«وثيقة عهد» لأبناء الجولان المحتل تشدد على «السلام مقابل الأرض»

انطلاق حراك مدني وسياسي بعد سقوط الأسد وفي ظل مفاوضات محتملة مع الجانب الإسرائيلي

الرئيس الشرع يجتمع مع وجهاء محافظة القنيطرة والجولان وأعيانهما في 25 يونيو (سانا)
الرئيس الشرع يجتمع مع وجهاء محافظة القنيطرة والجولان وأعيانهما في 25 يونيو (سانا)
TT

«وثيقة عهد» لأبناء الجولان المحتل تشدد على «السلام مقابل الأرض»

الرئيس الشرع يجتمع مع وجهاء محافظة القنيطرة والجولان وأعيانهما في 25 يونيو (سانا)
الرئيس الشرع يجتمع مع وجهاء محافظة القنيطرة والجولان وأعيانهما في 25 يونيو (سانا)

فتح التغيير السياسي داخل سوريا مع سقوط نظام الأسد وتسلم إدارة جديدة بقيادة أحمد الشرع، الباب واسعاً أمام أبناء الجولان السوري المحتل من قِبل إسرائيل منذ عقود، للقيام بحراك مدني مجتمعي علني تطور لاحقاً إلى حراك سياسي، مع توارد الأنباء عن أن الفترة القادمة ستشهد اتفاق سلام بين دمشق وتل أبيب.

وطوال حكم آل الأسد الذي امتد من عام 1970 حتى الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024، كان محظوراً على أبناء الهضبة الذين نزح أغلبيتهم الساحقة إلى المحافظات السورية إثر حرب يونيو (حزيران) 1967، النشاطات المدنية والسياسية، وقد عانوا التهميش الخدمي والسياسي. لكن الأشهر الثمانية الأخيرة من سوريا الجديدة، شهدت ولادة تجمعات وملتقيات تضم الآلاف من أبناء الهضبة المحتلة.

وأثمر الحراك الحالي تشكيل «التجمع المدني لأبناء الجولان»، أعلن عنه بعد أسابيع من إطاحة نظام بشار الأسد، ويضم أكثر من 700 عضو، مستغلين مناخ الحرية الذي ساد في ظل الدولة الجديدة.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، لفت رئيس اللجنة التنفيذية في التجمع، أحمد رويان، إلى أنه في ظل حساسية المرحلة، حيث يجرى الحديث عن أن سوريا وإسرائيل مقبلتان على مفاوضات وتفاهمات بشأن الجولان، «رأينا أنه من الضروري رفع صوتنا والمطالبة بحقوق أبناء الجولان المشروعة في استعادة أرضهم المحتلة، وحقوقهم أيضاً بصفتنا نازحين في المحافظات السورية».

تجدر الإشارة إلى أن التجمع يضم مجموعة من النخب والكفاءات من أبناء الجولان من مختلف المكونات، عرب، شركس، تركمان، مسلمين مسيحيين، دروز. ويقول رويان إنه لا إحصاءات رسمية لعدد أبناء الجولان حالياً، ولكن إحصاءات غير رسمية تقدر عددهم بمليون و600 ألف نسمة، «بينما تقديراتنا هي مليون و250 ألف نسمة»، بحسب الرويان.

وثيقة «العهد الوطني» التي أصدرها مؤخراً «التجمع المدني لأبناء الجولان»

وإذ أوضح رويان، أن هناك «تواصلاً مستمراً مع الحكومة السورية»، أكد أن التجمع «بصدد استكمال أوراق ترخيصه بشكلٍ رسمي».

بدوره، أوضح عضو المكتب الإداري في التجمع، إبراهيم الثلجي، أن مهمة التجمع في بداية تأسيسه كانت في نقل هموم الناس ومشاكلهم إلى الحكومة، ولكن عندما بات الحديث يدور عن مرحلة مقبلة ستشهد مفاوضات بين سوريا وإسرائيل، اضطررنا إلى إصدار «وثيقة عهد» لأبناء الجولان، تشدد على استعادة أراضيهم وفق قرارات الشرعية الأممية.

واستبعد الثلجي، تسلح أعضاء الملتقى ضد إسرائيل في حال تعنتها بإعادة الهضبة، وقال: «إن قرار الحرب والسلم بيد الدولة... وإذا قدمت الدولة تنازلت خارج ميثاق العهد، فإننا سنرسل لها رسالة بأننا أصحاب الأرض، وهي أرض سورية محتلة ولا يحق لأحد التفريط بشبر واحد منها». وختم بالقول: «تجمعنا مع مبدأ (السلام مقابل الأرض، وليس السلام مقابل السلام)».

ملتقى «الجولان» في دمشق

وينهمك حالياً أكثر من ألف عضو من أبناء الزّويّة في مشاورات عبر تطبيق «واتساب» لعقد «ملتقى لأبناء المنطقة في الجولان المحتل» في دمشق، وقد حدد يوم 31 يوليو (تموز) الحالي موعداً لعقده.

الطبيب محمود الرهبان، وهو من أبناء قرية سكوفيا، وأحد أبرز الناشطين في المشاورات، أوضح أن الفكرة قديمة، ولكن منع ظهورها سابقاً، «المخاوف الأمنية والمراقبة الشديدة التي فرضها النظام المخلوع الذي اتخذ من قضية الجولان وسيلة للمتاجرة والابتزاز المحلي والدولي».

مداخلة مواطنة سورية من الجولان المحتل أثناء لقاء الوفد مع الرئيس السوري أحمد الشرع يونيو الماضي (سانا)

وأضاف الرهبان لـ«الشرق الأوسط»: «تجددت الفكرة بعد التحرير وانفتاح أفق الحرية، وقد سرّعنا خطانا للمّ شمل أهل الزّويّة والجولان عموماً لتشكيل قوة ضغط تضيء على مظلومية أهل الجولان». وأوضح: «سنحاول أن نجعل من الملتقى هيئة عامة ينبثق عنها مجلس إدارة يتفرع عنه لجان مختلفة تعمل على تمثيل أهل الناحية وتقديم الخدمات لهم في مختلف المجالات».

مجموعة خاصة باسم «الجولان السوري المحتل» على موقع «فيسبوك»

وقال: «الأعضاء المشاركون في النقاشات هم من قرى الناحية كافة، وفيهم كفاءات من مختلف الاختصاصات، وقد تحولت النقاشات منبراً ثقافياً وإعلامياً يتم فيه تقديم الطروحات ومناقشتها بمستوى عالٍ من الإحساس بالمسؤولية»، مؤكداً أن الملتقى مفتوح لكل مواطن سوري من أهالي الناحية بغض النظر عن أي اعتبار لعرق أو دين أو طائفة، وفيه من كل المكونات.

وذكر أنه لم يتم حتى الآن التواصل بشكل رسمي مع أي جهة حكومية «فنحن ما زلنا في مرحلة النقاش، وصولاً إلى الخروج بوثيقة خلال الاجتماع الموسع، سنحولها دستوراً ناظماً لعمل الملتقى واللجان التي ستنبثق عنه والتي سيكون مهمة إحداها التواصل والتنسيق مع الجهات الحكومية».

الرهبان أكد أن «توجهنا الرئيسي بعد عقد الملتقى هو نحو المكونات الأخرى من أهالي الجولان، كي نشكل ملتقى أوسع يشمل جميع أهالي الهضبة، ويعمل على إبقاء قضية الجولان حية والعمل أيضاً على رفع الظلم والإهمال عن أبنائه». وذكر أن البند الأساسي في البيان الذي سيصدر عن الملتقى، هو ألا تنازل عن شبر واحد من أراضي الجولان، وأن الأهالي يقدمون الدعم الكامل للقيادة الجديدة في أي مفاوضات تفضي لعودة الحقوق واستعادة الأرض.

من لقاءات التشاور في «التجمع المدني لأبناء الجولان» (الشرق الأوسط)

ومن نتائج الحراك الذي بدأه أبناء الجولان، تشكيل «ملتقى الجولان للبناء والتنمية» الذي أسسه مدير منصة «النهار» الإخبارية، معمر فيصل نهار، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن التأسيس تم بعد التحرير بأيام وقد بدأنا بإجراءات إصدار ترخيص رسمي للملتقى من الحكومة.

ويضم الملتقى في الهيئة التأسيسية جميع المكونات السورية من أصحاب الكفاءات والسمعة الجيدة، وفق نهار، الذي أوضح: «نتواصل الآن مع عدد من الجمعيات والمنظمات الدولية والمحلية لدعم العمل التنموي في تجمعات أبناء الجولان ونطمح للتواصل مع جهات سياسية دولية تدعم قضيتنا وتعترف بالقرارات الدولية».

الجولان المحتل في سطور

- تقع هضبة الجولان جنوب غربي سوريا، وتقدَّر مساحتها بـ1860 كيلومتراً مربعاً. واحتلت إسرائيل في حربي عام 1967 و1973 معظم مساحة الهضبة؛ ما أدى إلى نزوح جماعي لأكثر من 130 ألف سوري باتجاه المحافظات السورية، وقد بلغ عددهم مع أواخر القرن العشرين نحو نصف مليون نسمة.

- لا توجد إحصاءات رسمية لعدد أبناء الجولان حالياً، ولكن إحصاءات غير رسمية تقدر عددهم بمليون و600 ألف نسمة، بمن فيهم من نزح عام 1967.

- تضم هضبة الجولان المحتلة، ست نواحٍ، هي: القنيطرة، خان أرنبة، الخشنية، مسعدة، البطيحة، فيق، الزّويّة. وكل ناحية تتبع لها عشرات القرى.

- عدد قرى الجولان قبل الاحتلال 164 قرية و146 مزرعة. ويشكل العرب السنة الأغلبية العظمى من سكان الهضبة، حيث كانت نسبتهم 95 في المائة من مجموع السكان، بحسب رئيس اللجنة التنفيذية في التجمع، أحمد رويان.

- توجد أقلية من طائفة المسلمين الموحدين الدروز تقطن في القسم الشمالي من الجولان، إضافة إلى أقلية علوية كانت تقطن في القسم الشمالي، وأقلية مسيحية كانت تقطن في مدينة القنيطرة. كما توجد أقلية من القومية الشركسية، كانت تقطن في مدينة القنيطرة، إضافة إلى أقلية تركمانية كانت تقطن في الجزء الأوسط من الجولان.

- لا يزال أتباع الطائفة الدرزية في قراهم حتى اليوم، إذ لم يتم إخراجهم منها بعد احتلال الهضبة، ويبلغ عددهم حالياً بحسب الأرقام المتداولة نحو 20 ألف نسمة يقطنون في أربع قرى هي: مجدل شمس، بقعاثا، مسعدة، عين قنية.

- كان أتباع الطائفة العلوية يقطنون في ثلاث قرى، هي: عين فيت، زعورة، الغجر، وبينما نزح سكان عين فيت وزعورة، بقي سكان قرية الغجر فيها بعد الاحتلال.


مقالات ذات صلة

«قسد» تسحب مقاتليها من الأشرفية والشيخ مقصود في حلب

المشرق العربي حافلة تقلّ عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» تغادر حي الشيخ مقصود في حلب (إ.ب.أ)

«قسد» تسحب مقاتليها من الأشرفية والشيخ مقصود في حلب

ذكر التلفزيون السوري، مساء أمس (السبت)، أن حافلات دخلت حي الشيخ مقصود بمدينة حلب؛ لإخراج مَن تبقَّى من عناصر «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي مقاتلات تابعة للجيش الأميركي (رويترز) play-circle

الجيش الأميركي يشن ضربات واسعة ضد أهداف لـ«داعش» في سوريا

أكدت القيادة المركزية الأميركية، السبت، شن ضربات واسعة النطاق ضد أهداف لتنظيم «داعش» في سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عربات لقوات الأمن والجيش السوري في حلب (رويترز)

سوريا: انقطاع المياه عن مدينة حلب بعد إيقاف «قسد» ضخ مياه الفرات

قُطعت المياه عن مدينة حلب مساء (السبت) بعد إيقاف «قوات سوريا الديمقراطية» ضخ مياه نهر الفرات شرق حلب، مما يهدد ملايين الناس في مدينة حلب وريفها بالعطش.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
خاص مواطنون ينتظرون إجلاءهم من حي الشيخ مقصود في حلب (رويترز)

خاص ماذا بعد حلب؟ فرصة للدبلوماسية ومفاوضات «تحت الضغط»

تتجه الأنظار الآن إلى نوع العلاقة التي ستنشأ بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يهيمن عليها الأكراد في شمال شرقي البلاد.

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي المبعوث الأميركي لسوريا توماس برّاك يتوسط الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في دمشق (حساب براك عبر منصة «إكس») play-circle

المبعوث الأميركي لسوريا: التطورات الأخيرة في حلب تثير «قلقاً بالغاً»

قال توماس برّاك، المبعوث الأميركي لسوريا، إن التطورات الأخيرة في حلب تثير «قلقاً بالغاً»، وتبدو كأنها تخالف بنود الاتفاق بين السلطة و«قسد».

«الشرق الأوسط» (دمشق)

قتلى في قصف إسرائيلي استهدف شرق مدينة غزة

فلسطينيون يُصلُّون على جثامين ذويهم ضحايا الغارات الإسرائيلية على خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
فلسطينيون يُصلُّون على جثامين ذويهم ضحايا الغارات الإسرائيلية على خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

قتلى في قصف إسرائيلي استهدف شرق مدينة غزة

فلسطينيون يُصلُّون على جثامين ذويهم ضحايا الغارات الإسرائيلية على خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
فلسطينيون يُصلُّون على جثامين ذويهم ضحايا الغارات الإسرائيلية على خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

قُتل عدد من الفلسطينيين، اليوم (الأحد)، في قصف إسرائيلي استهدف حي الزيتون بشرق مدينة غزة.

ووفق «المركز الفلسطيني للإعلام»، «نفَّذ جيش الاحتلال عمليات نسف واسعة لمبانٍ سكنية في منطقة أبو زيتون بمخيم جباليا في شمال غزة، ضمن حملاته المتواصلة لتدمير البنى السكنية».

وأشار المركز إلى أن «التفجير أدى إلى دمار كبير في المباني المستهدفة، مُخلِّفاً أضراراً مادية جسيمة، ومثيراً حالة من الذعر في صفوف السكان والنازحين، في ظل استمرار الانفجارات والأعمال العسكرية في المنطقة»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

كما فجّر الجيش الإسرائيلي عربات مفخخة في محيط دوار الشيخ زايد شمال القطاع؛ ما تسبب بدوي انفجارات عنيفة ومتواصلة سُمعت في مختلف أنحاء غزة.

وأفاد «المركز الفلسطيني للإعلام» بتضرر مئات الخيام؛ بسبب الأمطار الغزيرة والرياح العاتية، التي اقتلعت خيام النازحين في مدينة خان يونس، إلى جانب أضرار مماثلة في مناطق متفرقة من القطاع.

وفي الضفة الغربية، قُتل فلسطيني، الأحد، متأثراً بإصابته برصاص القوات الإسرائيلية، مساء أمس (السبت)، في مدينة الخليل بجنوب الضفة.

وأفادت وزارة الصحة الفلسطينية، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية (وفا)، بأنَّ الهيئة العامة للشؤون المدنية أبلغتها بـ«استشهاد مواطن (58 عاماً) برصاص الاحتلال في مدينة الخليل ليلة أمس، واحتجاز جثمانه».

وأشارت الوكالة إلى أن «قوات الاحتلال أطلقت النار، مساء أمس، صوب مركبة في منطقة خلة حاضور، شرق الخليل؛ ما أدى لإصابة مواطن حيث قامت باعتقاله، دون أن تسمح لمركبات الإسعاف والمواطنين بالوصول إليه».


بنغلاديش تسعى للانضمام إلى «قوة الاستقرار» في غزة

فلسطينيون يمشون بين المباني المدمرة بفعل الغارات الإسرائيلية في مدينة غزة نوفمبر الماضي (رويترز)
فلسطينيون يمشون بين المباني المدمرة بفعل الغارات الإسرائيلية في مدينة غزة نوفمبر الماضي (رويترز)
TT

بنغلاديش تسعى للانضمام إلى «قوة الاستقرار» في غزة

فلسطينيون يمشون بين المباني المدمرة بفعل الغارات الإسرائيلية في مدينة غزة نوفمبر الماضي (رويترز)
فلسطينيون يمشون بين المباني المدمرة بفعل الغارات الإسرائيلية في مدينة غزة نوفمبر الماضي (رويترز)

قالت بنغلاديش، أمس (السبت)، إنها أبلغت الولايات المتحدة برغبتها في الانضمام إلى قوة تحقيق الاستقرار الدولية المقرر نشرها في قطاع غزة. وأضافت أن مستشارها للأمن القومي، خليل الرحمن، التقى اثنين من الدبلوماسيين الأميركيين هما أليسون هوكر، وبول كابور في واشنطن. وجاء في بيان صادر عن حكومة بنغلاديش، نقلته وكالة «رويترز» للأنباء، أن مستشارها للأمن القومي «عبّر عن اهتمام بنغلاديش من حيث المبدأ بأن تكون ضمن قوة تحقيق الاستقرار الدولية التي سيتم نشرها في غزة».

ولم يذكر البيان مدى أو طبيعة مشاركتها المقترحة. ولم يصدر أي تعليق بعد من وزارة الخارجية الأميركية. وأصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قراراً في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) يفوِّض ما يُسمى «مجلس السلام»، والدول التي تعمل معه بإنشاء قوة دولية مؤقتة لتحقيق الاستقرار في غزة، حيث بدأ وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول).

ولم تتقدم عملية وقف إطلاق النار إلى ما بعد مرحلتها الأولى، ولم يتم إحراز تقدم يذكر في الخطوات التالية. وتفيد الأنباء بمقتل أكثر من 400 فلسطيني و3 جنود إسرائيليين منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. ولا تزال هناك خلافات حادة بين إسرائيل وحركة «حماس» بشأن الخطوات الأكثر صعوبة ضمن المرحلة التالية من وقف إطلاق النار، وتتبادلان الاتهامات بارتكاب انتهاكات. وأدى الهجوم العسكري الإسرائيلي على غزة منذ أواخر عام 2023 إلى مقتل عشرات الآلاف، وتسبب في أزمة جوع وتشريد جميع سكان غزة. ويقول عدد من خبراء حقوق الإنسان والباحثين وتحقيق للأمم المتحدة إن الهجوم الإسرائيلي يرقى إلى مستوى «الإبادة الجماعية».


محمد مهدي شمس الدين: إيران ليست مرجعاً سياسياً ولا دينياً للشيعة في العالم

عقد الإمام موسى الصدر مؤتمراً صحفياً، ألقى خلاله كلمته متوسطاً الشيخ محمد مهدي شمس الدين، النائب حسين الحسيني، نقيب الصحافة رياض طه (مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات)
عقد الإمام موسى الصدر مؤتمراً صحفياً، ألقى خلاله كلمته متوسطاً الشيخ محمد مهدي شمس الدين، النائب حسين الحسيني، نقيب الصحافة رياض طه (مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات)
TT

محمد مهدي شمس الدين: إيران ليست مرجعاً سياسياً ولا دينياً للشيعة في العالم

عقد الإمام موسى الصدر مؤتمراً صحفياً، ألقى خلاله كلمته متوسطاً الشيخ محمد مهدي شمس الدين، النائب حسين الحسيني، نقيب الصحافة رياض طه (مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات)
عقد الإمام موسى الصدر مؤتمراً صحفياً، ألقى خلاله كلمته متوسطاً الشيخ محمد مهدي شمس الدين، النائب حسين الحسيني، نقيب الصحافة رياض طه (مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات)

تنشر «الشرق الأوسط» حلقة ثانية من نص مطول هو عبارة عن حوار بين رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان، الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين، وأعضاء قريبين من بيئة «حزب الله»، عام 1997. وللنص أهمية بالغة كونه يتناول وضع الشيعة في بلدانهم وضرورة اندماجهم فيها، عوض أن يكونوا جزءاً من مشروع تابع لإيران. ومن المقرر أن ينشر إبراهيم محمد مهدي شمس الدين، نجل الشيخ الراحل، نص الحوار في كتاب يحمل عنوان: «الشيعة اللبنانيون والشيعة العرب - العلاقة مع الغير والعلاقة مع الذات». وتنشر «الشرق الأوسط» النص بمناسبة ذكرى مرور 25 سنة على وفاة رجل الدين الشيعي اللبناني التي تصادف يوم السبت، 10 يناير (كانون الثاني).

انجحروا في جحوركم، حاربوا كل العالم

يتابع الشيخ محمد مهدي شمس الدين، في رده على سؤال من أحد الحاضرين (عن فساد الأنظمة وفساد الجماعات الإسلامية):

«أنا أرثي لهؤلاء الأشخاص والجماعات الذين يفكرون هكذا (ويفسدون الناس والإيمان). أنا عندما أعيش حالة أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأن الإسلام استوعب المنافقين... المنافقون هم عندي مسلمون، حسب فقهي هم مسلمون في الاعتقاد. غاية الأمر أن المشروع السياسي للإسلام لم يعتنقوه... وإلا فإنَّ هؤلاء قد أسلموا ولذلك عوملوا معاملة المسلمين، يعني عايشوا المسلمين وتزاوجوا معهم ودُفنوا في مقابرهم. ولكن لاحظوا أن النهيَ في القرآن عن الصلاة عليهم هو فقط للرسول (صلى الله عليه وسلم): لا تصلِّ أنت. إذا مات أحد منهم يغسّلونه ويصلون عليه ويدفنونه. فإذا كان المنافق حالة مقبولة داخل المجتمع (أيام الرسول، صلى الله عليه وسلم)، وأنا الآن يأتيني (شخص) أموره (مذبذبة) بعض الشيء، لماذا لا أقبله؟! على أي أساس... بأي ميزان؟! اشتراط النقاوة الداخلية الكاملة خطأ موجود في تفكير بعض الشيعة. في علاقات الأفراد هذا التفكير غير مطلوب، أما في العمل المجتمعي العام فهو غير صحيح. في العمل المجتمعي العام يوجد مشروع يُدار، وكلُّ من يخدمه يدخل فيه. إذا (أصررت على أن) أعمل حالة تبرٍّ وتولٍّ مع الدول، فلن يبقى عندي أحد، وأكون كمنْ يقول للشيعة: انجحروا في جحوركم، حاربوا كل العالم، وَلْيحاربكم العالم كله، وستحدث مذابح! هذا الأمر أنا لا أراه مناسباً.

إذَنْ كما تواجه حالات الأنظمة تُواجه حالات الحركات. ومبدأ المهادنة أنتم سمعتموه مني، أنا أدعو إلى مهادنة عامة داخل الأمة؛ أدعو إلى مهادنة مع الأنظمة، وأدعو إلى مهادنة بين الأنظمة، وأدعو إلى مهادنة بين قوى المجتمع، داخل الإسلاميين وداخل القوميين وداخل اليسار وبين الجميع، لأنني أرى أن هذا هو الطريق الصحيح لأمرين: وقف الهدر وبناء الذات. مسألة المهادنة داخل الأمة أنا بحثتها فقهياً، وأرى أن كل ما يتنافى معها مخالف للفقه، يعني مخالف للتكليف الشرعي. عندما يوجد واحد يحرّض، أنا أقول: هو جاهل؛ إذا كان جاهلاً يكون معذوراً. لكن بالقضايا العامة الجهل لا يُعذر؛ أنا أكون معذوراً حينما أغامر بوضعي الخاص، أما أنْ أشيط بدماء أمة بكاملها وأقول: والله أنا جاهل (لم أكن أعلم)...! هذا غير مقبول! الجاهل يقعد في بيته! لا يشتغل بالشأن العام!

الشيخ محمد مهدي شمس الدين (غيتي)

واقع الحال هو هذا: يوجد مشروع للمجتمع، مشروع للأمة. أنا أدير مشروع أمة؛ أنا أحمل هَمَّ الشيعة العام خصوصاً في أضعف مواقعهم. أنا دائماً أتحدث عن الشيعة خارج إيران. شيعة إيران يحمون أنفسهم بدولتهم وحدودهم وثروتهم. وأنا دائماً أقول إنَّ الشيعة يمثلون خُمس المسلمين، خُمس المسلمين مقابل أربعة أخماس المسلمين... ليس شغلي أنْ أعمل جبهة داخل الإسلام، فضلاً عن جبهةٍ شيعية داخل كل مجتمع. أنا وظيفتي أن أحفظ هؤلاء، أن أخلق حالة صداقة بينهم وبين مجتمعاتهم بعيداً عن أي مذهبية سياسية. ليست عندي مذهبية سياسية؛ مذهبيتي السياسية معروفة، تقرأونها بنظام الحكم (كتاب نظام الحكم والإدارة في الإسلام) وغير نظام الحكم. فقهي السياسي مدوّن وأكثره مطبوع، وإن شاء الله يُطبع الباقي.

في إدارتي للعملية الشيعية على مستوى الأمة هذا هو فكري. أنا أقول إن كلمة نصح، كلمة صفاء (مع الحكومة المصرية) من شأنها أن تساعد على حماية شيعة مصر وتحفظ كرامتهم. أمَّا أنَّ إيران تبني حزباً لها في مصر وتريد أنْ تبنيَ عليه شُغلاً، فهذا ليس شغلي! إيران، تدبر أمرها... تُريد أنْ تتفاهم معي أتفاهمْ معها، قد أفهمها وقد تفهمني. أما أنْ أغامر بمصير جماعة كاملة لأنَّ المدعو شحاتة (يلهو ببنات الناس ويغويهن) وعنده مشروع شيعي (أيضاً)! لا والله، هذا ليس شغلي!».

إيران ليست فاتيكان الشيعة

وسأله أحد المشاركين في الحوار عن تشديده الدائم على أن الشيعة في العالم العربي ليسوا عملاء لإيران، وأنهم متمسّكون بأوطانهم، وهم جزء من هذه الأوطان، فهل يريد بالتالي «فصل الشيعة في هذا العالم عن إيران» وعدم الإقرار بوجود علاقة خاصة ومميزة معها؟ فأجاب:

«إيران مجتمع شيعي كبير داخل الأمة الإسلامية. أكبر تجمع شيعي في العالم هو الآن موجود في إيران، أكبر تجمع شيعي قومي تركي وفارسي وبعض العروق الأخرى، موجود في إيران. الشاه كان يقول إنه حامي الشيعة. في لبنان كانوا يقولون إن هناك شغلاً على هذا الأساس، وفي الخليج كان هناك عمل. حين كان يأتي الشاه فإن شيعة الكويت أو شيعة البحرين مثلاً، كانوا يفرشون له السجادة الحمراء من القصر إلى الطائرة ومن الطائرة إلى القصر... بعد الثورة وتكوين الحكم الإسلامي في إيران، ادُّعِيَتْ هذه الدعوة أيضاً. الشاه ما كان يمثل الشيعة في العالم، وإنما كان ينطلق من رؤية إمبراطورية بوصفه وريث الأخمينيين، وهو الذي عمل ذكرى مرور 2500 سنة لعرش الطاووس، وهو الذي حاول أن يغيِّر التقويم الهجري.

أنا لا أتكلم فقط عن الشيعة العرب، أنا أتكلم عن الشيعة في تركيا أو في أذربيجان، وأقول إنهم ينتمون إلى تركيا وأذربيجان وليس إلى إيران. الشيعة في شبه القارة الهندية (باكستان، وبنغلاديش، والهند) أو في إندونيسيا أو في أي مكان، ينتمون إلى أوطانهم وقومياتهم وشعوبهم ودولهم، ولا ينتمون إلى إيران، وإيران لا تمثل لهم لا مرجعية سياسية ولا مرجعية دينية (...).

أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)

توجد قوميات داخل الأمة الإسلامية. هذه القوميات فيها انتماءات، انتماءات مذهبية وانتماءات سياسية تنظيمية. الشيعة ليسوا (كلّهم في) إيران، وإيران ليست الشيعة. إيران جزء من عالم التشيع. (...) نعم أنا أقول: أنت يا شيعي، يا لبناني أو يا كويتي أو يا مصري أو يا سعودي، أنت تنتمي إلى مجتمع، هذا المجتمع عنده نظام مصالح خاص، ونظامُ مصالحه أنت جزء منه. إذا كنت تنتمي إلى هذا المجتمع وتتمتع بكل خصوصياته (منافعه) فيكون عليك أنْ تدخل في نظام مصالحه الخاص؛ أما أنْ تكونَ في هذا المجتمع وتنتمي لنظام مصالح مجتمع آخر، فالمجتمع الذي أنتَ فيه سيأخذُ منكَ موقفاَ حَذِراً!

الآن السؤال هو: هل ينتمي الشيعة (اللبنانيون) إلى نظام المصالح الإيراني الداخلي أو في المنطقة أم لا؟

أنا لا أراهم ينتمون. أنا يهمني أن أدمج الشيعة اللبنانيين في نظام المصالح اللبناني، أن يحصّلوا منه رزقهم بكرامة ويُحترمون ويحميهم القانون. تُرى هل إيران (فاتيكان الشيعة) كما يُقال؟ الأستاذ نبيه بري ينظّر بأن إيران هي فاتيكان الشيعة، أنا لا أراها فاتيكان الشيعة. هل إيران هي مرجعيتهم الدينية؟ أيضاً لا، سواء كان مرجعهم جناب السيد علي الخامنئي أو جناب السيد محمد الروحاني أو قبله الكُلْبايكاني أو كائناً من كان. تُرى عندما كان المراجع العظام في النجف، هل كنا نقول إنَّ المرجعية الروحية للشيعة في العالم عراقية أو نجفية؟ لا! إيران ليست مرجعاً روحياً. افرضوا أنَّ أشخاصاً يقلّدون جناب السيد علي الخامنئي، فهؤلاء يلتزمون رأيه وموقفه، أما الآخرون فغير مجبَرين. حكاية أن إيران ترسم مسار الشيعة وتمثل مظلتهم هذه أنا أنفيها. إيران دولة مُعظمة لها مصالح إقليمية ودولية، وكلما وجدت ناساً يلتفّون حولها هي تستفيد؛ هذا شأن إيران. هم أحرار يحكون ما يريدون، وأنا حر أحكي ما أريده.

أنا قلت سابقاً ومراراً إنَّ إيران -من الأساس- ليست مرجعاً سياسياً ولا دينياً للشيعة في العالم. إيران جزء من هذا العالم الإسلامي، لها وضع مذهبي خاص، ولها وضع سياسي تنظيمي في المجتمع الدولي، ووضع إقليمي خاص. كل وضع محكوم بآلياته؛ لا يوجد وضع يمكن أن يستتبع أوضاعاً أخرى. (...) عندما كنت قبل أسبوع في مصر قلت: أَدْخِلوا إيران في نظام المصالح الإقليمي عن طريق السوق. لم أتشاور مع الإيرانيين، أنا أتكلم بقناعاتي. أنا أقول: حينما يوجد نظام مصالح عام (يجب أن) تستفيد منه كل الأمة. أما أن تستتبع إيران جماعة هنا وجماعة هناك، فلا! أنا أقول إن شيعة لبنان ليسوا أتباع إيران لا دينياً ولا سياسياً. كونهم شيعة! فيوجد شيعة في أفغانستان أيضاً. هذا لا يعني أنه إذا حكم مشايخ دولةً ما أصبح لزاماً على كل الأمة اتّباع هؤلاء المشايخ. لا، هم رجال ونحن رجال.

(...) الآن هذا هو الموقف المتعلق بالشيعة خارج إيران؛ الشيعة العرب أو الأتراك أو الهنود أو الأفغان أو الآسيويين. هذا الموقف واضح عندي ومُنَظَّرٌ له فقهياً. عندي فقرة في كتابي عن علم الاجتهاد، وهو موجود في فقهي السياسي في كتب أخرى.

ما الموقف من إيران؟ إيران دولة إسلامية، تحاول بجهد صادق حقيقةً أن تلتمس أفضل الطرق لتطبيق الشريعة. حققت نجاحات كبيرة، ولكن لم يكتمل نجاحها إلى الآن. هي تمثل نظام مصالحها الخاص، ومستهدَفة بنوعين من الاستهدافات: نوع ناشئ من موقفها السياسي، ونوع ناشئ من كونها دولة. حتى أيام الشاه أيضاً كانت مستهدَفة. حينما تتعرض هذه الدولة لظلامة معينة ونستطيع أن ندافع عنها، علينا أن نفعل. أنا أستطيع أن أدافع سياسياً، لا أملك وسيلة أخرى غير السياسة، غير الفكر، غير (الموقف). أنا لست عميلاً ولا دمية ولا مقلِّداً أيضاً، ولا أريد أن يقلد الناس أيضاً كما تعلمون. على هذا المستوى إيران ليست قطب استتباع، لا بالنسبة إلى الشيعة العرب ولا بالنسبة إلى غير العرب منهم. وهذا الأمر أنا أرى فيه مصلحة الشيعة. قد يكون خلاف مصلحة إيران. الشيعة في لبنان تذابحوا بأخطاء ذاتية وأخطاء إيرانية. تذابح الشيعة في أفغانستان بالطريقة نفسها. الآن مَن يتحمل المسؤولية؟ الله يحاسب، والناس كذلك. هذا الأمر يجب أن يُوضع له حد.

الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين مع قادة روحيين وسياسيين شيعة وسنة في بيروت (أرشيف رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان)

هذا هو موقفي من إيران الدولة ببُعدَيه أو جانبيه: ليست إيران مرجعيَّتي الدينية ولا السياسية؛ وفي الوقت نفسه أرى من واجبي مساندتها في حدود الإمكان، وبما لا يتعارَض مع المصلحة الوطنية اللبنانية، وفي نطاق التضامُن الإسلاميّ العام. موقفي في بُعده الأول لا يحرمني شيئاً، وفي بُعده الثاني لا يَدُرُّ عليَّ فُلوساً!

بسبب بعض السفلة من المعممين وغيرهم، من المخابرات الإيرانية وغيرها في ذاك الزمان، وبعض الناس هنا في بئر العبد وغيرها... أنا تعرَّضتُ في إيران لأذى كبير، ومع ذلك تحملته تحمل الكرام، ولم أدخل فيه بأي معاتبة مع أحد منهم، إلى أن ألتقي معهم بين يدي الله سبحانه وتعالى. وأقول عن إيران هذا الكلام الذي أقوله الآن سراً وعلناً. فموضوع العلاقة مع إيران، بمعنى أنَّ الشيخ ضد إيران وفلان مع إيران، والشيخ ضد حزب إيران وفلان مع حزب إيران... هذا الكلام يدخل في الاستغلال النَّفْعي والاستقطاب السياسي الزعاماتي، على ما ذكرتُ في بداية حديثنا.

يا أحبائي، قِسمٌ من شيعة لبنان داخل الوضع الحركي التنظيمي -وبعض الناس عندهم حالة استهواء- هم ضحية حالة ذهنية يُراد لهم بها أن يظلوا داخل القبضة؛ يعني أنَّ وجود الشيخ (محمد مهدي) في قلب إيران سيجعل بالتأكيد بعض الناس يخرجون من هذا القلب. هؤلاء يريدون أن يبقوا ليحصلوا على الفلوس والوجاهة والتأييد. من ذلك على سبيل المثال وجود الشيخ (محمد مهدي) داخل الضاحية: ضربوا بيتي ومكتبي وحرسي و(هجّروني) من بيتي في حارة حريك ليقطعوا صلة الناس معي، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى أبدلنا بهذا كرامةً أكبر بعشر مرات من حارة حريك.

الآن في قم، ثمة جهات معينة فيها لبنانيون منكم، يستدعون الطلبة (من الحوزة)، طلبة مستضعفين فقراء يدرسون، يعيشون على خمسة آلاف وعشرة آلاف تومان، وعلى الإقامة، يخافون أن يأتوا إلى هنا ويقعوا في هذه الحوزة الحزبية أو تلك. يقال لهم: إذا جاء الشيخ (إلى إيران) وزرتموه تُجرَّدون من الإقامة وتُطرَدون ونأخذ منكم راتبكم. إذا رحتم إلى لبنان وزرتموه فلا رجعةَ لكم إلى إيران! هل لديكم علم بهذا الشيء؟».

الشيعة والمشاريع السياسية

ضمن ما قاله الشيخ شمس الدين لمناصري «حزب الله» عام 1997 إن زعيم الحزب حسن نصر الله عندما قال «نحن لا نجاهد من أجل الشهادة» كان عليه «أنْ ينصفنا ويقول (هذا رأيُ الشيخ، ونحن نلتزم برأيه)» (أ.ف.ب)

ورداً على سؤال عن الشيعة المتضرّرين من الأنظمة، وهل يجوز أن يحملوا مشاريع سياسية لتحسين موقعهم؟ أجاب الشيخ شمس الدين:

«كلا، لا يجوز. لأنهم سيضرون أنفسهم وسيضرون الشيعة الآخرين».

تهجير من الضاحية

فقال له أحد الحضور: ماذا يحصل لنا بزيارتنا هذه إليك؟

وأجاب: «مضى وقت كنتم لا تجرؤون -وأنتم تعرفون هذا- على أن تأتوا وتجلسوا معي وتقابلوني. مضى وقت من الأوقات إلى ما قبل سنتين أو ثلاث كنتم لا تجرؤون. وكان يأتي ناس من الضاحية ويزورونني في بيت التهجير (في تلة الخياط)، وكانوا يقولون: إذا عُرف أننا أتينا لزيارتكم سيكون ذلك مأخذاً علينا في نظر جماعة الحزب وبئر العبد! الآن لعلَّ الله سبحانه وتعالى غيّر بعض الأفهام وبعض القلوب... والله غالب على أمره دائماً».

سُئل شمس الدين: ما سبب هذا الفتور؟ هل تُحمّلون الجمهورية الإسلامية المسؤولية؟ فأجاب: «سبب الفتور هو أولئك الذين تعرفونهم. قسم من المسؤولية قطعاً تتحمله الجمهورية الإسلامية... أنا علّمت كوادرها الأوائل بكتابي (نظام الحكم والإدارة في الإسلام). تُرجم إلى الفارسية وكانوا يدرسونه وتعلموا عليه. الجمهورية نعم مسؤولة. درجة مسؤوليتها؟ لا أدري! لكن الجهة الأخرى من المسؤولية هي ههنا، في هذا الكيد الذي تعرفونه.

هذه موعظة لكم أحبائي. لا تعتقدوا أن بشراً يطفئ بشراً. الله هو مالك الملك، هو يعز من يشاء وهو يذل من يشاء. الآن بحمد الله أنا وضعي في نمو...

يسألني جناب الأستاذ: مَن المسؤول عن هذا الفتور؟ أنا غير مسؤول. ابحثوا عمَّن عليه المسؤولية. أنا الآن إذا زرت إيران، وذهبت إلى قم، فإنَّ حوزة قم الإيرانية كلها تأتي وتجلس معي وتزورني، من أعلى طبقاتها إلى أدنى طبقاتها. حوزة قم العربية -يعني غير الإيرانية وغير اللبنانية- كلها تأتي وتزورني أيضاً. اللبنانيون فقط، هذا الرقيق المستضعف المُسترهَن للحالة الحزبية والحالة الصنمية، لا يأتون. والذي يأتي، يأتي آخر الليل لواذاً متخفياً.

موقفي من إيران كان في فبراير (شباط) سنة 1979، لما أخذت لبنان كله بطائرة خاصة ووضعته بين يدي الإمام الخميني. والآن أنا جالس معكم أتكلم، وفي أحاديث السر والعلن في مصر أو غير مصر، فإن موقفي الذي بيَّنتُه من إيران لا يتغيّر... ثمة أناسٌ يريدون أن يستأثروا بها أَوْجَدُوا هذا الجفاء. أنا أقول: لا بارك الله لإيران فيمن استأثر بها من هؤلاء المعممين الذي تعلمونهم أو بعض الحزبيين! إذا عاجبينها (إذا كانت إيران معجبة بهم) فلتأخذهم! منِّي إيران (لا ترى) شراً؛ إذا ما رأت خيراً فلن ترى شراً...

أما أن الشيعة أتباع لإيران فهذا غير صحيح، لا دينياً ولا سياسياً. يوجد مشروع إسلامي عام أنا أدعو الشيعة كلهم للاندماج فيه، سواء كان في مواجهة المشروع الصهيوني أو أيّ مشروعٍ معادٍ للأمة... وحتى لو ضرورات الأنظمة جعلت إيران تمشي في ركب مهادنة الصهيونية، أنا (مش ماشي) بالرَّكْب. غاية الأمر في وقتها سنقول إن إيران لها أسبابها العائدة إلى ضرورات النظام. لما الإمام (الخميني) قبل بالقرار 598 -القرار الأممي بوقف الحرب مع العراق، الذي وصفه الخميني بـ(تجرع كأس السم)- كنتُ أول صوتٍ خارج إيران أيَّد موقفه ونظَّر له، في حين كنتُ مهجَّراً، بسببهم، من بيتي أنا وعائلتي.

هذا هو الوضع. يعني أنَّ إيران تارةً تكون مورد ارتزاق -أنا لست مرتزقاً لإيران ولا منها- وتارةً هي جزء من المشروع الإسلامي المبارك. الشيعة جزء من مشروع موجودة فيه إيران. هي لم تخلقه. الشغل الذي حصل منذ جمال الدين الأفغاني وقبل جمال الدين الأفغاني هذا كله لا أثر له؟! الإمام الخميني لم يخلق مشروع الإسلام، هو استعمل هذا المشروع في إيران والله سبحانه وتعالى أيَّده ووفَّقه. في المشروع العام للأمة، الشيعة جزء منه، ولكنَّ هذا المشروع ليس مشروع إيران بل هو مشروع الأمة: الجزائري يقاتل فيه، والسوداني يقاتل فيه، والمصري يقاتل فيه، والهندي يقاتل فيه، والعربي يقاتل فيه... هذا الأمر طبيعي. عندما واجهنا نظام عبد الكريم قاسم (في العراق) وكنا لا ننام الليل، ما كانت الجمهورية الإسلامية موجودة، كان الشاه موجوداً، وما كنا نعمل لسواد عيون إيران، كنا نعمل لتقوى الله سبحانه وتعالى. لما انحكمتُ (حُكِم عليّ) بعشرين حكم إعدام (في العراق) ما كان الخميني موجوداً، بل كان الشاه».

الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين (أرشيف رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان)

مشروع خاص للشيعة

سُئل شمس الدين: هل يمكن أن يكون هناك مشروع شيعي في المنطقة؟ فأجاب: «تسمعونني أقول إنَّ مشروعاً خاصاً للشيعة داخل أوطانهم لا يوجد ولا يجوز أن يوجد. يعني (إذا عرفت) أن جماعة شيعية عندها مشروع خاص أحاربها... أحاربها بكل وضوح! الآن في لبنان أحارب كل ذوي المشاريع الخاصة، لأنها مشاريعهم هم وليست مشروع الشيعة!

على مستوى الأمة أيضاً، لا يوجد مشروع شيعي خاص. على مستوى العرب، مشروع للشيعة العرب أنا أحذّر منه، لأنه مذبحة للشيعة العرب، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الشيعة الأفغان أو الشيعة الهنود... الشيعة يجب أن يندمجوا في الأمة. الشيعة يحملون شعار الإمام الصادق (س) شعار الاندماج. هذا الشيء الذي أقوله موجود في رواياتنا الصحيحة. أوصيكم بأن تقرأوا وصية الإمام الصادق لعموم الشيعة؛ وهو كتاب موجود في (وسائل الشيعة). (...) إذا قرأتم (نهج البلاغة) مثلاً، فلن تجدوا فيه شيئاً اسمه قضية شيعية، يوجد قضية إسلام. الشيعة مسلمون، والتشيع تيار فقهي منتشر في كل المذاهب. هذا كلام أنا أقوله علناً، وهو مسموع منّي علناً ومدوَّن ومنظَّر له. إذَنْ؛ لا توجد مشاريع خاصة. حتى المشروع الإيراني، الشيعة يغلطون وإيران تغلط عندما تقول إنها مشروع الشيعة. إيران تكون إيران حقيقةً حينما تخرج عن كونها مشروعاً شيعياً. لذلك أي واحد يحكي عن هَمّ الشيعة وقضية الشيعة، فهذا كلام يُنبئ إمَّا عن جهل وإما عن استغلال للشيعة. نظنُّ خيراً ونقول: عن جهل».

وتابع شمس الدين؛ رداً على سؤال آخر: «مصدرٌ آخر للخطر هو تصادم أنظمة المصالح: إذا كنت تريد أن تهدد لي نظام مصالحي، حتى لو كنت على مذهبي، أُدمِّرك! المساس بأنظمة المصالح، ومحاولة بناء نظام مصالح منفصل أو تهديد نظام المصالح؛ تهديد الرغيف، هذا سبب ثانٍ للاضطهاد. هذا أيضاً لا يبرر أن تبني لنفسك نظام مقاومة خاصاً، لأنك حينئذ تُدمَّر، باعتبار أنك تهدد نظام المصالح المقابل وتريد أن تنشئ نظام مصالحك الخاص. هناك جهاتٌ حزبيةٌ مضلِّلة أو مضلَّلة زجَّت بمجموعات شيعية كثيرة. لماذا يريد البعض قتل أمير الكويت؟ لماذا نضع متفجرات لأمير الكويت؟ أريد أن أعرف ما مصلحة الشيعة في قتل أمير الكويت، من أين أتت؟! لماذا نتآمر على هذا أو ذاك من الأنظمة أو مسؤولي الأنظمة؟ على أي أساس؟ نحسِّن وضعنا؟! لا يا عمّي، توجد جهة تريد أنْ تستثمر هذا الوضع؛ هذا الأمر محرَّم! إدارة أمور الشيعة تنشأ بأن يندمجوا. لاحظوا أن العمل بالحُسنى يقرِّب الشيعة من مقاصدهم أكثر من هذا الأسلوب الذي يُدعى إليه الآن. والمطلوب بكل آسف أن يكون الشيعة ضحايا من أجل أن تكون لهم ندّابة (الذين يندبون في المآتم). مقولة إننا لا نريد شهداء وليس من مقاصد الإسلام أن يكون له شهداء، هذه مقولتي. والحمد الله الآن بدأت أيضاً (بعض الجهات بذكر هذه المقولة). نحن نطلق المقولة لكن نُشتم عليها، ومن ثمَّ يأخذها أناسٌ (بعضهم من الذين شتمونا) وتصير لهم! يا عمِّي... على الأقل (أعطونا) حقوق الطبع، حقوق التأليف (ضحك في القاعة). قبل أيام قيل لي إنَّ جناب السيد حسن نصر الله يقول: نحن لا نجاهد من أجل الشهادة. قلت في نفسي -ما حكيت، الآن أحكي- قلت: والله هذا السيد حسن كان عليه أنْ ينصفنا ويقول (هذا رأيُ الشيخ، ونحن نلتزم برأيه). حالةُ النَّدْب وطلب الشهادة، أنا أسميها حالة التوابين. الله يرحمهم، لا بحياتهم نفعوا ولا بوفاتهم نفعوا. أصلاً ليس المقصد أن نثير الدنيا، المقصد أن (نهدّئ) الدنيا، أن نسكّن الدنيا».

* الشيعة يمثلون خُمس المسلمين مقابل أربعة أخماس المسلمين... وظيفتي أن أخلق حالة صداقة بينهم وبين مجتمعاتهم بعيداً عن أي مذهبيه سياسية

* لا أتكلم فقط عن الشيعة العرب... الشيعة في تركيا أو في أذربيجان ينتمون إلى تركيا وأذربيجان وليس لإيران... الشيعة في شبه القارة الهندية ينتمون إلى أوطانهم وقومياتهم وشعوبهم وإيران لا تمثل لهم لا مرجعية سياسية ولا مرجعية دينية

* لا يجوز أن يوجد مشروع خاص للشيعة داخل أوطانهم

* ما مصلحة الشيعة في قتل أمير الكويت؟! لماذا نتآمر على هذا أو ذاك من الأنظمة أو مسؤولي الأنظمة؟ إدارة أمور الشيعة تنشأ بأن يندمجوا

محمد مهدي شمس الدين

إبراهيم شمس الدين... لماذا الآن؟

مهّد إبراهيم شمس الدين، نجل الشيخ شمس الدين، لنشر النص/الوثيقة بمقدمة شرح فيها سبب كشفه عن مضمون الحوار بعد كل هذه السنوات التي مرت عليه. وجاء فيها: اخترت أن أنشر هذا النص لوالدي الشيخ محمد مهدي شمس الدين بمناسبة مرور 25 سنة على رحيله؛ تكريماً له وإحياءً لفكره، وتذكيراً ببصيرته العميقة والمُدرِكة، وشجاعته وصلابته في بيان الرأي الحق الذي يحفظ الناس، ويحفظُ الوطن والدولة لكلِّ الناس، ويضع وحدة المجتمع السياسي الوطني أولوية عُظمى تتقدمُ أي خصوصية - ولا خصوصية لأي جماعة - ومنهم اللبنانيون المسلمون الشيعة، وكذلك المسلمون الشيعة في أوطانهم العربية؛ إذ إنهم جزء من الاجتماع الوطني العام، وجزء من الاجتماع العربي العام، بالإضافة إلى كونهم جزءاً من الاجتماع الإسلامي العام.

هذا النص هو خلاصة جلسة حوار، محفوظ على أشرطة تسجيل، استغرق أكثر من أربع ساعات من ليل الثلاثاء في 18/3/1997 بين الشيخ الإمام ومجموعة كبيرة من كوادر «الحركة الإسلامية» في لبنان – الذين هم شديدو القرب من الحالة الحزبية التي تولّدت داخل اللبنانيين المسلمين الشيعة في لبنان في وسط الثمانينات، برعاية إيرانية مباشرة ومستقرة. ومما دفعني خصوصاً إلى اختيار هذا النص للنشر – وهو غيرُ منشورٍ سابقاً – في ذكرى رحيل الشيخ الإمام، هو ما عالجه وبيّنَه وعلّلَه من مسائل إشكالية ساخنة في حينه، على صعيد علاقة الشيعة اللبنانيين تحديداً مع مواطنيهم اللبنانيين، وبإطارهم اللبناني الوطني، وفي محيطيَهم العربي والإسلامي، ولا سيما إشكالية علاقتهم بإيران، الجمهورية الإسلامية.

وقد عزّز لديّ هذا الاختيار، أن تلك المسائل الإشكالية لا تزال هي ذاتها، القضايا المطروحةَ اليوم بحرارةٍ وإلحاحٍ وتوترٍ أيضاً، وهي تتفاعل بقوة، وحاضرةٌ دائماً مع المتغيرات الجيوسياسية في منطقتنا والعالم؛ وبالتالي لا يكونُ هذا النص/الوثيقة نصاً قديماً، بل هو كلام راهنٌ حيّ، يخاطب حاضراً ساخناً ومُترقّباً. سيصدر هذا النص بعد مدّة، مع توسعة لخلاصته، في كتاب يحمل العنوان التالي: «الشيعة اللبنانيون والشيعة العرب - العلاقة مع الغير والعلاقة مع الذات».