إسرائيل تقتل أطفالاً عطشى في غزة... وتبرر: «خلل فني»

أكثر من 58 ألف قتيل في القطاع منذ بدء الحرب... ومفاوضات الهدنة عالقة

TT

إسرائيل تقتل أطفالاً عطشى في غزة... وتبرر: «خلل فني»

طفلة فلسطينية تبكي قرب طفل يتلقى العلاج من إصاباته في مستشفى العودة بالنصيرات وسط غزة الأحد (أ.ف.ب)
طفلة فلسطينية تبكي قرب طفل يتلقى العلاج من إصاباته في مستشفى العودة بالنصيرات وسط غزة الأحد (أ.ف.ب)

في الوقت الذي تجاوز فيه عدد ضحايا الحرب الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة أكثر من 58 ألف قتيل، قتلت غارة إسرائيلية، الأحد، ثمانية أشخاص على الأقل، أغلبهم من الأطفال، وأصابت أكثر من 12 في وسط القطاع عندما كانوا يستعدون لجلب المياه، في ضربة صاروخية زعم الجيش الإسرائيلي أنها وقعت نتيجة «خلل فني».

وقالت وزارة الصحة في غزة، الأحد، إن عدد من قتلتهم إسرائيل في القطاع منذ بدء حربها تخطى 58 ألفاً بعد مقتل 139 شخصاً حتى قرب نهاية نهار الأحد.

وأفاد «مستشفى العودة - النصيرات» في وقت سابق من الأحد، بوصول «8 شهداء؛ بينهم 6 أطفال، و16 إصابة، بينهم 7 أطفال، جراء استهداف الاحتلال الإسرائيلي نقطة توزيع مياه بمنطقة المخيم الجديد شمال غربي مخيم النصيرات».

«خلل فني»

بشأن استهداف نقطة توزيع المياه بمنطقة المخيم الجديد، وسط غزة، قال الجيش الإسرائيلي إن «الغارة القاتلة» كانت نتيجة «خلل فني» خلال استهداف أحد عناصر «حركة الجهاد الإسلامي» الفلسطينية.

مسعفون يعالجون رضيعاً فلسطينياً مصاباً في مستشفى العودة بالنصيرات وسط غزة الأحد (أ.ف.ب)

وأعلن الجيش أنه «في وقت سابق من (الأحد)، استهدفت غارة جوية عنصراً إرهابياً من (حركة الجهاد الإسلامي) وسط قطاع غزة. وبسبب عطل فني في الذخيرة، سقطت القذيفة على بُعد عشرات الأمتار من الهدف المقصود».

وأضاف: «الحادث قيد التحقيق. لدينا علم بتقارير عن سقوط ضحايا في المنطقة نتيجةً لذلك، وما زالت تفاصيل الحادث قيد المراجعة».

وبعد مقتل كثير من الأطفال في الغارة، أشار الجيش الإسرائيلي إلى أنه يبذل «كل جهد ممكن لتقليل الأذى الذي يلحق بالمدنيين غير المتورطين» في الصراع. وأعرب الجيش عن أسفه «لأي أذى لحق بالمدنيين».

وأفادت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، الأحد، بأن فرقها تواصل عملها لمساعدة أكثر الفئات ضعفاً في غزة.

وقالت «الأونروا»، في منشور على صفحتها بموقع «فيسبوك»، إن عيادتها في غزة شهدت زيادة في عدد حالات سوء التغذية منذ مارس (آذار) الماضي عندما بدأ الحصار الذي فرضته حكومة إسرائيل، وأضافت: «لم يسمح للأونروا بتقديم أي مساعدات إنسانية منذ ذلك الحين».

مفاوضات عالقة

سياسياً، بدت مفاوضات الهدنة عالقةً بين اتهامات إسرائيلية لحركة «حماس» برفض الصفقة، مقابل إلقاء الحركة مسؤولية تعثر المسار على حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ورفضها الالتزام بخرائط جغرافية واضحة لمناطق الانسحاب خلال التهدئة.

وقال نتنياهو إن «(حماس) تريد البقاء في غزة. يريدون منا المغادرة، حتى يتمكنوا من إعادة تسليح أنفسهم ومهاجمتنا مراراً وتكراراً. لن أقبل بهذا؛ سأبذل قصارى جهدي لإعادة رهائننا إلى ديارهم. سألتقي العائلات... أعرف ألمهم ومعاناتهم. أنا مصمم على إعادة الرهائن إلى ديارهم والقضاء على (حماس)».

وتناول رئيس الوزراء الإسرائيلي تقارير تحدثت عن رفض الحكومة الإسرائيلية الصفقة، وانتقد قنوات إخبارية عبرية نشرتها، قائلاً: «إنهم دائماً ما يرددون دعاية (حماس)، لكنهم دائماً مخطئون. لقد قبلنا بالصفقة؛ صفقة (المبعوث الأميركي) ستيف ويتكوف، ثم النسخة التي اقترحها الوسطاء. قبلناها، ورفضتها (حماس)»، حسب زعمه.

وسُئل نتنياهو عن استطلاعات الرأي التي تُظهر أن معظم الجمهور يؤيد الصفقة، فأجاب: «بالتأكيد أنا أيضاً أؤيد الاتفاق، لكنهم لا يخبرونك بالطرف الآخر. استطلاعات الرأي مُتلاعَب بها، ودائماً ما يُضلّلون الرأي العام. لا يسألون: هل تريدون اتفاق رهائن يُبقي (حماس) في مكانها؟ يسمح لهم بتكرار الاغتصاب والقتل والاختطاف والغزوات؟ لا، ليس هذا هو المقصود. فجأة، تنقلب الأرقام تماماً، كل شيء مُتلاعَب به».

فلسطيني يحمل جثمان ابن أخيه بعد استشهاده في غارة إسرائيلية على النصيرات وسط غزة يوم الأحد (أ.ف.ب)

واختتم نتنياهو حديثه قائلاً: «علينا أن نفعل الصواب، وأن نُصرّ على إطلاق سراح الرهائن، وأن نُصرّ على الهدف الآخر من حرب غزة، وهو القضاء على (حماس)، وضمان ألا تُشكّل غزة تهديداً لإسرائيل. هذا ما أفعله، ولن أتخلى عن أيٍّ من هذه المهام».

في سياق متصل، نقلت وسائل إعلام فلسطينية عن مسؤول كبير في «حماس» قوله إن مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة وصلت إلى «ساعات حرجة».

ساعات حاسمة

ووفقاً لموقع «تايمز أوف إسرائيل»، نقلت قناة «فلسطين اليوم»، التابعة لـ«حركة الجهاد الإسلامي» الفلسطينية، عن مسؤول كبير في «حماس» قوله إن مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة وصلت إلى مرحلة صعبة، وإن الساعات المقبلة حاسمة.

وأضاف المسؤول، الذي لم يُكشف عن اسمه، أن الوسطاء يعملون على دفع المحادثات قدماً، مؤكداً أنهم لا يزالون يواجهون تعنتاً إسرائيلياً.

وكان مصدران فلسطينيان مطلعان أفادا، مساء السبت، بأن مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة تواجه «تعثراً» نتيجة إصرار إسرائيل على تقديم خريطة للانسحاب، تبقي بموجبها نحو 40 في المائة من مساحة القطاع تحت سيطرتها العسكرية.

طفل فلسطيني خلال جنازة شقيقه الذي قتل في غارة إسرائيلية على النصيرات وسط غزة الأحد (أ.ف.ب)

وقال أحد المصدرين لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «مفاوضات الدوحة تواجه تعثراً وصعوبات معقدة نتيجة إصرار إسرائيل على خريطة للانسحاب قدمتها الجمعة، لإعادة انتشار وإعادة تموضع للجيش الإسرائيلي وليس انسحاباً، وتتضمن إبقاء القوات العسكرية على أكثر من 40 في المائة من مساحة قطاع غزة، وهو ما ترفضه (حماس)». وقال المصدر الثاني إن «إسرائيل تواصل سياسة المماطلة وتعطيل الاتفاق لمواصلة حرب الإبادة».

وتواصلت مفاوضات هدنة غزة في العاصمة القطرية الدوحة، وسط اتهامات من «حماس» لإسرائيل بعراقيل، وحديث أميركي - إسرائيلي متفائل عن انفراجة بالمحادثات، واتفاق «قريب» خلال «أيام قليلة».


مقالات ذات صلة

مستشفيات غزة ومنازلها تصارع لتشغيل المولدات مع اشتداد وطأة نقص الوقود

المشرق العربي الفلسطيني علاء الحوراني يعاني من تليف الكبد وانخفاض مستويات الأكسجين ويجد نفسه عاجزاً في بعض الأحيان عن تحمل كلفة الكهرباء في غزة (رويترز)

مستشفيات غزة ومنازلها تصارع لتشغيل المولدات مع اشتداد وطأة نقص الوقود

تتوالى نوبات انقطاع التيار الكهربائي في أحد أكبر المستشفيات العاملة بقطاع غزة، ويتصبب المرضى ​عرقا في أجنحة شديدة الحرارة بانتظار تلقي العلاج.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي تصاعد الدخان وألسنة اللهب من منزل جراء غارة إسرائيلية - نُفذت بعد أن حذر الجيش الإسرائيلي السكان وطلب منهم إخلاء المنطقة - في خان يونس بجنوب قطاع غزة (رويترز)

مقتل عائلة من 4 أشخاص بينهم طفلتان في قصف إسرائيلي بشمال غزة

قتل أربعة فلسطينيين من عائلة واحدة بينهم طفلتان (الخميس) في قصف إسرائيلي بشمال قطاع غزة، بحسب مستشفى في غرب مدينة غزة ومصدر أمني في القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي الدخان يتصاعد بعد استهداف منزل بغارة إسرائيلية في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

«تجويع صامت»... أكثر من 90 % من الغزيين عاجزون عن شراء الغذاء

على الرغم من أن إعلان وقف إطلاق النار الهش في غزة كان يتضمن السماح بدخول السلع الغذائية والمساعدات بشكل متواصل، تعجز غالبية أهالي القطاع عن شراء الغذاء.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي طفل فلسطيني يتابع مراسم جنازة الطفل سعدي غالية (7 سنوات) الذي قُتل بقذيفة دبابة إسرائيلية في وسط غزة الاثنين (رويترز)

تصعيد إسرائيلي في غزة... و«حماس» تنتقد صمت «مجلس السلام»

قُتل 6 فلسطينيين، منذ منتصف ليل الأحد - الاثنين، في سلسلة من الغارات الجوية والقصف المدفعي وإطلاق النار في مناطق متفرقة من قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
يوميات الشرق طاقم العمل خلال تصوير أحد مشاهد الفيلم (حساب المخرج بفيسبوك)

حسام أبو دان: «غزة 13» يروي أحلامنا التي قتلتها «حرب الإبادة»

قال المخرج الفلسطيني حسام أبو دان إن فيلمه الروائي الطويل الأول «غزة 13» هو أول فيلم روائي يتم تصويره في غزة بعد الحرب.

انتصار دردير (القاهرة)

لبنان يمنع بيع العقارات في مناطق يحتلها الجيش الإسرائيلي

الرئيس اللبناني جوزف عون (ریاست‌جمهوری لبنان)
الرئيس اللبناني جوزف عون (ریاست‌جمهوری لبنان)
TT

لبنان يمنع بيع العقارات في مناطق يحتلها الجيش الإسرائيلي

الرئيس اللبناني جوزف عون (ریاست‌جمهوری لبنان)
الرئيس اللبناني جوزف عون (ریاست‌جمهوری لبنان)

وافق مجلس الوزراء اللبناني، الخميس، على طلب وزارة المال منع التصرف والبيوعات العقارية في المناطق التي يحتلها الجيش الإسرائيلي.

وأقرّ مجلس الوزراء، خلال جلسة عُقدت اليوم معظم بنود جدول أعماله، وفق ما أعلنه وزير الإعلام بول مرقص.

وقال الرئيس اللبناني جوزف عون، في مستهلّ الجلسة: «لقد آن الأوان لكي تعود الدولة إلى الجنوب. هذه مسؤوليتنا جميعاً، وهذا واجبنا تجاه أهلنا؛ فالجنوب هو الجزء الأساس من لبنان، وعلى كل وزارة أن تقدم ما لديها لنؤكد وقوفنا إلى جانب أهلنا من دون أي تقصير».

جنود ينتظرون عند مدخل قرية زوطر الغربية جنوب لبنان مع انتشار الجيش اللبناني في المنطقة عقب انسحاب القوات الإسرائيلية 21 يوليو الماضي (رويترز)

وأعلن عون «وضع حجر الأساس اليوم لتوسيع مرفأ بيروت. وهذه بادرة خير للجميع، أسهم فيها وزير الأشغال العامة والنقل، ونأمل أن تتبعها خطوات إضافية في الإطار عينه».

وأضاف: «طلبنا منذ فترة من الوزارات كافة أن تضع مشاريع نرفعها إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، بعد أن وجدنا كل ترحيب من قِبل المسؤولين ورجال الأعمال الإماراتيين الذين أبدوا رغبة في الاستثمار في لبنان، وقد زارنا لهذه الغاية وفدان حتى الآن».

وأكد رئيس الحكومة نواف سلام، حسب ما نقل عنه وزير الإعلام بعد انتهاء الجلسة، أن هناك مواكبة مدنية حقيقية في جنوب لبنان إلى جانب وجود الجيش والقوى الأمنية وسيتم تفعيلها أكثر بعد الانتهاء من الإجراءات المطلوبة مع البنك الدولي، مشيراً إلى أنه في الأسابيع المقبلة ستظهر أكثر فأكثر ثمار الجهد المبذول في القرى الجنوبية، ولا سيما في المناطق التي سُميت تجريبية وفي محافظة النبطية جنوب لبنان، تحديداً.

وكانت جلسة مجلس الوزراء انعقدت بالتزامن مع اعتصام نفّذه المتعاقدون مع الجامعة اللبنانية للمطالبة بإقرار ملف التفرغ.


نشاط دبلوماسي سوري لهندسة التحول إلى نقطة «استقرار إقليمي»

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع نظيره التركي هاكان فيدان في العاصمة أنقرة الثلاثاء (الخارجية السورية)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع نظيره التركي هاكان فيدان في العاصمة أنقرة الثلاثاء (الخارجية السورية)
TT

نشاط دبلوماسي سوري لهندسة التحول إلى نقطة «استقرار إقليمي»

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع نظيره التركي هاكان فيدان في العاصمة أنقرة الثلاثاء (الخارجية السورية)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع نظيره التركي هاكان فيدان في العاصمة أنقرة الثلاثاء (الخارجية السورية)

بعد زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لأنقرة وعقد اجتماعين منفصلين مع نظيره التركي هاكان فيدان، والمبعوث الأميركي توم براك مساء الثلاثاء، استقبل الشيباني في دمشق، الأربعاء، نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، وقالت الخارجية السورية إن اللقاء بحث العلاقات الثنائية بين البلدين وتعزيز التعاون في كل المجالات، وتطورات الأوضاع في جنوب سوريا ومسار تنفيذ خريطة الطريق الثلاثية، بين سوريا والمملكة الأردنية والولايات المتحدة الأميركية بما يخص محافظة السويداء.

ويتمحور الحراك الدبلوماسي السوري حول تعزيز الاستقرار في سوريا والمنطقة، وتجنب الانخراط في ساحات الصراعات الإقليمية، والتحول إلى عنصر استقرار إقليمي، وتفعيل موقعها بصفتها بديلاً جيوسياسياً وممراً آمناً للتجارة مع اضطراب خطوط الملاحة البحرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب جراء التصعيد في اليمن، حسب مصادر في دمشق قالت لـ«الشرق الأوسط» إن الدبلوماسية السورية تنخرط في هندسة دور سوريا الجديدة القائم على سياسة «الحياد الإيجابي»، وتتركز أولوياتها على ملفات رئيسية عدة، أبرزها ملف ضبط الحدود المرتبط بالتعاون مع دول الجوار (العراق ـ تركيا ـ لبنان ـ الأردن).

التقى الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني في دمشق نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين الأردني أيمن الصفدي (الخارجية السورية)

وتسعى دمشق إلى الحصول على مزيد من الدعم الدولي، لا سيما الأميركي لمنع استخدام الأراضي السورية ممرات إمداد وتهريب السلاح و المخدرات. أما الملف الثاني، وهو الأكثر أهمية، نشر الاستقرار في الجنوب السوري والتوصل عبر الوساطة الأميركية إلى «صيغة تفاهم مع إسرائيل لوقف الاعتداءات والتوغلات والعودة إلى خط فض الاشتباك لعام 1974»، والدفع نحو حل ملف السويداء كجزء من بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي السورية وتكريس الاستقرار.

ويعد الحراك الديبلوماسي السوري الحثيث استمراراً للنشاط المكثف الذي يقوده وزير الخارجية أسعد الشيباني منذ «لحظة الانتصار، حسب المستشار في الرئاسة السورية أحمد موفق زيدان لـ«الشرق الأوسط»، مضيفاً، أن هذا «النشاط بكل تأكيد يحدث في ظل أوضاع إقليمية ملتهبة كما هو ملاحظ».

وتابع، أن «ما تريده دمشق هو أن تكون عموداً من أعمدة الاستقرار والسلام الداخلي والإقليمي والدولي، ولا أدلّ على ذلك من اقتلاعها عمود محور الاضطراب وزعزعة الاستقرار الذي كان النظام البائد المجرم يشكله لعقود».

وأكد زيدان على أن دمشق اليوم هي «عنوان السلام والاستقرار، وتقف مع جوارها العربي، وسندها الخليجي، من أجل تعزيز الاستقرار والسلم»، ورأى أن اقتلاع سوريا لحكم الميليشيات التي كانت تتحكم فيها، سيكون «مقدمة لنهاية عصر الميليشيات في المنطقة التي جلبت على المنطقة المآسي والمصائب»، معبّراً عن الأمل بالتمكن من خلال هذا «التحرك المتواصل مع محيطنا العربي والإسلامي أن نعظم الاستقرار، ونقزم الفوضى».

وكان المبعوث الرئاسي الأميركي توم برّاك قد أشاد بوزير الخارجية السوري عقب لقاء امتد حتى ساعة متأخرة من ليل الثلاثاء- الأربعاء في أنقرة، ووصفه بأنه شريك «دؤوب، ذو رؤية ثاقبة، وجاد في خفض حدة التوتر».

وأضاف براك في منشور عبر منصة «إكس»، أن «الدبلوماسية ليست مسرحية، بل هي التوفيق بمواءمة صبورة بين المصالح قبل أن تنقلب الأحداث وتتجه في اتجاه معاكس ضد الجميع». معرباً عن امتنانه الكبير لشفافية وصراحة الحوار مع الوزير السوري، مؤكداً أن الشيباني يدرك جيداً أن «ضبط النفس والحوار يمثلان أيضاً شكلين من أشكال القوة».

وكان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني قد أجرى مباحثات مع نظيره التركي هاكان فيدان في أنقرة، دون الإفصاح رسمياً عن مضمون المحادثات التي جاء بعد نحو شهر على زيارة مماثلة في 6 أغسطس (آب) الماضي، وبحثا التعاون الثنائي والتطورات الأمنية والسياسية في سورية والمنطقة وتم الاتفاق على إنشاء مجلس تنسيق أعلى بين سورية وتركيا، وتسريع تفعيل لجنة البحار الأربعة، والدفع لإنجاز مشروع الربط السككي، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية السورية.


واشنطن تسعى لتحييد الطائفة الشيعية في لبنان عن «حزب الله»

نعوش 12 شخصاً بينهم مقاتلان في «حزب الله» وأطفال قتلوا خلال غارة إسرائيلية استهدفت بلدة كفر رمان بجنوب لبنان الاثنين (إ.ب.أ)
نعوش 12 شخصاً بينهم مقاتلان في «حزب الله» وأطفال قتلوا خلال غارة إسرائيلية استهدفت بلدة كفر رمان بجنوب لبنان الاثنين (إ.ب.أ)
TT

واشنطن تسعى لتحييد الطائفة الشيعية في لبنان عن «حزب الله»

نعوش 12 شخصاً بينهم مقاتلان في «حزب الله» وأطفال قتلوا خلال غارة إسرائيلية استهدفت بلدة كفر رمان بجنوب لبنان الاثنين (إ.ب.أ)
نعوش 12 شخصاً بينهم مقاتلان في «حزب الله» وأطفال قتلوا خلال غارة إسرائيلية استهدفت بلدة كفر رمان بجنوب لبنان الاثنين (إ.ب.أ)

تسعى الولايات المتحدة الأميركية لتحييد الطائفة الشيعية في لبنان عن «حزب الله»، وهو مسار بات أكثر وضوحاً، هذا الأسبوع، من خلال زيارة قام بها السفير الأميركي لدى بيروت ميشال عيسى إلى «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى»، تلاها بيان صادر عن السفارة أكدت فيه أن جنوب لبنان «لا ينتمي إلى جهات إقليمية أو ميليشيات».

وبدت حركة السفير عيسى تجاه الطائفة الشيعية، سواء باتجاه المؤسسة الدينية أم لجهة مخاطبة سكان الجنوب (تسكنه أغلبية شيعية)، لافتة في هذا التوقيت، خصوصاً بعد قطيعة اقتصرت، في وقت سابق، على محادثات ولقاءات مع رئيس البرلمان نبيه بري.

تغيير الانطباع السابق

وتقول مصادر مواكِبة لهذه الحركة الأميركية إن مثار الاهتمام بها «ينطلق من أن هناك اتهامات سابقة لواشنطن بمعاداة الطائفة الشيعية»؛ في إشارة إلى تصريحات وتسريبات صادرة عن «حزب الله» ومقرَّبين منه تتهم واشنطن بالانحياز ضد الطائفة، مضيفة، في تصريحات، لـ«الشرق الأوسط»، أن الانطباع السابق «يحاول السفير عيسى تغييره، إذ يستدرك بحركته الأخيرة مسارات التواصل، ويحاول أن يغير الصورة عن واشنطن لتأكيد أنه لا مشكلة مع الطائفة، بل المشكلة مع فئة فيها هي (حزب الله)، وهو ما تُكرسه اللقاءات والصور الأخيرة».

رجال دين شيعة يؤدون صلاة الجنازة على نعوش 12 شخصاً قُتلوا خلال غارة إسرائيلية استهدفت بلدة كفر رمان بجنوب لبنان الاثنين الماضي (أ.ب)

ويتصدر ملف نزع سلاح «حزب الله» اهتمامات واشنطن في لبنان، إذ تعدّ أن نزع السلاح «هو العنوان الأول الذي تبدأ على أساسه أي ترتيبات أخرى»، وفق ما تقول مصادر دبلوماسية مواكبة للحركة الأميركية، وهو ما يدفعها لتأكيد أن المشكلة مع «حزب الله» وليس مع الطائفة، وأنها تفصل بين الطرفين، وتحاول تحييد الطائفة عن «الحزب».

مخاطبة السكان مباشرة

وفتح السفير عيسى مساراً جديداً عبر مخاطبة الشيعة وسكان الجنوب بشكل مباشر. فقد أكدت السفارة الأميركية في بيروت، في بيان نشرته الخميس، أن «الشعب اللبناني يُبدي يومياً تفضيله لمؤسسات الدولة اللبنانية على سلاح (حزب الله)»، مشيرةً إلى أن جنوب لبنان «لا ينتمي إلى جهات إقليمية أو ميليشيات».

وقالت السفارة إن الولايات المتحدة تُشيد بهذه المجتمعات، وتدعم الحكومة اللبنانية في هدفها المعلَن المتمثل في فرض السيادة، التي يتولى الجيش اللبناني إنفاذها، وضمان أن تبقى قرارات الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية حصراً.

مسار ثالث

ويُعد هذا البيان المسار الثالث بين واشنطن والطائفة الشيعية في لبنان. ولطالما كان الرئيس بري قناة الاتصال شبه الوحيدة مع الجانب الأميركي، ويعود ذلك أولاً إلى موقعه الرسمي في لبنان رئيساً لمجلس النواب ورئيس «حركة أمل»، إضافة إلى أنه المفوَّض من قِبل «الحزب» بالتفاوض خلال الحرب، وقناة التواصل الرسمية بين «الحزب» والدولة اللبنانية في ظل القطيعة بين الرئيس جوزيف عون و«الحزب» منذ مارس (آذار) الماضي.

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري مستقبِلاً السفير عيسى والجنرال كليرفيلد (الوكالة الوطنية للإعلام)

أما الآن، فقد توسعت المسارات، رغم أن الخطاب الأميركي هو نفسه، وتكرر الموقف، سواء في البيان، وما سبقه على منبر «المجلس الشيعي»، وخلال لقاء السفير عيسى مع نائب رئيس المجلس الشيعي الشيخ علي خطيب.

وقالت مصادر مواكِبة للقاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن السفير لم يطرح مبادرة، بل جُلّ ما طرحه هو تأكيد «أنه على (حزب الله) تسليم سلاحه، مما يتيح فتح الطريق أمام الحلول والمعالجات للأزمة، ولتأمين انسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية».

موقف شيعي موحد

وأشارت المصادر إلى رد الشيخ الخطيب، وكان الطلب من الجانب الأميركي القيام بمبادرة أو بخطوة لدفع الجيش الإسرائيلي للانسحاب من جنوب لبنان، ولو من منطقة أو قضاء (في الجنوب)، مما يثبت أن واشنطن عادلة وجِدية في تأمين الحلول. كما تحدَّث الخطيب، وفق المصادر، عن أن «المقاومة هي نتيجة احتلال، وليست سبباً، والمقاومة كانت قبل (حزب الله)».

نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب يستقبل السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى (الوكالة الوطنية)

ولم تنفِ المصادر أن الزيارة تبعث رسالة بأن هناك محاولة أميركية لتحييد الطائفة عن «حزب الله»، وذلك على أثر تأكيد السفير عيسى أن واشنطن «تكنّ كل الاحترام وكل المحبة للطائفة الشيعية، ولا تُصنفها طائفة إرهابية، بل تُصنف (الحزب) فقط». وأضافت المصادر أن الشيخ الخطيب «أكد أن الموقف الشيعي موحد، سواء في (حزب الله) أم (حركة أمل) أم (المجلس الشيعي)، ومن الصعوبة تحييد فئة أو عزلها لأنه موقف الطائفة بكل مكوناتها»، مشيرة إلى أن البيئة الشيعية بجميع انتماءاتها «تسأل عن الضمانات والتطمينات الأميركية، في حال نزع السلاح دون انسحاب إسرائيلي من الجنوب»، لافتة إلى أنه «لا ضمانات حتى الآن».

وأشارت المصادر إلى أن الخطيب «أكد لعيسى أن الشيعة يريدون الدولة، ويدفعون باتجاه دولة تحميهم وترعى شؤونهم، وهو موقف جامع لدى جميع المكونات».

وتتوسط واشنطن في المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، وينتظر لبنان تحديد موعد للجلسة الثامنة التي يُفترض أن تُعقد هذا الشهر في روما، في وقت تُواصل إسرائيل فيه قصف لبنان وتنفيذ الاعتداءات، مما يقوّض قدرة الجيش على الانتشار، وتأمين عودة السكان حتى إلى المناطق النموذجية.

كان رئيس البرلمان نبيه بري قد قال، في تصريح سابق آخر، الأسبوع الماضي، إن «إسرائيل ماضية في تحويل الجنوب وأهله وممتلكاتهم إلى صندوق اقتراع بالدم في سباق الانتخابات المقبلة في معركة يتنافس فيها الجميع حول مَن يقتل ومَن يدمّر أكثر».