيان العشائر

من جهتها، أعلنت العشائر العربية السورية، في بيان اليوم، التزامها الكامل بقرار رئاسة الجمهورية بوقف إطلاق النار، مؤكدة سعيها لحقن الدماء، وإنهاء حالة الاقتتال، وفتح باب العودة الآمنة، والحوار الوطني الشامل.

وقالت العشائر إن «القرار أتى استجابة لتوجيهات رئاسة الجمهورية، وانطلاقاً من الحرص على وحدة الوطن، وتفويت الفرصة على مَن يسعى لزرع الفتنة والانقسام بين أبنائه».

وأكدت «وقف جميع الأعمال العسكرية» من طرفها، مشيرة إلى أن «أبناء العشائر لم يكونوا يوماً دعاة حرب، بل دافعوا عن كرامتهم عند الضرورة، وقدموا التضحيات في سبيل السلم الأهلي».

كما نص البيان على «الإفراج الفوري عن جميع المحتجزين من أبناء العشائر دون تأخير، وعدّ هذه الخطوة إحدى بوادر الثقة، إلى جانب تسهيل عودة جميع النازحين إلى منازلهم دون استثناء، أو شروط».

ودعت العشائر إلى «فتح قنوات الحوار والتنسيق، مع التأكيد على عدم تكرار ما حدث، والسير نحو استقرار دائم».

واختتمت العشائر بيانها بـ«التأكيد على تمسكها بروح الأخوة والواجب»، مترحمة على «قتلى العشائر الذين سقطوا دفاعاً عن الأرض والعرض».

وتدور اشتباكات دامية منذ أيام عدة بين مجموعات مسلحة محلية ومسلحين من عشائر بدوية في السويداء بجنوب البلاد.

وكانت مصادر خاصة لقناة «تلفزيون سوريا» قد كشفت عن التوصُّل إلى اتفاق يقضي بدخول قوات الأمن العام السورية إلى كامل مناطق السويداء؛ لبسط الأمن والاستقرار داخل المحافظة.

وأوضحت المصادر أن الاتفاق الذي توصَّلت إليه السلطات السورية مع مشايخ العقل وقادة الفصائل المحلية في السويداء، فجر اليوم، ينصُّ على «دخول مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية إلى المحافظة، وحل جميع الفصائل».

وينصُّ الاتفاق أيضاً على «تسليم السلاح الثقيل، ودمج عناصر الفصائل في القوات التابعة لوزارتي الداخلية والدفاع».

يأتي ذلك بالتزامن مع إعلان المبعوث الأميركي إلى سوريا، سفير واشنطن لدى تركيا، توماس برّاك، اتفاقاً لوقف إطلاق النار بين سوريا وإسرائيل. وغرد برّاك في منشور على منصة «إكس» أن الطرفين السوري والإسرائيلي، اتفقا، بدعم من الولايات المتحدة، على وقف إطلاق نار تبنته تركيا والأردن، وجيرانهما.


مقالات ذات صلة

حُكم هولندي بحبس قيادي موالٍ للأسد مُدان بتعذيب واغتصاب معارضين

أوروبا بطانيات يستخدمها السجناء في منشأة احتجاز كانت تديرها المخابرات العسكرية في عهد نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد... دمشق 17 ديسمبر 2024 (أ.ب)

حُكم هولندي بحبس قيادي موالٍ للأسد مُدان بتعذيب واغتصاب معارضين

قضت محكمة هولندية، الاثنين، بحبس سوري 26 سنة لإدانته بتعذيب واغتصاب معارضين للرئيس السابق بشار الأسد إبان الحرب التي شهدتها سوريا.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
المشرق العربي سوريا... رفض عودة «الشبيحة» يتحول إلى حراك

سوريا... رفض عودة «الشبيحة» يتحول إلى حراك

دعت وزارة الداخلية السورية المواطنين إلى عدم الانجرار إلى أي أعمال انتقامية أو اعتداءات خارج إطار القانون.

موفق محمد (دمشق) «الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي الشرع في زيارة لجزيرة أرواد لتشجيع السياحة في الساحل (حساب الرئاسة السورية)

سوريا: تنشيط السياحة الداخلية بانتظار الاستثمارات الكبرى

تطلق محافظة دمشق مساء الاثنين مهرجان «القرية السورية» الأول على أرض حديقة الأمويين، في توجّه نحو تنشيط السياحة الداخلية وسياحة المغتربين.

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي جانب من ساحل مدينة طرطوس السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)

سوريا: كابل إنترنت دولي يربط طرطوس والإسكندرية يتعرض للتخريب

أعلنت الشركة السورية للاتصالات أنّ الكابل البحري الدولي الواصل بين طرطوس السوري والإسكندرية في مصر تعرّض «لعمل تخريبي» قرب ساحل طرطوس.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي مشاهد من عملية الهجوم على مركز أمن سوري في الرقة السورية يوم الإثنين (الأمن الداخلي)

مقتل اثنين من منتسبي «الداخلية السورية» في هجوم بالرقة

قُتل اثنان على الأقل من موظفي وزارة الداخلية السورية في هجوم انتحاري استهدف معسكراً تابعاً للوزارة في مدينة الرقة السورية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

لبنان ينتظر الترجمة العملية للاتفاق

علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)
علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)
TT

لبنان ينتظر الترجمة العملية للاتفاق

علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)
علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)

ينتظر لبنان الترجمة العملية لمذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها بين واشنطن وطهران لإنهاء الأعمال العسكرية والتصعيد في المنطقة، بما يشمل لبنان.

وبينما لم تتبلّغ الدولة اللبنانية رسمياً بالبنود المتفق عليها، وآليات التنفيذ، رحب الرئيس اللبناني جوزيف عون بالمذكرة، وأثنى على «ما ورد فيها من احترام للخصوصية اللبنانية»، وسط تركيز رسمي على أولوية تثبيت وقف إطلاق النار قبل الانتقال إلى المرحلة التالية التي تشمل الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وانتشار الجيش، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار.

ويأتي ذلك في وقت لم تتوقف فيه الغارات والمسيّرات الإسرائيلية عن التحليق في مناطق الجنوب والعاصمة بيروت وضاحيتها.

في المقابل، أعلن «حزب الله» استهداف تجمعات لجنود إسرائيليين وآلياتهم داخل لبنان، في حين نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول في الحزب قوله إن مقاتليه لم ينفذوا أي ‌عمليات ‌منذ الإعلان ​عن ‌الاتفاق الإيراني - الأميركي، وإن موقف الحزب من وقف إطلاق النار مرتبط بالتزام إسرائيل به أولاً.


عباس يمهّد لانتخابات فلسطينية و«حماس» تنتقد «الاستفراد بالسلطة»

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)
TT

عباس يمهّد لانتخابات فلسطينية و«حماس» تنتقد «الاستفراد بالسلطة»

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)

مهّد الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لإجراء أول انتخابات تشريعية منذ 20 عاماً في الأراضي الفلسطينية، عبر تعديلات على قانون الانتخابات العامة، التي تُجرى العام الحالي، بالتزامن مع انتخابات «المجلس الوطني» التابع لـ«منظمة التحرير»، وقبل إجراء الانتخابات الرئاسية التي وعد عباس أيضاً بتنظيمها في عام 2027.

ولم تشهد الأراضي الفلسطينية، انتخابات تشريعية منذ عام 2006، حين فازت «حماس» بأغلبيتها، وأعقبتها سنوات من الانقسام والاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني.

وقال مصدر فلسطيني مطلع لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يجري جزء من تعهدات فلسطينية رسمية للدول العربية والأوروبية وللأميركيين، بتجديد السلطة».

وهاجم متحدث باسم حركة «حماس» إجراءات عباس، قائلاً إنها «استمرار لمنطق الاستفراد» بالسلطة.


«الأزمات الدولية»: المؤسسات المالية الفلسطينية شارفت على الإفلاس

القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة مايو الماضي (أ.ف.ب)
القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة مايو الماضي (أ.ف.ب)
TT

«الأزمات الدولية»: المؤسسات المالية الفلسطينية شارفت على الإفلاس

القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة مايو الماضي (أ.ف.ب)
القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة مايو الماضي (أ.ف.ب)

حذّر تقرير أصدرته مجموعة «الأزمات الدولية» من تنامي الضغوط والعقوبات الإسرائيلية على الضفة الغربية، مشيراً إلى أن المؤسسات المالية الفلسطينية شارفت على الإفلاس بسبب وقف الإيرادات، وفرض القيود على العلاقات المصرفية، وفقدان العمال الفلسطينيين وظائفهم في إسرائيل.

ونبه التقرير الذي أعدته «الأزمات الدولية» بعنوان «مواجهة القبضة الإسرائيلية الخانقة على اقتصاد الضفة»، وأتاحته للنشر، الاثنين، إلى أنه «منذ هجوم (حماس) على إسرائيل أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فرضت الحكومة الإسرائيلية عقوبات اقتصادية جديدة على الضفة الغربية»، موضحة أن هذه العقوبات «أدت إلى منع وصول السلطة الفلسطينية إلى المال، وخنقت حرية حركة السكان الفلسطينيين».

وجاء في التقرير أن «اقتصاد الضفة الغربية، الذي حرصت إسرائيل منذ وقت طويل على بقائه مترنحاً، يواجه ضغوطاً تزداد حدة»، ولفتت إلى أن المجتمع الفلسطيني حافظ على بقائه، لكن في حالة من الفقر المدقع؛ وفي حال عدم معالجة ذلك، من المرجح أن يفضي إلى فقدان الأمن وارتفاع مخاطر عدم الاستقرار وازدياد حدة العنف.

عمال فلسطينيون ينتظرون للعبور إلى إسرائيل من الضفة في فبراير 2022 (أ.ب)

كما دعا إلى دعم دولي للضفة الغربية وقطاع غزة «لتجاوز اعتمادهما على إسرائيل واكتساب سيادة حقيقية». لكنه شدد أولاً على أنه «يتعين على الجهات الفاعلة الخارجية الضغط على إسرائيل لاتخاذ خطوات لتيسير الدفعات النقدية إلى الأسر والمؤسسات الفلسطينية، وذلك برفع القيود المفرطة على حرية الحركة وإلغاء الإجراءات المالية العقابية».

إحكام القيود على الضفة

وفق تقرير «الأزمات الدولية» فإنه «على مدى العامين ونصف العام الماضيين، ومع تركُّز أنظار العالم أولاً على غزة والآن على الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، أحكمت إسرائيل القيود التي تفرضها على وصول فلسطينيي الضفة الغربية إلى التمويل وقدرتهم على الحركة، متذرعةً بمبررات أمنية مبالغ بها». واستشهد بقطع وزير المالية اليميني المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، جميع مصادر الإيرادات الرئيسية للسلطة الفلسطينية تقريباً. ومن ثم، فقد تقلّص اقتصاد الضفة الغربية، شديد الاعتماد على إسرائيل، إلى حد أنه لم يعد قادراً على توفير الخدمات العامة الأساسية.

جندي إسرائيلي بسوق البلدة القديمة في نابلس شمال الضفة الغربية أثناء مداهمات أبريل الماضي (أ.ف.ب)

وقدّر أنه «من أجل تفادي حدوث انهيار اقتصادي، ينبغي على إسرائيل التحرك على نحو عاجل للسماح للعمال الفلسطينيين بالعودة إلى تلك الوظائف، وتحويل الإيرادات المستحقة للسلطة الفلسطينية. ولا بد من القيام بفعل دولي لإجبار إسرائيل على اتخاذ هذه الخطوات وغيرها بحيث يتمكن الاقتصاد الفلسطيني من الشروع بالتعافي، ويتمكن بمرور الوقت من الوقوف على قدميه».

حسب التقرير، فإن الاقتصاد الفلسطيني بات «أكثر اعتماداً على القوة المحتلة القوية اقتصادياً؛ وعلى الشيقل الإسرائيلي الذي لا تتمتع السلطة الفلسطينية بأي تأثير عليه من حيث السياسة النقدية، الذي تعكس قوته الأوضاع الاقتصادية الإسرائيلية لا الفلسطينية، وعلى المصارف المراسلة الإسرائيلية، التي تشكل القناة الوحيدة لربط النظام المالي الفلسطيني بالأسواق الدولية، وعلى التجارة التي تمر من خلال الموانئ الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. من خلال نقاط التفتيش ووسائل أخرى، قسمت إسرائيل الضفة الغربية أيضاً إلى جيوب منفصلة تقريباً، فأوجدت بذلك اقتصادات صغرى تجد صعوبة في التعامل بعضها مع بعض، ناهيك عن التعامل مع العالم. وقد عقَّد ذلك دور السلطة الفلسطينية في إدارة الاقتصاد».

إجبار على الاقتراض

وخلص التقرير إلى أن «الأثر التراكمي للسياسات الاقتصادية التي تبنتها إسرائيل منذ عام 1967، لا سيما خلال السنتين الماضيتين، كان مدمراً على الأُسر، والمؤسسات، والبلديات الفلسطينية، وعلى السلطة الفلسطينية أيضاً»، منبهاً إلى أن السلطة الفلسطينية تُجبر على «الاقتراض بشكل كبير من المصارف، وعلى مراكمة الديون متأخرة السداد لموظفي القطاع العام، والمقاولين والمزودين، الأمر الذي يفرض ضغوطاً على النظام المالي الذي تعتمد عليه، وفي الوقت نفسه حرمان القطاع الخاص من الاقتراض».

واتهم التقرير القادة الإسرائيليين بأنهم «وضعوا حتى الآن مجموعة من السياسات التي تبدو مصممة لإضعاف الاقتصاد الفلسطيني إلى حد الاعتماد الكامل على إسرائيل»، متسائلاً حول «ما إذا كانت إدارة ترمب ستضغط على إسرائيل، كجزء من خطتها ذات العشرين نقطة لقطاع غزة، أو كجزء من أي خطة أخرى، لتخفيف حدة حملتها على اقتصاد الضفة الغربية».

مبنى سلطة النقد الفلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (موقع سلطة النقد)

وأشار تقرير «الأزمات الدولية» إلى من شبه المؤكد أن الضغوط الخارجية ستكون ضرورية لإقناع إسرائيل بالتحرك بشأن الأولوية الاقتصادية القصوى بالنسبة للضفة الغربية التي أُضعفت على نحو قسري، والتي تتمثل بتيسير التدفقات النقدية من جديد إلى الأسر والمجتمعات المحلية.

على الجانب الآخر، دعا التقرير السلطة الفلسطينية إلى ضرورة أن «تُجري إصلاحات، بما فيها تحسين الشفافية في إنفاق موازنتها، والتعاون الكامل مع المراجعات المالية الخارجية المستقلة، وإعادة بناء شرعيتها الداخلية من خلال تحسين حوكمتها».

وجدد التأكيد على أهمية مساعدة الجهات الفاعلة الخارجية الملتزمة بالوصول إلى حصيلة سلمية للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني باعتبارها «جوهرية»، خصوصاً وأن «البديل القاتم لا يمكن أن يكون سوى المزيد من العنف مع استمرار الحوكمة الفلسطينية والاقتصاد الفلسطيني بالتردي حتى الوصول إلى الانهيار الكامل».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended