الصين وروسيا تحافظان على مسافة من إيران في خضم الأزمة

سيارة إسعاف محترقة نتيجة هجوم إسرائيلي معروضة في طهران(نيويورك تايمز)
سيارة إسعاف محترقة نتيجة هجوم إسرائيلي معروضة في طهران(نيويورك تايمز)
TT

الصين وروسيا تحافظان على مسافة من إيران في خضم الأزمة

سيارة إسعاف محترقة نتيجة هجوم إسرائيلي معروضة في طهران(نيويورك تايمز)
سيارة إسعاف محترقة نتيجة هجوم إسرائيلي معروضة في طهران(نيويورك تايمز)

عندما استعانت روسيا بمساعدة الصين وكوريا الشمالية وإيران في حربها ضد أوكرانيا، بدأ بعض المسؤولين الأميركيين والبريطانيين يتحدثون عن «محور» جديد.

وقد بدا حينها أن الدول الأربع توحدها مشاعر الغضب، والنزعة «الاستبدادية»، والعداء تجاه الولايات المتحدة وحلفائها. لكن مبيعات إيران من الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية لروسيا لاستخدامها في الحرب، وشحنات النفط إلى الصين، لم تؤتِ ثمارها عندما احتاجت طهران للدعم، ما أثار شكوكاً حول تماسك هذا «المحور».

فلم تبادر أي من الدول الثلاث الأخرى لمساعدة إيران خلال حربها مع إسرائيل أو عندما قصفت القوات الأميركية منشآتها النووية. واكتفت كل من الصين وروسيا وهما أقوى دولتين ضمن المجموعة، بإصدار إدانات شكلية للأعمال الأميركية، دون تقديم أي مساعدة مادية فعلية لطهران.

وقال ألكسندر غابوييف، مدير مركز «كارنيغي روسيا أوراسيا»: «اتضح أن واقع هذا الصراع هو أن روسيا والصين لم تسرعا لإنقاذ إيران، وهذا يكشف حدود فكرة (المحور) بأكملها».

وأضاف: «كل واحدة من هذه الدول أنانية جداً، ولا تريد التورط في حروب الآخرين؛ فهذه حروب مختلفة وصراعات مختلفة تماماً. هذه الدول لا تشترك بالضرورة في نفس الهياكل أو القيم أو الروابط المؤسسية كما تفعل الولايات المتحدة مع حلفائها».

لدى الدول الأربع أنظمة تضمر عداءً للولايات المتحدة، التي تسعى تقليدياً إلى إضعافها وتحدي شرعيتها. كما أن لديها بعض الروابط الاستراتيجية، وقد قوضت العقوبات الاقتصادية التي تقودها الولايات المتحدة من خلال إجراء التجارات وتبادل تقنيات الأسلحة.

قال مايكل كيميدج، أستاذ التاريخ في الجامعة الكاثوليكية الأميركية والمسؤول السابق في وزارة الخارجية الذي كتب كتاباً عن الحرب في أوكرانيا: «نعم، هناك على الأرجح قدر متواضع جداً من التنسيق بين الصين وكوريا الشمالية وإيران وروسيا - بمعنى أنهم يجرون محادثات ولديهم بعض الإحباطات نفسها تجاه الولايات المتحدة أو الغرب». وأضاف: «لكن هذا التنسيق ليس ذا معنى كبير».

من بين هذه الدول، فقط روسيا وكوريا الشمالية لديها معاهدة دفاع مشترك. إلى جانب توريد الأسلحة لروسيا، أرسلت كوريا الشمالية أكثر من 14 ألف جندي للقتال إلى جانب الروس ضد القوات الأوكرانية.

يعود ارتباطهما إلى الماضي الشيوعي المشترك والحرب المناهضة لأميركا في شبه الجزيرة الكورية من 1950 إلى 1953، والتي شاركت فيها الصين الماوية أيضاً.

ذلك التاريخ يُفسر أيضاً الروابط الوثيقة بين الصين وروسيا، التي تُعد من أبرز العلاقات الثنائية أهمية بالنسبة للحكومة الأميركية وجزء كبير من العالم. فقد بنى قادة البلدين علاقات شخصية على مدى سنوات طويلة، وأعلنت حكومتا الصين وروسيا عن شراكة «بلا حدود» قبل أسابيع فقط من الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022.

ولا تزال الصين ترى مصلحة في الالتزام ببعض المعايير الدولية التي كثيراً ما روجت لها الولايات المتحدة والدول الديمقراطية، قبل عهد دونالد ترمب. ولهذا السبب، امتنعت بكين حتى الآن عن تقديم مساعدات عسكرية كبيرة لموسكو خلال الحرب.

غير أن مسؤولين أميركيين يؤكدون أن الصين ساعدت روسيا في إعادة بناء قاعدتها الصناعية الدفاعية، ولا تزال من أكبر مستوردي النفط الروسي.

في المقابل، لم تشهد العلاقات بين روسيا وإيران يوماً تقارباً بهذا المستوى. ويُعزى أحد أسباب ذلك إلى العامل الديني؛ إذ تُعدّ إيران دولة ثيوقراطية بنظام يثير ريبة خصومها الثلاثة، الذين يتبنون أنظمة علمانية أو اشتراكية.

قال سيرغي رادشينكو، المؤرخ المتخصص في الحرب الباردة بجامعة جونز هوبكنز: «لا توجد قيَم مشتركة بين هذه الدول، سوى شعارات عامة حول (نظام عالمي متعدد الأقطاب)، وهناك الكثير من التناقضات». وأضاف: «بوتين أشار إلى ذلك بوضوح: علاقاته مع جيران إيران، بمن فيهم إسرائيل والدول العربية، مهمة جداً ولا يمكنه التضحية بها من أجل صداقة روسية - إيرانية».

وتابع رادشينكو: «بوتين مجرد مُناور ساخر، لا يهتم إلا بمصالحه الاستراتيجية، وإذا تطلّب الأمر التضحية بإيران، فهو مستعد لذلك... ومن المؤكد أن طهران تدرك ذلك جيداً، وتبادله الشعور نفسه».

وتحدّث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب عن الحرب بين إسرائيل وإيران في 14 يونيو (حزيران)، حيث عرض بوتين التوسط بين الطرفين. وفي تصريح لاحق، قال بوتين علناً إن روسيا ساعدت إيران على بناء محطة للطاقة النووية، وإنها تسهم في إنشاء مفاعلين إضافيين. ورغم حديثه عن الشراكة مع إيران، فقد أوحى بتردده في الالتزام بدعمها في الحرب، قائلاً: «نحن لا نفرض شيئاً على أحد... نحن فقط نعرض رؤيتنا لمخرج محتمل من هذه الأزمة، لكن القرار في النهاية يعود إلى القيادة السياسية لتلك الدول، وتحديداً إيران وإسرائيل».

بوتين يصافح عراقجي خلال لقائهما في الكرملين بموسكو (إ.ب.أ)

وكان وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، قد التقى بوتين في موسكو في 23 يونيو، بعد يوم من الضربات الجوية الأميركية على إيران. لكن ملخّص الكرملين للاجتماع لم يتضمن سوى عبارات دبلوماسية تقليدية. وفي اليوم ذاته، نفذت إيران هجوماً صاروخياً رمزياً على قاعدة أميركية في قطر، ثم وافقت على وقف إطلاق النار مع إسرائيل والولايات المتحدة.

راقبت الصين الأزمة من المدرجات بينما كانت تتصاعد. وقال الرئيس الصيني إن «جميع الأطراف يجب أن تعمل على خفض التصعيد»، وعندما أمر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب بتنفيذ الضربات الجوية على إيران، أدانت الصين بشدة تلك الهجمات، واتهمت الولايات المتحدة بانتهاك ميثاق الأمم المتحدة.

لكن، وعلى غرار روسيا، لم تقدّم الصين أي دعم مادي لإيران. فرغم أن بكين تعلن أحياناً مواقف رسمية بشأن النزاعات في المنطقة، فإنها غالباً ما تسعى للظهور بمظهر الحياد بهدف موازنة مصالحها.

وتخشى بكين أن تؤدي حرب إقليمية طويلة الأمد إلى تهديد وارداتها النفطية من المنطقة، لذلك تسعى لاحتواء التوترات بدلاً من تأجيجها.

برزت رغبة الصين في لعب دور الوسيط الحيادي في الشرق الأوسط في مارس (آذار) 2023، عندما ساعدت في التوصل إلى اتفاق تقارب دبلوماسي بين إيران والسعودية. كما استغلت تلك الفرصة لتعزيز علاقاتها مع شريكة إيران الإقليمية، سوريا، التي كان يرأسها آنذاك بشار الأسد.

وقال إنريكو فارديلا، أستاذ بجامعة نابولي «لورينتال» والخبير في السياسة الخارجية الصينية، إن تلك الفترة مثلت ذروة نفوذ الصين في الشرق الأوسط. أما اليوم، ومع إضعاف إيران بسبب الحرب، وسقوط الأسد بيد المعارضة، فإن بكين تسير بحذر شديد في تعاطيها مع الصراع الإيراني - الإسرائيلي، وتترقب القوى السياسية أو العسكرية التي ستخرج أكثر نفوذاً في المنطقة.

وأضاف فارديلّا في رسالة نصية: «رغم اهتمام بكين بدفع جهود وقف إطلاق النار وتحقيق الاستقرار بعد الحرب، فإن دبلوماسيتها المتحفظة حالياً تعكس ضعف ثقتها بقدرتها على التأثير في مجريات الأحداث». وتابع: «كما حدث في سوريا بعد الأسد، قد تعتمد الصين مرة أخرى استراتيجية الانتظار والترقب، لإعادة تموضع نفسها بدقة بهدف الحفاظ على نفوذها في مشهد ما بعد الحرب المتغير بسرعة».

من جهتها، رأت يون سون، المتخصصة في السياسة الخارجية الصينية في مركز ستيمسون بواشنطن، أن مفهوم «المحور» بين الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية لا يزال قائماً. وقالت إن الدول الأربع، رغم أنها لا ترتبط باتفاقية دفاع مشترك شاملة، فإنها تشترك في نظرة «معادية للولايات المتحدة، والغرب، والديمقراطية الليبرالية».

قالت يون سون: «التحالف الذي لا يصل إلى حد الدفاع المشترك يبقى تحالفاً في نهاية المطاف».

وزير الخارجية الصيني وانغ يي لدى لقائه نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف ونظيره الإيراني كاظم غريب آبادي في بكين 14 مارس 2025 (رويترز)

وأضافت: «حقيقة أن هذه الدول لن تخوض حرباً دفاعاً عن بعضها لا تقلل من أهمية تعاونها، وموقفها الجماعي الذي يشكل تحدياً حقيقياً؛ فالصين زوّدت إيران بتقنيات نووية وصاروخية، ومولت حرب روسيا، وأبقت كوريا الشمالية على قيد الحياة».

لكنها أشارت أيضاً إلى وجود حدود للدعم الصيني لإيران، موضحة أن المسؤولين الصينيين لا يثقون كثيراً بالقيادة الإيرانية، ويرون أن إيران كانت «ساذجة، وانتهازية، ومترددة وغير حاسمة في علاقاتها الخارجية».

كما يدرك المسؤولون الصينيون أن إيران، مثل كوريا الشمالية، دولة معزولة وتحتاج إلى الصين، رغم التذبذب الذي يطرأ أحياناً على العلاقة بينهما.

وفي 26 يونيو، وبعد أن وافقت إيران على وقف إطلاق النار مع إسرائيل، قام وزير الدفاع الإيراني، عزيز نصير زاده، بأول زيارة خارجية له منذ اندلاع الحرب، حيث توجه إلى مدينة تشينغداو الصينية لحضور اجتماع منظمة شنغهاي للتعاون، وهي مجموعة أمنية أوراسية تقودها الصين وروسيا.

*خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

نتنياهو: إسقاط النظام الإيراني «في المتناول»

شؤون إقليمية نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في 3 مارس 2026 (د.ب.أ) p-circle

نتنياهو: إسقاط النظام الإيراني «في المتناول»

جدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الخميس، تحذيره لإيران لليوم الثاني على التوالي، وقال إن الضغوط الاقتصادية الأميركية قد تدفع طهران إلى «خطوات تصعيدية».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس يونيو 2024 (أرشيفية - د.ب.أ)

كاتس يهدد بالرد بـ«قوة كبيرة» على أي هجوم إيراني  

توعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إيران الأربعاء بأن الدولة العبرية مستعدة للرد «بقوة كبيرة» على أي هجوم قد تشنّه عليها

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحضر جلسة لـ«الكنيست» في القدس الشهر الماضي (أ.ف.ب)

شكوك إسرائيلية في محاولة إيران اغتيال نجل نتنياهو

على الرغم من أن نجل نتنياهو أُجلي سريعاً من أميركا إلى إسرائيل بسبب «تهديد كبير» باغتياله، شككت جهات أمنية إسرائيلية في هذه الرواية وأثارت تساؤلات بشأنها.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)

بعد 6 أشهر… الصراع مع إيران يؤول إلى جمود مكلف

آلت الحرب مع إيران، بعد ستة أشهر، إلى حالة جمود مكلفة. فبعد ستة أشهر على الهجوم الذي شنته القوات الأميركية والإسرائيلية على إيران وأسفر عن مقتل المرشد الإيراني.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الدخان يتصاعد في طهران بعد غارة جوية

6 تداعيات لـ6 أشهر من حرب إيران

بعد ستة أشهر على بدء الولايات المتحدة وإسرائيل شن ضربات على إيران تحولت الحرب التي وصفها الرئيس دونالد ترمب بأنها «نزهة صغيرة» إلى مأزق يلقى رفضاً واسعاً

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

آيزنكوت يتهم نتنياهو بتغليب مصالحه السياسية على أمن البلاد

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت يُعد المنافس الرئيسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت يُعد المنافس الرئيسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
TT

آيزنكوت يتهم نتنياهو بتغليب مصالحه السياسية على أمن البلاد

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت يُعد المنافس الرئيسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت يُعد المنافس الرئيسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

اتهم غادي آيزنكوت، المنافس الرئيسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الانتخابات التشريعية المقررة في أكتوبر (تشرين الأول)، خصمه بتغليب مصالحه السياسية على أمن البلاد، وذلك خلال تجمع انتخابي الاثنين.

وكشف رئيس الأركان السابق للجيش الإسرائيلي أسماء مرشحي حزبه «ياشار» لانتخابات 27 أكتوبر، منتقداً رئيس الوزراء لتقاعسه عن أداء مسؤولياته منذ هجوم «حماس» على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، والذي يُعدّ الأكثر دموية في تاريخ الدولة العبرية.

وقال خلال تجمع انتخابي في مستوطنة روش هاعين: «في مواجهة الشرخ العميق الذي وقع في 7 أكتوبر، والتحديات الجسيمة التي تواجه دولة إسرائيل، نحتاج إلى قيادة ترتقي إلى مستوى المسؤولية، وتعرف كيف توحّد وتعيد مبادئ الصهيونية».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

وتوقع استطلاع رأي نشرته هيئة البث العامة «كان» الأحد، أن يفوز حزب «ياشار» بـ23 مقعداً في الانتخابات المقبلة، متقدماً على حزب «الليكود» بزعامة بنيامين نتنياهو (20 مقعداً) من أصل 120 مقعداً في الكنيست.

وقد تفوز أحزاب المعارضة بـ51 مقعداً، مقابل 52 مقعداً للأحزاب التي يُرجح أن تُشكّل ائتلافاً مع «الليكود».

وإذا لم يحصل أي ائتلاف على المقاعد الـ61 اللازمة لتحقيق الغالبية المطلقة في البرلمان، يمكن أن يشكّل تحالفات مع أحزاب سياسية أخرى، لا سيما حزبين يضمان خصوصاً مرشحين عرباً، علماً أن الاستطلاع توقع أن يفوزا بـ13 مقعداً.


«وزاري عربي» يرفض الاعتداءات الإيرانية... ويدعو إلى «لم الشمل»

اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة (جامعة الدول العربية)
اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة (جامعة الدول العربية)
TT

«وزاري عربي» يرفض الاعتداءات الإيرانية... ويدعو إلى «لم الشمل»

اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة (جامعة الدول العربية)
اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة (جامعة الدول العربية)

أكد وزراء الخارجية العرب رفض الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية. وشدد الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، على أن «حماية المصالح العربية وترسيخ الاستقرار ودعم قدرات الدول الأعضاء تمثل أولوية للعمل العربي المشترك».

وقال فهمي خلال مؤتمر صحافي، الاثنين، في نهاية أعمال الدورة العادية الـ166 لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية، إنه «لا مساس بأمن الدول العربية»، مؤكداً أن «أمن دول الخليج العربية جزء من الأمن القومي العربي، وأي مساس به يعني الجامعة ودولها الأعضاء»، مضيفاً: «لن نقبل أن تتحول ممراتنا البحرية إلى ورقة في حسابات الآخرين؛ فحقوق الدول المشاطئة وحرية الملاحة يحكمها القانون الدولي».

وناقش الاجتماع الذي عقد بمقر الجامعة العربية في القاهرة، الانتهاكات الإسرائيلية وملف التهجير، وقال فهمي إنه «تم الاتفاق على إنشاء منصة لرصد وتوثيق وكشف الانتهاكات الإسرائيلية بحق الأماكن المقدسة، وتسليط الضوء على تداعياتها الخطيرة»، مشيراً إلى أن «إسرائيل تقوض جهود تحقيق السلام في قطاع غزة».

وأضاف فهمي أنه تمت مناقشة «رأب الصدع العربي»، وتابع: «ناقشنا كل القضايا الحساسة ونريد لم الشمل»، مشدداً على ضرورة حماية المصالح العربية وترسيخ الاستقرار وتعزيز قدرات الدول العربية برؤية استباقية شاملة تمكنها من التعامل مع التحديات.

وهذا هو الاجتماع الأول لوزراء الخارجية العرب الذي يحضره فهمي منذ توليه أمانة جامعة الدول العربية في يوليو (تموز) الماضي، خلفاً لأحمد أبو الغيط.

وأكد فهمي أن «المناخ العام للاجتماع عكس رغبة عربية واضحة في تحقيق السلام مع الجميع، والرفض الشديد لاستخدام القوة ضد الدول العربية»، لافتاً إلى أن «أحد أبرز مخرجات الاجتماع تمثل في السعي إلى رأب الصدع العربي وتقريب وجهات النظر»، مؤكداً أن التوافق العربي شمل مختلف الملفات، من بينها السودان واليمن وسوريا، وذلك نتيجة جهد دبلوماسي مكثف سبق الاجتماعات الرسمية. وشدد على أن أي ضرر يلحق بدولة عربية ينعكس سلباً على بقية الدول، مشيراً إلى أهمية إصلاح وتطوير الجامعة العربية.

نبيل فهمي خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب بالقاهرة (جامعة الدول العربية)

ولفت فهمي إلى التحديات التي تواجه المنطقة، وقال في كلمته خلال افتتاح الاجتماع، إن «العالم والشرق الأوسط يشهد انتهاكات متكررة للقانون الدولي، واستهدافاً متزايداً للمدنيين، وتراجعاً في الثقة بالمؤسسات متعددة الأطراف، واتساعاً للنزاعات وسباقات التسلح، وتصاعداً للانعزالية والتطرف والكراهية»، مشيراً إلى أن «السمة الأساسية، دولياً وشرق أوسطياً، باتت تغليب قانون القوة على قوة القانون».

وأضاف أن الفترة الحالية «تشهد إعادة تشكيل للعالم العربي والشرق الأوسط المجاور، مع وجود تحديات ومخاطر وجودية تستدعي يقظة وتكاتفاً عربيين، وأعلى درجات التحلي بالمسؤولية»، مؤكداً أن «القرار السيادي العربي لا يتحقق بالانعزال عن العالم وقضاياه، ولا بالاعتماد المبالغ فيه على الغير».

ودعا فهمي إلى «تبني مشروع عربي يشمل التصدي للتحديات، وبناء وتدعيم القدرات في مجال الأمن القومي، إضافة إلى استدامة التطوير الإنساني والمؤسسي، ودعم التنمية الخلاقة والمستدامة»، معلناً عزمه «التواصل مع القادة العرب، لبلورة هذه العناصر بهدف تبني أجندة عربية متجددة؛ عنوانها التصدي، والتطوير، والتنمية، تغلّب الفعل على القول».

وأكد أن «العالم العربي يسعى إلى السلام والاستقرار، وسيواصل الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، والتمسك بتسوية عادلة تنهي الاحتلال»، مشدداً على رفض الجامعة استهداف إيران أراضي ومنشآت في دول عربية»، وقال إن «الدول العربية ليست طرفاً في هذه الحرب، ولم تختَر أن تكون ساحة لها، وسيادتها ليست مجالاً مفتوحاً لتصفية حسابات مع غيرها، مهما قيل في تبريره».

جانب من اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة (جامعة الدول العربية)

بدوره، أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في كلمته خلال الاجتماع، إدانة مصر القاطعة للاعتداءات الإيرانية التي استهدفت عدداً من الدول العربية الشقيقة، وتضامنها الكامل مع دول مجلس التعاون الخليجي والأردن والعراق، مشدداً على رفض مصر المساس بسيادة الدول العربية أو أمنها وسلامة أراضيها. وشدد على أن القضية الفلسطينية تظل جوهر الأمن والاستقرار في المنطقة، مجدداً رفض التهجير وتصفية القضية الفلسطينية.

وأشار عبد العاطي إلى «ضرورة ضمان حرية الملاحة في الممرات والمضايق الدولية، لا سيما مضيق هرمز والبحر الأحمر»، مؤكداً أن «أمن البحر الأحمر مسؤولية مشتركة وحصرية للدول المشاطئة».

كما شدد على أهمية تطوير ترتيبات أمنية عربية تعزز القدرة الجماعية على حماية الأمن القومي العربي، من خلال دفع التكامل الأمني والدفاعي وتنسيق القدرات العربية المتاحة، والبناء على معاهدة الدفاع العربي المشترك والقرارات العربية ذات الصلة، مشيراً إلى استعداد مصر للعمل مع جامعة الدول العربية والدول الأعضاء لإعداد تصور متكامل لهذه الترتيبات.


تركيا: استجواب داود أوغلو بتهمة «إهانة الرئيس» في سابقة تاريخية

رئيس الوزراء وزير الخارجية التركي الأسبق أحمد داود أوغلو يواجه عقوبة الحبس بتهمة إهانة الرئيس رجب طيب إردوغان بسبب انتقادات تعود إلى عام 2021 (من حسابه على إكس)
رئيس الوزراء وزير الخارجية التركي الأسبق أحمد داود أوغلو يواجه عقوبة الحبس بتهمة إهانة الرئيس رجب طيب إردوغان بسبب انتقادات تعود إلى عام 2021 (من حسابه على إكس)
TT

تركيا: استجواب داود أوغلو بتهمة «إهانة الرئيس» في سابقة تاريخية

رئيس الوزراء وزير الخارجية التركي الأسبق أحمد داود أوغلو يواجه عقوبة الحبس بتهمة إهانة الرئيس رجب طيب إردوغان بسبب انتقادات تعود إلى عام 2021 (من حسابه على إكس)
رئيس الوزراء وزير الخارجية التركي الأسبق أحمد داود أوغلو يواجه عقوبة الحبس بتهمة إهانة الرئيس رجب طيب إردوغان بسبب انتقادات تعود إلى عام 2021 (من حسابه على إكس)

أدلى رئيس الوزراء وزير الخارجية التركي الأسبق، أحمد داود أوغلو، بإفادته أمام النيابة العامة بأنقرة، في إطار تحقيق ضده بتهمة إهانة رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان، في سابقة هي الأولى بتاريخ تركيا.

وقال داود أوغلو في تصريح مقتضب عقب إدلائه بإفادته لنحو الساعة، قال فيه إن «هذه سابقة في تاريخ الجمهورية التركية؛ لأول مرة في تاريخ الجمهورية، يُستدعى رئيس وزراء إلى النيابة بوصفه مشتبهاً فيه لمجرد إبدائه رأيه وتوجيهه انتقادات».

وعبّر داود أوغلو عن شكره قادة الأحزاب الذين حضروا لدعمه خلال الإدلاء بإفادته، حيث حضر كل من: نائب رئيس الوزراء وزير الاقتصاد والخارجية الأسبق رئيس حزب «الديمقراطية والتقدم» على باباجان، ونائب رئيس الحزب محمد أمين أكمن، ورئيس حزب «السعادة» محمود أريكان، إلى النيابة العامة تعبيراً عن دعمهم.

اتهام بالإهانة

ورفض داد أوغلو الإجابة عن أي أسئلة من الصحافيين، مرجعاً ذلك إلى «الحفاظ على اعتبار تركيا»، قائلاً: «أحترم القضاء؛ ولذلك أدليت بالشهادة المطلوبة مني».

داود أوغلو متحدثاً إلى الصحافيين عقب إدلائه بإفادته أمام النيابة العامة في أنقرة وبجانبه رئيس حزب «الديمقراطية والتقدم» على باباجان يوم الاثنين (إعلام تركي)

وفتح مكتب المدعي العام في أنقرة، الخميس الماضي، تحقيقاً ضد داود أوغلو بتهمة إهانة الرئيس رجب طيب إردوغان؛ بسبب مقطع فيديو نُشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يعود إلى عام 2021، ظهر فيه داود أوغلو وهو يتحدث مع مجموعة من المواطنين على أحد المقاهي في إحدى القرى التابعة لمدينة بينغول شرق تركيا.

وخلال حديثه في المقطع المصور، قال داود أوغلو منتقداً الرئيس إردوغان، دون ذكره بالاسم: «على عكس الوزراء الذين جاءوا من بعدي، لم أكسب قرشاً واحداً بشكل غير مشروع. قلت لهم لا تمدوا أيديكم، ولا تحققوا مكاسب غير مشروعة، لكنهم فعلوا. لقد جمعوا مليارات فوق ملياراتهم، ونهبوا المكاسب غير المشروعة، وأغنوا حاشيتهم والمحيطين بهم. عيّن (إردوغان) صهره (برات البيرق وزير الطاقة والموارد الطبيعية والخزانة والمالية سابقاً) وزيراً، وأثرى أقاربه، وسلّم تركيا إلى 5 مقاولين».

وقال مكتب المدعي العام، في بيان، إن النيابة باشرت تحقيقاً فورياً تلقائياً بموجب «الفقرة الأولى من المادة 299» من قانون العقوبات التركي، ضد أحمد داود أوغلو؛ بسبب تصريحات عُدّت مسيئة لرئيس الجمهورية، وتُدوولت على مواقع التواصل الاجتماعي.

وعقوبة «إهانة رئيس الجمهورية» الحبس بين سنة و4 سنوات، وفي حال ارتكاب الجريمة بشكل علني، تُزاد العقوبة بمقدار السدس، ويُشترط لبدء الملاحقة القضائية الحصول على إذن من وزير العدل.

صورة تجمع بين الرئيس التركي السابق عبد الله غل ورئيس الوزراء في ذلك الوقت الرئيس الحالي إردوغان ووزير الخارجية الأسبق أحمد داود أوغلو (أرشيفية - الرئاسة التركية)

وعمل داود أوغلو، وهو أكاديمي بارز مختص في العلوم السياسية وكان يُلقّب في أوساط حزب «العدالة والتنمية» الحاكم بـ«الأستاذ»، مستشاراً للرئيس السابق عبد الله غل، ثم لإردوغان في فترة رئاسته الوزراء، ثم وزيراً للخارجية. وتولّى رئاسة الحزب خلفاً لإردوغان بعد انتخابه رئيساً في 2014، حيث كان النظام البرلماني لا يسمح للرئيس بالانتماء إلى أي حزب، لكنه أعلن في عام 2016 استقالته من رئاسة الحزب بسبب خلافات مع إردوغان في نهج إدارته الحزب والبلاد.

وفي 2019، استقال داود أوغلو من «العدالة والتنمية» بعدما تعمّقت الخلافات مع إردوغان، وأسّس حزب «المستقبل» الذي عمل في البرلمان تحت مظلة «الطريق الجديد» التي ضمت أيضاً حزبي «الديمقراطية والتقدم» و«السعادة».

وأعلن داود أوغلو، بشكل مفاجئ في 30 يوليو (تموز) الماضي، قراره حل الحزب والانسحاب من العمل السياسي؛ عازياً ذلك إلى «فساد المناخ السياسي في تركيا»، ولافتاً إلى أن «القرار ليس استسلاماً أو تخلياً عن السياسة، لكنه جاء لوضع مسافة أخلاقية مع السياسة، ودعوةً للجميع لإعادة النظر فيها».

حزب كردي يستعد لمرحلة جديدة

على صعيد آخر، أعاد حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» التركي المؤيد للأكراد انتخاب رئيسَيه المشاركَين الحاليين، تونجر باكيرهان وتولاي حاتم أوغلاري، لرئاسة الحزب بجميع أصوات المندوبين المشاركين وعددهم 535 مندوباً، خلال مؤتمره العام العادي الـ5 الذي عقد في أنقرة واستمر حتى مساء الأحد، فيما انضم 33 اسماً جديداً إلى لجان وهياكل الحزب.

الرئيسان المشاركان لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» المؤيد للأكراد تونجر باكيرهان وتولاي حاتم أوغلاري في افتتاح المؤتمر العام الـ5 للحزب في أنقرة يوم الأحد (حساب الحزب على إكس)

وأعلن باكيرهان وأوغلاري في كلمتيهما، خلال افتتاح المؤتمر العام، أن هذا المؤتمر يشكل محطة للتحضير لمرحلة جديدة وتحول كبير، في ظل التطورات السياسية التي تشهدها تركيا ومسار البحث عن حلول ديمقراطية للقضايا العالقة، وفي مقدمتها القضية الكردية عبر «عملية السلام» القائمة على حل «حزب العمال الكردستاني» ونزع أسلحته، وتحول أعضائه إلى العمل السياسي في إطار ديمقراطي قانوني.

وقال باكيرهان إنه «بدءاً من اليوم، انطلقت (حركة الجمهورية الديمقراطية)»، مشدداً على أن حزبه يتطلع إلى لعب دور أكبر في إدارة تركيا.

دور بارز لـ«أوجلان»

وأوضحت المتحدثة باسم حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، عائشة غل دوغان، أن المؤتمر الـ5 للحزب سيكون «بداية مرحلة جديدة من إعادة الهيكلة»، وأن «التغيير والتحول الجذري الحقيقيين» سيحدثان في مؤتمر لاحق.

وأضافت أن انعقاد هذا المؤتمر كان ضرورياً بسبب ضيق الوقت المنصوص عليه في قانون الأحزاب السياسية، لافتة إلى أنه سبق تأجيله بسبب التركيز على التقدم في «عملية السلام».

أوجلان وضع برنامجاً لحزب سياسي كردي جديد في تركيا (أ.ف.ب)

وعقد المؤتمر العام الـ4 للحزب في 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وبموجب قانون الأحزاب السياسية، فإن الأحزاب التي لم تعقد مؤتمراتها العامة قبل سنتين من موعد أول انتخابات مقبلة تُحرم من الحق في خوض الانتخابات البرلمانية والرئاسية. ومن المقرر إجراء الانتخابات المقبلة في مايو (أيار) 2028، مع احتمال تقديم موعدها.

وأشارت المتحدثة إلى أنه يجري إعداد ميثاق وبرنامج جديدَين للحزب؛ بهدف التوافق مع مفهوم «الجمهورية الديمقراطية» الذي طرحه أوجلان.

في السياق، كشف الكاتب في موقع «كيسادالغا» الإخباري، سادات بوزكورت، عن أن التغيير الحقيقي في الحزب سيحدث في المؤتمر المقبل المقرر عقده خلال مارس (آذار) 2027، ولن يقتصر التغيير في هذا المؤتمر على القيادة فقط، بل سيشمل أيضاً اسمَ الحزب، ليصبح «حزب الجمهورية الديمقراطية»، وبرنامجَه.

وقال إن أوجلان هو من طرح الاسم، وأعد البرنامج الجديد للحزب، وإن «قيادته ستكون هيكلاً يتمتع فيه أوجلان بنفوذ حاسم، وسيديره من خلال أمانته العامة، وسيتولى بعض العائدين من الخارج والمفرج عنهم من السجون في إطار (عملية السلام) مواقع في إدارة الحزب الجديد».