الضربة الأميركية لإيران... هل تعزز السعي لامتلاك سلاح نووي أم تعوقه؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض بواشنطن 6 مارس 2025 والمرشد الإيراني علي خامنئي يحضر اجتماعاً مع مسؤولين حكوميين في طهران 8 مارس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض بواشنطن 6 مارس 2025 والمرشد الإيراني علي خامنئي يحضر اجتماعاً مع مسؤولين حكوميين في طهران 8 مارس (أ.ف.ب)
TT

الضربة الأميركية لإيران... هل تعزز السعي لامتلاك سلاح نووي أم تعوقه؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض بواشنطن 6 مارس 2025 والمرشد الإيراني علي خامنئي يحضر اجتماعاً مع مسؤولين حكوميين في طهران 8 مارس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض بواشنطن 6 مارس 2025 والمرشد الإيراني علي خامنئي يحضر اجتماعاً مع مسؤولين حكوميين في طهران 8 مارس (أ.ف.ب)

مرّ ما يقرب من عقدين من الزمن منذ أن شقّت أي دولة طريقها إلى نادي الدول المسلَّحة نووياً. وقد تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بقصفه ثلاث منشآت نووية إيرانية في نهاية الأسبوع الماضي، بإبقاء الباب مغلقاً.

من الصعب التنبؤ بما إذا كانت ضربة ترمب الاستباقية ستنجح في إثناء الدول عن امتلاك سلاح نووي، خاصةً بعد وقت قصير من الهجوم، ووقف إطلاق النار الهش الذي أعقبه. لكن هذا الأمر يثير، بالفعل، مخاوف من أن إيران ودولاً أخرى ستتوصل إلى استنتاج مختلف تماماً عما قصده البيت الأبيض؛ وهو أن امتلاك قنبلة هو الحماية الوحيدة في عالم مُهدد.

وآخِر دولة حصلت على قنبلة؛ كوريا الشمالية، لم تواجه مثل هذا الهجوم من قبل. وبعد سنوات من تحدِّيها للمطالب بتفكيك برنامجها النووي، تُعدّ، الآن، مَنيعة إلى حد كبير. وقد تبادل ترمب رسائل ودية مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، والتقى به مرتين؛ في محاولة غير مثمرة للتفاوض على اتفاق.

في هذا الصدد، قال روبرت ج. أينهورن، خبير الحد من الأسلحة الذي تفاوض مع إيران، خلال إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما: «إن مخاطر امتلاك إيران ترسانة نووية صغيرة أصبحت، الآن، أعلى مما كانت عليه قبل أحداث الأسبوع الماضي». وأضاف أينهورن، لصحيفة «نيويورك تايمز» أن إيران ستواجه عقبات هائلة في إنتاج قنبلة نووية، حتى لو سارعت إلى ذلك، ليس أقلها معرفة أنه إذا اكتشفت الولايات المتحدة وإسرائيل مثل هذه الخطوة، فسوف تضربان مرة أخرى.

ومع ذلك، يلوح منطق الانتشار النووي بقوة في عالمٍ تُعدّ فيه القوى العظمى المسلّحة نووياً - الولايات المتحدة وروسيا والصين - غير موثوقة بشكل متزايد، بل حتى عدوانية تجاه جيرانها. وفي هذا الصدد، يقول محللون، للصحيفة، إن الدول غير النووية تُراقب مِحنة إيران وتحسب الدروس التي يجب أن تتعلمها منها.

ويقول كريستوفر ر. هيل، الذي قاد محادثات مطوَّلة، باءت بالفشل في نهاية المطاف، مع بيونغ يانغ في عاميْ 2007 و2008 لمحاولة إقناعها بتفكيك برنامجها النووي: «من المؤكد أن كوريا الشمالية لا تندم على اليوم الذي حصلت فيه على أسلحة نووية».

ويقول هيل إن جاذبية القنبلة النووية ازدادت قوةً لحُلفاء أميركا، لكنهم يواجهون، الآن، ترمب، الذي يرى أن التحالفات تتعارض مع رؤيته «أميركا أولاً». وقال هيل، الذي شغل منصب سفير الولايات المتحدة لدى كوريا الجنوبية والعراق وبولندا وصربيا في عهد رؤساء ديمقراطيين وجمهوريين: «أودُّ أن أكون حذراً للغاية بشأن افتراض وجود مظلة نووية أميركية». وأضاف: «تتساءل دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية عما إذا كان بإمكانها الاعتماد على الولايات المتحدة».

وقد ازداد الدعم لتطوير الأسلحة النووية في كوريا الجنوبية، على الرغم من تعهُّد رئيسها المنتخَب حديثاً، لي جاي ميونغ، بتحسين العلاقات مع كوريا الشمالية. وفي عام 2023، وقّع الرئيس جوزيف بايدن الابن اتفاقية مع سيول لإشراكها بشكل أكبر في التخطيط النووي مع الولايات المتحدة، وذلك جزئياً لدرء مساعي السياسيين والعلماء الكوريين الجنوبيين لتطوير قدراتهم في مجال الأسلحة النووية.

منشأة نووية بأصفهان 20 نوفمبر 2004 (أرشيفية-أ.ف.ب)

وفي اليابان، لطالما أيّد الرأي العام نزع السلاح النووي، وهو إرثٌ من القنابل الذرية الأميركية التي أُلقيت على هيروشيما وناغازاكي عام 1945. لكن اليابان بدأت تُناقش مسألة تخزين الأسلحة النووية من الولايات المتحدة على أراضيها، كما تفعل بعض دول «الناتو». وقال شينزو آبي، رئيس الوزراء السابق، إنه لو احتفظت أوكرانيا ببعض قنابلها من الحقبة السوفياتية، لربما تجنّبت غزواً روسياً.

ووفقاً لتقرير الصحيفة الأميركية، فقد أدت تهديدات الرئيس فلاديمير بوتين باستخدام الأسلحة النووية التكتيكية، في وقت مبكر من الصراع الروسي الأوكراني، إلى تردد إدارة بايدن بشأن مدى قوة تسليح الجيش الأوكراني. كما عمّقت المخاوف من أن القوى التعديلية الأخرى قد تستخدم «الابتزاز النووي» لترهيب جيرانها.

وقد يكون الدرس المستفاد من أوكرانيا هو: «إذا كنت تمتلك أسلحة نووية، فاحتفظ بها. إذا لم تكن تمتلكها بعدُ، فاحصل عليها، خاصة إذا كنت تفتقر إلى مُدافع قوي مثل الولايات المتحدة حليفاً لك، وإذا كان لديك خلاف مع دولة كبيرة فيمكن أن يؤدي بشكل معقول إلى حرب»، كما كتب بروس ريدل ومايكل إي أوهانلون، المحللان في مؤسسة بروكينغز، وهي مجموعة بحثية في واشنطن، في عام 2022.

منشأة أصفهان لتخصيب اليورانيوم بوسط إيران بعد الضربات الأميركية (أ.ف.ب)

ومع ذلك، وعلى الرغم من كل التوقعات بسباق تسلح إقليمي، لكنه لم يحدث بعدُ. ويقول الخبراء إن هذا دليل على نجاح سياسات منع الانتشار، وكذلك على التاريخ المتقلب للدول التي سعت إلى امتلاك الأسلحة النووية.

وفُككت برامج طامحة لامتلاك أسلحة نووية لكل من العراق وسوريا وليبيا بالدبلوماسية أو العقوبات أو القوة العسكرية، وفق «نيويورك تايمز». وتخلّى معمر القذافي عن أسلحة الدمار الشامل التي كان يمتلكها في عام 2003، بعد ثماني سنوات، وبعد أن أطاحت عملية عسكرية، مدعومة من حلف شمال الأطلسي، بحكومته بعد ثورة شعبية.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن استراتيجية إيران، المتمثلة في تخصيب اليورانيوم بقوة، مع امتناعها عن صنع قنبلة، لم تحمِها في النهاية أيضاً. في هذا السياق، يقول غاري سامور، الأستاذ بجامعة برانديز، الذي عمل على مفاوضات الحد من الأسلحة في إدارتيْ أوباما وكلينتون: «بقدرِ ما ينظر الناس إلى إيران على أنها حالة اختبار، فقد أظهر ترمب أن استراتيجيته ليست ضماناً لمنع هجوم عسكري». وقال سامور إنه من السابق لأوانه تحديد كيفية تأثير الضربات الإسرائيلية والأميركية على إيران، على حسابات الدول الأخرى. وتساءل: «كيف ينتهي هذا؟ هل ينتهي باتفاق؟ أم تُترك إيران للسعي وراء سلاح نووي؟».

يشعر خبراء الانتشار النووي بالقلق، بطبيعتهم. لكن البعض يحاول إيجاد بصيص أمل في أحداث الأسبوع الماضي. وقال أينهورن إنه بتنفيذ تهديده بقصف إيران ذات التوجه النووي، أرسل ترمب رسالة مطمئنة لحلفاء أميركا، الذين يواجهون مخاوفهم النووية. وقال أينهورن: «في موسكو وبيونغ يانغ وبكين، لاحظوا ليس فقط مدى وقدرة الجيش الأميركي، ولكن أيضاً استعداد هذا الرئيس لاستخدام هذه القدرة».

جدير بالذكر أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت أنها لم ترصد أي زيادة في مستويات الإشعاع خارج 3 مواقع نووية إيرانية تعرَّضت لهجوم أميركي، في الساعات الأولى بعد الضربة الأميركية.


مقالات ذات صلة

تقرير: إدارة ترمب تتوقع من إيران تقديم تنازلات في الملف النووي

شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب) p-circle

تقرير: إدارة ترمب تتوقع من إيران تقديم تنازلات في الملف النووي

أفادت وسائل إعلام إسرائيلية، يوم الأحد، بأن المجلس الوزاري الأمني يقول: «سنواجه أي محاولة إيرانية للمساس بإسرائيل بقوة حاسمة».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
تحليل إخباري ترمب ونتنياهو أثناء حضور مؤتمر صحافي في البيت الأبيض يوم 29 سبتمبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

تحليل إخباري ماذا وراء الزيارة الدرامية لنتنياهو إلى واشنطن فعلاً؟

إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي عن زيارته إلى واشنطن، لبحث «المفاوضات مع إيران» وطرح المطالب الإسرائيلية، لا ينطوي فعلياً على تطور حقيقي في هذا الملف.

نظير مجلي ( تل ابيب)
شؤون إقليمية إيرانية تمر أمام لوحة دعائية معادية للولايات المتحدة معروضة في ميدان ولي عصر وسط طهران (أ.ف.ب)

إسرائيل تلوّح بضرب «الباليستي» الإيراني وتُشكك في جدوى أي اتفاق

أفادت مصادر أمنية بأن مسؤولين عسكريين إسرائيليين أبلغوا الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة بأن برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني يمثل تهديداً وجودياً.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)

واشنطن وطهران تحملان التفاؤل والتشاؤم إلى جولة تفاوض ثانية

شدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن إيران «لن تمتلك سلاحاً نووياً»، محذراً من أن عدم التوصل إلى اتفاق سيقود إلى «عواقب وخيمة للغاية».

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
تحليل إخباري صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)

تحليل إخباري صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

رغم وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب المحادثات مع الإيرانيين في مسقط بأنها «جيدة جداً»، فإن القراءة الأكثر شيوعاً في واشنطن تميل إلى التشاؤم أكثر.

إيلي يوسف (واشنطن)

مقتل شخصين في ضربة أميركية ضد قارب يشتبه بتهريبه المخدرات في المحيط الهادئ

قارب مشتعل بعد استهدافه من قبل الجيش الأميركي في المحيط الهادئ (رويترز نقلاً عن الجيش الأميركي)
قارب مشتعل بعد استهدافه من قبل الجيش الأميركي في المحيط الهادئ (رويترز نقلاً عن الجيش الأميركي)
TT

مقتل شخصين في ضربة أميركية ضد قارب يشتبه بتهريبه المخدرات في المحيط الهادئ

قارب مشتعل بعد استهدافه من قبل الجيش الأميركي في المحيط الهادئ (رويترز نقلاً عن الجيش الأميركي)
قارب مشتعل بعد استهدافه من قبل الجيش الأميركي في المحيط الهادئ (رويترز نقلاً عن الجيش الأميركي)

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، أن شخصين قُتلا في أحدث ضرباته ضد قارب يشتبه بتهريبه المخدرات في شرق المحيط الهادئ.

وتشن إدارة الرئيس دونالد ترمب منذ سبتمبر (أيلول) الماضي عملية عسكرية ضد من تسميهم «إرهابيي المخدرات» الذين ينشطون في منطقة الكاريبي والمحيط الهادئ انطلاقاً من فنزويلا.

وقالت القيادة الجنوبية الأميركية في الجيش الأميركي، في بيان على منصة «إكس»: «قتل اثنان من إرهابيي المخدرات ونجا واحد من الضربة».

وأضافت أنه تم إخطار خفر السواحل الأميركي «بتفعيل نظام البحث والإنقاذ للشخص الناجي».

ولم يقدم مسؤولو إدارة ترمب أي دليل قاطع على تورط هذه القوارب في تهريب المخدرات، ما أثار الجدل حول شرعية العمليات واعتبارها إعدامات خارج نطاق القضاء.

ووصل إجمالي عدد القتلى جراء الضربات الأميركية الـ38 حتى الآن، إلى 130 على الأقل، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهذه هي الضربة الثالثة ضد قارب مخدرات مزعوم، يعلن عنها الجيش الأميركي منذ إلقاء القوات الخاصة الأميركية القبض في يناير (كانون الثاني) على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

وكان مادورو يكرر دائماً قبل سجنه أن الحملة العسكرية الأميركية في الكاريبي والمحيط الهادئ تهدف إلى تغيير نظامه.

وفي الشهر الماضي، رفع أقارب رجلين من ترينيداد قُتلا في إحدى الضربات دعوى قضائية ضد الحكومة الأميركية بتهمة القتل الخطأ في ضربة نفذت بتاريخ 14 أكتوبر (تشرين الأول).


تصعيد جديد في التوترات التجارية الأميركية - الكندية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

تصعيد جديد في التوترات التجارية الأميركية - الكندية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداً صريحاً بوقف افتتاح جسر جوردي هاو الدولي، الذي يربط بين أونتاريو الكندية وميشيغان الأميركية، متهماً كندا بـ«معاملة غير عادلة» للولايات المتحدة على مدى عقود.

وقال ترمب في منشور طويل على منصته «تروث سوشيال»، مساء الاثنين: «كما يعلم الجميع، فقد عاملت كندا الولايات المتحدة معاملة غير عادلة للغاية لعقود. الآن، بدأت الأمور تتغير لصالح الولايات المتحدة، وبسرعة! تخيلوا، كندا تبني جسراً ضخماً بين أونتاريو وميشيغان. إنهم يملكون الجانبين الكندي والأميركي، وبالطبع، بنوه دون استخدام أي مواد أميركية تقريباً».

ووجه ترمب اتهامات للرئيس الأسبق باراك أوباما بإعطاء إعفاءات لكندا. وقال: «لقد منحهم الرئيس باراك حسين أوباما إعفاءً غبياً ليتمكنوا من التحايل على قانون 'اشترِ المنتجات الأميركية'، وعدم استخدام أي منتجات أميركية، بما في ذلك الفولاذ الأميركي. الآن، تتوقع الحكومة الكندية مني، بصفتي رئيس الولايات المتحدة، أن أسمح لهم 'باستغلال أمريكا'! ماذا ستحصل عليه الولايات المتحدة؟ لا شيء على الإطلاق!».

واشتكى الرئيس الأميركي أن كندا تضع قيوداً على المنتجات الأميركية. وقال إن «أونتاريو لا تسمح ببيع المشروبات الروحية والمشروبات الكحولية الأميركية الأخرى في متاجرها، فهي ممنوعة تماماً من ذلك، والآن، وفوق كل هذا، يريد رئيس الوزراء (مارك) كارني عقد صفقة مع الصين - التي ستلتهم كندا بالكامل - ولن نحصل إلا على الفتات! لا أعتقد ذلك. أول ما ستفعله الصين هو إنهاء جميع مباريات هوكي الجليد في كندا، وإلغاء كأس ستانلي نهائياً»، في إشارة لجائزة الفائز بدوري الهوكي.

وأضاف: «لقد كانت الرسوم الجمركية التي تفرضها كندا على منتجاتنا من الألبان غير مقبولة لسنوات عديدة، مما يعرض مزارعينا لمخاطر مالية كبيرة. لن أسمح بافتتاح هذا الجسر حتى يتم تعويض الولايات المتحدة بالكامل عن كل ما قدمناه لهم، والأهم من ذلك، أن تعامل كندا الولايات المتحدة بالعدل والاحترام الذي نستحقه. سنبدأ المفاوضات فوراً. مع كل ما قدمناه لهم، يجب أن نمتلك، ربما، نصف هذا المشروع على الأقل. ستكون الإيرادات الناتجة عن السوق الأميركية هائلة. شكراً لكم على اهتمامكم بهذا الأمر!».

تصعيد وخلافات

ويعكس المنشور تصعيداً جديداً في التوترات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا، ويأتي في سياق خلافات متراكمة بين ترمب وكارني. حيث يهدد ترمب بوقف افتتاح الجسر، الذي يُعد أحد أكبر مشاريع البنية التحتية في أميركا الشمالية، إذا لم تحصل أميركا على تعويضات وملكية جزئية، مما يثير تساؤلات حول تأثير ذلك التهديد على العلاقات الثنائية والاقتصاد الإقليمي.

ويُعد جسر جوردي هاو الدولي، الذي سمي تيمناً بلاعب الهوكي الأسطوري، مشروعاً طموحاً يربط بين مدينة ويندسور في أونتاريو بكندا ومدينة ديترويت في ميشيغان بالولايات المتحدة، عبر نهر ديترويت.

ويبلغ طول الجسر 2.5 كيلومتر، وهو أطول جسر كابلي في أميركا الشمالية، مع عرض 37.5 متراً وارتفاع 220 متراً. ويتكون من ست مسارات مرورية، مع إمكانية توسيعه إلى ثمانية، إلى جانب ممر للمشاة والدراجات.

وقد بدأ البناء في هذا الجسر منذ عام 2018، بتكلفة إجمالية تصل إلى 4.4 مليار دولار أميركي، ممولاً بالكامل من الحكومة الكندية عبر هيئة جسر ويندسور-ديترويت (WDBA)، وهي شركة تابعة للحكومة الفيدرالية الكندية. ويشمل المشروع موانئ دخول جديدة على الجانبين، وتحسينات في الطرق السريعة في ميشيغان.

العمل جارٍ لاستكمال إنشاء جسر جوردي هاو الدولي تمهيداً لافتتاحه (أ.ب)

ومن المُتوقع افتتاح الجسر خلال العام الجاري بعد تأخيرات بسبب جائحة كورونا. ويهدف إلى تعزيز التجارة عبر الحدود، حيث يُعد ممر ويندسور-ديترويت أكبر ممر تجاري بين البلدين، يمر من خلاله نحو 25 في المائة من التجارة الثنائية البالغة قيمتها أكثر من 600 مليار دولار سنوياً.

ويُدار المشروع عبر شراكة عامة - خاصة مع كونسورتيوم «بريدجينج نورث أميركا»، الذي يشمل شركات مثل «فلور»، و«إيه سي إس»، و«أيكون»، ويستمر لـ36 عاماً تشمل التصميم، البناء، التمويل، التشغيل، والصيانة.

ومع ذلك، يشكو ترمب من أن الإعفاء الذي منحه أوباما سمح لكندا بتجنب استخدام مواد أميركية، مما يجعل الجسر «استغلالاً» لأميركا دون عوائد.

الخلافات بين ترمب وكارني

يأتي تهديد ترمب في سياق خلافات متراكمة مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، حيث فرض ترمب رسوماً جمركية على الصلب والألمنيوم الكنديين، مما أدى إلى إعادة التفاوض على «اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية» (NAFTA) في ولاية ترمب الأولى لتصبح «الاتفاقية بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا» (USMCA).

ومع ذلك، استمرت الخلافات في ولاية ترمب الثانية، مع اتهامات لكندا بعدم التعاون في مكافحة تهريب الفنتانيل والمهاجرين غير الشرعيين، وفرض تعريفات تصل إلى 50 في المائة على بعض المنتجات الكندية رداً على رسوم كندية على الكهرباء.

وتصاعدت الخلافات بصورة كبيرة مع تهديدات ترمب بضم كندا كـ«الولاية الأميركية الـ51»، مستخدماً «القوة الاقتصادية» للوصول إلى موارد كندا المعدنية، ومتهماً كارني بالسعي لصفقات مع الصين، التي وصفها ترمب بأنها «ستلتهم كندا».

وجاء رد كارني شديداً، معتبراً التهديدات «تهديداً للسيادة الكندية»، ودعا في خطاب خلال منتدى دافوس إلى اتحاد «القوى الوسطى» لمواجهة «الانقسام العالمي»، مما أثار غضب ترمب الذي سحب دعوة كارني لمجلس السلام الخاص بقطاع غزة.

كما أدت التعريفات إلى إلغاء كندا لتفويضات السيارات الكهربائية الأميركية، وفرض عقوبات متبادلة على الطاقة والتجارة.

وأشارت وكالة «بلومبرغ» إلى أن تهديد ترمب بوقف افتتاح الجسر يأتي جزءاً من استراتيجيته «أميركا أولاً»، التي تركز على تقليل العجز التجاري البالغ 100 مليار دولار مع كندا، وفرض شروط تجارية أفضل.

ومع ذلك، يبدو التهديد غير واقعي قانونياً، حيث تشرف وتمول الحكومة الكندية هذا المشروع.

وأكدت «بلومبرغ» نقلاً عن مسؤولين أن التعريفات لن توقف التقدم، خاصة أن الجسر مكتمل بنسبة كبيرة ويُمول من الرسوم المستقبلية. لكن التهديد من قبل الرئيس ترمب يعكس «عصراً جديداً» من التوتر، حيث يهدد بتحويل الجسر إلى «نصب تذكاري للماضي» بدلاً من رمز للتعاون.

وحذر تقرير «بلومبرغ» من أن التصعيد قد يؤدي إلى اضطراب في سلاسل التوريد، خاصة في قطاع السيارات والطاقة، حيث تعتمد ميشيغان على التجارة مع أونتاريو.

ومع ذلك، يرى محللون أن التهديد يهدف إلى إعادة التفاوض مستخدماً الجسر كورقة ضغط.

وبالنسبة لكندا، يعزز كارني من استقلاليتها عبر صفقات مع الصين، لكن ذلك يزيد من مخاطر التعريفات الأميركية، التي قد تصل إلى 100 في المائة إذا تمت الصفقة.

في النهاية، يعكس التهديد تحولاً في العلاقات الثنائية من الشراكة إلى المنافسة، مع مخاطر على الاستقرار الإقليمي إذا استمر التصعيد.


وزارة العدل الأميركية تسمح لأعضاء الكونغرس بالاطلاع على ملفات إبستين غير المنقحة

صور من وثائق قضية جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ف.ب)
صور من وثائق قضية جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ف.ب)
TT

وزارة العدل الأميركية تسمح لأعضاء الكونغرس بالاطلاع على ملفات إبستين غير المنقحة

صور من وثائق قضية جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ف.ب)
صور من وثائق قضية جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ف.ب)

سمحت وزارة العدل الأميركية لأعضاء الكونغرس بمراجعة ملفات قضية جيفري إبستين غير المنقحة، يوم الاثنين، بعد أن أعرب عدد من المشرعين عن قلقهم إزاء حجب بعض الأسماء الواردة في الوثائق المنشورة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان قانون شفافية ملفات إبستين الذي أقره الكونغرس بأغلبية ساحقة في نوفمبر (تشرين الثاني)، قد ألزم وزارة العدل بنشر جميع الوثائق التي بحوزتها والمتعلقة بالممول الأميركي المدان بالإتجار بالقاصرات.

وطلب القانون إخفاء الأسماء أو أي معلومات شخصية أخرى تكشف عن هوية ضحايا إبستين الذين يتجاوز عددهم الألف وفق مكتب التحقيقات الفيدرالي.

لكن القانون نص على أنه لا يجوز «حجب أي سجلات أو تأخير نشرها أو تنقيحها بدعوى الإحراج أو الإضرار بالسمعة أو الحساسية السياسية، بما في ذلك تجاه أي مسؤول حكومي أو شخصية عامة أو شخصية أجنبية مرموقة».

ويعد النائب الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا، رو خانا، من بين المشرعين الذين شككوا في بعض عمليات التنقيح التي طالت أكثر من ثلاثة ملايين وثيقة.

ونشر خانا أمثلة على ذلك على صفحته على «فيسبوك»، حيث تم حجب اسم المرسل في رسالة بريد إلكتروني إلى إبستين بتاريخ 17 يناير (كانون الثاني) 2013 تقول: «وصلت برازيلية جديدة، جذابة وجميلة، عمرها 9 سنوات».

كما تم حجب اسم مرسل رسالة أخرى بتاريخ 11 مارس (آذار) تقول: «شكراً لك على هذه الليلة الممتعة. فتاتك الصغيرة كانت مشاغبة بعض الشيء».

وأكد خانا على ضرورة كشف أسماء مرسلي هذه الرسائل.

وأضاف: «إن التستر على سمعة هؤلاء الرجال النافذين يعد انتهاكاً صارخاً لقانون إبستين للشفافية».

ووُجد إبستين الذي كانت تربطه علاقات برجال أعمال وسياسيين ومشاهير وأكاديميين، ميتاً في زنزانته في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره محاكمته بتهمة الإتجار الجنسي بفتيات قاصرات.

وغيلين ماكسويل، صديقة إبستين السابقة، هي الشخص الوحيد الذي أدين بجريمة تتعلق بقضيته.

والاثنين، رفضت ماكسويل التي تمضي عقوبة بالسجن لمدة 20 عاماً، الإجابة عن أسئلة وجهتها إليها لجنة تابعة لمجلس النواب الأميركي. ونُقل عن محاميها أنها سترد على الأسئلة إذا حصلت على «عفو رئاسي» من الرئيس دونالد ترمب.

وحاول ترمب لأشهر منع نشر ملفات إبستين، لكنه رضخ لاحقاً تحت ضغط مشرعين جمهوريين.