إيران تشكك في «التزام» إسرائيل بوقف إطلاق النار

عراقجي طالب الأمم المتحدة بإدانة «العدوان الأميركي - الإسرائيلي»

أشخاص يركبون دراجة نارية في حين تظهر في الخلفية آثار الضربة الإسرائيلية على سجن إيفين (رويترز)
أشخاص يركبون دراجة نارية في حين تظهر في الخلفية آثار الضربة الإسرائيلية على سجن إيفين (رويترز)
TT

إيران تشكك في «التزام» إسرائيل بوقف إطلاق النار

أشخاص يركبون دراجة نارية في حين تظهر في الخلفية آثار الضربة الإسرائيلية على سجن إيفين (رويترز)
أشخاص يركبون دراجة نارية في حين تظهر في الخلفية آثار الضربة الإسرائيلية على سجن إيفين (رويترز)

أعربت السلطات الإيرانية الأحد عن شكوكها بشأن استمرار إسرائيل في احترام الاتفاق، رغم التزام الطرفين مبدئياً بوقف إطلاق النار لليوم السادس على التوالي.

وقال رئيس هيئة الأركان الإيرانية، عبد الرحيم موسوي، في حديث مع وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، إن «إيران مستعدة لردّ قوي إذا كررت إسرائيل عدوانها،» مشيراً إلى أن «طهران لم تبدأ الحرب، لكنها ردت بكل قوتها على المعتدي».

ونقل التلفزيون الرسمي الإيراني عن موسوي قوله: «لدينا شكوك جدية حيال امتثال العدو لالتزاماته، بما في ذلك وقف إطلاق النار. ونحن على استعداد للرد بقوة» إذا تعرضت إيران للهجوم مجدداً.

واتفقت إيران وإسرائيل على وقف إطلاق النار الثلاثاء. وعلى الرغم من تبادل الاتهامات بينهما بانتهاك الاتفاق في الساعات التي تلت الإعلان عنه، فقد سارع كل منهما إلى إعلان النصر الكامل. وأنهى وقف إطلاق النار حرباً جوية استمرت 12 يوماً بين الجانبين. وشنت إسرائيل هجوماً مباغتاً فجر 13 يونيو (حزيران)، واستهدفت الضربات مواقع عسكرية ونووية في إيران، تخللتها عمليات اغتيال باستهداف شقق في مبانٍ سكنية. وشاركت الولايات المتحدة في الحرب بتوجيه ضربات إلى منشآت نووية إيرانية.

وردت إيران في اليوم التالي بهجوم صاروخي استهدف «قاعدة العديد» التي تستخدمها القوات الأميركية في قطر، مما أثار تنديداً من دول الخليج. وتوسطت قطر لاحقاً في اتفاق لوقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل.

وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن طهران مستعدة لبدء صفحة جديدة في العلاقات مع دول الجوار في منطقة الخليج.

ونقل موقع الرئاسة الإيرانية عن بزشكيان قوله إن «سياسة الجوار وتطوير العلاقات مع دول المنطقة يعدّان من الاستراتيجيات الأساسية (للحكومة)؛ نظراً للحاجة إلى التضامن بين الدول الإسلامية، وبهدف توسيع التعاون الشامل».

وقال إن «الجمهورية الإسلامية مستعدة للتعاون الكامل مع مجلس التعاون لدول الخليج، ومن خلال هذا المسار نعلن استعدادنا لبدء فصل جديد من العلاقات مع جيراننا في منطقة الخليج».

بزشكيان يترأس اجتماعاً لحكومته الأحد (الرئاسة الإيرانية)

وأفادت تقارير، في وقت مبكر الأحد، بتفعيل منظومات الدفاع الجوي في عدد من المدن الإيرانية، وذلك لليلة الثانية على التوالي بعد إعلان وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل. وأظهرت مقاطع فيديو عديدة نشرها سكان مدينة شيراز، مركز محافظة فارس في جنوب البلاد، تصدي الدفاعات الجوية لما وصفته وسائل إعلام إيرانية بـ«الأهداف المشبوهة».

كما وردت تقارير عن تفعيل الدفاعات الجوية في مدينتَي نسيم شهر، وإسلام شهر، الواقعتين غرب العاصمة طهران، وكذلك مدينة بوكان ذات الأغلبية الكردية في شمال غربي البلاد قرب الحدود التركية.

وخلال 12 يوماً سبقت إعلان الهدنة، أعلنت إيران مقتل نحو 40 قائداً عسكرياً إيرانياً، وأكثر من 15 عالماً نووياً، وقالت إسرائيل إنها استهدفت ثماني منشآت نووية في إيران، وأكثر من 720 موقعاً للبنية التحتية العسكرية. وقد قُتل أكثر من 1000 شخص، بينهم 417 مدنياً على الأقل، وفقاً لمنظمة نشطاء حقوق الإنسان «هرانا»، ومقرها واشنطن.

ورداً على ذلك، أطلقت إيران أكثر من 550 صاروخاً باليستياً باتجاه إسرائيل، تم اعتراض معظمها، إلا أن بعضها تسبب في أضرار جسيمة في عدة مناطق، وأسفر عن مقتل 28 شخصاً.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، إنه أنقذ خامنئي من الاغتيال، ووجّه انتقادات حادة له اتّهمه فيها بالجحود، مؤكداً أنه سيأمر بمزيد من الضربات ضد إيران إذا تبيّن أنها قادرة على تخصيب اليورانيوم للاستخدام العسكري.

وجاء ذلك غداة خطاب متلفز للمرشد الإيراني، علي خامنئي، الخميس، قال فيه إن إيران «انتصرت» على أميركا وإسرائيل، وتعهد عدم الرضوخ للضغوط الأميركية، وأصر على أن واشنطن تلقت «صفعة» مهينة.

وبدوره، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الثلاثاء «انتصاراً تاريخياً» بعد دخول وقف إطلاق النار الهش حيز التنفيذ، قائلاً إن إسرائيل حققت هدفها بإزالة التهديد النووي وتهديد الصواريخ الباليستية الإيرانية.

مطالبة الأمم المتحدة بإدانة العدوان

في رسالة وجّهها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، السبت، طالب عراقجي بأن تعترف المنظمة الدولية بكل من إسرائيل والولايات المتحدة كـ«مبادرين بالعدوان ضد إيران»، مضيفاً أن «استهدافهما لدولة ذات سيادة وشعبها يستوجب التعويض والمساءلة».

وقال عراقجي في الرسالة: «على مجلس الأمن أن يحمّل المعتدين المسؤولية، ويمنع تكرار مثل هذه الجرائم البشعة، لكي يتمكن من الحفاظ على السلم والأمن الدوليين». وأضاف: «نطلب رسمياً من مجلس الأمن الدولي الاعتراف بالكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة باعتبارهما البادئَين بالعمل العدواني، والاعتراف بمسؤوليتهما اللاحقة، بما في ذلك دفع تعويضات وإصلاحات».

موكب تشييع القادة العسكريين الإيرانيين والعلماء النوويين وآخرين قُتلوا في الضربات الإسرائيلية في طهران السبت (رويترز)

في الأثناء، أعلن مجيد أنصاري، نائب الرئيس الإيراني في الشؤون القانونية، عن تشكيل «لجنة قانونية خاصة» لتوثيق آثار الهجمات التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة، ومتابعة القضية في المحافل الدولية.

وقال أنصاري إن اللجنة تقوم بتقدير حجم الدمار الذي لحق بالمناطق السكنية، والهجمات التي استهدفت المراكز التعليمية، والصحية، والإعلامية، والبنى التحتية للخدمات العامة، وذلك بالاعتماد على معلومات دقيقة.

وقدم الوزراء الإيرانيون تقارير إلى الرئيس مسعود بزشكيان عن الخسائر والأضرار الناتجة عن الحرب التي استمرت 12 يوماً في القطاعات التابعة لهم، مع التركيز على أوضاع المواطنين الذين تضررت منازلهم جراء الهجمات الإسرائيلية، حسبما أورد موقع الرئاسة الإيرانية.

«توقف مؤقت للقتال»

وصرح النائب والقائد في «الحرس الثوري» الإيراني، الجنرال إسماعيل كوثري، في مقابلة صحافية، بأن إيران «لم تعلن وقف إطلاق النار»، مشدداً على أن بلاده في مرحلة «توقف مؤقت للقتال». وأضاف كوثري في حديث لموقع «إيران أوبزيرفر» الإخباري، أن «القوات المسلحة ستردّ على اغتيال المسؤولين الإيرانيين من قبل أميركا والصهاينة»، مشيراً إلى أن «الاستعدادات لاستهداف القواعد الأميركية بدأت منذ أكثر من شهر».

وقال كوثري إنه «يجب أن يكون واضحاً أننا لسنا حالياً في حالة وقف لإطلاق النار، بل في مرحلة توقف مؤقت للعمليات القتالية، وهذا يعتمد على الطرف المقابل ومتى يقرر استئناف القتال. حتى الآن، لم يُبرَم أي اتفاق لوقف إطلاق النار». وأضاف أن «العدو ارتكب أخطاء كثيرة في حساباته، وكان يأمل أن تؤدي هجماته إلى اضطراب داخلي في إيران».

وتابع كوثري، وهو عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني: «يجب أن تدرك الإدارة الأميركية، بما في ذلك ترمب، وكذلك الصهاينة، أن القوات المسلحة الإيرانية سترد بشكل حاسم ومدمّر على أي تهديد يستهدف المسؤولين الرسميين في البلاد، لا سيما التهديدات بالاغتيال، وسيلقون عاقبة أشد من عملية (الوعد الصادق 3). لم نستهِن يوماً بتهديدات العدو».

خسائر سجن إيفين

وقال القضاء الإيراني، الأحد، إن الهجوم الإسرائيلي على سجن إيفين في طهران أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 71 شخصاً.

ويُحتجز في هذا السجن الشديد الحراسة الواقع في شمال طهران، معارضون وسجناء أجانب أو مزدوجو الجنسية. وتُحتجز فيه نرجس محمدي الحائزة جائزة «نوبل للسلام».

ونشر المتحدث باسم القضاء، أصغر جهانغير، بياناً عبر وكالة «ميزان»، التابعة للقضاء، أشار فيه إلى أن القتلى الذين سقطوا يوم الاثنين شملوا موظفين وعسكريين وسجناء وأفراداً من العائلات الزائرة. ولم يكن من الممكن التحقق بشكل مستقل من هذه الادعاءات.

ووقع الهجوم يوم 23 يونيو؛ أي قبل يوم واحد من بدء سريان وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، وأصاب عدة مبانٍ في السجن، مما أثار قلق منظمات حقوق الإنسان بشأن سلامة السجناء.

ولا يزال من غير الواضح لماذا استهدفت إسرائيل هذا السجن تحديداً، غير أن وزارة الدفاع الإسرائيلية كانت قد أعلنت في ذلك اليوم أنها كانت تستهدف «مراكز النظام وأجهزة القمع الحكومية في قلب طهران». لكن الهجوم على سجن إيفين سرعان ما طغت عليه الأنباء عن الهجوم الإيراني على قاعدة أميركية في قطر في اليوم نفسه، وهو الهجوم الذي لم يسفر عن سقوط ضحايا، إلى جانب إعلان وقف إطلاق النار.

وأشار جهانغير إلى أن الهجوم الإسرائيلي استهدف العيادة الطبية، ومبنى الهندسة، وقسم الشؤون القضائية، وصالة الزيارات، حيث سقط عدد من القتلى والمصابين من الزوار.

وفي يوم الهجوم، أدان مركز حقوق الإنسان في إيران، ومقره نيويورك، إسرائيل على استهدافها سجن إيفين، واعتبر ذلك انتهاكاً لمبدأ التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية.

في الوقت نفسه، وجّه نشطاء حقوق الإنسان اتهامات للسلطات الإيرانية بالتقصير، قائلين إن إيران كانت ملزمة قانوناً بحماية السجناء في سجن إيفين، لكنها أخفقت في الإجلاء، وتقديم المساعدات الطبية، وإبلاغ العائلات بعد الهجوم.

وقال جهانغير إن بعض المصابين تلقوا العلاج في موقع السجن، في حين نُقل آخرون إلى المستشفيات.

والثلاثاء، أعلنت السلطات الإيرانية «نقل» عدد غير محدّد من المحتجزين إلى سجون أخرى. وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، إنّ الفرنسيَّين سيسيل كوهلر وجاك باريس، المحتجزَين في سجن إيفين منذ ثلاث سنوات «لم يصابا بأذى»، واصفاً الضربة الإسرائيلية التي استهدفت السجن بأنها «غير مقبولة».

تجريم استخدام «ستارلينك»

إلى ذلك، صوّت البرلمان الإيراني لصالح تجريم استخدام خدمة الإنترنت الفضائي «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس»، مع فرض عقوبات تشمل الغرامة أو الجلد أو السجن حتى عامين للمخالفين، وفقاً لوكالة «إسنا».

وتُعد «ستارلينك» من الوسائل القليلة غير المرخصة رسمياً، والتي يستخدمها الإيرانيون لتجاوز قيود الإنترنت الصارمة، لا سيما خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل.

كما أقر البرلمان قانوناً جديداً يزيد من العقوبات على التجسس، قد تصل إلى الإعدام في حالات «التعاون العملي» مع جهات أجنبية، في خطوة وصفها مراقبون بأنها تهديد مباشر للمعارضين.

وكانت السلطات قد نفذت عدة إعدامات بتهم التجسس لصالح إسرائيل خلال الحرب، وأعلنت عن المئات؛ ما أثار مخاوف من تشديد الأجواء الأمنية في البلاد بعد انتهاء النزاع.

غموض يلف وضع البرنامج النووي

وليل 21 إلى 22 يونيو، شنّت الولايات المتحدة ضربات على ثلاثة مواقع نووية إيرانية رئيسية. ولا يزال من غير الواضح مدى الأضرار التي لحقت بالبرنامج النووي الإيراني. والجمعة، توعّد ترمب بأن تعاود الولايات المتحدة توجيه ضربات إلى إيران في حال قامت الأخيرة بتخصيب اليورانيوم للاستخدام العسكري.

صورة من قمر «ماكسار» تُظهر حفراً ناجمة عن غارات جوية عند مدخل منشأة «فوردو» في ضواحي قم (أ.ف.ب)

ووفق الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، فإنّ إيران هي القوة غير النووية الوحيدة التي تقوم بتخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة، وتؤكد الوكالة أنه لا يوجد بلد آخر خصَّب اليورانيوم إلى مستوى 60 في المائة دون إنتاج أسلحة نووية، علماً بأن سقف مستوى التخصيب كان محدداً عند 3.67 في المائة في اتفاق عام 2015.

وصرّح رافائيل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، في مقابلة مع شبكة «سي بي إس»، بأن القدرات النووية الإيرانية لا تزال قائمة، لكنه أكد أنه من المستحيل تقييم حجم الأضرار بدقة ما لم يُسمح للمفتشين بالدخول، وهو ما ترفضه إيران حتى الآن.

وقال غروسي: «من الواضح أن هناك أضراراً جسيمة، لكنها ليست تامة. وإيران لا تزال تحتفظ بالقدرات الصناعية والتكنولوجية. وإذا أرادت، يمكنها استئناف العمل من جديد».


مقالات ذات صلة

سويسرا تعرض الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران

شؤون إقليمية لاريجاني يلتقي مستشار الأمن القومي ونائب وزير الخارجية السويسري غابرييل لوشينغر بطهران في أغسطس الماضي (جماران)

سويسرا تعرض الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران

عرضت سويسرا القيام بدور وساطة دبلوماسية بين واشنطن وطهران، في وقت يتصاعد فيه التوتر على خلفية الاحتجاجات في إيران وتلويح أميركي بخيارات تصعيدية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب) play-circle

استجواب رئيس القضاء الإيراني لمحتجين يثير مخاوف من «اعترافات قسرية»

ظهر رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي وهو يستجوب بشكل مباشر موقوفين على هامش الاحتجاجات الأخيرة في إيران، ما يعزّز مخاوف من استخدام «الاعترافات القسرية»

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية صورة نشرها حساب عراقجي على شبكة «تلغرام» من حضوره في مراسم تشييع عناصر قوات الأمن في طهران الأربعاء

عراقجي يقود تحركاً دبلوماسياً متعدد المسارات في مواجهة الضغوط الغربية

واصل وزير الخارجية الإيراني تحركاته الدبلوماسية على أكثر من مسار، مكثفاً الاتصالات مع نظرائه الإقليميين والدوليين لشرح موقف طهران من التطورات الداخلية.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية ترمب يحيي ضابطاً في الجيش الأميركي قبل صعوده على متن «مارين 1» في قاعدة أندروز المشتركة بماريلاند الثلاثاء (أ.ب)

ترمب يفتح باباً للدبلوماسية مع طهران… ويبقي الخيار العسكري

نقلت الولايات المتحدة السجالات الدولية حول الاحتجاجات الشعبية الدامية في إيران إلى قاعة مجلس الأمن فاتحة الباب ولو بشكل مؤقت أمام الجهود الدبلوماسية المكثفة

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية سيارات تسير في طهران تحت لافتة كتب عليها «هذا ليس احتجاجاً» الخميس (أ.ف.ب)

احتجاجات إيران تخفت… وواشنطن تراقب دون حسم

في لهجة بدت أقل حدة أعرب الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن أمله في استمرار تراجع إيران عن اللجوء إلى أحكام الإعدام بحق المحتجين

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)

احتجاجات إيران تتراجع... وترمب يراقب

سيارات تسير في طهران تحت لافتة كتب عليها «هذا ليس احتجاجاً» الخميس (أ.ف.ب)
سيارات تسير في طهران تحت لافتة كتب عليها «هذا ليس احتجاجاً» الخميس (أ.ف.ب)
TT

احتجاجات إيران تتراجع... وترمب يراقب

سيارات تسير في طهران تحت لافتة كتب عليها «هذا ليس احتجاجاً» الخميس (أ.ف.ب)
سيارات تسير في طهران تحت لافتة كتب عليها «هذا ليس احتجاجاً» الخميس (أ.ف.ب)

تراجعت الاحتجاجات الشعبية في إيران، أمس، بينما تواصل الولايات المتحدة مراقبة التطورات من دون الإعلان عن خطوات حاسمة، بالتوازي مع تصاعد الضغوط السياسية، وفرض عقوبات جديدة.

وخفف الرئيس الأميركي دونالد ترمب من نبرته الحادة تجاه إيران، وعبّر عن أمله في استمرار امتناع طهران عن تنفيذ أحكام الإعدام بحق المحتجين، مشيراً إلى معلومات تفيد بتراجع حدة القتل. وقال ترمب إن إدارته تتابع الوضع «من كثب»، مع إبقاء جميع الخيارات مطروحة.

جاء ذلك، بعدما حاول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خفض حدة التوتر، ونفى في مقابلة مفاجئة مع قناة «فوكس نيوز» «أي خطة للإعدام شنقاً»، ودعا إلى تغليب الدبلوماسية.

وتراجعت وتيرة الاحتجاجات في طهران، ومدن أخرى. وأفاد أشخاص من داخل إيران بأن انقطاع الإنترنت، وتشديد الإجراءات الأمنية أسهما في خفض زخم التحركات، مقابل تصاعد الاعتقالات.

وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات جديدة استهدفت أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، وقادة في «الحرس الثوري»، على خلفية اتهامهم بالضلوع في قمع الاحتجاجات.


سويسرا تعرض الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران

لاريجاني يلتقي مستشار الأمن القومي ونائب وزير الخارجية السويسري غابرييل لوشينغر بطهران في أغسطس الماضي (جماران)
لاريجاني يلتقي مستشار الأمن القومي ونائب وزير الخارجية السويسري غابرييل لوشينغر بطهران في أغسطس الماضي (جماران)
TT

سويسرا تعرض الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران

لاريجاني يلتقي مستشار الأمن القومي ونائب وزير الخارجية السويسري غابرييل لوشينغر بطهران في أغسطس الماضي (جماران)
لاريجاني يلتقي مستشار الأمن القومي ونائب وزير الخارجية السويسري غابرييل لوشينغر بطهران في أغسطس الماضي (جماران)

عرضت سويسرا القيام بدور وساطة دبلوماسية بين واشنطن وطهران، في وقت يتصاعد فيه التوتر على خلفية الاحتجاجات في إيران وتلويح أميركي بخيارات تصعيدية.

وأفادت وزارة الخارجية السويسرية، اليوم (الخميس)، بأن مدير إدارة الأمن الدولي ونائب وزير الخارجية، غابرييل لوشينغر، أجرى اتصالاً هاتفياً مع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني.

وأوضحت الوزارة أن لوشينغر عرض، خلال المحادثة، أن تتولى سويسرا دور الوساطة للمساعدة في تهدئة الوضع الراهن.

ويأتي ذلك في ظل تصاعد التوتر منذ اندلاع الاحتجاجات الواسعة في إيران قبل أكثر من أسبوعين، إذ لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً بإمكانية التدخل عسكرياً.

وفي وقت سابق، قال مكتب لاريجاني، في بيان، إن الاتصال تناول العلاقات الثنائية وآخر التطورات الإقليمية، مشدداً على الدور البنّاء لسويسرا وسجلها الإيجابي في تسوية الأزمات بالطرق السلمية، لكنه قال إن بلاده «لن تكون غير فعّالة إزاء الخطاب التهديدي الأميركي».

وأضاف البيان الإيراني أن مستشار الأمن القومي السويسري أعلن استعداد بلاده الكامل للاضطلاع بدور بناء يسهم في خفض التوتر في الظروف الراهنة.

وتمثل سويسرا المصالح الأميركية في طهران، في ظل غياب تمثيل دبلوماسي مباشر لواشنطن هناك منذ عام 1980، عقب قطع العلاقات بين البلدين بعد أحداث عام 1979.


استجواب رئيس القضاء الإيراني لمحتجين يثير مخاوف من «اعترافات قسرية»

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
TT

استجواب رئيس القضاء الإيراني لمحتجين يثير مخاوف من «اعترافات قسرية»

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)

ظهر رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي وهو يستجوب بشكل مباشر موقوفين على هامش الاحتجاجات الأخيرة في إيران، ما يعزّز مخاوف منظمات حقوقية من استخدام سلطات طهران «الاعترافات القسرية».

وعرض التلفزيون الرسمي، الخميس، لقطات تظهر غلام حسين محسني إجئي، صاحب المسيرة الطويلة في الجهاز القضائي، والذي صدرت في حقه عقوبات من الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، مستجوباً عدداً من الأشخاص الذين تتهمهم السلطات بأنهم «مثيرو شغب».

بثّ التلفزيون مشاهد تبيّن إجئي، وهو وزير سابق للاستخبارات وكبير المدعين العامين في طهران، مستجوباً امرأتين محتجزتين جرى إخفاء وجهيهما، وقد انهارتا بالبكاء أثناء الاستجواب، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

في اليوم السابق، أمضى إجئي خمس ساعات داخل أحد سجون طهران لتفحّص قضايا سجناء جرى توقيفهم خلال الاحتجاجات، وفق ما ذكر التلفزيون الرسمي الذي عرض لقطات له وهو يستجوب بعض المحتجزين.

وبحسب منظمات حقوقية، بثّ التلفزيون الرسمي العشرات من هذه «الاعترافات» لأفراد متهمين بالاعتداء على قوات الأمن، وأعمال عنف أخرى خلال المظاهرات.

وقالت منظمة «حقوق الإنسان في إيران» (إيران هيومن رايتس) ومقرها النرويج إن «وسائل الإعلام الحكومية بدأت ببثّ اعترافات قسرية للمتظاهرين في غضون أيام من اندلاع الاحتجاجات».

وأضافت: «إنّ بثّ اعترافات انتُزعت تحت الإكراه، والتعذيب قبل بدء الإجراءات القانونية يُعدّ انتهاكاً لحقّ المتهمين في مبدأ قرينة البراءة»، أي إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.

في مثال آخر، ذكرت منظمة «هرانا» (HRANA) الحقوقية، ومقرها في الولايات المتحدة أن فتاتين مراهقتين اعتُقلتا في مدينة أصفهان بوسط البلاد ظهرتا في «اعترافات قسرية» قالتا فيهما إنهما تلقّتا أموالاً من أحد الأشخاص للمشاركة في الاحتجاجات.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يؤدي القسم إلى جانب رئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي (التلفزيون الرسمي)

ويأتي استخدام هذه الاعترافات في ظلّ حملة قمع الاحتجاجات التي تقول منظمات حقوقية إنها خلّفت آلاف القتلى في مسيرات بدأت احتجاجاً على الوضع المعيشي، وتحوّلت لترفع شعارات سياسية مناهضة للنظام والمرشد الإيراني علي خامنئي.

التحرك «بسرعة»

في أحدث اللقطات، ظهر إجئي جالساً في غرفة محاطاً بمسؤولين آخرين وخلفهم صورة لخامنئي، والمرشد الإيراني الأول الخميني، فيما كانت المعتقلة جالسة على كرسي مقابل.

يتواصل مشهد الاعترافات المصوّرة بعرض لقطات تظهر هذه المرأة المتهمة بتوجيه رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهي تقول: «لقد فعلتُ شيئاً لا أستطيع أن أغفره لنفسي». يسألها إجئي بصوت خافت وهو يضم يديه: «لماذا... ومن أجل من؟».

كذلك تظهر الاعترافات امرأة أخرى متهمة بإلقاء كتل خرسانية على قوات الأمن في طهران من شرفة منزلها.

ورداً على إلحاح إجئي بالسؤال عن «اليوم» الذي قامت فيه بالفعلة المنسوبة إليها، و«كيف عرفت أنهم ضباط؟»، تجيب المرأة: «لا أعرف ما حدث، لماذا فعلتُ هذه الحماقة؟». ولم يُقدَّم أي دليل إضافي على تورطهما بالأفعال المفترضة المنسوبة إليهما.

في العام 2024، وصفت منظمة «متحدون ضد إيران النووية» التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً، إجئي الذي تعهّد بـ«محاكمات سريعة» للمعتقلين، بأنه «منفذ قاسٍ لأحكام إيران، ولا يكترث لحقوق الإنسان».

كما تتهمه جماعات معارضة بالتورط في الإعدام الجماعي للسجناء السياسيين في إيران عام 1988.

وقالت منظمة «مراسلون بلا حدود» غير الحكومية المعنية بحرية الإعلام، إن إجئي «لطخ يديه بدماء الصحافيين»، مشيرة إلى أنه في عام 2004 عضّ صحافياً من كتفه أثناء مناظرة.

وقال إجئي، الأربعاء، «إذا قام أحد بحرق شخص أو قطع رأسه ثم حرق جسده، علينا أن نقوم بعملنا بسرعة». وأضاف: «مع أي تأخير، لن يكون للأمر التأثير نفسه».