بوادر أزمة حادة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي بسبب «اتفاق الشراكة»

بروكسل تلوّح بالتحكيم والسلطات الجزائرية تعدّ قراراتها «شأناً سيادياً»

ممثل السياسة الخارجية في «الاتحاد الأوروبي» سابقاً جوزيب بوريل في لقاء سابق مع الرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)
ممثل السياسة الخارجية في «الاتحاد الأوروبي» سابقاً جوزيب بوريل في لقاء سابق مع الرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)
TT

بوادر أزمة حادة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي بسبب «اتفاق الشراكة»

ممثل السياسة الخارجية في «الاتحاد الأوروبي» سابقاً جوزيب بوريل في لقاء سابق مع الرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)
ممثل السياسة الخارجية في «الاتحاد الأوروبي» سابقاً جوزيب بوريل في لقاء سابق مع الرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

تلوح في أفق العلاقات بين الجزائر والاتحاد الأوروبي حالياً بوادر أزمة حادة بشأن اتفاق الشراكة، الجاري تنفيذه منذ عام 2005، والذي يتضمن أبعاداً سياسية وحقوقية، تتعلق بحرية الصحافة، والناشطين السياسيين والحقوقيين، الذين تتم متابعتهم أمنياً وقضائياً بسبب تعبيرهم عن آرائهم، والتنديد بما يُعدّ «تجاوزات وقيوداً»

استغراب جزائري

قالت الجزائر، الخميس، إنها «فوجئت للقرار المتسرع أحادي الجانب»، الذي اتخذه الاتحاد الأوروبي بخصوص اللجوء إلى التحكيم؛ بسبب ما يعدّه قيوداً يفرضها الجانب الجزائري على التجارة والاستثمار، حسب بيان لوزارة خارجيتها، أوضحت فيه أنها تلقت هذا القرار من مديرية التجارة بالمفوضية الأوروبية».

وعدَّت الجزائر الخطوة الأوروبية «مخالفة لاتفاق الشراكة، الذي يربط الجزائر بالاتحاد الأوروبي»، والذي تم توقيعه عام 2002 ودخل حيز التنفيذ في عام 2005، وكان من المفترض أن يؤدي إلى تفكيك جمركي شامل خلال 12 سنة، غير أن هذه العملية شهدت تأجيلات متكررة لأسباب اقتصادية وسياسية.

الرئيس الجزائري أكد خلال اجتماعه بحكومته مطلع 2025 أن بلاده تريد تقاسماً للأرباح مع أوروبا (الرئاسة)

وفي رده على الإجراء الأوروبي، وجّه وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، الخميس، رسالة رسمية في هذا الشأن إلى كايا كالاس، الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، نائبة رئيس المفوضية الأوروبية، عبَّر فيها عن «تفاجئه من القرار الأوروبي المتسرع والأحادي الجانب»، حسب البيان ذاته.

وأكد عطاف في رسالته أن «مسار المشاورات، الذي جرى في جوٍ بنَّاء وهادئ، لا يبرر بأي حال من الأحوال هذا الانقطاع المفاجئ في الحوار، لا سيما وأن الطرف الجزائري قدَّم مقترحات عملية بخصوص النقطتين المتبقيتين، دون أن يتلقى أي رد رسمي من نظيره الأوروبي». ولم يوضح بيان الخارجية ما هما «النقطتان».

وعدَّ عطاف أن «الطابع الأحادي لهذا المسعى الأوروبي يناقض روح ونص اتفاق الشراكة»، معبّراً «بشكل خاص عن أسفه لأن الجانب الأوروبي تصرف كما لو أن مجلس الشراكة، وهو الهيئة المركزية لاتخاذ القرار في إطار الاتفاق، لم يعد قائماً». لافتاً إلى أن «تقييم نتائج المشاورات، واتخاذ القرارات بشأنها يقع حصراً ضمن صلاحيات مجلس الشراكة، ولا يجوز لأي طرف أن يحل محله».

وأضاف عطاف موضحاً أن هذا المجلس «لم يعقد منذ خمس سنوات، رغم الطلبات المتكررة والملحة من الجانب الجزائري؛ وهو ما حرم الطرفين من إطار مؤسساتي محوري، الغاية منه ضمان تطور متوازن للعلاقة الثنائية، من جهة، والقيام بدور رئيسي في تسوية النزاعات، من جهة أخرى».

بروكسل ترفع منسوب الضغط

أعلنت مفوضية الاتحاد الأوروبي، الأربعاء 16 يوليو (تموز)، عن إطلاق إجراء تحكيمي ضد «القيود التجارية والاستثمارية التي تفرضها الجزائر». وفي الوقت ذاته، أعربت عن دعمها للشركات الفرنسية التي قد تتأثر بالأزمة الدبلوماسية الحالية بين فرنسا والجزائر.

كايا كالاس الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية (متداولة)

وعدّ الاتحاد الأوروبي عن طريق موقعه المخصص للسياسة الخارجية أن الإجراءات التي اتخذتها الجزائر، تمثل «انتهاكاً لاتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والجزائر»، ومن خلال طلب التحكيم، «يسعى الاتحاد إلى استعادة حقوق المصدرين والشركات الأوروبية العاملة في الجزائر، التي تضررت من هذه القيود». كما أكد أن التجارة والاستثمار مع الجزائر أصبحا «أكثر صعوبة» بالنسبة للفاعلين الاقتصاديين في الاتحاد الأوروبي؛ وذلك بسبب سلسلة من «العوائق التي وضعتها السلطات الجزائرية منذ عام 2021».

وأعلن الاتحاد الأوروبي أيضاً عن تعيين محكّمه في إطار النزاع القائم، بينما يُنتظر من الجزائر أن تُعيّن محكّمها خلال مهلة أقصاها شهران، على أن يُعيَّن المحكّم الثالث من قِبل مجلس الشراكة، استناداً إلى اتفاقية الشراكة.

من جهة أخرى، أعرب الاتحاد الأوروبي عن «قلقه» مما وصفه بـ«العقبات الإضافية التي وضعتها الجزائر، والتي تستهدف بشكل خاص الشركات والمصدرين الفرنسيين»، مؤكداً أن هذه العقبات «محل متابعة دقيقة وستظل تُطرح للنقاش مع الجزائر».

رؤيتان متباعدتان لـ«الشراكة»

منذ سنوات، تطالب الجزائر بمراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوربي، على أساس أنه «مجحف» وغير «متوازن»، وتسبب في خسائر مالية كبيرة لها. وقدر خبراء في الجزائر خسائر البلاد جراء اتفاق الشراكة مع بروكسل بأكثر من 30 مليار دولار في الـ20 سنة الماضية.

وزير خارجية الجزائر (الوزارة)

وفي عام 2021، أطلقت الجزائر إجراءات تندرج في إطار خطة لتقليص فاتورة الواردات بهدف تنويع اقتصاد البلاد، وتقليل اعتماده على المحروقات، وتعزيز التصنيع المحلي، تتعلق أساساً بتنظيم الواردات وتحفيز الإنتاج المحلي، وقد شملت نظام تراخيص الاستيراد، وحوافز لاستخدام المدخلات المحلية في قطاع السيارات، وإجراءات تخص استيراد مواد فلاحية، وتدابير تتعلق بتنظيم المشاركة الأجنبية في الشركات المستوردة.

وتعامل المسؤولون مع هذه القضية وفق منطق «سيادي»، لا يريدون للاتحاد الأوروبي أن يتدخل فيها، ولا أي شريك تجاري آخر، علماً أن الاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري للجزائر، ممثلاً نحو 50.6 في المائة من تجارتها في 2023، رغم تراجع صادراته إليها من 22.3 مليار يورو عام 2015 إلى 14.9 مليار يورو عام 2023.

ورأت المفوضية الأوروبية أن هذه الإجراءات تفرض «قيوداً» على صادراتها إلى الجزائر، وتشكل خرقاً لبنود اتفاق الشراكة. وفي 14 يونيو (حزيران) الماضي أعلنت رسمياً رفضها لها، ولوّحت باللجوء إلى التحكيم الدولي المنصوص عليه في الاتفاق، باعتباره آلية يمكن اللجوء إليها إذا رأى أحد الطرفين أن الآخر أخلّ بالتزاماته التجارية. وأكدت في الوقت نفسه أن هذه الخطوة تهدف إلى فتح حوار بنّاء مع الجزائر لرفع القيود المفروضة، والتي تشمل المنتجات الزراعية والسيارات، ونظام تراخيص الاستيراد، وشروط التصنيع المحلي، فضلاً عن تحديد سقف لمساهمة المستثمرين الأجانب في الشركات المستوردة.

في فبراير (شباط) 2025، عقد الطرفان اجتماعيْن بهدف تجاوز الخلاف وتفادي اللجوء إلى التحكيم. وفي الوقت نفسه، انطلقت مشاورات مبدئية بشأن طلب الجزائر مراجعة وثيقة الشراكة لجعلها أكثر نفعاً لها. غير أن الطرفين لم يتمكنا من التوصل إلى حل، بعد أن طالب الجانب الأوروبي بالتراجع عن قرارات تقييد الصادرات، قبل إجراء أي تعديل على الاتفاق، وهو ما رفضته الجزائر.

«وضع مقلق»

في أواخر عام 2024، صرّح وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، خلال مؤتمر صحافي، بأن بلاده تمرّ بـ«وضع مقلق» في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، مضيفاً: «يبدو وكأنهم يتعاملون معنا على أساس أن اقتصادنا لم يتحرّك منذ عام 2005».

وأشار عطاف إلى أن بلاده «أصبحت من كبار مصدّري الصلب، غير أن الأوروبيين فرضوا في السابق حصصاً على وارداتهم من هذا المنتج، وحين طلبنا رفع هذه الحصص ابتداءً من عام 2026، قوبل الطلب بالرفض. ومن هنا، نرى أنهم يرون تطورنا الصناعي بمثابة خرق لاتفاق الشراكة».

وتابع الوزير قائلاً إن «ضريبة إزالة الكربون»، التي تم تبريرها بدوافع بيئية، من شأنها أن تمنع مستقبلاً دخول عدد من المنتجات الجزائرية إلى السوق الأوروبية.

السفير الأوروبي لدى الجزائر (يسار) مع وزير خارجية الجزائر (متداولة)

وشدّد عطاف على أن اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي يعاني «اختلالات كبيرة» تضرّ بالاقتصاد الجزائري، وقال بهذا الخصوص: «قلت للأوروبيين بوضوح إن هذا الاتفاق أصبح عبئاً على الجزائر». مضيفاً أن قيمة التبادل التجاري بين الجزائر والاتحاد الأوروبي بلغت نحو ألف مليار دولار منذ 2005، في حين لم تتجاوز الاستثمارات الأوروبية في الجزائر 13 مليار دولار خلال الفترة نفسها، مقابل تحويل أرباح بقيمة 12 مليار دولار من قِبل شركات أوروبية، وهو أمر «لم يعد مقبولاً»، حسب تعبيره.

وبرز معطى جديد أثر في مسار التفاوض، حسب المراقبين، تمثّل في تصويت البرلمان الأوروبي مطلع العام الحالي على لائحة بشأن تجديد اتفاق الشراكة مع الجزائر، عدَّتها الجزائر «محاولة ضغط عليها من حكومات الاتحاد». وقد شددت اللائحة على «ضرورة احترام حقوق الإنسان وحرية التعبير»، وطالبت بربط مراجعة اتفاق الشراكة، وأي تمويل مستقبلي من الاتحاد الأوروبي بالتقدم المحرز في هذا المجال.


مقالات ذات صلة

بعد عامين من الجدل... أحكام قضائية تطوي ملف إسلاميِّي «جبهة الإنقاذ» في الجزائر

شمال افريقيا محكمة الجنايات الاستئنافية بالعاصمة الجزائرية (الشرق الأوسط)

بعد عامين من الجدل... أحكام قضائية تطوي ملف إسلاميِّي «جبهة الإنقاذ» في الجزائر

طوى القضاء الجزائري ملف قادة «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» المحظورة، بإصدار أحكام قضت بالحبس النافذ لفترات غطت مدة توقيفهم احتياطياً.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس عبد المجيد تبون خلال المقابلة التلفزيونية (الرئاسة الجزارية)

تبون: المسّ بالسعودية يعني المسّ بالجزائر

«هناك دول تحرّض على الكراهية ضد الجزائر معتقدة أننا سنخضع لهذه الأساليب الدنيئة»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري في لقاء سابق مع الرئيس الروسي خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو (الرئاسة الجزائرية)

جدل مثير حول «عقوبات أميركية» مفترضة على الجزائر بسبب صفقات السلاح الروسي

احتجّ حزب من «الغالبية الرئاسية» في الجزائر على ما وصفه بـ«الترويج لأخبار زائفة»، نشرتها وسائل إعلام أجنبية، تناولت فرض عقوبات أميركية محتملة على الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزير الصناعة الجزائري سابقاً مع الرئيس الفرنسي عام 2017 (حسابات مبلغين عن الفساد)

وزير جزائري هارب يواجه حكماً جديداً بالسجن 20 سنة

يواجه وزير الصناعة الجزائري الأسبق، عبد السلام بوشوارب، حكماً غيابياً جديداً بالسجن، وذلك على خلفية تورطه في قضايا فساد عابرة للحدود.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مؤتمر القناصل بحث «إجراءات 11 يناير» (الوزارة الأولى)

الجزائر تعبئ جهازها القنصلي لتسوية ملفات المعارضين

وجّهت الجزائر العشرات من مسؤوليها الدبلوماسيين في الخارج بمباشرة تنفيذ إجراءات جديدة، تخص تسوية وضعية المئات من رعاياها في البلدان الغربية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
TT

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)

أعلن السودان أنه سيعود إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تجمع دولاً في شرق أفريقيا، بعد عامين من تجميد عضويته فيها بسبب دعوة وجّهتها آنذاك إلى قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف باسم «حميدتي»، الذي يقاتل القوات الحكومية منذ أبريل (نيسان) عام 2023.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان نُشر على موقع «إكس» أمس، إن «حكومة جمهورية السودان ستستأنف نشاطها الكامل في عُضوية المنظمة»، التي بدورها أعربت عن التزامها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، مؤكدةً احترامها الكامل لسيادة السودان ووحدة أراضيه وشعبه، وسلامة مؤسساته الوطنية القائمة.

وكان السودان قد جمَّد عضويته في «إيغاد» في يناير (كانون الثاني) 2024، بعدما دعت المنظمة دقلو إلى قمة في أوغندا لمناقشة النزاع في السودان. وكانت القمة تهدف إلى مناقشة وقف الحرب عبر سلسلة من المقترحات على رأسها نشر قوات أممية في مناطق النزاعات.

 


حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
TT

حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

أَطلعت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، على مجريات لجان «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية، في وقت يشهد تصاعداً في «صراع الشرعية» بين مجلسي النواب والدولة.

واستقبل القائد العام تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري والوفد المرافق لهما، يوم الاثنين، في مقر القيادة العامة بمدينة بنغازي.

ونقلت القيادة العامة أن المشير أكد دعمه لجهود بعثة الأمم المتحدة ومساعيها الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية إلى الأمام، وصولاً إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وقالت إن تيتيه عرضت عليه إحاطة حول ما أجرته لجان «الحوار المهيكل» من نقاشات وحوارات تهدف إلى تشكيل خريطة طريق تقود لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

المشير خليفة حفتر يلتقي المبعوثة الأممية هانا تيتيه في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

وأضاف مكتب حفتر أن الطرفين اتفقا على مواصلة التنسيق والتشاور لدعم خطوات البعثة الأممية في ليبيا، وصولاً إلى تحقيق الاستقرار الدائم.

في غضون ذلك، دخل «صراع الشرعية» في ليبيا مرحلة جديدة بين مجلسي «النواب» و«الدولة» حول إدارة المؤسسات السيادية، بعدما اتهم رئيس «الأعلى للدولة» محمد تكالة، رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، باستخدام «ألاعيب متكررة لإرباك المشهد عبر إصدار قوانين وقرارات أحادية».

ولم يتوقف هذا التصعيد عند حد القوانين، بل امتد ليعمّق الانقسام حول مفوضية الانتخابات ومجلس القضاء، وسط تحذيرات شديدة اللهجة إلى البعثة الأممية من مغبة الانحياز.

وجاءت الاتهامات التي وجّهها تكالة إلى صالح في تصريحات تلفزيونية، مساء الأحد، مشيراً إلى إصدار صالح قوانين أو قرارات قبل لقاءاتهما الرسمية، ومن ذلك إصداره قانوناً وصفه بأنه «معيب» بإنشاء المحكمة الدستورية؛ وقال إنه طالب صالح من قبل بعدم إصدار أي قوانين أو قرارات قبل لقائهما، لأن ذلك «يربك المشهد».

ودافع تكالة عن انتخاب مجلسه منفرداً، رئيس وأعضاء مجلس إدارة للمفوضية العليا للانتخابات، باعتباره تطبيقاً لـ«اتفاق أبو زنيقة»، أحد الاتفاقات المبرمة بناءً على «اتفاق الصخيرات» الموقّع في المغرب نهاية 2015.

وتابع: «نحن نسعى للتغيير في المفوضية من أجل التطوير وتصحيح مسارها بإعادة تشكيلها؛ والتصحيح الحقيقي فيها هو الذي لا يترك مجالاً للطعن في أي انتخابات مستقبلاً»، لافتاً إلى أن اللجنة الاستشارية التي تضم خبراء قانون أوصت بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، وأن أعضاءها رأوا أن المفوضية بهذه الوضعية لن تستطيع أن تدير عملية انتخابية.

وأشار إلى أن البعثة الأممية أخذت برأي اللجنة الاستشارية واقترحته في الأمم المتحدة بوصفه جزءاً من «خريطة الطريق»، موضحاً أن رئيس مجلس النواب تراجع عن مسألة تغيير مجلس المفوضية بسبب قوة قاهرة ضغطت عليه، وقال إن مجلس المفوضية السابق كان من المفترض إقالته منذ 2021 عندما فشل في إجراء الانتخابات.

وبعدما عدّ تصريح البعثة الأممية حول تغيير رئاسة المفوضية «نوعاً من المغازلة» لمجلس النواب، شدّد تكالة على أن مجلس الدولة «لم يتجاوز اختصاصاته، ولم يتدخل في أي جزئية إلا بما كفله له الاتفاق السياسي».

وقال إن صلاح الكميشي، الرئيس المنتخب من مجلس الدولة لرئاسة المفوضية، بصدد ترتيب عملية تسلّم منصبه، رغم اعتراض السايح، مشيراً إلى أن الكميشي سيباشر أعماله من داخل مقر مفوضية الانتخابات في طرابلس قريباً، من دون تحديد أي موعد.

الدبيبة مستقبلاً القائم بالأعمال بسفارة السعودية في ليبيا عبد الله بن دخيل الله السلمي يوم الاثنين (مكتب الدبيبة)

وعلى صعيد مختلف، قالت حكومة «الوحدة» المؤقتة إن رئيسها عبد الحميد الدبيبة استقبل القائم بالأعمال بسفارة المملكة العربية السعودية في ليبيا، عبد الله بن دخيل الله السلمي، حيث بحثا سبل تعزيز التعاون الثنائي في عدد من الملفات موضع الاهتمام المشترك.

وأضافت الحكومة، الاثنين، أن الدبيبة سلّم، بصفته وزير الدفاع، رسالة موجهة إلى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، في إطار دعم وتطوير مسارات التعاون والتنسيق بين البلدَين وتعزيز العلاقات السياسية والأمنية بما يخدم المصالح المشتركة.

وأكد الجانبان، حسب الحكومة، أهمية مواصلة التواصل والتنسيق في القضايا الإقليمية والدولية، بما يعزز الاستقرار ويدعم جهود التعاون العربي.

Your Premium trial has ended


شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
TT

شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)

انتقل الجدل حول وقائع التحرش في مصر إلى مساحة جديدة، تتعدى الوقائع نفسها إلى مواقف المحيطين فيها من الشهود، بعدما أظهر مقطعٌ مصورٌ لفتاة تتهم شاباً بالتحرش بها في حافلة نقل عام بمنطقة المقطم (جنوب القاهرة)، صمتَ بعض الركاب، ودفاع آخرين عن الشاب ومهاجمة الفتاة، فيما سعى فريقٌ ثالثٌ لمحاولة التهدئة، وسط انتقادات «سوشيالية» وهجوم على مواقفهم.

وأظهر مقطع مصور نشرته فتاة تدعى مريم شوقي على حسابها عبر «فيسبوك»، مساء الأحد، شاباً يقف في الحافلة محاولاً إخفاء وجهه عن الكاميرا أحياناً وإظهاره أحياناً أخرى، قبل إقدامه على الفتاة لمنعها من التصوير، وهي تنهال عليه بالسباب وتتهمه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها، وتستغيث في الفيديو لإنقاذها، وسط صمت من المحيطين. فيما أعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط المتهم الذي أنكر ارتكابه الواقعة، قبل أن تتولى النيابة العامة التحقيق.

وفي مقطع آخر، تدخل راكب لمهاجمة مريم منتقداً تصرفاتها، ما شجع الشاب المتهم على الرد، قائلاً لها: «شوفي انتي لابسه إيه»، وهذا ما اعتبره البعض «اعترافاً ضمنياً بالتحرش وتبريره لذلك بملابسها».

وحسب بيان الداخلية المصرية، فإن مقاطع الفيديو التي تم تداولها تظهر اتهام الفتاة لأحد الأشخاص بقيامه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها بدائرة قسم شرطة المقطم بالقاهرة وتتبعها عقب ذلك إلى داخل أحد أتوبيسات النقل العام.

وقالت الداخلية، في بيان، الاثنين، إنه بسؤال الشاكية (موظفة بإحدى الشركات - مقيمة بمحافظة السويس) أقرت بأنها حال خروجها من مقر عملها الكائن بدائرة القسم قام الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو بالتحرش اللفظي بها وتتبعها حال استقلالها أحد أتوبيسات النقل العام. وأنه أمكن تحديد وضبط الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو (عامل - مقيم بمحافظة الدقهلية)، وبمواجهته أنكر ارتكابه الواقعة، أو سابقة تقابله مع المجني عليها، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية، وتولت النيابة العامة التحقيق.

الشاب المتهم بالتحرش يختبئ من كاميرا الفتاة صاحبة الشكوى (لقطة مثبتة)

واتجه جزء كبير من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى المحيطين بالواقعة، خصوصاً الراكب الذي تدخل وهاجم الفتاة، بينما يمسك مسبحة في يده، معتبرين أن مثل هؤلاء «سبب في عدم تجريم التحرش وتوفير حماية للمتحرشين».

واعتبر هذا الفريق أن ما يعكسه الفيديو من سلبية للمحيطين، بل وحماية لـ«المتحرش»، على حد وصفهم، أخطر من التحرش نفسه، إذ يمثل حاضنة مجتمعية تتصالح مع هذه الأفعال، مقابل لوم الضحية، وذهب بعضهم إلى ما هو أبعد بالمطالبة بمحاكمة الشهود.

وشكك آخرون في الرواية كلياً، انطلاقاً من موقف الشهود نفسه، مستبعدين حالة الصمت والتصالح مع خطأ وقع فعلياً من كل الموجودين في الأتوبيس، ومعتبرين أن ذلك الصمت دليل على اختلاق الفتاة للواقعة.

وحذر آخرون من الهجوم على أحد بدعوى التحرش دون تقديم دليل، معتبرين أنه سلاح يمكن أن تستخدمه النساء لتصفية حسابات أو التشهير بمظلومين.

وتنص المادة 306 مكرر أ من قانون العقوبات على «معاقبة كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإيحاءات، أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل (بما في ذلك الاتصالات)، بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تتجاوز 4 سنوات، وغرامة مالية بين 100 ألف و300 ألف جنيه (الدولار نحو 47 جنيهاً).

وفسر أستاذ علم الاجتماع، وليد رشاد، المعضلة التي يتعرض لها الشهود والمحيطون وقت ارتكاب جريمة ما، سواء بالتدخل أو الصمت، وزيادة التوجه الأخير إلى 3 أسباب؛ الأول الخوف من الجريمة المرتكبة، أي تجنب أن تطوله الجريمة أو الاعتداء، خصوصاً في ظل وهن الروابط المجتمعية الكبيرة حالياً، وهو سبب اجتماعي، أما الثاني فسبب نفسي متعلق بتوجه الفرد نحو الانزواء على ذاته، والانعزال عن المحيط.

وأضاف أستاذ علم الاجتماع أن السبب الثالث مرتبطٌ بالتطور التكنولوجي وسعي البعض إلى الحصول على تفاعل أكبر بتصوير الحادثة ونشرها، مؤكداً في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني أن المجتمع أصبح سلبياً بالكامل، فالشخصية المصرية ما زالت تحتفظ بصفاتها المعروفة بإغاثة المظلوم.

أحد التعليقات على «فيسبوك» يحلل رد فعل المحطين بالواقعة محل الاتهام

وسبق أن تعرض شهود عيان في وقائع عديدة للاعتداء، وبعضهم فقد حياته، من أشهرهم الشاب محمود البنا (17 عاماً) الذي قُتل عام 2019 إثر دفاعه عن إحدى الفتيات في محافظة المنوفية، وتحول لبطل شعبي في مصر.

ورفض رشاد التعليق على الواقعة الأخيرة باعتبارها ما زالت قيد التحقيقات، مؤكداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن ثمة وعياً مجتمعياً أكبر تجاه قضية التحرش، وتوجهاً مجتمعياً لفضح الجاني، في تغير عن اعتقاد سابق بأن فضح الجاني سيترتب عليه فضح الضحية، مرجعاً ذلك إلى حملات التوعية التي حدثت على مدار سنوات وصولاً للتطور الإيجابي الحالي.

وظهر الشاب المتهم في مقابلة مع أحد المواقع المحلية، نافياً الاتهامات الموجهة إليه، مشيراً إلى أن «الركاب رأوا عدم فعله شيئاً، وكذلك محصل التذاكر».