بوادر أزمة حادة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي بسبب «اتفاق الشراكة»

بروكسل تلوّح بالتحكيم والسلطات الجزائرية تعدّ قراراتها «شأناً سيادياً»

ممثل السياسة الخارجية في «الاتحاد الأوروبي» سابقاً جوزيب بوريل في لقاء سابق مع الرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)
ممثل السياسة الخارجية في «الاتحاد الأوروبي» سابقاً جوزيب بوريل في لقاء سابق مع الرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)
TT

بوادر أزمة حادة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي بسبب «اتفاق الشراكة»

ممثل السياسة الخارجية في «الاتحاد الأوروبي» سابقاً جوزيب بوريل في لقاء سابق مع الرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)
ممثل السياسة الخارجية في «الاتحاد الأوروبي» سابقاً جوزيب بوريل في لقاء سابق مع الرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

تلوح في أفق العلاقات بين الجزائر والاتحاد الأوروبي حالياً بوادر أزمة حادة بشأن اتفاق الشراكة، الجاري تنفيذه منذ عام 2005، والذي يتضمن أبعاداً سياسية وحقوقية، تتعلق بحرية الصحافة، والناشطين السياسيين والحقوقيين، الذين تتم متابعتهم أمنياً وقضائياً بسبب تعبيرهم عن آرائهم، والتنديد بما يُعدّ «تجاوزات وقيوداً»

استغراب جزائري

قالت الجزائر، الخميس، إنها «فوجئت للقرار المتسرع أحادي الجانب»، الذي اتخذه الاتحاد الأوروبي بخصوص اللجوء إلى التحكيم؛ بسبب ما يعدّه قيوداً يفرضها الجانب الجزائري على التجارة والاستثمار، حسب بيان لوزارة خارجيتها، أوضحت فيه أنها تلقت هذا القرار من مديرية التجارة بالمفوضية الأوروبية».

وعدَّت الجزائر الخطوة الأوروبية «مخالفة لاتفاق الشراكة، الذي يربط الجزائر بالاتحاد الأوروبي»، والذي تم توقيعه عام 2002 ودخل حيز التنفيذ في عام 2005، وكان من المفترض أن يؤدي إلى تفكيك جمركي شامل خلال 12 سنة، غير أن هذه العملية شهدت تأجيلات متكررة لأسباب اقتصادية وسياسية.

الرئيس الجزائري أكد خلال اجتماعه بحكومته مطلع 2025 أن بلاده تريد تقاسماً للأرباح مع أوروبا (الرئاسة)

وفي رده على الإجراء الأوروبي، وجّه وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، الخميس، رسالة رسمية في هذا الشأن إلى كايا كالاس، الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، نائبة رئيس المفوضية الأوروبية، عبَّر فيها عن «تفاجئه من القرار الأوروبي المتسرع والأحادي الجانب»، حسب البيان ذاته.

وأكد عطاف في رسالته أن «مسار المشاورات، الذي جرى في جوٍ بنَّاء وهادئ، لا يبرر بأي حال من الأحوال هذا الانقطاع المفاجئ في الحوار، لا سيما وأن الطرف الجزائري قدَّم مقترحات عملية بخصوص النقطتين المتبقيتين، دون أن يتلقى أي رد رسمي من نظيره الأوروبي». ولم يوضح بيان الخارجية ما هما «النقطتان».

وعدَّ عطاف أن «الطابع الأحادي لهذا المسعى الأوروبي يناقض روح ونص اتفاق الشراكة»، معبّراً «بشكل خاص عن أسفه لأن الجانب الأوروبي تصرف كما لو أن مجلس الشراكة، وهو الهيئة المركزية لاتخاذ القرار في إطار الاتفاق، لم يعد قائماً». لافتاً إلى أن «تقييم نتائج المشاورات، واتخاذ القرارات بشأنها يقع حصراً ضمن صلاحيات مجلس الشراكة، ولا يجوز لأي طرف أن يحل محله».

وأضاف عطاف موضحاً أن هذا المجلس «لم يعقد منذ خمس سنوات، رغم الطلبات المتكررة والملحة من الجانب الجزائري؛ وهو ما حرم الطرفين من إطار مؤسساتي محوري، الغاية منه ضمان تطور متوازن للعلاقة الثنائية، من جهة، والقيام بدور رئيسي في تسوية النزاعات، من جهة أخرى».

بروكسل ترفع منسوب الضغط

أعلنت مفوضية الاتحاد الأوروبي، الأربعاء 16 يوليو (تموز)، عن إطلاق إجراء تحكيمي ضد «القيود التجارية والاستثمارية التي تفرضها الجزائر». وفي الوقت ذاته، أعربت عن دعمها للشركات الفرنسية التي قد تتأثر بالأزمة الدبلوماسية الحالية بين فرنسا والجزائر.

كايا كالاس الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية (متداولة)

وعدّ الاتحاد الأوروبي عن طريق موقعه المخصص للسياسة الخارجية أن الإجراءات التي اتخذتها الجزائر، تمثل «انتهاكاً لاتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والجزائر»، ومن خلال طلب التحكيم، «يسعى الاتحاد إلى استعادة حقوق المصدرين والشركات الأوروبية العاملة في الجزائر، التي تضررت من هذه القيود». كما أكد أن التجارة والاستثمار مع الجزائر أصبحا «أكثر صعوبة» بالنسبة للفاعلين الاقتصاديين في الاتحاد الأوروبي؛ وذلك بسبب سلسلة من «العوائق التي وضعتها السلطات الجزائرية منذ عام 2021».

وأعلن الاتحاد الأوروبي أيضاً عن تعيين محكّمه في إطار النزاع القائم، بينما يُنتظر من الجزائر أن تُعيّن محكّمها خلال مهلة أقصاها شهران، على أن يُعيَّن المحكّم الثالث من قِبل مجلس الشراكة، استناداً إلى اتفاقية الشراكة.

من جهة أخرى، أعرب الاتحاد الأوروبي عن «قلقه» مما وصفه بـ«العقبات الإضافية التي وضعتها الجزائر، والتي تستهدف بشكل خاص الشركات والمصدرين الفرنسيين»، مؤكداً أن هذه العقبات «محل متابعة دقيقة وستظل تُطرح للنقاش مع الجزائر».

رؤيتان متباعدتان لـ«الشراكة»

منذ سنوات، تطالب الجزائر بمراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوربي، على أساس أنه «مجحف» وغير «متوازن»، وتسبب في خسائر مالية كبيرة لها. وقدر خبراء في الجزائر خسائر البلاد جراء اتفاق الشراكة مع بروكسل بأكثر من 30 مليار دولار في الـ20 سنة الماضية.

وزير خارجية الجزائر (الوزارة)

وفي عام 2021، أطلقت الجزائر إجراءات تندرج في إطار خطة لتقليص فاتورة الواردات بهدف تنويع اقتصاد البلاد، وتقليل اعتماده على المحروقات، وتعزيز التصنيع المحلي، تتعلق أساساً بتنظيم الواردات وتحفيز الإنتاج المحلي، وقد شملت نظام تراخيص الاستيراد، وحوافز لاستخدام المدخلات المحلية في قطاع السيارات، وإجراءات تخص استيراد مواد فلاحية، وتدابير تتعلق بتنظيم المشاركة الأجنبية في الشركات المستوردة.

وتعامل المسؤولون مع هذه القضية وفق منطق «سيادي»، لا يريدون للاتحاد الأوروبي أن يتدخل فيها، ولا أي شريك تجاري آخر، علماً أن الاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري للجزائر، ممثلاً نحو 50.6 في المائة من تجارتها في 2023، رغم تراجع صادراته إليها من 22.3 مليار يورو عام 2015 إلى 14.9 مليار يورو عام 2023.

ورأت المفوضية الأوروبية أن هذه الإجراءات تفرض «قيوداً» على صادراتها إلى الجزائر، وتشكل خرقاً لبنود اتفاق الشراكة. وفي 14 يونيو (حزيران) الماضي أعلنت رسمياً رفضها لها، ولوّحت باللجوء إلى التحكيم الدولي المنصوص عليه في الاتفاق، باعتباره آلية يمكن اللجوء إليها إذا رأى أحد الطرفين أن الآخر أخلّ بالتزاماته التجارية. وأكدت في الوقت نفسه أن هذه الخطوة تهدف إلى فتح حوار بنّاء مع الجزائر لرفع القيود المفروضة، والتي تشمل المنتجات الزراعية والسيارات، ونظام تراخيص الاستيراد، وشروط التصنيع المحلي، فضلاً عن تحديد سقف لمساهمة المستثمرين الأجانب في الشركات المستوردة.

في فبراير (شباط) 2025، عقد الطرفان اجتماعيْن بهدف تجاوز الخلاف وتفادي اللجوء إلى التحكيم. وفي الوقت نفسه، انطلقت مشاورات مبدئية بشأن طلب الجزائر مراجعة وثيقة الشراكة لجعلها أكثر نفعاً لها. غير أن الطرفين لم يتمكنا من التوصل إلى حل، بعد أن طالب الجانب الأوروبي بالتراجع عن قرارات تقييد الصادرات، قبل إجراء أي تعديل على الاتفاق، وهو ما رفضته الجزائر.

«وضع مقلق»

في أواخر عام 2024، صرّح وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، خلال مؤتمر صحافي، بأن بلاده تمرّ بـ«وضع مقلق» في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، مضيفاً: «يبدو وكأنهم يتعاملون معنا على أساس أن اقتصادنا لم يتحرّك منذ عام 2005».

وأشار عطاف إلى أن بلاده «أصبحت من كبار مصدّري الصلب، غير أن الأوروبيين فرضوا في السابق حصصاً على وارداتهم من هذا المنتج، وحين طلبنا رفع هذه الحصص ابتداءً من عام 2026، قوبل الطلب بالرفض. ومن هنا، نرى أنهم يرون تطورنا الصناعي بمثابة خرق لاتفاق الشراكة».

وتابع الوزير قائلاً إن «ضريبة إزالة الكربون»، التي تم تبريرها بدوافع بيئية، من شأنها أن تمنع مستقبلاً دخول عدد من المنتجات الجزائرية إلى السوق الأوروبية.

السفير الأوروبي لدى الجزائر (يسار) مع وزير خارجية الجزائر (متداولة)

وشدّد عطاف على أن اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي يعاني «اختلالات كبيرة» تضرّ بالاقتصاد الجزائري، وقال بهذا الخصوص: «قلت للأوروبيين بوضوح إن هذا الاتفاق أصبح عبئاً على الجزائر». مضيفاً أن قيمة التبادل التجاري بين الجزائر والاتحاد الأوروبي بلغت نحو ألف مليار دولار منذ 2005، في حين لم تتجاوز الاستثمارات الأوروبية في الجزائر 13 مليار دولار خلال الفترة نفسها، مقابل تحويل أرباح بقيمة 12 مليار دولار من قِبل شركات أوروبية، وهو أمر «لم يعد مقبولاً»، حسب تعبيره.

وبرز معطى جديد أثر في مسار التفاوض، حسب المراقبين، تمثّل في تصويت البرلمان الأوروبي مطلع العام الحالي على لائحة بشأن تجديد اتفاق الشراكة مع الجزائر، عدَّتها الجزائر «محاولة ضغط عليها من حكومات الاتحاد». وقد شددت اللائحة على «ضرورة احترام حقوق الإنسان وحرية التعبير»، وطالبت بربط مراجعة اتفاق الشراكة، وأي تمويل مستقبلي من الاتحاد الأوروبي بالتقدم المحرز في هذا المجال.


مقالات ذات صلة

مسؤول فرنسي يقرّ بصعوبة ترميم العلاقات مع الجزائر

شمال افريقيا الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

مسؤول فرنسي يقرّ بصعوبة ترميم العلاقات مع الجزائر

في حين كانت العلاقات الجزائرية - الفرنسية تشهد استئنافاً جزئياً للتعاون، برز «قانون تجريم الاستعمار» عقبةً جديدةً أعادت المسار إلى مربعه الأول، وعرقلت جهود…

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة مجموعة السبع بإيطاليا يوم 13 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)

سلطات الجزائر تتحرك لتفكيك معارضة الخارج وعزل جناحها الراديكالي

بدأت السلطات الجزائرية بتنفيذ خطة تهدف إلى تفكيك شبكة المعارضين في الخارج وعزل أكثرهم راديكالية، عبر «إجراءات تهدئة» تقضي بإنهاء الملاحقات الأمنية لهم.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مجلس الوزراء الجزائري في أثناء انعقاده الأحد (الرئاسة)

الجزائر تفتح باب العودة للمعارضين في الخارج بشروط

تباينت ردود الفعل إزاء «تدابير تهدئة» أصدرتها الرئاسة الجزائرية لصالح معارضين في الخارج، بين ترحيب وتوجس.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية الصحف الجزائرية تنتقد الخروج من أمم أفريقيا (رويترز)

صحف الجزائر تنتقد منتخب بلادها... وتهاجم التحكيم

أقرت الصحف الجزائرية بأفضلية منتخب نيجيريا لكنها أجمعت بالوقت نفسه على انتقاد التحكيم وذلك في التعليق على خروج منتخب بلادها من كأس أمم أفريقيا 2025

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا عبد المجيد تبون القائد الأعلى للقوات المسلحة وزير الدفاع الوطني (الرئاسة)

الجيش الجزائري يتهم «محرضين» بزعزعة الجبهة الداخلية

اتهم الجيش الجزائري مَن وصفهم بـ«محرضي الداخل والخارج» بـ«استغلال أزمات مفتعلة لتصدر المشهد، من خلال التسويق لخطاب فارغ ومشوه».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

مصر تطالب بهدنة في السودان خلال اجتماع «الآلية التشاورية»

مشاركة دولية واسعة في الاجتماع الخامس لـ«آلية التشاور» بشأن الأزمة السودانية بالقاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)
مشاركة دولية واسعة في الاجتماع الخامس لـ«آلية التشاور» بشأن الأزمة السودانية بالقاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بهدنة في السودان خلال اجتماع «الآلية التشاورية»

مشاركة دولية واسعة في الاجتماع الخامس لـ«آلية التشاور» بشأن الأزمة السودانية بالقاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)
مشاركة دولية واسعة في الاجتماع الخامس لـ«آلية التشاور» بشأن الأزمة السودانية بالقاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)

أكدت مصر حرصها على استمرار العمل في إطار «الرباعية الدولية» التي تضم السعودية، ومصر، والولايات المتحدة والإمارات، للتوصل إلى هدنة إنسانية شاملة في السودان تفضي إلى وقف مستدام لإطلاق النار، وذلك خلال ترؤسها الاجتماع الخامس لـ«الآلية التشاورية» لتعزيز تنسيق جهود السلام في السودان، الأربعاء، بمشاركة أطراف دولية وإقليمية فاعلة.

وقال وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، إن الأزمة السودانية تستدعي تضافر الجهود الدولية والإقليمية للإسراع بوقف نزيف الدماء، مشدداً على خطورة المرحلة الراهنة وما تحمله من تداعيات جسيمة على السلم والأمن الإقليميين، لا سيما في دول الجوار ومنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

وكانت مصر قد أعلنت عن «خطوط حمراء» رفضت تجاوزها في السودان ولوّحت بـ«اتفاقية الدفاع المشترك» للحفاظ على وحدة السودان وذلك في 18 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، مشددة على وحدة السودان وسلامة أراضيه ورفض انفصال أي جزء منها، وصون مؤسسات الدولة السودانية.

وشدد عبد العاطي، حسب بيان صادر عن «الخارجية المصرية»، الأربعاء، على «أن إنهاء القتال الدامي يتطلب هدنة إنسانية عاجلة يعقبها وقف مستدام لإطلاق النار، ثم إطلاق عملية سياسية شاملة تحافظ على مؤسسات الدولة السودانية وتمنع تشكيل كيانات موازية». ودعا المجتمع الدولي والجهات المانحة إلى تنفيذ تعهداتها الإنسانية، في ظل تفاقم الأوضاع الإنسانية في السودان.

وشارك في الاجتماع ممثلون عن «الرباعية الدولية» بحضور نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي، وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، ووزير الدولة في وزارة الخارجية الإماراتية الشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان، والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة للسودان رمطان لعمامرة، وبمشاركة الاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، وممثلين عن ألمانيا، وتركيا، والنرويج، وقطر، وبريطانيا، والصين، وروسيا، وفرنسا، والعراق، وأنغولا، وجيبوتي.

مصر تجدد التأكيد على ضرورة التوصل إلى هدنة في السودان خلال انعقاد «الآلية التشاورية» في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)

وأكد مساعد وزير الخارجية المصري السابق لشؤون السودان، السفير حسام عيسى، أن «الآلية التشاورية» تضم عدداً كبيراً من الأطراف الدولية المعنية بالأزمة السودانية، موضحاً أن أهمية الاجتماع الأخير في القاهرة تنبع من التطورات العسكرية الأخيرة على الأرض مع تقدم «قوات الدعم السريع» في إقليم كردفان واستخدامها سلاح المسيّرات على نطاق واسع وحصارها مدينتي كادقلي والدلنج في جنوب كردفان، وهي مدن ذات كثافة سكانية مرتفعة تصل لما يقرب من نصف مليون مواطن أضحوا مهددين بالنزوح.

وشدد السفير عيسى، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، على أن «الجهد المصري لم ينقطع دبلوماسياً أو سياسياً في محاولة للوصول إلى اتفاق بشأن وقف إطلاق النار في السودان، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى ملايين المهددين بالجوع»، مؤكداً أن القاهرة تُنشّط اتصالاتها مع أطراف «الرباعية الدولية» للوصول إلى تسوية سلمية، مع التأكيد على ضرورة تجاوز الفرقاء السياسيين السودانيين خلافاتهم وصولاً لتدشين عملية سياسية.

وتضمنت مبادرة «الرباعية» التي جرى الإعلان عنها في سبتمبر (أيلول) الماضي، إقرار هدنة مدتها 3 أشهر بين الفرقاء من أجل توفير المساعدات الإنسانية العاجلة للمتضررين من السكان المدنيين، على أن يتم إطلاق عملية انتقال سياسي سلمي للسلطة لمدة 9 أشهر تُفضي إلى قيام حكومة مدنية شرعية تحصل على ثقة المواطنين السودانيين.

من جهته، أكد عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير رخا أحمد حسن، أن «الآلية التشاورية» يمكن أن تدفع جمود مبادرة «الرباعية»، مع وجود تردد من جانب طرفي الصراع (الجيش والدعم السريع) في القبول بها، بخاصة وأن مجلس السيادة الانتقالي في السودان يطالب عناصر «الدعم السريع» بتسليم السلاح وإخلاء المدن والأعيان المدنية، وهو أمر من الصعب أن يقبله الطرف الآخر. وتابع أن التركيز ينصبّ الآن على كيفية إحداث اختراق بالمواقف السودانية في ظل مخاطر متفاقمة تحيط بدول الجوار ومنطقة القرن الأفريقي.

وشكك السفير رخا، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، في إمكانية تقديم مبادرة جديدة بديلة عن التي تقدمت بها سابقاً «الرباعية الدولية»، مشيراً إلى أن الجهود المصرية الراهنة تعمل على إيجاد سبل مناسبة لإقناع الطرفين بأنه «لا حل عسكرياً» للأزمة في السودان ودفعهما نحو طاولة التفاوض.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلتقي كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس في القاهرة الأربعاء (الرئاسة المصرية)

وكانت الأزمة السودانية حاضرة في مباحثات مصرية - أميركية، انعقدت الأربعاء، حيث التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، أثناء زيارته للقاهرة على هامش مشاركته في اجتماع «آلية التشاور».

وأكد السيسي «موقف مصر الثابت والداعم لسيادة السودان ووحدة وسلامة أراضيه، والرفض القاطع لأي محاولات للنيل من أمنه واستقراره، مع الوضع في الحسبان الارتباط العضوي بين الأمن القومي في البلدين الشقيقين». وعبّر الرئيس المصري عن «تقديره لحرص الرئيس الأميركي على إنهاء الحرب في السودان»، وفقاً لبيان صادر عن الرئاسة المصرية.

وشهدت مباحثات السيسي وبولس «توافقاً في رؤى البلدين حول ضرورة خفض التصعيد وتعزيز العمل المشترك من أجل إيجاد حلول سياسية لمختلف الأزمات التي تمر بها دول المنطقة، بما يُسهم في تعزيز السلم والاستقرار الإقليميين، والحفاظ على سيادة الدول ووحدة أراضيها وصون مقدرات شعوبها»، حسب الرئاسة المصرية.

وتطرق اللقاء أيضاً إلى قضية المياه، حيث شدد السيسي على ما يمثله الأمن المائي المصري من قضية وجودية وأولوية قصوى بالنسبة لمصر، فضلاً عن ارتباطه المباشر بالأمن القومي المصري، في إشارة إلى التخوفات المصرية من التأثيرات السلبية لـ«سد النهضة» الإثيوبي.

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير صلاح حليمة إن التركيز على الأزمة السودانية خلال المباحثات المصرية - الأميركية يبرهن على أن الفترة المقبلة يمكن أن تشهد تحركاً عبر «اللجنة الرباعية الدولية« في إطار جهود الرئيس دونالد ترمب لوقف الحرب.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى «تقارب» الرؤى المصرية والأميركية لحل الأزمة عبر المسارات الأمنية والعسكرية والإنسانية إلى جانب المسار السياسي مع أهمية عقد حوار سياسي شامل، وهو ما يشكل أولوية في الوقت الحالي.

ولفت إلى تطورات الأزمات الحالية في السودان والصومال واليمن، مشيراً إلى سعي مصر إلى الحصول على موقف أميركي داعم لجهود الحفاظ على سلامة واستقرار ووحدة الدول العربية، بدلاً من الموقف الراهن الذي يبدو، في نظر بعضهم، أكثر تعاطفاً مع مساعي إسرائيل وإثيوبيا وأطراف أخرى للدفع بمخططات تقسيمية.

وكان بولس قد التقى أيضاً، الأربعاء، وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، وحسب بيان لـ«الخارجية المصرية»، فإن عبد العاطي أكد «أهمية زيادة حجم المساعدات الإنسانية وتعزيز التنسيق مع منظمات الإغاثة والحكومة السودانية»، مشدداً على «استمرار مصر في تقديم الدعم الإنساني والإغاثي للأشقاء السودانيين».


وعكة الدبيبة الصحية تحيي سيناريوهات «الغياب المفاجئ» لقادة ليبيا

الدبيبة مع فريق طبي ليبي في مركز مصراتة الطبي للقلب (مكتب الدبيبة)
الدبيبة مع فريق طبي ليبي في مركز مصراتة الطبي للقلب (مكتب الدبيبة)
TT

وعكة الدبيبة الصحية تحيي سيناريوهات «الغياب المفاجئ» لقادة ليبيا

الدبيبة مع فريق طبي ليبي في مركز مصراتة الطبي للقلب (مكتب الدبيبة)
الدبيبة مع فريق طبي ليبي في مركز مصراتة الطبي للقلب (مكتب الدبيبة)

أعادت الوعكة الصحية التي ألمّت برئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، إحياء ملف حساس يتعلق بسيناريوهات «الغياب المفاجئ» للشخصيات القيادية الحاكمة في المشهد السياسي، في بلد لا يزال فيه الاستقرار رهين الأفراد أكثر من كونه نتاج مؤسسات دستورية راسخة قادرة على امتصاص الصدمات وإدارة التحولات الطارئة.

ورغم التطمينات الرسمية المتكررة حول حالته الصحية، بعد خضوعه لتدخل جراحي بالقلب وُصف بـ«البسيط»، فإن تداعيات الحدث تجاوزت البعد الإنساني لتكشف مجدداً عن هشاشة بنية السلطة في دولة منقسمة بين حكومتين متنافستين في الشرق والغرب.

ويرى سياسيون ومتابعون أن وعكة الدبيبة شكّلت اختباراً عملياً لطبيعة الحكم القائم، حيث بدا أن تماسك الأوضاع في كل من المعسكرين الحكوميين المتنافسين في غرب ليبيا وشرقها هشاً ويرتبط بحضور قيادات بعينها، في ظل غياب آليات دستورية واضحة تضمن استمرارية الحكم وتوازن السلطات حال تعذر أداء أحد شاغلي المناصب السيادية لمهامه.

قلق متزايد

هذا الواقع انعكس بوضوح في النقاشات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي، والتي عبّرت عن قلق سياسي متزايد من فراغ محتمل في قمة السلطة غرب البلاد. على سبيل المثال، فقد رأى رئيس حزب «التجديد الليبي»، سليمان البيوضي، أن وعكة الدبيبة «ليست شأناً خاصاً، بل قضية رأي عام»، مشيراً إلى أن جمعه بين رئاسة الوزراء وحقيبتي الدفاع والخارجية يجعل أي غياب مؤثراً على مفاصل سيادية أساسية.

بينما دعا عضو «التحالف الوطني» خالد المريمي إلى حوار سياسي شامل لمعالجة معوقات بناء الدولة، خصوصاً في حال تعذر عودة الدبيبة لأسباب صحية.

الدبيبة في آخر لقاء مع وفد من قيادات محلية واجتماعية وعسكرية في مدينة الزاوية قبل وعكته الصحية (مكتب الدبيبة)

وتأتي هذه المخاوف في وقت تشهد فيه ليبيا ازدواجاً واضحاً في السلطة بين حكومة «الوحدة» المتمركزة في طرابلس، وحكومة برئاسة أسامة حماد تدير مناطق الشرق وبعض مدن الجنوب بدعم من قائد «الجيش الوطني الليبي» خليفة حفتر؛ ما يجعل أي طارئ صحي أو سياسي عاملاً إضافياً لتعقيد المشهد.

ويحذّر رئيس فريق المصالحة الوطنية الشيخ علي أبو سبيحة، من أن أي غياب مفاجئ للدبيبة قد يفاقم الأزمة، مشيراً إلى «غياب آلية واضحة للخلافة وعدم وجود جهة مخوّلة شرعياً لتعيين بديل».

واستذكر أبو سبيحة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن البرلمان سحب الثقة من حكومة «الوحدة» قبل أكثر من أربع سنوات، في حين تعجز حكومة حماد عن دخول طرابلس في ظل رفض متوقع من قوى سياسية وأمنية في الغرب.

في المقابل، حاول الدبيبة طمأنة الرأي العام عبر نشر صورة له مع فريق طبي بمدينة مصراتة يوم الإثنين، مؤكّداً استمراره في أداء مهامه، وشكر الليبيين على تضامنهم.

تنافس محتمل

غير أن هذه الخطوة لم تُنهِ الجدل؛ إذ ترى تقديرات سياسية أن غيابه قد يفتح قنوات تفاوض بين مراكز النفوذ في مدن الغرب، لا سيما طرابلس ومصراتة، من دون أن يقود بالضرورة إلى صراع مباشر، في حين تداول سياسيون وناشطون نصوص الاتفاق السياسي الذي وُقّع في مدينة الصخيرات 2015، الذي ينص عل تحويل الحكومة إلى تصريف أعمال في حال خلو منصب رئيس الحكومة.

هنا لا يستبعد أبو سبيحة «تنافساً محتملاً بين القيادات الأمنية في طرابلس أو تأخيراً طويلاً للتوافق؛ ما يترك العاصمة بلا قيادة فاعلة ويؤثر سلباً على حياة المواطنين».

ويتوازى هذا الحديث مع ترتيبات السلطة في عموم ليبيا وسط انقسام مزمن في البلاد منذ سنوات؛ إذ عدَّ عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب، علي التكبالي، أن الوضع الصحي للدبيبة أعاد إلى الواجهة أزمة ليبيا المستمرة منذ 2011، المتمثلة فيما وصفه بأنه «شخصنة السلطة» و«الاعتماد على الفرد بدل المؤسسات».

صراع النخب

ويعتقد التكبالي، وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط»، أن غياب أي طرف محوري قد يخلق فراغاً سياسياً تتصارع فيه النخب دون حل أزمة الانتخابات، مع استفادة بعض الأطراف من استمرار الانقسام.

وهنا انتقد أبو سبيحة أداء الأمم المتحدة وبعثتها في ليبيا حيال إشكاليات جوهرية الأزمة الليبية، عاداً أن من بينها «المتعلقة بخلو المناصب رغم إدراكها هذا السيناريو، من دون تقديم حلول بديلة».

حفتر لدى عودته من رحلة علاج في فرنسا عام 2018 (الجيش الوطني الليبي)

وسبق أن أثار غياب حفتر أثناء تلقيه العلاج في باريس في أبريل (نيسان) 2018 موجة تكهنات واسعة رغم أن غيابه لم يدم سوى أسبوعين، وضعاً في الحسبان ترتيبات استجدت في هيكل قيادة «الجيش الوطني» بتعيين نجليه صدام ونائباً له وخالد رئيساً للأركان في صيف العام الماضي.

كذلك، يبرز البعد العُمري لدى أبرز المتصدرين للمشهد السياسي؛ إذ يبلغ حفتر 83 عاماً، بينما يقترب الدبيبة من عامه السابع والستين.

إصلاح شامل

ويعتقد رئيس مركز صادق للدراسات، أنس القماطي، أن« ليبيا لا تحتاج إلى تغيير جيلي بقدر الحاجة إلى إصلاح مؤسسي شامل»، مفصلاً لـ«الشرق الأوسط» هذا الإصلاح بمتطلبات عدة، أبرزها «دستور دائم، وانتخابات حقيقية بمدد ولاية محددة، قضاء مستقل، وجيش مهني تحت سلطة مدنية»، مع ضرورة وقف «شرعنة رجال الحكم» دولياً.

أما المواطن الليبي، فيرى ناشطون أن «انشغاله بأزماته المعيشية المتفاقمة من نقص السيولة والوقود إلى تدهور سعر الصرف وارتفاع الأسعار قلّل من منسوب القلق الشعبي من الفراغ السياسي»؛ إذ «تعيش شريحة واسعة فعلياً في ظل في فراغ سياسي منذ سنوات تحت نفوذ حكومات بعيدة عن همومهم ومؤسسات عاجزة عن تحسين أوضاعهم اليومية»، وفق ما قال الناشط السياسي أحمد التواتي لـ«الشرق الأوسط».


مسؤول فرنسي يقرّ بصعوبة ترميم العلاقات مع الجزائر

الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
TT

مسؤول فرنسي يقرّ بصعوبة ترميم العلاقات مع الجزائر

الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

في حين كانت العلاقات الجزائرية - الفرنسية تشهد استئنافاً جزئياً للتعاون، برز «قانون تجريم الاستعمار» عقبةً جديدةً أعادت المسار إلى مربعه الأول، وعرقلت جهود التنسيق لزيارة مسؤول فرنسي رفيع العاصمةَ الجزائر.

بعد 8 أشهر من استدعائه إلى باريس، في خضم تصعيد حاد للتوترات، أقر السفير الفرنسي لدى الجزائر، ستيفان روماتيه، بوجود استئناف جزئي للتبادلات بين باريس والجزائر، دون أن يرقى ذلك إلى مستوى الحديث عن خروج من الأزمة.

وفي تصريحات حديثه لـ«إذاعة فرنسا الدولية»، رسم السفير صورة لعلاقة ثنائية لا تزال تعوقها عقبات سياسية وتاريخية وأمنية، رغم إعادة فتح بعض قنوات التواصل مؤخراً، على مستوى وزارتَي الداخلية وجهازَي الأمن بالبلدين. وقال روماتيه بوضوح: «الأزمة لم تنتهِ... ليس بعد»، وذلك رغم استئناف التبادلات الدبلوماسية والأمنية منذ شهرين أو ثلاثة.

إشارات متناقضة

استقبل المراقبون، خصوصاً في باريس، إطلاق سراح الكاتب الجزائري - الفرنسي، بوعلام صنصال، في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، على أنه بادرة قد تفتح مرحلة جديدة من التواصل. لكن هذا التفاؤل سرعان ما فتر بسبب استمرار احتجاز الصحافي الرياضي كريستوف غليز، الذي وصفه روماتيه بأنه «إشارة مضادة».

السفير الفرنسي لدى الجزائر ستيفان روماتيه (السفارة)

وثبتت محكمة الاستئناف في تيزي ووزو (120 كيلومتراً شرق العاصمة) مطلع الشهر الماضي، الحكم الابتدائي بالسجن 7 سنوات مع التنفيذ، ضد الصحافي الثلاثيني، بناء على تهمة «الإشادة بالإرهاب». وأسست النيابة التهمة على وجود صلة بينه وبين عضو في «حركة تقرير مصير القبائل» المصنفة «تنظيماً إرهابياً» في الجزائر، وذلك خلال نشاط صحافي قاده إلى الجزائر، العام الماضي، للاشتغال على «نادي شبيبة القبائل».

وأكد محامي غليز، خلال المرافعة، أن الشخص الذي تواصل مع موكله لم يكن مدرجاً على لائحة «الإرهاب» وقت الوقائع، غير أن ذلك لم يُثنِ المحكمة عن التشدد في إصدار العقوبة. وإثر المحاكمة، ناشدت والدة غليز الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، منحه عفواً رئاسياً، كما فعل مع الكاتب صنصال الذي تعرّض للمتابعة بتهمة «المساس بوحدة التراب الجزائري». وكان الرئيس الألماني فرنك فالتر شتاينماير قد تدخل لمصلحة الكاتب الثمانيني، ملتمساً «لفتة إنسانية» من تبون بدعوى أن السجين السابق يعاني من المرض.

ملفات «فردية»

ومنذ اندلاع الأزمة نهاية 2024 إثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء، تتعامل وسائل الإعلام مع هذه الملفات الفردية بوصفها مؤشرات سياسية على حالة العلاقات بين فرنسا ومستعمرتها السابقة. وبعبارة أخرى، تُعدّ هذه القضايا «بارومتراً» يقيس مدى الاستعداد النفسي لدى الطرفين لإعادة العلاقات إلى سابق عهدها.

وقال السفير روماتيه بشأن هذه الملفات: «هذا الإفراج (صنصال) جاء في توقيت مثّل بطبيعة الحال إشارة»، لكنه يدعو إلى «التريث» متسائلاً: «السؤال المطروح الآن هو عما إذا كان هذا الانخراط من جديد يمكن أن يثمر نتائج». ويشير في هذا السياق إلى أن الصحافي كريستوف غليز «لا يزال معتقلاً في الجزائر، وهو ما يشكل إشارة معاكسة» تقلل، في تقديره، من القيمة الرمزية لإطلاق سراح بوعلام صنصال.

لقطة بالهاتف من لقاء تلفزيوني مع الكاتب بوعلام صنصال بعد إطلاق سراحه

وقد ظل التعاونُ الأمني شِبهَ مجمّدٍ طيلة 18 شهراً من الأزمة. ويعترف روماتيه بأن «خطورة هذه الأزمة تجلت في شبه تعليق للتعاون»، مع الإشارة إلى أنّ الاتصالات استؤنفت منذ أسابيع قليلة. وفي هذا السياق، شكلت زيارة الأمينة العامة لوزارة الخارجية الفرنسية، آن ماري ديسكوت، الجزائرَ في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، منعطفاً مهماً؛ إذ سمحت بإعادة فتح قناة دبلوماسية لأول مرة منذ اندلاع التوترات، لا سيما بشأن الملف الحساس لمنطقة الساحل. كما جرى إطلاق ترتيبات لزيارة وزير الداخلية، لوران نونييز، الجزائر، وهي زيارة كانت مقررة نهاية عام 2025 لكنها لم تتم.

أما الملف الحساس الآخر فيتعلق بالتعاون في مجال الهجرة، حيث تنتظر باريس استئنافاً فعلياً لإجراءات ترحيل الرعايا الجزائريين الصادرة بحقهم أوامر مغادرة التراب الفرنسي. وفي هذا الإطار، تظلّ زيارة وزير الداخلية، لوران نونييز، الجزائرَ مرتقبةً، رغم تأجيلها، على أن تشكّل مناسبة لبحث ملفَي الأمن والهجرة، وسط ترقّب الأوساط السياسية والإعلامية لها بوصفها خطوة ميدانية قد تمهّد لاحتواء التوترات القائمة بين البلدين.

قانون عقّد انفراجة محتشمة

تضاف إلى هذه التوترات خطوة البرلمان الجزائري التصويت على مشروع قانون يجرم الاستعمار الفرنسي (1830 - 1962)، في 24 ديسمبر (كانون الأول) 2025. ويرى السفير أن هذا التشريع «جاء في وقت حساس للغاية ليعقّد ديناميكية التقارب»، حيث تعدّه السلطات الفرنسية دليلاً على العداء، وتكريساً لنهج التصلب في «ملف الذاكرة» من جانب الجزائر.

وأشار روماتيه أيضاً إلى «التأثير السلبي» لبعض المواقف السياسية في فرنسا؛ حيث عدّ أن التصريحات الحادة مِن منتخَبِين من اليمين واليمين المتطرف تجاه الجزائر تسهم في توتير العلاقة بشكل أكبر. وحذر السفير من «أي وصم يتجاوز القادة ليستهدف بلداً أو شعباً»، مذكراً بـ«مسؤولية السياسيين في اختيار مفرداتهم».

وبشأن عودته لمباشرة مهامه لدى الجزائر، لم يحدد روماتيه أي تاريخ، لكنه أعرب عن استعداده للمساهمة في أي مخرج محتمل للأزمة، معبّراً عن «أمله» أن يمثل عام 2026 نهاية لعام 2025 الذي وصفه بـ«الصعب للغاية».