«مجرد وقت وسيمضي»... سردية السرطان و«سرد الذاكرة»

شاكر الناصري يقاوم المرض بالأمل والكتابة

شاكر الناصري
شاكر الناصري
TT

«مجرد وقت وسيمضي»... سردية السرطان و«سرد الذاكرة»

شاكر الناصري
شاكر الناصري

كيف لنا أن نكتب عن أمراضنا؟ المتنبي المتفرد، دائماً، ترك لنا ما لم يتركه غيره في هذا المقام؛ فكانت قصيدته في وصف الحمى درساً مختلفاً، يصحُّ معه أن نسمِّي قصيدته باليتيمة؛ فلا أحد بعده قد «قال» شعراً من داخل لحظة «الحمى»، محولاً إيّاها إلى معاناة ومواجهة إنسانية كبرى مع المرض. وقد يكون السياب الشاعر العربي الثاني في الكتابة الشعرية المتفردة عن محنة المرض المفضية إلى الموت المحتم. صور السياب المريض في «سفر أيوب» ربما تتفوق، في سرديتها الفائقة على منطق المريض وصوره المتفردة، ولا شك، كما تظهر في شعر المتنبي؛ فالحمى تظل حالة «مؤقتة» أو «عرضاً» خاصاً بالمرض، لكنها ليست المرض ذاتها. وهذا أمر مختلف، جذرياً، عن سردية المرض في قصيدة «سفر أيوب»؛ المرض، هنا، ينفتح على محنة الموت وأسئلة الوجود كله. ولنا أن نقول إن سردية المرض في شعر السياب هي صيغة مبكرة، كما نفترض، من التعامل مع «السرطان»، أو «إمبراطور المآسي»، كما سماه الطبيب سيد هارتا موكرجي في كتابه الشهير بالعنوان ذاته. وهذا ذاته شأن كتاب شاكر الناصري «مجرد وقت وسيمضي، يوميات السرطان/ الرافدين – 2025».

السرطان سيرة مقترحة

يستعيد الناصري لحظة الرعب الأولى، وهي ذاتها لحظة المعرفة بالمرض وإدراكه، بوصفه الحد الفاصل بين ما مضى وما تبقَّى، فلا يركن إلى تلك اللحظة بالصمت والتواري، إنما يسعى لمواجهتها بالاعتراف بها، أولاً، ومقاومتها بالكتابة ثانياً. خيار المواجهة وضعه أمام «محنة» اختيار سبل المواجهة، وأهمها سبل الكتابة. ولكن أي نوع من الكتابة يمكنه أن يصمد أمام كابوس «السرطان»؟ شأن تجارب عالمية وعربية مشابهة يشير إلى بعضها، يجد الناصري أن فرضية «الاختيار» أو «الانتقاء» ترف لا وجود له في حالته. وربما الأصح أن نقول إنه «ترف» لا قيمة، ولا وزن له أمام «سردية» كبرى اسمها «السرطان»؛ فليس هناك سوى سبيل وحيد وأوحد هو أن «تعيش» السرطان بكل حالاته وأوجاعه واستبداده، فلا «اختيار» سوى ما يفرضه السرطان ذاته عليك وعلى محيطك. باختصار مرير عليك أن تعيش «السرطان» كما تعيش يومك؛ فهو قد صار كل ما تبقَّى من حياتك. هل «أتفلسف» في حضرة السرطان، كما يسخر كثيرون في حالات مشابهة؟ وفي الحقيقة لا فلسفة كبرى سوى فلسفة السرطان ذاته؛ فهو الذي يقرر، وهو الذي يفرض علينا طريقة «مقاومتـ»ـه، وهي أن تكتب قصتك، سيرتك في مواجهة رعب السرطان. اليوميات، إذن، ليست خياراً إنما هي السبيل الوحيد المتاح لوهم عذب اسمه «مقاومة» السرطان. وكل الذين «قاوموا» السرطان لم يفعلوا سوى أنهم كتبوا «سيرهـ»ـم، وقصصهم في مواجهته.

فهل هناك مفارقة «أدبية» سردية تكمن خلف اختيار تقنية «اليوميات» في كتابة روايات معينة كان موضوعها هو «السرطان»؟ أزعم أن منطق السرطان الشمولي لا يسمح، حتى في حالة السرد الأدبي، بترف الخيارات المختلفة، إنما هناك «فرض» مقصود من سردية السرطان؛ بأن تعتمد «الرواية» المقصودة تقنية «اليوميات». وهذا ما فعله الكاتب الروسي الشهير ألكسندر سولجنيتسين في روايته الشهيرة «جناح السرطان». وهو شأنُ كتبٍ كثيرة كتبها مؤلفوها بصيغة اليوميات، وكانت تحكي تجاربهم في «مقاومة» المرض. أشهرها على المستوى العالمي كتاب سوزان سونتاج: «المرض كاستعارة». وفي الثقافة العربية تكرر الأمر في كتب كثيرة، منها كتاب «يوميات سرير الموت» للكاتب الروائي المغربي محمد خيرالدين وقد دوَّن فيه يومياته مع السرطان. والقسم الأخير من كتاب «عن الذاكرة والموت: سعد الله ونوس» بعنوانه الدالِّ «رحلة في مجاهل موت عابر». وقد نتحدث عن سيرة الكاتبة المصرية المعروفة رضوى عاشور «أثقل من رضوى». وكتاب «الجنوبي» لعبلة الرويني عن سيرة زوجها الشاعر المصري المعروف أمل دنقل. وربما يكون آخرها كتاب «أنا قادم أيها الضوء/ محمد أبو الغيط». ولا يشذّ كتاب الناصري عمَّا سلف؛ فهذا حكم السرطان على ضحاياه؛ أن يشهدوا ويلاته ويعيشوا أوجاعه لحظةً فلحظة، يوماً فيوماً. وفي هذا بعض ما نجده في كتب السرطان، مما نتج عن «يوميات» تؤلف، في نهايتها، سيرة منتقاة بعناية فائقة عن المريض، وعن المرض ذاته.

يستعيد الناصري في يومياته لحظة الرعب الأولى وهي ذاتها لحظة المعرفة بالمرض وإدراكه بوصفه الحد الفاصل بين ما مضى وما تبقَّى

ذاكرة السرطان

في «مجرد وقت وسيمضي» تصطرع حكايات وأسئلة متعددة، تؤلِّف، بمجملها، ما يمكن تسميتها بذاكرة النص نفسه، أو مصادره. في الأصل ثمة ذاكرة الناصري نفسه بحكاياته المضطربة المتولِّدة، ولا شك، عن سردية السرطان نفسه. أفكر، هنا، أن سرد الذاكرة، فحسب، هو ما سمحت به سردية هذا المرض. لكن «يوميات السرطان» تعيد نسج المشهد بمواد وصياغات مختلفة إلى حد ما؛ فالسرطان هنا تقنية أكثر مما هو سردية كلية. لماذا لا أقول إن هناك تخادماً مطرداً في الكتاب بين يوميات السرطان وكونه تقنية؟ وفي الواقع أن اليوميات توظِّف السرطان وهو بدرجة مماثلة، يفرض عليها سلطانه. هذا التواصل المثير بينهما نلمسه، ابتداءً، من العنوان «مجرد وقت وسيمضي... يوميات السرطان». يقترح العنوان اندفاعة مبكرة ضد «السرطان»؛ فهو محض «وقت» و«سيمضي» حتماً. هذا التأويل الأولي يتوافق مع تأخير «لماذا لا أقول (تحقير)؟» السرطان وسرديته بجعله عنواناً فرعياً، فيما العنوان الأساسي هو الانتصار للحياة برمتها؛ فهو «وقت» أو مقطع زمني وسيذهب لحاله، فيما ستبقى الحياة كلها للمريض. أفترض أن دلالات العنوان المفترضة هي إحدى استراتيجيات المقاومة الممكنة. لكنها صياغة مبكرة لقصة المريض مع رعب المرض. كأن العنوان يريد أن يدفع بنا نحن قصة أو رواية سيرية. وأنا أدفع، هنا، بأن العنوان يريد إيهامنا بخيالية السيرة السردية المتخيلة؛ طمعاً في الافتراض أنها محض خيال و«سيمضي»، شأن أي قصة أو «رواية» متخيَّلة نجدها في كتاب ما ونقرأها ثم نتركها في زاوية ما من البيت أو المكتبة أو حتى على قارعة طريق. فهي رواية خيالية تعجبنا لكنها لا تخص حياتنا، ولا تحدد مصيرنا.نظل عن حدود الرغبة في إيهام الذات، أولاً، وربما أخيراً، بجدارة القصة المقترحة لأن تكون موضوع القص الأدبي المفترض في «مجرد وقت وسيمضي»، فنحن نجد إصراراً كتابياً وسردياً على الالتزام بحدود التخيل في سرد وقائع النص. عندنا، هنا، نص يريد أن يلتزم بأصول الأدبية المتخيلة فيفترض، مثلاً، أن من واجبه أن يعلن «يعترف» بـ«السرطان»؛ فالناصري لا يتحرَّج، أبداً، من إعلان الإصابة بالمرض الخطير، هذا الاعتراف هو جزء أصيل من «تخييل» قصة المرض؛ بدفعه من خانة «الواقع» إلى خانة لا تمس الذات وما يتصل بها من جسد ومصيره المحتوم، خانة متوهمة تخترعها اليوميات. ثم إن «اليوميات» ذاتها لا تلتزم بسياق زمني متتالي ذي مسار تصاعدي. نعم، ثمة التزام لا ينكره النص بمواعيد جرعات العلاج الثماني، لكن هذا الالتزام يشهد تلاعباً خلَّاقاً بالزمن. فهل ينجح النص بلعبته؟ نزعم أن الظفر حاصل ولا شكَّ، لكنه «نجاح» متوهَّم، وربما لا قيمة له في سياق سردية السرطان؛ فذاكرة النص هي ذاتها ذاكرة هذا المرض. لنأخذ الكتب التي عرض لها النص، فقد كتبها أشخاص مصابون بالسرطان، أو ممن اختصوا بعلاجه. وهذا أمر طبيعي، بل هو أحد فروض السرطان التي لا تُرد، فلا وقت يخصص خارج سطوة المرض وآلامه المميتة. وبعض قدراته أنه يعيد تصريف الزمن وتوجيهه، لا سيَّما في الأوقات التي يستعيد الجسد فيها بعض توازنه، حتى هذا الوقت الشحيح فإن السرطان يفرض عليه سلطانه؛ فيدفع مريضه لقراءة تجارب ضحايا آخرين وسابقين. ولنأخذ موضوع تاريخ عملية رفع المعدة المصابة بالسرطان، فإنه ذو دلالة تاريخية فائقة للناصري وبلاده، وهو يوم الثامن من فبراير (شباط). فأي مفارقة، وأي عذاب؟! ففي تلك الليلة نُحر اليسار العراقي على يد القوميين والبعثيين والعسكر بعد قتل مؤسس الجمهورية العراقية الزعيم عبد الكريم قاسم. لكنَّ للسرطان عظته الأخيرة، فهو بحكم شموليته يدفع ضحاياه لنوع خاص من التسامح مع البشر والحجر على السواء. تسامح يتولَّد عن مراجعة جذرية وشاملة للماضي وذنوبه، ويدفع المبتلين به إلى التسامي عن أي بغض وكراهية. وهذه، ربما، إحدى فضائل مقاومة السرطان نفسه.


مقالات ذات صلة

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار
ثقافة وفنون سيرة سينمائية بلا ماكياج

سيرة سينمائية بلا ماكياج

في كتابه «صانع النجوم حلمي رفلة - سيرة سينمائية بلا ماكياج» الصادر عن دار «آفاق» بالقاهرة، يتتبع الشاعر جرجس شكري سيرة واحد من المؤسسين الأوائل لصناعة الفيلم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.