الصين وإيران وإسرائيل... لعبة التوازن في شرقٍ يتغير

حول صمت «التنين» الكبير إزاء أحدث حروب المنطقة

آثار القصف الإسرائيلي على طهران (رويترز)
آثار القصف الإسرائيلي على طهران (رويترز)
TT

الصين وإيران وإسرائيل... لعبة التوازن في شرقٍ يتغير

آثار القصف الإسرائيلي على طهران (رويترز)
آثار القصف الإسرائيلي على طهران (رويترز)

تعود العلاقات بين الصين وإيران إلى آلاف السنين حين كانت «طريق الحرير» القديمة الرابط الحيوي بين حضارتين عظميين. في عمق التاريخ هذا، لم تكن تلك الطرق مجرد مسارات تجارية لنقل البضائع، بل كانت أيضاً جسوراً للتبادل الثقافي والفكري والديني بين الشرق والغرب. وبالفعل تبادل الفرس والصينيون السلع... من الحرير والتوابل إلى الأحجار الكريمة والتقاليد الفنية. وكانت هذه العلاقات تضرب بجذورها في التقاليد والسياسات والتأثيرات الثقافية التي ظلت تلون هذه العلاقات حتى اليوم. وعبر القرون شكّل هذا التفاعل أساساً متيناً لشراكة استراتيجية معاصرة تتجاوز مجرد المصالح الاقتصادية، لتصل إلى تلاقح حضاري يعكس طموحات مشتركة لعالم متعدد الأقطاب وأكثر توازناً. ثم، بالإضافة إلى الروابط التاريخية، شهدت العلاقات الصينية الإيرانية في العصر الحديث تطوراً متسارعاً، خاصة بعد إطلاق بكين مبادرة «الحزام والطريق» عام 2013 التي تضع إيران في موقع جيوستراتيجي بالغ الأهمية بصفتها «نقطة وصل» حيوية بين آسيا الوسطى والشرق الأوسط. وفي هذا الإطار، أبدت الصين التزاماً واضحاً بالاستثمار في تحديث البنية التحتية الإيرانية، من طرق وسكك حديدية وموانٍ، لتسهيل تدفق البضائع والطاقة بما يعزّز فرص التنمية الاقتصادية المشتركة ويقوي الترابط الإقليمي، رغم أن وتيرة التنفيذ الفعلي لا تزال محدودة بفعل العقوبات والظروف الجيوسياسية.

اليوم في مشهد إقليمي متقلّب، ووسط صواريخ متبادلة وتصريحات حادة وتدخلات مباشرة، ظهر الموقف الصيني كما اعتاد العالم رؤيته خلال السنوات الأخيرة: هادئاً ومتريثاً، وإن كان كما يرى مراقبون راصدون «محمّلاً برسائل مدروسة تتجاوز اللحظة».

وحقاً، يلاحَظ أنه حين اندلعت المواجهة العسكرية الأخيرة بين إيران وإسرائيل في منتصف يونيو (حزيران) 2025، وقفت بكين في موقع ليس محايداً تماماً ولا منحازاً لأحد، بل في موقع مَن يعرف كيف يدير التوازنات ولا يحترق بشظاياها.

ومن جهة ثانية، عُرفت القيادة الصينية، ولا سيما خلال العقود الأخيرة، بقدرتها على إدارة علاقاتها الدولية ضمن سياسة «الحياد النشط» التي تمكّنها من المحافظة على مصالحها الحيوية من دون الدخول في صراعات مباشرة.

هذا الأسلوب أتاح ويتيح لبكين أن تكون لاعباً محورياً في الملفات الأكثر تعقيداً، لكونها تدير شبكة من العلاقات المتوازنة مع عدة أطراف متنازعة. وفي الشرق الأوسط، تحديداً، فإن استراتيجيتها ترتكز على تجنب الاصطفاف مع أي جهة بشكل كامل، ومن ثم الحرص على التمسك بالحوار والتفاوض والسعي لتخفيف التوترات التي قد تهدد «أمنها الاقتصادي»... خاصة في مجال الطاقة.

وقف إطلاق النار

يوم 24 يونيو 2025، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ما وصفه بـ«وقف إطلاق نار شامل وكامل» بين إسرائيل وإيران، وأعرب عن أمله بأن يتحول إلى اتفاق دائم. وكانت قد سبقت الإعلان أيام من القصف المتبادل والتهديدات النووية التي حبست أنفاس المنطقة والعالم، وبلغت ذروتها مع دخول الولايات المتحدة بشكل مباشر على خط التصعيد، عبر تنفيذ ضربات على منشآت نووية إيرانية في سابقة عدّتها طهران انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.

لقد بدا الإعلان مفاجئاً، لكنه لم يكن معزولاً عن الضغوط الدولية المتزايدة، خاصةً مع اقتراب الأمور من حافة انفجار يصعب احتواؤه. والحقيقة، أن هذا الإعلان من جانب واشنطن كان يحمل دلالات مهمة على أكثر من مستوى. فهو يعكس رغبة في احتواء المواجهة، لكنه أيضاً يشير إلى رغبة في إعادة ترتيب الأوراق الإقليمية والدولية بما يتلاءم مع مصالح القوى الكبرى من دون السماح لأي تصعيد بأن يخرج عن السيطرة.

الصين، بطبيعة الحال، تابعت هذا التطوّر بعناية، لكونها تدرك أن استمرار النزاع ستكون له تبعات سلبية على أمن الطاقة واستقرار الأسواق العالمية، وبالأخص، في ظل الاعتماد الكبير على النفط الإيراني والصادرات الصينية.

بكين حاضرة

في تلك اللحظة لم يكن صوت الصين عالياً لكنها كانت حاضرة في خلفية كل مشهد. من نيويورك إلى بكين إلى طهران... كانت تتحرّك بخفة غير مرئية، لكنها فعالة. وفي جلسة مجلس الأمن الدولي خرج المندوب الصيني فو تسونغ بموقف غير تقليدي؛ إذ حمّل واشنطن المسؤولية الكاملة عن أزمة الملف النووي الإيراني، مذكّراً بانسحابها الأحادي من الاتفاق النووي عام 2018، وفرضها سياسة «الضغط الأقصى» التي أدت – وفق رأي بكين – إلى انهيار التفاهمات وتسبّبت لاحقاً في التصعيد الحالي.

في هذه الخطوة أكدت الصين موقفها الداعم للدبلوماسية ولحلول الحوار، منتقدة السياسات التي تقود إلى التصعيد والتوتر، وموضحة أن «الحروب والتهديدات ليست الطريق الصحيح، وبالأخص، في ملف حساس كالقضية النووية».

مصلحة صينية في الاستقرار الإقليمي

هذا الموقف المعبر عنه في مجلس الأمن يعكس إدراك الصين أن تعزيز الاستقرار في المنطقة يصب في مصلحتها، وأن تحييد الشرق الأوسط عن المواجهات المسلحة وفتح المجال أمام حل سياسي شامل... هو السبيل الوحيد لتثبيت دورها بوصفها لاعباً دولياً فاعلاً.

ثم إن المندوب الصيني عدّ أيضاً الضربات الأميركية والإسرائيلية على منشآت نووية إيرانية «انتهاكاً خطيراً» للقانون الدولي، و«سابقة تهدد نظام منع الانتشار العالمي». ولاحظ المندوب أن طهران «ما زالت ملتزمة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية رغم كل الضغوط»، وأن «المسار الدبلوماسي لم يُغلق من طرفه، بل أُضعف بفعل سياسات الإملاء والازدواجية».

في سياق موازٍ، هذا الموقف يتقاطع مع مصالح الصين في الحفاظ على استقرار مبادرة «الحزام والطريق» التي تمر عبر منطقة الشرق الأوسط، ولا تستطيع تحمّل أي اضطرابات كبيرة قد تعيق تنفيذ المشاريع التنموية الكبرى التي تربط الصين بالعالم. وعلاوة على ذلك، تمثل إيران في هذا السياق «نقطة مركزية»، إذ إن استمرار العلاقة المتينة بينها وبين الصين، يوفر للصين مصدراً أساسياً للطاقة، وأيضاً فرصاً اقتصادية استثمارية مهمة.

بالتوازي، كان الرئيس الصيني شي جينبينغ يتكلم مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين. والموقف الصيني جاء على لسانه واضحاً، ألا وهو، أن استمرار التصعيد سيقود إلى نتائج كارثية لا على طرفي النزاع فحسب، بل على المنطقة والعالم أيضاً. وحقاً، دعا شي إلى «الوقف الفوري لاستخدام القوة، وبخاصة من جانب إسرائيل»، وشدّد على أن «حماية المدنيين واحترام القانون الدولي لا يمكن أن يكونا موضع تفاوض أو استثناء». لكنه أضاف: «ما هو أهم أن العالم يدخل طوراً جديداً من الاضطراب والتحول»، وأن الشرق الأوسط «بات نموذجاً مصغّراً لهذا الانتقال من نظام أحادي القطبية إلى عالم يتشكّل على أنقاضه».

لقاء صيني - إيراني... ضمن استراتيجيتي التلاقي بين القوتين الآسيويتين (وزارة الخارجية الصينية)

عالم متعدد الأقطاب

هذا التحول في النظام الدولي بات أكثر وضوحاً مع تنامي طموحات الصين لإرساء عالم متعدد الأقطاب. إذ لا ترغب بكين في أن تحل محل واشنطن بوصفها «قوة مهيمنة»، بل تسعى إلى «تقاسم السلطة العالمية» في إطار نظام يحترم التنوع والاختلاف بين الدول، ويمنع فرض إرادة طرف واحد على الجميع. وهذا الطموح يعزّز من أهمية الصين بوصفها لاعباً رئيساً في الشرق الأوسط، حيث تعمل على تعميق علاقاتها وتوسيع نفوذها من خلال مبادرات اقتصادية وتنموية مستدامة، تعكس رؤيتها للاستقرار الشامل بدلاً من التوتر العسكري.

والحال، أنه منذ سنوات، تسعى الصين بهدوء وبعيداً عن الشعارات إلى «إعادة تشكيل النظام الدولي ليكون أكثر توازناً وعدالة وقائماً على التعددية القطبية بدل الهيمنة الأحادية». وكما سبقت الإشارة، فإنها لا تسعى إلى أن تحل محل واشنطن بوصفها قوة مهيمنة، بل لأن تكون لاعباً محورياً في نظام دولي جديد تتوزّع فيه مراكز القرار وتُحترم فيه السيادة وتُبنى فيه الشراكات لا الاستتباع. وهذا الطموح لا يُترجم فقط في بيانات السياسة الخارجية، بل في السلوك العملي للصين من الشرق الأوسط إلى أفريقيا إلى آسيا الوسطى.

«الشراكة الاستراتيجية» الصينية الإيرانية

في هذا السياق، تأتي «الشراكة الاستراتيجية» بين الصين وإيران، التي تُرجمت باتفاق طويل الأمد وُقّع عام 2021 لمدة 25 سنة، بقيمة تتجاوز 400 مليار دولار، وهي تشمل مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل وحتى التعاون الأمني والعسكري.

هذا الاتفاق لم يكن مجرد عقد استثمار، بل رسالة إلى العالم مضمونها أن بكين ترى في طهران شريكاً استراتيجياً في مشروعها الأوسع، أي مبادرة «الحزام والطريق» التي تسعى إلى ربط الصين بالعالم من خلال البنى التحتية والشراكات الاقتصادية، بدل الجيوش والتحالفات العسكرية.

... وجسور مع إسرائيل

ولكن في المقابل، لم تقطع بكين جسورها مع إسرائيل، بل تواصل الشركات الصينية الاستثمار في موانيها وتحتفظ بعلاقات تقنية وتجارية متقدمة معها. وهكذا تبقى السياسة الصينية متوازنة وخياراتها مفتوحة... أساسها الاستثمار من دون انحياز والربط من دون قيود. فبين هذين الطرفين، تمارس بكين «دبلوماسية حذرة» لكنها أيضاً «دبلوماسية مدروسة».

إنها ليست حيادية بالكامل، وليست صدامية. لا تطلق تهديدات، لكنها ترفض أن تُستفز. تتكلّم عن احترام السيادة لكنها لا تُهمل المصالح. وعبر كل ذلك تواصل بكين بناء صورة القوة المسؤولة التي لا تبحث عن أدوار بطولية في الإعلام، بل عن نتائج واقعية على الأرض.

وهنا، يشدد مراقبون على أن الصين أظهرت فعلاً في هذه الأزمة، كما في غيرها، أن صمتها ليس غياباً بل هو أسلوب عمل. وأن حضورها الهادئ أكثر تأثيراً من عواصف التصريحات، ولا سيما أنها لا تسعى إلى خلق أعداء بل إلى بناء توازنات. ولا تمانع أن يُحسب موقفها على قاعدة المصالح لا التحالفات... وذلك «لأن مشروعها الأكبر هو أن يصبح العالم متعدد الأقطاب حيث لا تفرض دولة واحدة معاييرها على الجميع بل تُبنى السياسات على التفاهم والشراكة».

ختاماً، تدرك القيادة الصينية جيداً أن الشرق الأوسط، بكل ما فيه من نفط وتوترات ونفوذ أميركي تقليدي، ليس «ساحة مؤقتة»، بل هو «ممرٌ إجباري» نحو النظام العالمي المقبل. ومن ثمّ، كلما اشتدت الأزمات فيه حرصت بكين على زيادة حضورها وصبرها. بل كلما سقطت أقنعة القوة التقليدية، بدا أن الصعود الهادئ لـ«التنين» الكبير لم يعد مجرد احتمال بل غدا واقعاً يتشكّل بصمت.

لا تسعى بكين لأن تحل محل واشنطن بل لأن تكون لاعباً محورياً في نظام دولي جديد تتوزّع فيه مراكز القرار

واشنطن غير مرتاحة للتقارب الاقتصادي الصيني ــ الإسرائيلي

تعود العلاقات الدبلوماسية بين الصين وإسرائيل إلى عام 1992، لكن سبقتها اتصالات غير رسمية منذ أواخر السبعينات عندما بدأت بكين، بعد انفتاحها الاقتصادي، عملية توسيع علاقاتها خارج إطار «الحرب الباردة» التقليدي. ومنذ مطلع الألفية شهدت العلاقات تطوراً سريعاً خاصة في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية. لقد استثمرت شركات صينية في مشاريع بنى تحتية ضخمة داخل إسرائيل، من بينها تطوير وتشغيل أجزاء من ميناءي حيفا وأشدود، فضلاً عن تنفيذ مشاريع في النقل والاتصالات. وفي المقابل شكّلت التكنولوجيا الإسرائيلية، وخصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والزراعة الذكية، عامل جذب مهماً للصين التي تسعى إلى اكتساب تقنيات متقدمة عبر شراكات واستثمارات مشتركة. مع هذا، لم يخلُ هذا التقارب من ضغوط أميركية متصاعدة، خاصة في عهد إدارة الرئيس دونالد ترمب؛ إذ عبّرت واشنطن عن قلقها من مشاركة الصين في مشاريع استراتيجية داخل إسرائيل. واستجابةً لذلك، بدأت تل أبيب تعيد النظر في بعض عقودها مع الشركات الصينية، وشكلت لجنة رقابة على الاستثمارات الأجنبية، ما أدى إلى إبطاء مسار التعاون الصيني - الإسرائيلي في بعض المجالات الحساسة. في المقابل، رغم هذا التعاون، لم تُغيّر الصين موقفها الثابت المؤيد للقضية الفلسطينية. للعلم، منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية اعترفت بكين بدولة فلسطين ودعمت منظمة التحرير الفلسطينية، وأكدت مراراً دعمها «حل الدولتين» وفق حدود 1967، ورفضت الإجراءات الإسرائيلية الأحادية مثل بناء المستوطنات أو تهويد القدس. وخلال السنوات الأخيرة، أمام تصاعد العدوان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية، دعت بكين تكراراً إلى وقف فوري لإطلاق النار، وأكدت أهمية حماية المدنيين واحترام القانون الدولي، وشددت على ضرورة استعادة الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني وحقه في إقامة دولة مستقلة ذات سيادة ضمن حدود عام 1967. في المحصلة تحاول الصين أن تجمع بين «شراكة عملية» مع إسرائيل من جهة و«موقف مبدئي» مؤيد للفلسطينيين من جهة أخرى. وهذه معادلة صعبة، لكنها تنسجم مع فلسفة بكين في إدارة التوازنات الدقيقة بعيداً عن الاصطفاف الآيديولوجي والاستفزاز السياسي العلني.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث، ورئيس الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل


مقالات ذات صلة

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

حصاد الأسبوع مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني

حصاد الأسبوع في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم.

محمد الريس (القاهرة)
حصاد الأسبوع غرب العراق... في صميم أخبار الحرب الإقليمية الحالية (آ ف ب)

هل تكون صحراء العراق الغربية قنبلة مؤجلة بين إيران وإسرائيل؟

على الرغم من الإجراءات التي بدأتها الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي لجهة «حصر السلاح بيد الدولة»، يظل باب المفاجآت مفتوحاً. للعلم بند «حصر السلاح»

حمزة مصطفى (بغداد)
حصاد الأسبوع اللواء مقداد ميري (واع)

قصة «القواعد الإسرائيلية» تقابل بنفي وارتباك عراقيين

نفت كل من وزارتي الداخلية والدفاع العراقيتين التقارير الصحافية الأميركية عن وجود قواعد إسرائيلية داخل الأراضي العراقية، لكن الأمر يبقى لغزاً من الألغاز.


واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.