تباطؤ الاقتصاد الصيني مع تقليص الإنفاق وارتفاع مخاطر الرسوم

ضعف مبيعات التجزئة وتزايد عدم اليقين

راكبو دراجات نارية في إشارة بالمنطقة المالية في العاصمة المالية بكين (إ ب أ)
راكبو دراجات نارية في إشارة بالمنطقة المالية في العاصمة المالية بكين (إ ب أ)
TT

تباطؤ الاقتصاد الصيني مع تقليص الإنفاق وارتفاع مخاطر الرسوم

راكبو دراجات نارية في إشارة بالمنطقة المالية في العاصمة المالية بكين (إ ب أ)
راكبو دراجات نارية في إشارة بالمنطقة المالية في العاصمة المالية بكين (إ ب أ)

تباطأ الاقتصاد الصيني بوتيرة أقل من المتوقع في الربع الثاني، في مؤشر على قدرته على الصمود في مواجهة الرسوم الجمركية الأميركية، على الرغم من تحذير المحللين من أن ضعف الطلب المحلي وتزايد مخاطر التجارة العالمية سيزيدان الضغط على بكين لتقديم المزيد من الحوافز.

وحتى الآن، تجنّب ثاني أكبر اقتصاد في العالم تباطؤاً حاداً، ويعود ذلك جزئياً إلى الدعم السياسي، واستفادة المصانع من الهدنة التجارية بين الولايات المتحدة والصين لتسريع وتيرة شحناتها، لكن المستثمرين يستعدون لنصف ثانٍ أضعف، مع فقدان الصادرات زخمها، واستمرار انخفاض الأسعار، وانخفاض ثقة المستهلك.

ويواجه صانعو السياسات مهمة شاقة في تحقيق هدف النمو السنوي البالغ نحو 5 في المائة؛ وهو هدف يراه الكثير من المحللين طموحاً بالنظر إلى الانكماش المتجذر وضعف الطلب المحلي.

وأظهرت بيانات، يوم الثلاثاء، أن الناتج المحلي الإجمالي للصين نما بنسبة 5.2 في المائة خلال الربع الأول من أبريل (نيسان) وحتى يونيو (حزيران) مقارنة بالعام السابق، متباطئاً من 5.4 في المائة خلال الربع الأول، ولكنه يفوق بقليل توقعات المحللين، في استطلاع أجرته «رويترز»، بارتفاع قدره 5.1 في المائة.

وقال كبير الاقتصاديين في «بينبوينت» لإدارة الأصول، تشيوي تشانغ: «حققت الصين نمواً يفوق الهدف الرسمي البالغ 5 في المائة خلال الربع الثاني، ويعود ذلك جزئياً إلى تسريع وتيرة الصادرات. لكن النمو المستهدف المذكور أعلاه في الربعَيْن الأول والثاني يمنح الحكومة مجالاً لتحمل بعض التباطؤ في النصف الثاني من العام».

وأظهرت بيانات المكتب الوطني للإحصاء أن الناتج المحلي الإجمالي نما بنسبة 1.1 في المائة على أساس ربع سنوي في الفترة من أبريل إلى يونيو، مقارنةً بتوقعات بزيادة قدرها 0.9 في المائة، وزيادة قدرها 1.2 في المائة خلال الربع السابق.

ويراقب المستثمرون من كثب مؤشرات على تحفيز اقتصادي جديد في اجتماع المكتب السياسي المقبل، المقرر عقده في أواخر يوليو (تموز)، الذي من المرجح أن يُشكّل السياسة الاقتصادية لبقية العام.

إجراءات دعم

وعزّزت بكين إنفاقها على البنية التحتية ودعم المستهلكين، إلى جانب تيسير السياسة النقدية. وفي مايو (أيار)، خفّض البنك المركزي أسعار الفائدة وضخّ السيولة في إطار جهود أوسع لحماية الاقتصاد من الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ويعتقد بعض المحللين أن الحكومة قد تزيد الإنفاق بالعجز إذا تباطأ النمو بشكل حاد.

وكان رد فعل السوق على البيانات ضعيفاً إلى حد كبير، فقد تراجع مؤشر «سي إس آي 300» الصيني للأسهم القيادية بنسبة 0.1 في المائة، في حين قلص مؤشر «هانغ سنغ» القياسي في هونغ كونغ مكاسبه ليُتداول مرتفعاً بنسبة 0.7 في المائة.

مشاة يسيرون بجوار أحد المشروعات السكنية الجديدة في إقليم منغوليا المتمتع بالحكم الذاتي في الصين (رويترز)

ضغط على الأسر

وأكدت بيانات النشاط الاقتصادي لشهر يونيو، الصادرة يوم الثلاثاء، الضغط على المستهلكين. فعلى الرغم من ارتفاع الإنتاج الصناعي بنسبة 6.8 في المائة على أساس سنوي الشهر الماضي -وهي أسرع وتيرة منذ مارس (آذار)- فإن نمو مبيعات التجزئة تباطأ إلى 4.8 في المائة، من 6.4 في المائة في مايو، مسجلاً أدنى مستوى له منذ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط).

وواقعياً، لم يكن لأرقام الناتج المحلي الإجمالي الرئيسية تأثير يُذكر على معظم الأسر، بما في ذلك الطبيبة مالوري جيانغ، البالغة من العمر 30 عاماً، في مدينة شنتشن، مركز التكنولوجيا الجنوبي، التي تقول إنها وزوجها قد خُفِّض راتباهما هذا العام. وتابعت: «انخفض دخلنا بصفتنا أطباء، وما زلنا لا نجرؤ على شراء شقة. نحن نقلّص نفقاتنا؛ التنقل باستخدام وسائل النقل العام، وتناول الطعام في كافتيريا المستشفى، أو الطهي في المنزل. لا تزال ضغوط حياتي مرتفعة للغاية».

ويقول مراقبون ومحللون صينيون إن التحفيز وحده قد لا يكفي لمعالجة الضغوط الانكماشية المترسخة، حيث انخفضت أسعار المنتجين في يونيو بأسرع وتيرة لها منذ ما يقرب من عامَيْن.

وقال الخبير الاقتصادي الصيني في «كابيتال إيكونوميكس»، زيتشون هوانغ، إن بيانات الناتج المحلي الإجمالي «ربما لا تزال تبالغ في تقدير قوة النمو... ومع تباطؤ الصادرات وتلاشي الدعم المالي، من المرجح أن يتباطأ النمو أكثر خلال النصف الثاني من هذا العام».

وأظهرت بيانات، يوم الاثنين، أن صادرات الصين استعادت بعض الزخم في يونيو، حيث سارعت المصانع إلى تصدير شحناتها للاستفادة من هدنة التعريفات الجمركية الهشة بين بكين وواشنطن قبل الموعد النهائي الوشيك في أغسطس (آب).

التعريفات والتحديات

وتوقع أحدث استطلاع رأي أجرته «رويترز» تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 4.5 في المائة خلال الربع الثالث، و4 في المائة خلال الربع الرابع، مما يُبرز تزايد التحديات الاقتصادية، حيث تُواجه بكين، بسبب حرب ترمب التجارية العالمية، مهمةً صعبةً تتمثّل في حثّ الأسر على زيادة إنفاقها في ظلّ حالة من عدم اليقين.

ومن المتوقع أن يتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي للصين في عام 2025 إلى 4.6 في المائة -وهو أقلّ من الهدف الرسمي- من 5 في المائة خلال العام الماضي، وأن يتراجع أكثر إلى 4.2 في المائة خلال عام 2026، وفقاً للاستطلاع.

وظلّ تباطؤ سوق العقارات في الصين يُشكّل عائقاً أمام النموّ الإجماليّ على الرغم من جولاتٍ مُتعدّدة من إجراءات الدعم، إذ انخفض الاستثمار في القطاع بشكلٍ حادّ في الأشهر الستة الأولى، في حين انخفضت أسعار المساكن الجديدة في يونيو بأسرع وتيرة شهرية في ثمانية أشهر.

وتعهّد كبار القادة الصينيين بالمضي قدماً في تجديد القرى الحضرية وتسريع نموذج جديد لتطوير العقارات، حسبما أفادت وسائل الإعلام الرسمية يوم الثلاثاء. كما نما استثمار الأصول الثابتة بوتيرة أبطأ من المتوقع؛ إذ بلغت 2.8 في المائة في الأشهر الستة الأولى على أساس سنوي، مقارنةً بـ3.7 في المائة في الفترة من يناير إلى مايو.

ويعكس ضعف نتائج الاستثمار حالة عدم اليقين الاقتصادي الأوسع؛ إذ انخفض إنتاج الصين من الصلب الخام في يونيو بنسبة 9.2 في المائة مقارنةً بالعام السابق، مع قيام مزيد من شركات صناعة الصلب بصيانة المعدات في ظل تراجع الطلب الموسمي.

وقال مدير قسم الصين في «مجموعة أوراسيا» في سنغافورة، دان وانغ: «إن نمو الربع الثالث معرّض للخطر في غياب تحفيز مالي أقوى». وأضاف: «أصبح كل من المستهلكين والشركات أكثر حذراً، في حين يتطلّع المصدرون بشكل متزايد إلى الخارج لتحقيق النمو».


مقالات ذات صلة

«المركزي الأوروبي»: تأخير «اليورو الرقمي» يعزز هيمنة شركات التكنولوجيا الأجنبية

الاقتصاد قطعة نقدية من فئة 2 يورو إلى جانب ورقة نقدية من فئة 10 جنيهات إسترلينية في صورة توضيحية (رويترز)

«المركزي الأوروبي»: تأخير «اليورو الرقمي» يعزز هيمنة شركات التكنولوجيا الأجنبية

دعا البنك المركزي الأوروبي، الاتحادَ الأوروبي، إلى تسريع اعتماد «اليورو الرقمي»، محذراً من أن أي تأخير قد يعمّق اعتماد القارة على شركات التكنولوجيا الأجنبية.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد شعار تطبيق «تيك توك» يظهر على هاتف ذكي أمام مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل (إ.ب.أ)

الاتحاد الأوروبي يطالب «تيك توك» بتغيير «تصميمه الإدماني»

أعلن الاتحاد الأوروبي، الجمعة، أنه أبلغ «تيك توك» بضرورة تغيير تصميمه «الإدماني» وإلا فسيواجه غرامات باهظة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في ألمانيا (رويترز)

صانع السياسة بـ«المركزي الأوروبي»: أي ارتفاع كبير لليورو قد يستدعي التحرك

قال صانع السياسة النقدية بالبنك المركزي الأوروبي مارتينز كازاكس في تدوينة يوم الجمعة إن أي ارتفاع كبير في قيمة اليورو قد يدفع البنك لاتخاذ إجراءات.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت، ستوكهولم )
الاقتصاد بائعو أطعمة في أحد شوارع مدينة بيشاور الباكستانية (إ.ب.أ)

أسعار الغذاء العالمية تواصل التراجع في يناير

تراجعت أسعار الغذاء العالمية في يناير للشهر الخامس على التوالي، مدعومة بانخفاض أسعار منتجات الألبان والسكر واللحوم.

«الشرق الأوسط» (روما)
الاقتصاد منازل سكنية جديدة في مشروع إسكان بمدينة آيلزبري (رويترز)

أسعار المنازل في المملكة المتحدة تسجل أكبر ارتفاع منذ نوفمبر 2024

أعلنت شركة «هاليفاكس» المتخصصة في قروض الرهن العقاري يوم الجمعة أن أسعار المنازل في بريطانيا سجلت أكبر ارتفاع منذ أكثر من عام في يناير.

«الشرق الأوسط» (لندن )

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
TT

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)

في لحظة وصفت بالتاريخية في مسيرة الأسواق المالية، نجح مؤشر «داو جونز» الصناعي يوم الجمعة، في تجاوز عتبة 50 ألف نقطة للمرة الأولى منذ تأسيسه، منهياً أسبوعاً من التقلبات الحادة بانتصار كاسح للثيران (المشترين) على الدببة (البائعين). ولم يكن هذا الارتفاع مجرد طفرة رقمية؛ بل جاء تتويجاً لعودة الثقة في قطاع التكنولوجيا والرهان المستمر على ثورة الذكاء الاصطناعي.

ما الذي دفع «وول ستريت» لهذا الانفجار السعري؟

لم يكن وصول «داو جونز» إلى هذا الرقم القياسي وليد الصدفة؛ بل جاء نتيجة تضافر قوى شرائية هائلة أعادت الحياة إلى قطاع التكنولوجيا. فبعد أسبوع من النزيف السعري، ارتد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 2 في المائة، مسجلاً أفضل أداء يومي له منذ مايو (أيار) الماضي.

والسؤال الذي يطرحه المستثمرون الآن: من قاد هذا «الرالي»؟ الإجابة تكمن في قطاع أشباه الموصلات، حيث قفز سهم «إنفيديا» بنسبة 7.8 في المائة، وتبعه سهم «برودكوم» بارتفاع 7.1 في المائة، مما أدى إلى محو مخاوف التراجع التي سادت مطلع الأسبوع.

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي وأرقام التداول الأخرى بعد إغلاق بورصة نيويورك (رويترز)

هل رهان «أمازون» بـ200 مليار دولار هو السر؟

أحد المحركات الرئيسية لهذا الصعود كان الإعلان الصادم من شركة «أمازون»، التي أكدت نيتها استثمار مبلغ ضخم يصل إلى 200 مليار دولار خلال هذا العام. هذا الاستثمار لا يستهدف التجارة الإلكترونية التقليدية؛ بل يركز على «الفرص الجوهرية»؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والرقائق، والروبوتات، والأقمار الاصطناعية.

هذا التوجه طرح تساؤلاً جوهرياً في الصالونات الاقتصادية: هل نحن أمام فقاعة تكنولوجية جديدة؟ أم إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد العالمي؟

وأكد جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، على شبكة «سي إن بي سي» الإخبارية المالية، أن الطلب على الذكاء الاصطناعي لا يزال «مرتفعاً للغاية»، وأن مستوى الإنفاق مناسب ومستدام. وارتفعت أسهم «إنفيديا»، أكبر شركة مدرجة في البورصة بالعالم بقيمة سوقية تبلغ 4.5 تريليون دولار، بنسبة 7.9 في المائة يوم الجمعة.

هدوء في جبهة البتكوين والمعادن الثمينة

ولم يكن المشهد بعيداً عن سوق الأصول المشفرة؛ فبعد أسابيع من الهبوط الحر الذي أفقد البتكوين أكثر من نصف قيمتها منذ ذروة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، استطاعت العملة الرقمية الأشهر التماسك مجدداً؛ فبعد أن اقتربت من كسر حاجز 60 ألف دولار نزولاً يوم الخميس، استعادت توازنها لتقفز فوق مستوى 70 ألف دولار، مما أعطى إشارة إلى المستثمرين بأن موجة الذعر قد بدأت في الانحسار.

وفي السياق ذاته، خفتت حدة التقلبات في أسواق المعادن؛ حيث استقر الذهب عند مستوى 4979.80 دولار للأونصة بعد ارتفاع بنسبة 1.8 في المائة، في حين سجلت الفضة استقراراً نسبياً، مما يعكس تحولاً في شهية المخاطرة لدى المتداولين من الملاذات الآمنة إلى أسهم النمو.

ترمب يبارك

وكعادته في رصد أداء الأسواق، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترمب للاحتفاء بهذا المنجز الاقتصادي، حيث نشر عبر منصته «تروث سوشيال» مهنئاً الشعب الأميركي بهذا الرقم القياسي، وحاول اعتبار هذا الصعود دليلاً على نجاح التعريفات الجمركية الأميركية - سياسته الاقتصادية المحورية - التي بلغت أعلى مستوياتها الفعلية منذ عام 1935 خلال فترة رئاسته.

وكتب ترمب: «شكراً لك يا سيد الرسوم!». وادعى قائلاً: «أمننا القومي وأمننا المالي لم يكونا أقوى مما هما عليه الآن!»، وهو ما يراه مراقبون تعزيزاً للسردية السياسية التي تربط قوة السوق بالأداء الإداري.


رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
TT

رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)

قالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، ماري دالي، يوم الجمعة، إنها ترى أن الاقتصاد الأميركي في وضع «هش». وأضافت أن الشركات تتسم إلى حد كبير بتفاؤل حذر، في حين أن الأسر أقل ثقة؛ نظراً لأن الشركات التي تتردد حتى الآن في إجراء تسريحات جماعية قد تغيّر استراتيجيتها بسرعة.

وقالت دالي في منشور على «لينكد إن»: «لقد شهدنا بيئة عمل تتسم بانخفاض التوظيف وزيادة التسريح لفترة من الوقت. قد يستمر هذا الوضع، لكن العمال يدركون أن الأمور قد تتغير بسرعة، مما قد يُعرّضهم لسوق عمل تتسم بعدم الاستقرار وارتفاع معدلات التسريح». وأضافت: «مع تجاوز التضخم هدف لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية البالغ 2 في المائة، يبدو الوضع غير مستقر، وهذا واقع ملموس»، وفق «رويترز».

وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي على تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل دون تغيير، مشيراً إلى ارتفاع التضخم واستقرار سوق العمل. وصرح رئيس المجلس، جيروم باول، بأن البنك المركزي «في وضع جيد للاستجابة، مستفيداً من البيانات المتاحة».

ومنذ ذلك الحين، أشار بعض صنّاع السياسات إلى ميلهم نحو اتجاه معين؛ فقد صرحت ليزا كوك، محافظة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، يوم الأربعاء، بأن المخاطر «تميل نحو ارتفاع التضخم»، في حين أكدت ميشيل بومان، نائبة رئيس المجلس لشؤون الإشراف، بعد التصويت مع كوك بنتيجة 10-2 للإبقاء على أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، أنها لا تعتبر أن «مخاطر تراجع فرص العمل ضمن نطاق ولايتنا قد تضاءلت».

وتشير معظم التقديرات، بما فيها تقديرات صنّاع السياسات في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى أن التضخم الأساسي في نهاية العام الماضي بلغ نحو 3 في المائة، متجاوزاً هدف المجلس البالغ 2 في المائة. وقد أكّدت بيانات سوق العمل استمرار حالة الركود الجزئي التي تتسم بانخفاض معدلات التوظيف وزيادة التسريح.

ومن المتوقع أن يصدر مكتب إحصاءات العمل تقرير الوظائف الشهري يوم الأربعاء المقبل، بعد تأخره بسبب إغلاق الحكومة نتيجة الخلاف المستمر بين الديمقراطيين والجمهوريين حول تمويل قوانين الهجرة. ويتوقع الاقتصاديون أن يُظهر التقرير استقرار معدل البطالة في يناير (كانون الثاني) عند 4.4 في المائة.

مع ذلك، أثار انخفاض فرص العمل المتاحة في ديسمبر (كانون الأول) إلى أدنى مستوى لها منذ خمس سنوات، وارتفاع طلبات إعانة البطالة الأسبوعية الجديدة، التي أعلنتها وزارة العمل الأميركية يوم الخميس، قلق بعض المحللين من احتمال اختلال التوازن لصالح ضعف سوق العمل.

وكتب المحلل توماس رايان من «كابيتال إيكونوميكس»: «قد يثير الانخفاض المفاجئ والكبير في فرص العمل المتاحة قلق مسؤولي (الاحتياطي الفيدرالي)، ويشير إلى أنهم تسرعوا في حذف بنود من بيان السياسة النقدية الصادر الشهر الماضي، والتي كانت تؤكد ارتفاع مخاطر تراجع سوق العمل». ومع ذلك، ومع استمرار ارتفاع معدلات التوظيف وانخفاض التسريحات، لا يمكن استنتاج مزيد من التراجع في سوق العمل بنهاية العام الماضي بشكل قاطع.

أما بالنسبة لدالي، فتبدو الاستراتيجية المثلى هي التريث والانتظار.

وقالت: «علينا مراقبة جانبَي مهمتنا»، مشيرة إلى هدفَي «الاحتياطي الفيدرالي» المتمثلين في تحقيق أقصى قدر من التوظيف مع الحفاظ على التضخم عند مستوى منخفض. وأضافت: «يستحق الأميركيون استقرار الأسعار وتحقيق التوظيف الكامل، ولا يمكن اعتبار أي منهما أمراً مفروغاً منه».


ثقة المستهلك الأميركي تصل إلى أعلى مستوى في 6 أشهر مطلع فبراير

متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

ثقة المستهلك الأميركي تصل إلى أعلى مستوى في 6 أشهر مطلع فبراير

متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفعت ثقة المستهلك الأميركي إلى أعلى مستوى لها في ستة أشهر، مطلع فبراير (شباط) الحالي، رغم استمرار المخاوف بشأن سوق العمل وارتفاع تكاليف المعيشة نتيجة التضخم المرتبط بالرسوم الجمركية على الواردات.

ويُعزى التحسن الشهري الثالث على التوالي في ثقة المستهلك، الذي أعلنته جامعة ميشيغان في استطلاعاتها يوم الجمعة، في الغالب، إلى المستهلكين الذين يمتلكون أكبر مَحافظ استثمارية في الأسهم، مما يعكس ما يُعرَف بـ«اقتصاد على شكل حرف كيه»، حيث تستفيد الأُسر ذات الدخل المرتفع، بينما يواجه المستهلكون ذوو الدخل المنخفض صعوبات أكبر.

قال أورين كلاشكين، خبير اقتصادات الأسواق المالية بشركة «نيشن وايد»: «ربما شهدنا أدنى مستوى لثقة المستهلك، ومن المتوقع أن تدعم العوامل الأساسية الإيجابية التوجهات خلال عام 2026، ما دام الانخفاض الأخير في سوق الأسهم لا يستمر. ومع ذلك لا نتوقع انتعاشاً حاداً في ثقة المستهلكين».

وأعلنت جامعة ميشيغان أن مؤشر ثقة المستهلك ارتفع إلى 57.3، في هذا الشهر، وهو أعلى مستوى له منذ أغسطس (آب) الماضي، مقارنةً بـ56.4 في يناير (كانون الثاني)، في حين كان الاقتصاديون، الذين استطلعت «رويترز» آراءهم، يتوقعون انخفاض المؤشر إلى 55. ومع ذلك، لا يزال المؤشر أقل بنحو 20 في المائة من مستواه في يناير 2025. وقد أُجري الاستطلاع قبل موجة بيع الأسهم، هذا الأسبوع، التي جاءت مدفوعة بحذر المستثمرين تجاه الإنفاق الكبير لشركات التكنولوجيا على الذكاء الاصطناعي. وارتدّت الأسهم في «وول ستريت»، يوم الجمعة، واستقر الدولار مقابل سلة من العملات، وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية.

وقالت جوان هسو، مديرة استطلاعات المستهلكين: «ارتفعت ثقة المستهلكين الذين يمتلكون أكبر محافظ أسهم، بينما ظلّت ثابتة عند مستويات منخفضة بالنسبة للمستهلكين الذين لا يملكون أسهماً». ولا تزال المخاوف من تدهور الوضع المالي الشخصي نتيجة ارتفاع الأسعار وزيادة خطر فقدان الوظائف منتشرة على نطاق واسع.

وتحسنت معنويات المستهلكين المنتمين إلى الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بينما تراجعت بين المستقلين. يأتي هذا التحسن في المعنويات على النقيض من مؤشر ثقة المستهلك، الصادر عن مجلس المؤتمرات، الذي انخفض في يناير إلى أدنى مستوى له منذ مايو (أيار) 2014. ومع ذلك، أكّد كلا الاستطلاعين ازدياد حالة اللامبالاة تجاه سوق العمل.

وأفادت الحكومة، يوم الخميس، بأن فرص العمل المتاحة انخفضت إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من خمس سنوات في ديسمبر (كانون الأول)، مسجلة 0.87 وظيفة متاحة لكل عاطل عن العمل، مقارنة بـ0.89 في نوفمبر (تشرين الثاني).

وعلى الرغم من استمرار قلق المستهلكين بشأن ارتفاع الأسعار، لكنهم توقعوا اعتدال التضخم، خلال الأشهر الـ12 المقبلة. وانخفض مقياس الاستطلاع لتوقعات التضخم السنوي إلى 3.5 في المائة، من 4 في المائة خلال يناير، وهو أدنى مستوى له منذ 13 شهراً، مما يشير إلى اعتقاد بعض المستهلكين بأن أسوأ آثار الرسوم الجمركية على الأسعار قد ولّت. وفي المقابل، ارتفعت توقعات المستهلكين للتضخم على مدى خمس سنوات إلى 3.4 في المائة، من 3.3 في المائة الشهر الماضي.

وقال جون ريدينغ، كبير المستشارين الاقتصاديين في «بريان كابيتال»: «يركز ؛(الاحتياطي الفيدرالي) على التوقعات متوسطة الأجل، وقد ارتفعت هذه التوقعات، للشهر الثاني على التوالي. ومع ذلك، لن يغير ذلك أي قرار بشأن سعر الفائدة في مارس (آذار) المقبل، إذ سيتوقف مصير هذا الاجتماع على بيانات التوظيف لشهريْ يناير وفبراير».