الضربة الأميركية لإيران... هل تعزز السعي لامتلاك سلاح نووي أم تعوقه؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض بواشنطن 6 مارس 2025 والمرشد الإيراني علي خامنئي يحضر اجتماعاً مع مسؤولين حكوميين في طهران 8 مارس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض بواشنطن 6 مارس 2025 والمرشد الإيراني علي خامنئي يحضر اجتماعاً مع مسؤولين حكوميين في طهران 8 مارس (أ.ف.ب)
TT

الضربة الأميركية لإيران... هل تعزز السعي لامتلاك سلاح نووي أم تعوقه؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض بواشنطن 6 مارس 2025 والمرشد الإيراني علي خامنئي يحضر اجتماعاً مع مسؤولين حكوميين في طهران 8 مارس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض بواشنطن 6 مارس 2025 والمرشد الإيراني علي خامنئي يحضر اجتماعاً مع مسؤولين حكوميين في طهران 8 مارس (أ.ف.ب)

مرّ ما يقرب من عقدين من الزمن منذ أن شقّت أي دولة طريقها إلى نادي الدول المسلَّحة نووياً. وقد تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بقصفه ثلاث منشآت نووية إيرانية في نهاية الأسبوع الماضي، بإبقاء الباب مغلقاً.

من الصعب التنبؤ بما إذا كانت ضربة ترمب الاستباقية ستنجح في إثناء الدول عن امتلاك سلاح نووي، خاصةً بعد وقت قصير من الهجوم، ووقف إطلاق النار الهش الذي أعقبه. لكن هذا الأمر يثير، بالفعل، مخاوف من أن إيران ودولاً أخرى ستتوصل إلى استنتاج مختلف تماماً عما قصده البيت الأبيض؛ وهو أن امتلاك قنبلة هو الحماية الوحيدة في عالم مُهدد.

وآخِر دولة حصلت على قنبلة؛ كوريا الشمالية، لم تواجه مثل هذا الهجوم من قبل. وبعد سنوات من تحدِّيها للمطالب بتفكيك برنامجها النووي، تُعدّ، الآن، مَنيعة إلى حد كبير. وقد تبادل ترمب رسائل ودية مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، والتقى به مرتين؛ في محاولة غير مثمرة للتفاوض على اتفاق.

في هذا الصدد، قال روبرت ج. أينهورن، خبير الحد من الأسلحة الذي تفاوض مع إيران، خلال إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما: «إن مخاطر امتلاك إيران ترسانة نووية صغيرة أصبحت، الآن، أعلى مما كانت عليه قبل أحداث الأسبوع الماضي». وأضاف أينهورن، لصحيفة «نيويورك تايمز» أن إيران ستواجه عقبات هائلة في إنتاج قنبلة نووية، حتى لو سارعت إلى ذلك، ليس أقلها معرفة أنه إذا اكتشفت الولايات المتحدة وإسرائيل مثل هذه الخطوة، فسوف تضربان مرة أخرى.

ومع ذلك، يلوح منطق الانتشار النووي بقوة في عالمٍ تُعدّ فيه القوى العظمى المسلّحة نووياً - الولايات المتحدة وروسيا والصين - غير موثوقة بشكل متزايد، بل حتى عدوانية تجاه جيرانها. وفي هذا الصدد، يقول محللون، للصحيفة، إن الدول غير النووية تُراقب مِحنة إيران وتحسب الدروس التي يجب أن تتعلمها منها.

ويقول كريستوفر ر. هيل، الذي قاد محادثات مطوَّلة، باءت بالفشل في نهاية المطاف، مع بيونغ يانغ في عاميْ 2007 و2008 لمحاولة إقناعها بتفكيك برنامجها النووي: «من المؤكد أن كوريا الشمالية لا تندم على اليوم الذي حصلت فيه على أسلحة نووية».

ويقول هيل إن جاذبية القنبلة النووية ازدادت قوةً لحُلفاء أميركا، لكنهم يواجهون، الآن، ترمب، الذي يرى أن التحالفات تتعارض مع رؤيته «أميركا أولاً». وقال هيل، الذي شغل منصب سفير الولايات المتحدة لدى كوريا الجنوبية والعراق وبولندا وصربيا في عهد رؤساء ديمقراطيين وجمهوريين: «أودُّ أن أكون حذراً للغاية بشأن افتراض وجود مظلة نووية أميركية». وأضاف: «تتساءل دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية عما إذا كان بإمكانها الاعتماد على الولايات المتحدة».

وقد ازداد الدعم لتطوير الأسلحة النووية في كوريا الجنوبية، على الرغم من تعهُّد رئيسها المنتخَب حديثاً، لي جاي ميونغ، بتحسين العلاقات مع كوريا الشمالية. وفي عام 2023، وقّع الرئيس جوزيف بايدن الابن اتفاقية مع سيول لإشراكها بشكل أكبر في التخطيط النووي مع الولايات المتحدة، وذلك جزئياً لدرء مساعي السياسيين والعلماء الكوريين الجنوبيين لتطوير قدراتهم في مجال الأسلحة النووية.

منشأة نووية بأصفهان 20 نوفمبر 2004 (أرشيفية-أ.ف.ب)

وفي اليابان، لطالما أيّد الرأي العام نزع السلاح النووي، وهو إرثٌ من القنابل الذرية الأميركية التي أُلقيت على هيروشيما وناغازاكي عام 1945. لكن اليابان بدأت تُناقش مسألة تخزين الأسلحة النووية من الولايات المتحدة على أراضيها، كما تفعل بعض دول «الناتو». وقال شينزو آبي، رئيس الوزراء السابق، إنه لو احتفظت أوكرانيا ببعض قنابلها من الحقبة السوفياتية، لربما تجنّبت غزواً روسياً.

ووفقاً لتقرير الصحيفة الأميركية، فقد أدت تهديدات الرئيس فلاديمير بوتين باستخدام الأسلحة النووية التكتيكية، في وقت مبكر من الصراع الروسي الأوكراني، إلى تردد إدارة بايدن بشأن مدى قوة تسليح الجيش الأوكراني. كما عمّقت المخاوف من أن القوى التعديلية الأخرى قد تستخدم «الابتزاز النووي» لترهيب جيرانها.

وقد يكون الدرس المستفاد من أوكرانيا هو: «إذا كنت تمتلك أسلحة نووية، فاحتفظ بها. إذا لم تكن تمتلكها بعدُ، فاحصل عليها، خاصة إذا كنت تفتقر إلى مُدافع قوي مثل الولايات المتحدة حليفاً لك، وإذا كان لديك خلاف مع دولة كبيرة فيمكن أن يؤدي بشكل معقول إلى حرب»، كما كتب بروس ريدل ومايكل إي أوهانلون، المحللان في مؤسسة بروكينغز، وهي مجموعة بحثية في واشنطن، في عام 2022.

منشأة أصفهان لتخصيب اليورانيوم بوسط إيران بعد الضربات الأميركية (أ.ف.ب)

ومع ذلك، وعلى الرغم من كل التوقعات بسباق تسلح إقليمي، لكنه لم يحدث بعدُ. ويقول الخبراء إن هذا دليل على نجاح سياسات منع الانتشار، وكذلك على التاريخ المتقلب للدول التي سعت إلى امتلاك الأسلحة النووية.

وفُككت برامج طامحة لامتلاك أسلحة نووية لكل من العراق وسوريا وليبيا بالدبلوماسية أو العقوبات أو القوة العسكرية، وفق «نيويورك تايمز». وتخلّى معمر القذافي عن أسلحة الدمار الشامل التي كان يمتلكها في عام 2003، بعد ثماني سنوات، وبعد أن أطاحت عملية عسكرية، مدعومة من حلف شمال الأطلسي، بحكومته بعد ثورة شعبية.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن استراتيجية إيران، المتمثلة في تخصيب اليورانيوم بقوة، مع امتناعها عن صنع قنبلة، لم تحمِها في النهاية أيضاً. في هذا السياق، يقول غاري سامور، الأستاذ بجامعة برانديز، الذي عمل على مفاوضات الحد من الأسلحة في إدارتيْ أوباما وكلينتون: «بقدرِ ما ينظر الناس إلى إيران على أنها حالة اختبار، فقد أظهر ترمب أن استراتيجيته ليست ضماناً لمنع هجوم عسكري». وقال سامور إنه من السابق لأوانه تحديد كيفية تأثير الضربات الإسرائيلية والأميركية على إيران، على حسابات الدول الأخرى. وتساءل: «كيف ينتهي هذا؟ هل ينتهي باتفاق؟ أم تُترك إيران للسعي وراء سلاح نووي؟».

يشعر خبراء الانتشار النووي بالقلق، بطبيعتهم. لكن البعض يحاول إيجاد بصيص أمل في أحداث الأسبوع الماضي. وقال أينهورن إنه بتنفيذ تهديده بقصف إيران ذات التوجه النووي، أرسل ترمب رسالة مطمئنة لحلفاء أميركا، الذين يواجهون مخاوفهم النووية. وقال أينهورن: «في موسكو وبيونغ يانغ وبكين، لاحظوا ليس فقط مدى وقدرة الجيش الأميركي، ولكن أيضاً استعداد هذا الرئيس لاستخدام هذه القدرة».

جدير بالذكر أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت أنها لم ترصد أي زيادة في مستويات الإشعاع خارج 3 مواقع نووية إيرانية تعرَّضت لهجوم أميركي، في الساعات الأولى بعد الضربة الأميركية.


مقالات ذات صلة

هل تُستأنف الحرب على إيران بعد الانتخابات الأميركية؟

شؤون إقليمية ترمب يستقبل نتنياهو لدى وصوله إلى الجناح الغربي في البيت الأبيض بواشنطن سبتمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

هل تُستأنف الحرب على إيران بعد الانتخابات الأميركية؟

أعد الجيشان الأميركي والإسرائيلي خططاً محددة لشن ضربات جديدة على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في 3 نوفمبر المقبل

جوليان بارنز (واشنطن) إريك شميت (واشنطن) رونين بيرغمان (واشنطن) ناتان أودنهايمر (واشنطن) فرناز فصيح (واشنطن)
شؤون إقليمية نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس يحضران حفل تخرج ضباط جدد في الجيش الإسرائيلي في قاعدة بالقرب من ميتسبي رامون الأربعاء (رويترز)

نتنياهو: إسقاط النظام الإيراني الحل الوحيد لإنهاء التهديد

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأربعاء، إن «إسقاط النظام» في إيران هو الحل الوحيد للقضاء على التهديد الإيراني، مضيفاً أنه أعطى توجيهات بهذا الشأن

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية نتنياهو يتحدث بمقر وزارة الخارجية الإسرائيلية في 14 أكتوبر (إ.ب.أ)

نتنياهو يلوّح بضربة «استباقية» لإيران دون واشنطن

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استعداد بلاده لتنفيذ ضربة استباقية ضد إيران دون مساعدة أميركية، واضعاً إسقاط النظام في طهران ضمن أهدافه.

«الشرق الأوسط» (لندن-تل أبيب-طهران)
شؤون إقليمية بحرية «الحرس الثوري» تهدد السفن الأميركية (فارس)

إيران تعتمد تكتيكات جديدة في مهاجمة سفن هرمز

تتواصل التطورات العسكرية المرتبطة بالملاحة في مضيق هرمز، مع تقارير عن اعتماد إيران أساليب جديدة لاستهداف السفن.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية لافتة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة ترمب في شمال طهران (إ.ب.أ) p-circle

تباعد موقفَي واشنطن وطهران يُبقي إنهاء الحرب بعيداً

قالت إيران إنها ما زالت تواصل دراسة الرد الأميركي على مقترحها الرامي إلى إعادة فتح مضيق هرمز خلال 7 أيام وإنهاء الحرب، وسط تعثر الجهود الدبلوماسية.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران)

استقالة شرطي أميركي قتل رضيعاً داخل سيارة بالرصاص

عناصر من الشرطة الأميركية (رويترز)
عناصر من الشرطة الأميركية (رويترز)
TT

استقالة شرطي أميركي قتل رضيعاً داخل سيارة بالرصاص

عناصر من الشرطة الأميركية (رويترز)
عناصر من الشرطة الأميركية (رويترز)

أعلن غريغ غريفز، رئيس بلدية سيناتوبيا بولاية ميسيسيبي الأميركية، أن رجل الشرطة الذي أطلق النار على طفل يبلغ من العمر عاماً واحداً داخل سيارة في سيناتوبيا قد استقال، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

وكان مكتب المدعي العام في ميسيسيبي قد أعلن، في وقت سابق من الأسبوع الحالي، تبرئة الرقيب هانتر فوستر من أي مخالفة جنائية، بعد أن خلص تحقيقه الذي استمر أشهراً إلى أن استخدامه للقوة كان مبرراً.

ويوم الخميس، أفرجت الولاية عن مقاطع فيديو لعملية قتل الطفل كوهين وايلي بالرصاص، بما في ذلك لقطات الكاميرا المثبتة على ملابس فوستر الرسمية، للواقعة التي حدثت خلال 14 يونيو (حزيران) في ساحة انتظار سيارات متجر «وول مارت» في سيناتوبيا، على مسافة نحو 65 كيلومتراً جنوب ممفيس بولاية تينيسي.

ورفض محامي فوستر، مارتن زوماخ، التعليق عند التواصل معه، الجمعة.

وكان زوماخ قد قال إن فوستر لم يكن أمامه «أي خيار» سوى إطلاق النار على المركبة المنطلقة، لأنها كانت تتحرك باتجاهه. ونفت فيليسيا وايلي والدة كوهين، أن صديقتها التي كانت تقود السيارة قد توجهت باتجاه رجال الشرطة.

وقال بن كرامب، محامي عائلة كوهين، إن اللقطات تُظهر أن الطلقة المميتة جاءت من جانب السيارة، مما ينفي تعرض فوستر لخطر وشيك. وتوصل تشريح مستقل بتكليف من العائلة إلى النتيجة ذاتها. وتُظهر صورة للمركبة نافذة الراكب الأمامي اليمنى المحطمة.

ودعا الفريق القانوني للعائلة الحكومة الفيدرالية إلى التحقيق في إطلاق النار.


البيت الأبيض: ميلانيا ترمب تتوصل لاتفاق هدنة في مدينة بجنوب أوكرانيا

ميلانيا ترمب خلال الإدلاء بتصريحات من حديقة البيت الأبيض (إ.ب.أ)
ميلانيا ترمب خلال الإدلاء بتصريحات من حديقة البيت الأبيض (إ.ب.أ)
TT

البيت الأبيض: ميلانيا ترمب تتوصل لاتفاق هدنة في مدينة بجنوب أوكرانيا

ميلانيا ترمب خلال الإدلاء بتصريحات من حديقة البيت الأبيض (إ.ب.أ)
ميلانيا ترمب خلال الإدلاء بتصريحات من حديقة البيت الأبيض (إ.ب.أ)

أعلن البيت الأبيض، ​اليوم الجمعة، أن ميلانيا ترمب نجحت في التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين روسيا ‌وأوكرانيا في ‌مدينة ​أوليشكي ‌بجنوب أوكرانيا، ​على أن يبدأ سريانه في 29 أكتوبر (تشرين الأول).

وذكر البيت الأبيض أن روسيا وأوكرانيا اتفقتا ‌على ‌وقف مؤقت لجميع ​العمليات ‌العسكرية في ‌أوليشكي، للسماح بدخول المساعدات الإنسانية والتحضير لإجلاء المدنيين عبر ‌ممر آمن مخصص لهذا الغرض.

وأضاف، وفقاً لوكالة «رويترز»، أن السيدة الأولى وممثلاً لها عملا بشكل مباشر مع القيادتين الروسية والأوكرانية للتوصل إلى وقف إطلاق النار في المدينة.


ترمب يكثّف تحركاته الانتخابية دفاعاً عن مجلس الشيوخ

يسعى ترمب لحشد دعم الناخبين الجمهوريين للاحتفاظ بالأغلبية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
يسعى ترمب لحشد دعم الناخبين الجمهوريين للاحتفاظ بالأغلبية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
TT

ترمب يكثّف تحركاته الانتخابية دفاعاً عن مجلس الشيوخ

يسعى ترمب لحشد دعم الناخبين الجمهوريين للاحتفاظ بالأغلبية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
يسعى ترمب لحشد دعم الناخبين الجمهوريين للاحتفاظ بالأغلبية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)

لا تقتصر أهمية السيطرة على مجلس الشيوخ الأميركي في الانتخابات النصفية على تحديد الحزب الذي سيفوز بالأغلبية هناك، بل تمتد إلى قدرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تنفيذ أجندته خلال العامين المتبقيين من ولايته الثانية. فالمجلس الذي يصادق على تعيينات الوزراء وكبار المسؤولين والقضاة، ويملك صلاحيات واسعة في الرقابة والمساءلة، ويوافق على المعاهدات الدولية، يشكّل أحد أهم مفاتيح السلطة بالنسبة إلى البيت الأبيض. وخسارته قد تعني عرقلة تعيينات ترمب الحكومية والقضائية، وفتح جبهة جديدة من التحقيقات في سياسات إدارته.

يستعرض «تقرير واشنطن» وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق» أهمية سباق مجلس الشيوخ ودوره التشريعي، بالإضافة إلى تأثيره على أجندة ترمب.

معركة محتدمة

مناصرو ترمب في حدث انتخابي في أيوا 22 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

تزداد أهمية معركة مجلس الشيوخ مع ترجيحات بانتقال الأغلبية في مجلس النواب إلى الديمقراطيين، ما يجعل احتفاظ الجمهوريين به ضرورة سياسية لترمب، وليس مجرد انتصار انتخابي. وهو ما يفسّر حضوره المكثّف في ولايات يسعى حزبه للدفاع عن مقاعده فيها، بعدما امتدت المنافسة الديمقراطية إلى معاقل جمهورية، لم تكن مهددة قبل أشهر قليلة.

وفي هذا السياق، اعتبر جيك مكوبي، المستشار السابق في حملة هيلاري كلينتون الانتخابية والمستشار الاستراتيجي السابق في وزارة العدل، أن خسارة المجلس «ستشكّل ضربة كبيرة لنفوذ الرئيس، خصوصاً على الصعيد القضائي»، ويقول إن «الأمر لا يقتصر على مجرد سلسلة من التحقيقات، بل يشمل قدرة المجلس على المصادقة على تعيينات ترمب»، مشيراً إلى أن المحافظين «بنوا جانباً مهماً من نفوذهم خلال العقدين الماضيين عبر تعيين قضاة محافظين في المحاكم الفيدرالية». وأضاف أن سيطرة الديمقراطيين على مجلس الشيوخ قد تمنع ترمب من تعيينات جديدة في المحكمة العليا.

أما جون بينيت، مراسل البيت الأبيض في صحيفة «سي كيو رول كول»، فركّز على تداعيات خسارة الأغلبية على الرقابة التشريعية، محذّراً من «أن سيطرة الديمقراطيين على المجلسين قد تضع البيت الأبيض أمام تحقيقات متتالية تستنزف الإدارة سياسياً وقانونياً». لكنه استبعد أن يتمكن الديمقراطيون من تأمين أغلبية الثلثين اللازمة لإدانة ترمب وعزله في مجلس الشيوخ، حتى لو أطلق مجلس النواب إجراءات عزله.

حسابات الأغلبية

المرشح الجمهوري في ميشغان مايك روجرز مع الناخبين 17 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

يملك الجمهوريون حالياً 53 مقعداً في مجلس الشيوخ، مقابل 47 للديمقراطيين والمستقلين المتحالفين معهم. ويتنافس المرشحون في انتخابات 3 نوفمبر (تشرين الثاني) على 35 مقعداً، بينها انتخابات خاصة في فلوريدا وأوهايو.

ولانتزاع الأغلبية، يحتاج الديمقراطيون إلى مكسب صافٍ بـ4 مقاعد، لأن التعادل بـ50 مقعداً لكل حزب يمنح نائب الرئيس جاي دي فانس الصوت الحاسم لصالح الجمهوريين. لكن ما كان يبدو مهمة شبه مستحيلة في بداية الدورة الانتخابية، بات اليوم احتمالاً مطروحاً، بعدما رفع «تقرير كوك السياسي» عدد السباقات المتأرجحة إلى سبعة، ستة منها على مقاعد يشغلها الجمهوريون، مقابل مقعد ديمقراطي واحد في ميشيغان.

و يرفض بو روثتشايلد، المدير السابق للتنسيق لدى الجمهوريين في الكونغرس، اعتبار حزبه في مأزق، مشككاً في «دقة» استطلاعات الرأي التي تظهر تقدم الديمقراطيين، واعتبر أن النتيجة ستكون متقاربة، مرجحاً احتفاظ الجمهوريين بالأغلبية في المجلس. من ناحيته، يرى مكوبي أن فرص الديمقراطيين «أفضل مما كانت عليه قبل بضعة أشهر»، موضحاً أن التوقعات في بداية الدورة الانتخابية كانت تقتصر على إمكانية تقليص الأغلبية الجمهورية، بينما كان الجمهوريون يطمحون إلى توسيع هذه الأغلبية.

المعركة تمتد إلى المعاقل الجمهورية

الجمهورية سوزان كولينز والديمقراطي تروي جاكس،ن في مناظرة في ماين في 15 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

تتركز السباقات السبعة المتأرجحة في ولايات مين وأوهايو وتكساس وألاسكا وآيوا وكانساس وميشيغان، مع سباقات أخرى يراقبها الحزبان، أبرزها كارولينا الشمالية. وفي ماين، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز، التي تشغل مقعدها منذ عام 1997 الديمقراطي تروي جاكسون. ورغم التحديات، حذّر بينيت من «الاستهانة بقدرتها على تجاوز المنافسات الصعبة»، مشيراً إلى «أنها دائماً ما تفوز سياسياً». أما في أيوا وكانساس، فتبرز القضايا الاقتصادية عاملاً رئيسياً في تهديد المقاعد الجمهورية. وحمّل مكوبي سياسات ترمب مسؤولية تراجع التأييد الجمهوري، معتبراً أن الرسوم الجمركية والحرب مع إيران ساهمتا في ارتفاع الأسعار، ما ألحق أضراراً بالمزارعين والقطاعات الاقتصادية في هذه الولايات. وأشار إلى أن انتزاع الديمقراطيين مقاعد في ولايات جمهورية تقليدية قد تكون له تداعيات تتجاوز الانتخابات الحالية، لأن أعضاء مجلس الشيوخ يُنتخبون لـ6 سنوات، ما يسمح للحزب الديمقراطي بتعزيز حضوره السياسي على المدى الطويل.

تكساس معقل الجمهوريين

المرشح الجمهوري في تكساس كين باكستون في 19 أكتوبر 2026 (أ.ب)

تكتسب تكساس أهمية خاصة في حسابات الحزبين، حيث يواجه الجمهوري كين باكستون، الديمقراطي جيمس تالاريكو في ولاية لم تنتخب ديمقراطياً لمجلس الشيوخ منذ عام 1988. وأقرّ روثتشايلد بصعوبة المنافسة، مشيراً إلى أن باكستون خرج من انتخابات تمهيدية شديدة التنافس، وأن الجمهوريين يواجهون تحدياً في تعبئة الناخبين. لكنه اعتبر، أن مفتاح السباق يكمن في نسبة المشاركة، خاصة في المناطق الريفية التي تشكّل قاعدة رئيسية للجمهوريين، مقابل المدن الكبرى وضواحيها التي يسعى الديمقراطيون إلى تعزيز نتائجهم فيها. وحذّر من أن ارتفاع التأييد لتالاريكو في بعض ضواحي هيوستن ودالاس وأوستن قد يجعل ليلة الانتخابات «ليلة طويلة جداً للجمهوريين».

وفي كارولينا الشمالية، قدّم بينيت تقييماً أكثر تشاؤماً لفرص الجمهوريين، قائلاً إن الانطباع السائد لدى مسؤولين جمهوريين تحدث إليهم، حتى داخل البيت الأبيض، «هو أن فرص الحزب تراجعت، وأن الديمقراطي روي كوبر قد يكون السيناتور المقبل عن الولاية».

ميشيغان وألاسكا مقعد حاسم ونتائج قد تتأخر

ترمب مع المرشح الجمهوري في الاسكا دان سوليفان في 13 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

في المقابل، يخوض الديمقراطيون معركة دفاعية مهمة في ميشيغان، حيث يواجه عبد الرحمن السيد، الجمهوري مايك روجرز، وخسارة هذا المقعد تعني أن على الديمقراطيين انتزاع 5 مقاعد جمهورية بدلاً من 4 لتحقيق الأغلبية.

ورأى روثتشايلد أن روجرز نجح في مخاطبة مؤيدي ترمب وبعض معارضيه، معتبراً أن لديه فرصة جدية للفوز.

أما ألاسكا، فقد تتحول إلى إحدى الولايات التي تؤخر حسم الأغلبية بسبب فارق التوقيت ونظام التصويت فيها. وأشار مكوبي إلى تحدٍّ إضافي يتمثل في وجود مرشح آخر يحمل اسم السيناتور الجمهوري الحالي دان سوليفان، ما قد يربك بعض الناخبين في سباقه أمام الديمقراطية ماري بيلتولا. أما بينيت، فقد حذّر من احتمال عدم إعلان نتائج بعض السباقات ليلة الانتخابات، وربما امتداد المنافسة إلى المحاكم إذا كانت الفوارق ضئيلة.

ترمب والجمهوريون

ترمب على مسرح حدث انتخابي في أيوا 22 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

مع اشتداد المنافسة، كثّف ترمب مشاركته في التجمعات الانتخابية لدعم المرشحين الجمهوريين، خاصة في الولايات التي يحتاج فيها الحزب إلى رفع نسبة المشاركة. لكن تأثير هذا الحضور يشكل موضع جدل. فقد اعتبر مكوبي أن ظهور ترمب «سيأتي بنتائج عكسية، لأنه يذكّر الناخبين بسياساته المتعلقة بالرسوم الجمركية وارتفاع الأسعار والحرب مع إيران»، وهي ملفات يستخدمها الديمقراطيون في حملاتهم ضد الجمهوريين.

أما روثتشايلد فأقرّ بأن ترمب «قد يشكّل عبئاً على بعض المرشحين»، لكنه شدّد على قدرته على حشد قاعدته الانتخابية، خصوصاً في المناطق الريفية.

في المقابل، تساءل بينيت عن مدى فاعلية تجمعات الرئيس الحالية، معتبراً أنها تختلف عن تلك التي شهدتها حملاته السابقة، وأن الخطابات المطوّلة التي يركز فيها ترمب على نفسه قد لا تكون كافية لإقناع الناخبين القلقين من ارتفاع الأسعار.

وبينما يتوقع روثتشايلد احتفاظ الجمهوريين بالأغلبية، قدّم مكوبي توقعاً معاكساً، مرجحاً وصول الديمقراطيين إلى 51 مقعداً، لكن أياً تكن النتيجة، فإن معركة مجلس الشيوخ ستحدد جانباً أساسياً من علاقة ترمب بالكونغرس خلال العامين المقبلين. فخسارة مجلس النواب قد تفتح الباب أمام تحقيقات ومواجهات تشريعية. أما خسارة مجلس الشيوخ أيضاً، فستحرم الرئيس من إحدى أهم الأدوات التي يحتاج إليها لمواصلة تنفيذ أجندته، خاصة على مستوى التعيينات الحكومية والقضائية.