بوادر أزمة حادة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي بسبب «اتفاق الشراكة»

بروكسل تلوّح بالتحكيم والسلطات الجزائرية تعدّ قراراتها «شأناً سيادياً»

ممثل السياسة الخارجية في «الاتحاد الأوروبي» سابقاً جوزيب بوريل في لقاء سابق مع الرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)
ممثل السياسة الخارجية في «الاتحاد الأوروبي» سابقاً جوزيب بوريل في لقاء سابق مع الرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)
TT

بوادر أزمة حادة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي بسبب «اتفاق الشراكة»

ممثل السياسة الخارجية في «الاتحاد الأوروبي» سابقاً جوزيب بوريل في لقاء سابق مع الرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)
ممثل السياسة الخارجية في «الاتحاد الأوروبي» سابقاً جوزيب بوريل في لقاء سابق مع الرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

تلوح في أفق العلاقات بين الجزائر والاتحاد الأوروبي حالياً بوادر أزمة حادة بشأن اتفاق الشراكة، الجاري تنفيذه منذ عام 2005، والذي يتضمن أبعاداً سياسية وحقوقية، تتعلق بحرية الصحافة، والناشطين السياسيين والحقوقيين، الذين تتم متابعتهم أمنياً وقضائياً بسبب تعبيرهم عن آرائهم، والتنديد بما يُعدّ «تجاوزات وقيوداً»

استغراب جزائري

قالت الجزائر، الخميس، إنها «فوجئت للقرار المتسرع أحادي الجانب»، الذي اتخذه الاتحاد الأوروبي بخصوص اللجوء إلى التحكيم؛ بسبب ما يعدّه قيوداً يفرضها الجانب الجزائري على التجارة والاستثمار، حسب بيان لوزارة خارجيتها، أوضحت فيه أنها تلقت هذا القرار من مديرية التجارة بالمفوضية الأوروبية».

وعدَّت الجزائر الخطوة الأوروبية «مخالفة لاتفاق الشراكة، الذي يربط الجزائر بالاتحاد الأوروبي»، والذي تم توقيعه عام 2002 ودخل حيز التنفيذ في عام 2005، وكان من المفترض أن يؤدي إلى تفكيك جمركي شامل خلال 12 سنة، غير أن هذه العملية شهدت تأجيلات متكررة لأسباب اقتصادية وسياسية.

الرئيس الجزائري أكد خلال اجتماعه بحكومته مطلع 2025 أن بلاده تريد تقاسماً للأرباح مع أوروبا (الرئاسة)

وفي رده على الإجراء الأوروبي، وجّه وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، الخميس، رسالة رسمية في هذا الشأن إلى كايا كالاس، الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، نائبة رئيس المفوضية الأوروبية، عبَّر فيها عن «تفاجئه من القرار الأوروبي المتسرع والأحادي الجانب»، حسب البيان ذاته.

وأكد عطاف في رسالته أن «مسار المشاورات، الذي جرى في جوٍ بنَّاء وهادئ، لا يبرر بأي حال من الأحوال هذا الانقطاع المفاجئ في الحوار، لا سيما وأن الطرف الجزائري قدَّم مقترحات عملية بخصوص النقطتين المتبقيتين، دون أن يتلقى أي رد رسمي من نظيره الأوروبي». ولم يوضح بيان الخارجية ما هما «النقطتان».

وعدَّ عطاف أن «الطابع الأحادي لهذا المسعى الأوروبي يناقض روح ونص اتفاق الشراكة»، معبّراً «بشكل خاص عن أسفه لأن الجانب الأوروبي تصرف كما لو أن مجلس الشراكة، وهو الهيئة المركزية لاتخاذ القرار في إطار الاتفاق، لم يعد قائماً». لافتاً إلى أن «تقييم نتائج المشاورات، واتخاذ القرارات بشأنها يقع حصراً ضمن صلاحيات مجلس الشراكة، ولا يجوز لأي طرف أن يحل محله».

وأضاف عطاف موضحاً أن هذا المجلس «لم يعقد منذ خمس سنوات، رغم الطلبات المتكررة والملحة من الجانب الجزائري؛ وهو ما حرم الطرفين من إطار مؤسساتي محوري، الغاية منه ضمان تطور متوازن للعلاقة الثنائية، من جهة، والقيام بدور رئيسي في تسوية النزاعات، من جهة أخرى».

بروكسل ترفع منسوب الضغط

أعلنت مفوضية الاتحاد الأوروبي، الأربعاء 16 يوليو (تموز)، عن إطلاق إجراء تحكيمي ضد «القيود التجارية والاستثمارية التي تفرضها الجزائر». وفي الوقت ذاته، أعربت عن دعمها للشركات الفرنسية التي قد تتأثر بالأزمة الدبلوماسية الحالية بين فرنسا والجزائر.

كايا كالاس الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية (متداولة)

وعدّ الاتحاد الأوروبي عن طريق موقعه المخصص للسياسة الخارجية أن الإجراءات التي اتخذتها الجزائر، تمثل «انتهاكاً لاتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والجزائر»، ومن خلال طلب التحكيم، «يسعى الاتحاد إلى استعادة حقوق المصدرين والشركات الأوروبية العاملة في الجزائر، التي تضررت من هذه القيود». كما أكد أن التجارة والاستثمار مع الجزائر أصبحا «أكثر صعوبة» بالنسبة للفاعلين الاقتصاديين في الاتحاد الأوروبي؛ وذلك بسبب سلسلة من «العوائق التي وضعتها السلطات الجزائرية منذ عام 2021».

وأعلن الاتحاد الأوروبي أيضاً عن تعيين محكّمه في إطار النزاع القائم، بينما يُنتظر من الجزائر أن تُعيّن محكّمها خلال مهلة أقصاها شهران، على أن يُعيَّن المحكّم الثالث من قِبل مجلس الشراكة، استناداً إلى اتفاقية الشراكة.

من جهة أخرى، أعرب الاتحاد الأوروبي عن «قلقه» مما وصفه بـ«العقبات الإضافية التي وضعتها الجزائر، والتي تستهدف بشكل خاص الشركات والمصدرين الفرنسيين»، مؤكداً أن هذه العقبات «محل متابعة دقيقة وستظل تُطرح للنقاش مع الجزائر».

رؤيتان متباعدتان لـ«الشراكة»

منذ سنوات، تطالب الجزائر بمراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوربي، على أساس أنه «مجحف» وغير «متوازن»، وتسبب في خسائر مالية كبيرة لها. وقدر خبراء في الجزائر خسائر البلاد جراء اتفاق الشراكة مع بروكسل بأكثر من 30 مليار دولار في الـ20 سنة الماضية.

وزير خارجية الجزائر (الوزارة)

وفي عام 2021، أطلقت الجزائر إجراءات تندرج في إطار خطة لتقليص فاتورة الواردات بهدف تنويع اقتصاد البلاد، وتقليل اعتماده على المحروقات، وتعزيز التصنيع المحلي، تتعلق أساساً بتنظيم الواردات وتحفيز الإنتاج المحلي، وقد شملت نظام تراخيص الاستيراد، وحوافز لاستخدام المدخلات المحلية في قطاع السيارات، وإجراءات تخص استيراد مواد فلاحية، وتدابير تتعلق بتنظيم المشاركة الأجنبية في الشركات المستوردة.

وتعامل المسؤولون مع هذه القضية وفق منطق «سيادي»، لا يريدون للاتحاد الأوروبي أن يتدخل فيها، ولا أي شريك تجاري آخر، علماً أن الاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري للجزائر، ممثلاً نحو 50.6 في المائة من تجارتها في 2023، رغم تراجع صادراته إليها من 22.3 مليار يورو عام 2015 إلى 14.9 مليار يورو عام 2023.

ورأت المفوضية الأوروبية أن هذه الإجراءات تفرض «قيوداً» على صادراتها إلى الجزائر، وتشكل خرقاً لبنود اتفاق الشراكة. وفي 14 يونيو (حزيران) الماضي أعلنت رسمياً رفضها لها، ولوّحت باللجوء إلى التحكيم الدولي المنصوص عليه في الاتفاق، باعتباره آلية يمكن اللجوء إليها إذا رأى أحد الطرفين أن الآخر أخلّ بالتزاماته التجارية. وأكدت في الوقت نفسه أن هذه الخطوة تهدف إلى فتح حوار بنّاء مع الجزائر لرفع القيود المفروضة، والتي تشمل المنتجات الزراعية والسيارات، ونظام تراخيص الاستيراد، وشروط التصنيع المحلي، فضلاً عن تحديد سقف لمساهمة المستثمرين الأجانب في الشركات المستوردة.

في فبراير (شباط) 2025، عقد الطرفان اجتماعيْن بهدف تجاوز الخلاف وتفادي اللجوء إلى التحكيم. وفي الوقت نفسه، انطلقت مشاورات مبدئية بشأن طلب الجزائر مراجعة وثيقة الشراكة لجعلها أكثر نفعاً لها. غير أن الطرفين لم يتمكنا من التوصل إلى حل، بعد أن طالب الجانب الأوروبي بالتراجع عن قرارات تقييد الصادرات، قبل إجراء أي تعديل على الاتفاق، وهو ما رفضته الجزائر.

«وضع مقلق»

في أواخر عام 2024، صرّح وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، خلال مؤتمر صحافي، بأن بلاده تمرّ بـ«وضع مقلق» في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، مضيفاً: «يبدو وكأنهم يتعاملون معنا على أساس أن اقتصادنا لم يتحرّك منذ عام 2005».

وأشار عطاف إلى أن بلاده «أصبحت من كبار مصدّري الصلب، غير أن الأوروبيين فرضوا في السابق حصصاً على وارداتهم من هذا المنتج، وحين طلبنا رفع هذه الحصص ابتداءً من عام 2026، قوبل الطلب بالرفض. ومن هنا، نرى أنهم يرون تطورنا الصناعي بمثابة خرق لاتفاق الشراكة».

وتابع الوزير قائلاً إن «ضريبة إزالة الكربون»، التي تم تبريرها بدوافع بيئية، من شأنها أن تمنع مستقبلاً دخول عدد من المنتجات الجزائرية إلى السوق الأوروبية.

السفير الأوروبي لدى الجزائر (يسار) مع وزير خارجية الجزائر (متداولة)

وشدّد عطاف على أن اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي يعاني «اختلالات كبيرة» تضرّ بالاقتصاد الجزائري، وقال بهذا الخصوص: «قلت للأوروبيين بوضوح إن هذا الاتفاق أصبح عبئاً على الجزائر». مضيفاً أن قيمة التبادل التجاري بين الجزائر والاتحاد الأوروبي بلغت نحو ألف مليار دولار منذ 2005، في حين لم تتجاوز الاستثمارات الأوروبية في الجزائر 13 مليار دولار خلال الفترة نفسها، مقابل تحويل أرباح بقيمة 12 مليار دولار من قِبل شركات أوروبية، وهو أمر «لم يعد مقبولاً»، حسب تعبيره.

وبرز معطى جديد أثر في مسار التفاوض، حسب المراقبين، تمثّل في تصويت البرلمان الأوروبي مطلع العام الحالي على لائحة بشأن تجديد اتفاق الشراكة مع الجزائر، عدَّتها الجزائر «محاولة ضغط عليها من حكومات الاتحاد». وقد شددت اللائحة على «ضرورة احترام حقوق الإنسان وحرية التعبير»، وطالبت بربط مراجعة اتفاق الشراكة، وأي تمويل مستقبلي من الاتحاد الأوروبي بالتقدم المحرز في هذا المجال.


مقالات ذات صلة

بعد عامين من الجدل... أحكام قضائية تطوي ملف إسلاميِّي «جبهة الإنقاذ» في الجزائر

شمال افريقيا محكمة الجنايات الاستئنافية بالعاصمة الجزائرية (الشرق الأوسط)

بعد عامين من الجدل... أحكام قضائية تطوي ملف إسلاميِّي «جبهة الإنقاذ» في الجزائر

طوى القضاء الجزائري ملف قادة «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» المحظورة، بإصدار أحكام قضت بالحبس النافذ لفترات غطت مدة توقيفهم احتياطياً.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس عبد المجيد تبون خلال المقابلة التلفزيونية (الرئاسة الجزارية)

تبون: المسّ بالسعودية يعني المسّ بالجزائر

«هناك دول تحرّض على الكراهية ضد الجزائر معتقدة أننا سنخضع لهذه الأساليب الدنيئة»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري في لقاء سابق مع الرئيس الروسي خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو (الرئاسة الجزائرية)

جدل مثير حول «عقوبات أميركية» مفترضة على الجزائر بسبب صفقات السلاح الروسي

احتجّ حزب من «الغالبية الرئاسية» في الجزائر على ما وصفه بـ«الترويج لأخبار زائفة»، نشرتها وسائل إعلام أجنبية، تناولت فرض عقوبات أميركية محتملة على الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزير الصناعة الجزائري سابقاً مع الرئيس الفرنسي عام 2017 (حسابات مبلغين عن الفساد)

وزير جزائري هارب يواجه حكماً جديداً بالسجن 20 سنة

يواجه وزير الصناعة الجزائري الأسبق، عبد السلام بوشوارب، حكماً غيابياً جديداً بالسجن، وذلك على خلفية تورطه في قضايا فساد عابرة للحدود.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مؤتمر القناصل بحث «إجراءات 11 يناير» (الوزارة الأولى)

الجزائر تعبئ جهازها القنصلي لتسوية ملفات المعارضين

وجّهت الجزائر العشرات من مسؤوليها الدبلوماسيين في الخارج بمباشرة تنفيذ إجراءات جديدة، تخص تسوية وضعية المئات من رعاياها في البلدان الغربية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

تعديل حكومي في مصر يشمل 13 وزيراً جديداً

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)
TT

تعديل حكومي في مصر يشمل 13 وزيراً جديداً

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)

وافق مجلس النواب المصري، أمس (الثلاثاء)، على تعديل وزاري في حكومة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، شمل تغييراً في 13 حقيبة وزارية، مع الإبقاء على وزراء الحقائب السيادية من دون تغيير، وعودة وزارة الإعلام إلى التشكيل الحكومي.

وتضمنت رابع حركة تغيير في حكومة مدبولي، المستمر في منصبه منذ أكثر من 8 سنوات، اختيار نائب لرئيس الوزراء للتنمية الاقتصادية، و4 نواب وزراء.

كما تضمن التعديل، اختيار ضياء رشوان وزيراً للدولة للإعلام، مع بقاء الدكتور بدر عبد العاطي وزيراً للخارجية، والفريق أول عبد المجيد صقر وزيراً للدفاع، واللواء محمود توفيق وزيراً للداخلية.

وقبل اعتماد حركة التعديل الوزاري، تشاور الرئيس عبد الفتاح السيسي مع مدبولي بشأن «إجراء تعديل على تشكيل الحكومة الحالية»، وفق إفادة للرئاسة المصرية.

وتنص المادة 147 من الدستور على أن «لرئيس الجمهورية إجراء تعديل وزاري، بعد التشاور مع رئيس الوزراء، وموافقة مجلس النواب، بالأغلبية المطلقة للحاضرين، وبما لا يقل عن ثلث أعضاء المجلس».

ومن المقرر أن يؤدي الوزراء الجدد اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية، اليوم (الأربعاء).


«النواب» المصري أمام اختبار جديد بشأن طعون الانتخابات

جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)
جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)
TT

«النواب» المصري أمام اختبار جديد بشأن طعون الانتخابات

جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)
جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)

يخوض مجلس النواب المصري اختباراً سياسياً جديداً مرتبطاً بأحكام قضائية تتعلق بالطعن في صحة عضوية بعض النواب، كان آخرها الحكم الصادر، السبت، بإبطال عضوية نائبين؛ فيما أكد رئيس اللجنة التشريعية بالمجلس «الالتزام الكامل بتنفيذ أحكام القضاء».

وتسود المشهد البرلماني حالة ترقب بعد صدور حكم محكمة النقض الذي قضى ببطلان العملية الانتخابية في دائرة منيا القمح بمحافظة الشرقية، الواقعة إلى الشرق من القاهرة، مع الأمر بإعادتها من جديد.

كما قضت المحكمة ببطلان عضوية النائبين محمد شهدة وخالد مشهور، وإلغاء فوزهما تمهيداً لإعادة الانتخابات في الدائرة، وسط توقعات بإصدار أحكام أخرى محتملة بشأن دوائر أخرى.

وأوضح رئيس «اللجنة التشريعية» في مجلس النواب، المستشار محمد عيد محجوب، أن المجلس سيلتزم بتنفيذ الحكم الصادر ببطلان الانتخابات في دائرة منيا القمح، تأكيداً على احترام الدولة لأحكام القضاء وسيادة القانون.

وأضاف محجوب لـ«الشرق الأوسط»: «مؤسسات الدولة المصرية تحترم الأحكام القضائية وتنفذها»، مستشهداً بما حدث في الانتخابات البرلمانية السابقة، ولا سيما في المرحلة الأولى، حيث أعيدت الانتخابات في الدوائر التي أُلغيت نتائجها بأحكام قضائية.

وبيّن محجوب أن الحكم الصادر «سيسلك مساره الإجرائي المعتاد، بدءاً من عرض أسباب الحكم على المكتب الفني بمحكمة النقض، ثم إحالة الملف إلى رئاسة مجلس النواب والأمانة العامة، وبعدها إلى اللجنة التشريعية»، مشدداً على أنه لا يمكن تحديد إطار زمني دقيق لانتهاء هذه الدورة الإدارية.

رئيس مجلس النواب المصري هشام بدوي (وزارة الشؤون النيابية والقانونية)

ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصدر قضائي بمحكمة النقض أن الحكم الصادر ببطلان الانتخابات في دائرة منيا القمح يُعد باتاً ونهائياً وملزماً لكافة الجهات، ولا يجوز الطعن عليه.

وبحسب الدستور المصري، تُبطَل عضوية أعضاء مجلس النواب اعتباراً من تاريخ إبلاغ المجلس بالحكم ببطلانها، مع العلم أن محكمة النقض تختص بالفصل في صحة عضوية أعضاء المجلس، وتُقدم إليها الطعون خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً من إعلان النتيجة النهائية للانتخابات، وتفصل في الطعن خلال 60 يوماً من تاريخ ورود الطعن إليها.

وتعليقاً على حيثيات الحكم القضائي، قال المحامي بمحكمة النقض ألبير أنسي: «الحكم لم يُبنَ على ثبوت التزوير ثبوتاً يقينياً بقدر ما جاء تعبيراً عن خلل إجرائي أصاب مسار العملية الانتخابية، وعجز عن تقديم المستندات الجوهرية اللازمة لإضفاء المشروعية الكاملة على النتيجة المعلنة».

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «الحكم أقرب في طبيعته إلى حكم إجرائي وقائي، وليس حكم إدانة موضوعية للعملية الانتخابية نفسها»، مرجحاً إبطال عضوية بعض النواب وإعادة الانتخابات في عدد من الدوائر، مع اختلاف الإجراءات وفق الوقائع الخاصة بكل دائرة.

وفي السياق نفسه، قال الإعلامي أحمد موسى إن مجلس النواب أمام «فرصة تاريخية لتصحيح ما شاب العملية الانتخابية»، مؤكداً في برنامجه الذي تبثه قناة محلية أن تنفيذ أحكام محكمة النقض «واجب على الجميع، بما في ذلك البرلمان، ولا يجوز تعطيلها تحت أي مبرر».

ودعا موسى «الهيئة الوطنية للانتخابات» إلى الاضطلاع بدورها، مطالباً مجلس النواب بالالتزام بتنفيذ الأحكام فور صدورها، «حفاظاً على الثقة العامة وصوناً لهيبة الدولة وسيادة القانون».

ومن المقرر أن تصدر محكمة النقض في الخامس من أبريل (نيسان) المقبل حكمها النهائي بشأن الطعن المعروض على عضوية عدد من النواب المنتمين إلى قائمة حزبية في غرب الدلتا.

مقر مجلس النواب المصري في العاصمة الجديدة (الصفحة الرسمية للمجلس)

لكن محللين رأوا في هذه الجولات القضائية إشارة إلى «ارتباك المشهد البرلماني المصري في ظل العدد الكبير من الطعون المنظورة»، ورأى فيها نائب رئيس «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، عماد جاد، «تقويضاً لمصداقية المجلس».

وأعاد جاد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، التذكير بأصوات سياسية وحقوقية طالبت خلال الانتخابات البرلمانية الماضية بإجراء إصلاحات سياسية شاملة، لا سيما فيما يتعلق بقوانين الانتخابات، وتنظيم عمل الأحزاب، ومعايير اختيار المرشحين على القوائم الحزبية والمستقلين.

وفي الشهر الماضي، ودَّع المصريون انتخابات برلمانية ماراثونية على مراحل ممتدة، بلغت ثماني جولات خلال شهرين، بعد إلغاء نتائج عدد من الدوائر بسبب مخالفات انتخابية.

وجاء ذلك عقب صدور أحكام «المحكمة الإدارية العليا» بمجلس الدولة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي ببطلان الانتخابات في نحو 30 دائرة بالمرحلة الأولى، نتيجة طعون تقدم بها مرشحون؛ كما ألغت «الهيئة الوطنية للانتخابات» نتائج 19 دائرة على خلفية المخالفات، في أعقاب تصريحات للرئيس عبد الفتاح السيسي عن وجود مخالفات في تلك المرحلة التي انطلقت في 10 نوفمبر الماضي.


الحضور العسكري المصري في الصومال يثير قلقاً إسرائيلياً

الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

الحضور العسكري المصري في الصومال يثير قلقاً إسرائيلياً

الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)

عبَّرت وسائل إعلام عبرية عن قلق إسرائيلي من التحركات العسكرية المصرية في الصومال ومنطقة القرن الأفريقي، في حين عدَّ عسكريون سابقون بمصر أن الوجود العسكري المصري بالصومال «شرعي ويتفق مع القانون الدولي والمواثيق الدولية»، وهدفه المساعدة في تحقيق الاستقرار الأمني بالمنطقة.

وذكرت صحيفة «يسرائيل هيوم» أن مصر توجه جيشها للرد على إسرائيل عبر الصومال، وأن هناك دولاً عربية تدعمها في ذلك.

ونشرت الصحيفة تقريراً تحت عنوان «صراع النفوذ يشتعل في القرن الأفريقي: مصر ترد على الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال)»، قالت فيه إن القاهرة التي تعارض هذا الاعتراف تعيد نشر قواتها في الصومال رداً على التحركات الإسرائيلية؛ وقدّرت الصحيفة وجود نحو 10 آلاف جندي مصري منتشرين هناك.

لكن رئيس أركان الحرب الكيميائية الأسبق بالجيش المصري، لواء أركان حرب محمد الشهاوي، قال إن القوات المصرية «هي ثامن أكبر قوة ضمن قوات حفظ السلام على مستوى العالم، والقوات المصرية الموجودة في الصومال هي تحت لواء قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي وتعمل على حفظ الأمن ومقاومة الإرهاب، وتحافظ على الأمن القومي الأفريقي والأمن القومي الصومالي وأمن منطقة البحر الأحمر ضد أي أخطار».

وتابع الشهاوي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تدرك تماماً أن الصومال، بسبب موقعه الاستراتيجي، مطمع لكثير من الدول، وخاصة إسرائيل التي اعترفت أخيراً بإقليم (أرض الصومال) كدولة تريد فصلها عن الصومال لزعزعة أمنه وإرغامه على القبول بمخططات معينة، مثل المخطط الإثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر وإنشاء قوة بحرية، فضلاً عن ممارسات أخرى تقوم بها إثيوبيا بدعم إسرائيلي مثل العمل على عدم عودة الاستقرار لدولة السودان والدفع نحو استمرار الصراع فيها».

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وجه رسائل تحذيرية متكررة بشأن الصومال وأمن البحر الأحمر، وذلك بعد اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي والمساعي لوضع قدم بمدخل البحر الأحمر.

مصر تشارك بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال (أ.ف.ب)

واعترفت إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، باستقلال إقليم «أرض الصومال» الذي يطل على خليج عدن وجنوب البحر الأحمر، وهو إقليم سعت إثيوبيا للحصول على ميناء بحري وعسكري به مقابل الاعتراف باستقلاله.

وأكد خبير الأمن القومي المصري، اللواء محمد عبد الواحد، أن دور القوات المصرية في الصومال هو العمل على حفظ الأمن والاستقرار تحت مظلة الاتحاد الأفريقي وقوات حفظ السلام التابعة له، «ومن ثم فوجود القوات المصرية شرعي بطلب من الاتحاد الأفريقي ومن دولة الصومال التي زار رئيسها مصر مؤخراً وأكد على هذا الأمر أمام العالم كله».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «وفقاً لذلك، ليس مفهوماً أن تزعم أطراف أخرى قلقها من الوجود المصري الشرعي، بينما إسرائيل هي التي لجأت إلى خطوة غير شرعية، وضربت بالقانون الدولي عرض الحائط بسعيها لتقسيم دولة الصومال بالاعتراف (بأرض الصومال) كدولة».

واستطرد: «تحرشات إثيوبيا بالصومال وضغطها عليه لقبول بناء قاعدة عسكرية بحرية إثيوبية على أراضيه، بجانب تحركات أخرى مريبة في منطقة القرن الأفريقي عموماً تقوم بها أديس أبابا وتدعمها إسرائيل، مثل إمداد (قوات الدعم السريع) بالسودان بميليشيات وعتاد وسلاح، يأتي في سياق تحركات إسرائيلية تهدف لزعزعة الاستقرار في المنطقة».

وأضاف: «مصر والاتحاد الأفريقي يتنبهان لهذه التحركات جيداً، ومن ثم فالوجود العسكري المصري هناك هو لمجابهة كل هذه التهديدات وضمن الالتزام القانوني الدولي والشرعية الدولية».

وقال الرئيس المصري، الأحد، إن بلاده ماضية في نشر قوات ببعثة حفظ السلام في الصومال في إطار التزامها بدعم أمنه واستقراره ووحدة أراضيه، وذلك خلال مؤتمر صحافي مشترك عقده مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارته مصر.

وعقد الرئيسان لقاءً ثنائياً تلاه اجتماع موسع بمشاركة وفدي البلدين، شدد خلاله السيسي على موقف مصر الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه، ورفض أي إجراءات من شأنها المساس بسيادته أو تهديد استقراره.

وحذر الرئيس المصري خلال المؤتمر الصحافي من «خطوات قد تأتي على حساب أمن وسيادة الدول»، معتبراً أنها تشكل «انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة».

وفي نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2024 أعلنت مصر أنها ستساهم بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال. وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وقتها إن هذه الخطوة تجيء «بناء على طلب الحكومة الصومالية، وبناء أيضاً على ترحيب من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي».

وحلت بعثة الاستقرار والدعم التابعة للاتحاد الأفريقي، المعروفة باسم «أوسوم»، محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

Your Premium trial has ended