مذكرات إملي نصر الله يمنع الكشف عنها قبل 2050

تُسلم إلى «الجامعة اليسوعية» في احتفالية خاصة

إملي نصر الله
إملي نصر الله
TT

مذكرات إملي نصر الله يمنع الكشف عنها قبل 2050

إملي نصر الله
إملي نصر الله

بعد سبع سنوات على رحيلها لا تزال عائلة الأديبة الراحلة إملي نصر الله تسعى جهدها لإبقاء إرثها حياً. وفي السابع من يوليو (تموز) المقبل، ستقام احتفاليةٌ لتسليم «المكتبة الشرقية» في «الجامعة اليسوعية» في بيروت، جزءاً من أرشيف نصر الله الغني الذي يستحق أن يوضع بين يدي أمينة بحيث تضمن له الحماية من جهة، ويكون في خدمة البحاثة والمهتمين بالأدب العربي من جهة أخرى. جمع هذا الأرشيف احتاج إلى عمل مضنٍ واستلزم سنوات، كي لا يذهب هذا الكنز في غياهب النسيان.

قبل وفاتها بعامين، قررت إملي نصر الله أن تهب «المكتبة الشرقية» في بيروت ما يقارب 17 وثيقة من أرشيفها الأدبي، إضافة إلى مقالاتها الصحافية التي كتبتها طوال 15 عاماً ولم تجمعها في كتاب، وأبحاث ومجموعة دراسات، هذا عدا مقالات نقدية وأخرى تناولت سيرتها، كانت قد احتفظت بها، مرتبة ومصنفة، تم تسليمها خلال حفل تكريمي أقيم في المناسبة.

صناديق الكنوز الأدبية

يومها، وصف رئيس «الجامعة اليسوعية» البروفسور سليم دكّاش تلك المناسبة بأنها «عزيزة على قلب الجامعة»، لأن إملي نصر الله «صوت لبنان الريفي العميق الذي نقل تفاصيل القرى والناس والذاكرة»، وترجم إلى الكثير من اللغات بينها الإنجليزية والإسبانية والألمانية والفنلندية والتايلندية والفرنسية.

«ظننا أن والدتي وهبت كل ما لديها في ذلك الوقت للجامعة اليسوعية» تقول مها نصر الله، ابنة الأديبة لـ«الشرق الأوسط»، «لكننا بعد وفاتها عام 2018 فوجئنا بوجود صناديق لا بل وصناديق كثيرة، ذات محتويات مهمة، فيها مقالات وصور ورسائل ووثائق مختلفة». وشرحت أن «هذا الأرشيف يحوي صوراً عائلية، وكذلك عثرنا على أجندات تحوي يومياتها حيث كانت تحرص على تسجيلها، وتغطي الفترة من 1989 إلى 2014، أي أنها كتبتها على مدى 26 سنة، إضافة إلى مراسلاتها الخاصة».

وتمنت مها، التي رافقت مسار والدتها عن قرب وهي ترسم لها أغلفة كتبها منذ كانت طفلة، لو تستطيع تصوير كل هذه المحفوظات وحمايتها بطريقة رقمية تضمن لها البقاء. لكنها لم تجد من يعينها على ذلك، إلى أن اتصلت بـ«جمعية موريس خير الله» في جامعة «نورث كارولينا» في أميركا التي قدمت دعماً تقنياً، مكنها من تصوير المستندات التي لديها وإرسالها إلى تلك الجامعة، التي تكفلت بالعناية بالأرشيف موثقاً وإتاحته للمهتمين على منصة إلكترونية.

الأرشيف الورقي يليق به الوطن

صحيح أن مها أعطت حقوق النشر الإلكتروني للأرشيف لجامعة «ساوث كارولينا» التي ساعدتها، لكنها ومن باب الحرص، أبقت على الأصول الورقية في حوزتها. «صدقاً، خشيت على هذه الثروة، أن تكون في مكان بعيد عنا، لا أعرف ما يحدث لها. لهذا فضلت استبقاءها في لبنان».

وجاءت الفرصة المناسبة حين اتصل بمها مدير الجامعة اليسوعية المهندس المعماري جوزف رستم من سنتين، يستوضح عما تبقى من الأرشيف، فوجدتها مناسبة أن يصبح ما أرسلته إلى «نورث كارولينا» محفوظاً ورقياً هنا في لبنان ولدى المكتبة الشرقية. وسيحتفى بنقل هذا الأرشيف في حفل يقام بهذه المناسبة الشهر المقبل، بوجود عائلة إملي نصر الله من أبناء وأحفاد، وشقيقها لبيب أبي راشد، كما ستكون هناك كلمات من بينها مداخلة لابنتها مها رئيسة جمعية «بيت طيور أيلول» الذي افتتح بعد وفاة الكاتبة.

سنة ونصف السنة والتواصل قائم بين وريثة إملي نصر الله و«الجامعة اليسوعية» لوضع تصور حول الأرشيف ودوره، وكيف سيعامل. وقد تم الاتفاق على أن يشمل الاهتمام بهذه التركة، إقامة المحاضرات والندوات ونقاشات ودراسات، لكن ربما الأهم، أن تبقى الأجندات، كما المراسلات الخاصة لإملي نصر الله، مخبأة غير موضوعة في التصرف حتى عام 2050. وتضيف مها ضاحكة: «أي لن يكشف عنها قبل أن نكون قد رحلنا جمعنا». هل هذا لأن ثمة أسراراً كبيرة وحساسة، تجيب مها: «لا توجد أسرار، لكن الخصوصية يجب أن تبقى محفوظة، فهذه كتابات حميمة، لم تدون في الأصل ليطلع عليها القراء. أمي كانت تكتبها لنفسها، لا لغيرها، لهذا نرى من المناسب أن لا نكشف عنها في الوقت الحاضر، كي لا نتسبب بأي حساسية لأحد».

إملي رتبت تركتها حتى الورقة الأخيرة

تصف مها والدتها بأنها كانت «شديدة التنظيم، وقد رتبت كل شيء. وما وجدناه لا يمكن إهماله، ويشكل ثروة يتوجب الاهتمام بها». لم تحتفظ بكتاباتها فقط، بل أرشفت بنفسها كل ما كتب عنها بطريقة منظمة للغاية. في السنوات الأخيرة من حياتها، فضّلت أن تتوقف عن الكتابة، وأن تكرس جهدها لتنظيم ما سبق لها وكتبته، وترتيبه بحيث تسهل إدارته. ليس ذلك فحسب. كان من عاداتها أن تصحو باكراً، وتذهب لشراء الصحف وقراءتها، والاحتفاظ بكل ما يكتب عنها مؤرشفاً ومرتباً. هكذا صدر الكتاب الذي يجمع كل ما صدر من مقالات حول كتابها «طيور أيلول»، ويكاد يكون لكل كتاب لها ما يشبه هذا المؤلف. وقد اعتنت بهذه المقالات، ولم تتردد في الاستعانة بمن يساعدها، ويعيد طباعة ما نشر عنها، كي تتمكن من الاحتفاظ به بطريقة تمنع ضياعها.

لا تريد مها أن تحفظ هذه التركة الأدبية فقط، وإنما أن تبقيها حية، متداولة، يستفيد منها الناس، ويعود إليها من يحتاجها في الوقت الذي يشاء. «لا نريد لهذا الإرث أن يبقى حبيس الخزائن، نعرف أنها مواد ثمينة، ونريد لها أن تكون حية باستمرار». ولكن هل هذه كانت وصية الأديبة لأبنائها، أن يهتموا بإرثها، بهذه الطريقة؟ «على الإطلاق، لم تقل شيئاً في هذا الموضوع. اكتفت بما أعطته من مخطوطات للجامعة اليسوعية».

وعما إذا تم العثور على أعمال أدبية غير منشورة، تقول مها: «ثمة ما عثرنا عليه، لن أتحدث عنها جميعها، لكنني وجدت قصة للأطفال بعنوان (الولد) وضعتها أمي قديماً ولم تنشرها. كما عثرت على كاسيت سجلت عليه بصوتها نصاً آخر بعنوان (كوخ جدو تمار)، وهو مسرحية، ولم أعثر لها على مرادف مكتوب، لذا فرّغت الشريط، وهي في طور الطباعة عند (هاشيت - أنطوان)». وحين علمت الفنانة نويل كسرواني بالأمر، تحمست وستقدم فيلم تحريك مستوحى من المسرحية مقروناً بصوت أملي نصر الله، وستضيف عليه بطريقتها. تخبرنا مها أن «هناك قصتين للأطفال ورسائل، وأشياء أخرى. وأذكر من بين المراسلات رسالة جميلة للغاية كتبها لها الفنان التشكيلي عارف الريس، وقد تواصلت مع (دار نلسن) لإصدارها، وقد تبصر النور قريباً».

بيت «طيور أيلول» مهدد باستمرار

يكتب لعائلة إملي نصر الله، تحديداً ابنتها مها، أنها في غياب أي مبادرات حكومية في لبنان لحماية إرث الكتّاب، بقي اهتمامها بما تركته والدتها متواصلاً. فبعد ستة أشهر على غيابها تم إصدار كتابها الأخير الذي لم يمهلها الوقت لتراه منشوراً، وعنوانه: «المكان». تتحدث فيه الأديبة عن سيرتها الذاتية منذ كانت طفلة صغيرة. أما المشروع البديع الذي يحتاج اهتماماً دائماً، فهو «بيت طيور أيلول». هو منزل عائلة والدة إملي القديم في قرية الكفير الجنوبية، يعود عمره إلى مائة سنة، اشترته وهي على قيد الحياة، لأنها تربت فيه بعد أن ولدت في قرية والدها كوكبا. ومن الكفير استوحت الكثير من شخصياتها وقصصها. تم تحويل البيت إلى مركز لجمعية تحمل اسم روايتها الأولى «طيور أيلول» وهو أقرب إلى مركز ثقافي ومتحف، ومكان لإقامة فنانين.

الانتقادات لا تعنيها

في البيت بعض مقتنيات الأديبة الراحلة، وفيه مكتبها ومكتبتها، وجهّزت غرفة نوم كي تكون صالحة لاستقبال أي فنّان أو باحث مهتمّ بإملي أو حتى بالمنطقة عموماً، إذ مقدوره الإقامة هنا لإتمام ما يريد إنجازه.

كانت ثمة رغبة من العائلة بنقل الأرشيف كاملاً إلى هذا البيت الجميل لكن المخاطر المحدقة به في الجنوب على الحدود مع إسرائيل حالت دون ذلك.

«حكّاءة الريف» كما أُطلق عليها أو «أم الرواية اللبنانية» أو «روائية المنفى»، ثمة من أخذ عليها هدوءها ورصانتها، في زمن الثورات النسوية، والكتابات الصاخبة التغييرية، فهل كانت تنزعج من ذلك. تضحك مها وتقول: «والدتي لم تكن تحب الاستعراضية، ولم تعبأ بكل هذا الكلام. كانت تكتب بصدق، وبطريقتها، ولا تلتفت للانتقادات، ولا تهتم لها».


مقالات ذات صلة

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار
ثقافة وفنون سيرة سينمائية بلا ماكياج

سيرة سينمائية بلا ماكياج

في كتابه «صانع النجوم حلمي رفلة - سيرة سينمائية بلا ماكياج» الصادر عن دار «آفاق» بالقاهرة، يتتبع الشاعر جرجس شكري سيرة واحد من المؤسسين الأوائل لصناعة الفيلم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.