رهانات أوروبية على تجنّب توسُّع الحرب والعودة إلى مسار المفاوضات

اجتماع أوروبي - إيراني في جنيف الجمعة قد يُشكّل «الفرصة الأخيرة»

جانب من لقاء ترمب وماكرون بالبيت الأبيض في فبراير الماضي (أ.ب)
جانب من لقاء ترمب وماكرون بالبيت الأبيض في فبراير الماضي (أ.ب)
TT

رهانات أوروبية على تجنّب توسُّع الحرب والعودة إلى مسار المفاوضات

جانب من لقاء ترمب وماكرون بالبيت الأبيض في فبراير الماضي (أ.ب)
جانب من لقاء ترمب وماكرون بالبيت الأبيض في فبراير الماضي (أ.ب)

ثمة سباق بين التصعيد العسكري في الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران، التي أطلقتها الأولى ليل الخميس إلى الجمعة، وبين المحاولات الدبلوماسية التي تبذل في الساعات الأخيرة للسير بوساطات، والعودة إلى طاولة المفاوضات بين الغربيين وإيران.

والوساطة الجدية المطروحة اليوم تعود للثلاثي الأوروبي؛ الذي تشارك فيه فرنسا وبريطانيا وألمانيا الموقّعة على الاتفاق النووي لعام 2015، والتي لها تاريخ طويل في التفاوض مع طهران تعود بداياته لعام 2003. وتأكّد، الخميس، خبر اجتماع الثلاثي الأوروبي بنظيرهم الإيراني عباس عراقجي في جنيف، الجمعة، وفق ما نقلت وكالة «إرنا».

نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي «القبة الحديدية» يطلق النار لاعتراض الصواريخ الإيرانية فوق تل أبيب (أ.ب)

وآخر لقاءات بين الطرفين عُقدت في روما. إلا أنها لم تسفر عن أي نتيجة. وغاب الأوروبيون عن المشهد بعد أن وضعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدها على ملف التفاوض بوساطة عمانية، تاركة الثلاثي الأوروبي خارج القاعة.

ولأن الولايات المتحدة كانت، قبل اندلاع الحرب الأخيرة، في حاجة إلى الثلاثي الأوروبي لاستصدار قرار شديد اللهجة من مجلس محافظي الوكالة الدولية يندد بانتهاك إيران التزاماتها في إطار معاهدة منع انتشار السلاح النووي، ولأن واشنطن ستكون في حاجة إليها مجدداً في حال إعادة الملف النووي إلى مجلس الأمن الدولي وتفعيل آلية «سناب باك» الشهيرة؛ فقد تقاربت مواقف الطرفين، بل إنها تطابقت في الإعراب عن دعم إسرائيل و«حقها المشروع في الدفاع عن النفس».

تحذير من «الفوضى»

وبرز ذلك بشكل جلي، في البيان الصادر الأربعاء الماضي عن قمة مجموعة السبع، التي التأمت في كندا، حيث جاء في فقرته الثانية ما حرفيته: «نؤكد أن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها، ونكرر دعمنا أمن إسرائيل كما نؤكد على أهمية حماية المدنيين». ويضيف البيان أن «إيران تمثل المصدر الرئيس لعدم الاستقرار والإرهاب في المنطقة». كما أكّد القادة السبعة «بشكل واضح أن إيران لن تتمكن أبداً من امتلاك السلاح النووي».

الرئيس الفرنسي خلال احتفال بذكرى نداء الجنرال ديغول للفرنسيين بمقاومة الاحتلال النازي لفرنسا (أ.ف.ب)

بيد أن هذا الإجماع على دعم إسرائيل وحملتها العسكرية، كما عكسه البيان، بدأ بالتفسخ بالنظر لتذبذب موقف الرئيس الأميركي ما بين الرغبة في التدخل في المواجهة الدائرة بين إسرائيل وإيران، ومخططات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي فهم الثلاثي الأوروبي أنها تتجاوز البرنامج النووي الإيراني والقدرات الباليستية الإيرانية إلى حدّ إسقاط النظام.

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أول من قرع جرس الإنذار، مُنبّهاً من «الفوضى» المترتبة على خطة كهذه، ومُذكّراً بالفشل الذي حصده الغربيون بتخلصهم من الرئيس العراقي السابق صدام حسين. كذلك، أبدى ماكرون تخوفه من زعزعة استقرار الإقليم، ومن تساقط الضحايا المدنيين، وتوسع الضربات الإسرائيلية التي لم تعد محصورة في البنى النووية.

عودة الدور الأوروبي

بعد الاجتماع الثاني لمجلس الدفاع والأمن القومي الفرنسي خلال 24 ساعة، برئاسة ماكرون، صدر عن قصر الإليزيه بياناً متشدّداً أشار إلى أن الأخير ركز على نقاط أساسية؛ أولها القلق إزاء التصعيد الجاري «مع تزايد الضربات الإسرائيلية التي تستهدف أهدافاً لا علاقة لها بالبرنامج النووي والباليستي الإيراني، وارتفاع عدد الضحايا المدنيين في إيران وإسرائيل». وثانية النقاط اعتبار أنه «من الضروري وضع حدّ عاجل لهذه العمليات العسكرية التي تشكل تهديداً خطيراً للأمن الإقليمي».

قادة أميركا واليابان وكندا وفرنسا وإيطاليا في اجتماع «مجموعة السبع» في كندا (إ.ب.أ)

بيد أن الأهم ورد في النقطة الثالثة، التي تشدد على أن «تسوية دائمة للبرنامجين النووي والباليستي لا يمكن أن تتحقق إلا عبر التفاوض. كما ذكّر بإرادة فرنسا في الدخول في حوار حازم مع إيران بشأن أنشطتها المزعزعة للاستقرار في المنطقة. وأخيراً، كلّف ماكرون وزير خارجيته جان نويل بارو اتخاذ مبادرة في هذا الصدد خلال الأيام المقبلة، بالتعاون مع الشركاء الأوروبيين المقربين؛ من أجل اقتراح تسوية تفاوضية صارمة من شأنها إنهاء النزاع».

وقال بارو، مساء الأربعاء، للنواب إن بلاده «ترى منذ وقت طويل أن الحلّ العسكري لن يكون السبيل للانتهاء من الملف النووي الإيراني».

وتقول مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس إن الثلاثي الأوروبي يعي أن مهمته «بالغة الصعوبة» للتوصل إلى تفاهم على «تنازلات يمكن أن تقدم عليها إيران بخصوص برنامجها النووي وأنشطتها الباليستية، وتكون مقبولة في واشنطن وتل أبيب».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً للصحافة بعد اتصال بنظيريه البريطاني والألماني 19 يونيو (إ.ب.أ)

كما يعي الأوروبيون أن «فترة السماح» الزمنية المتاحة لهم ضيقة للغاية، ويمكن ألا تتعدّى الوقت الذي يحتاج إليه الرئيس الأميركي لاتخاذ قرار بالمشاركة في العمليات العسكرية الإسرائيلية أو بالامتناع عنها، علماً أنه يخضع لضغوط متناقضة في الداخل الأميركي بين من يدفع به للتجاوب مع دعوات نتنياهو لضمه مباشرة للعمليات العسكرية، ومن ينصحه بالبقاء خارج الانخراط المباشر في الحرب الدائرة حالياً.

وكان لافتاً الخبر الذي نقلته صحيفة «وول ستريت جورنال»، مساء الأربعاء، وفحواه أن ترمب أبلغ مساعديه موافقته على خطط مهاجمة إيران، لكنه أرجأ إصدار أمر بهذا الخصوص بانتظار معرفة ما إذا كانت إيران مستعدة للتخلي عن برنامجها النووي. ونفى ترمب صدقية التقرير في منشور على منصّة «تروث سوشيال».

وكان ترمب قد عدّ أن «زمن التفاوض مع إيران ولّى»، وأنه منحها فرصة لوقت طويل (60 يوماً)، إلا أنها لم تتجاوب. كذلك، فقد رفض وساطة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي أعرب عن استعداده للمساعدة. وبالتالي، خلت الساحة تماماً من الوساطات باستثناء الوساطة الثلاثية. من هنا، يمكن النظر إلى الجهود الأميركية على أنها «المحاولة الدبلوماسية الأخيرة» التي تتقبلها واشنطن قبل اتخاذ قرارها النهائي بشأن الحرب.

حظوظ النجاح والفشل

تقول المصادر الأوروبية إن وساطة الثلاثي الأوروبي لا يمكن أن تقوم من غير قبول أميركي. وكان ديفيد لامي، وزير الخارجية البريطاني، في واشنطن، الخميس، لجولة محادثات أحد أغراضها التعرف على ما هو مقبول أو مرفوض أميركياً.

وأكّد ماكرون، الأربعاء، أن الدول الأوروبية تعتزم اقتراح حلّ تفاوضي لإنهاء الحرب بين إيران وإسرائيل.

ونقلت وكالة الأنباء الألمانية، الخميس، عن مسؤول ألماني أن خطة التفاوض «تم الاتفاق عليها بالتنسيق مع واشنطن، وأن هدفها إقناع الجانب الإيراني بتقديم ضمانات قاطعة بأنه سيستخدم برنامجه النووي للأغراض المدنية فقط». إلا أن بارو قال، الخميس، عقب مشاورات حول النووي مع شركاء فرنسا: «نحن مستعدون للمشاركة في مفاوضات تهدف إلى دفع إيران للتراجع بشكل دائم عن برنامجيها النووي والمتعلق بالصواريخ الباليستية» ما يتناقض، إلى حد ما، مع ما ورد من ألمانيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في لقاء في البيت الأبيض يوم 18 يونيو (إ.ب.آ)

ثمّة ملاحظات عدّة يجب التوقف عندها؛ أوّلها أن لواشنطن رؤية مختلفة؛ إذ إنها تريد تدميراً كاملاً للبرنامج النووي الإيراني، وهي رفضت تمكين إيران من مواصلة تخصيب اليورانيوم الذي تراه حقاً لها تضمنه معاهدة منع انتشار النووي. كذلك، فإن إسرائيل، وفق تصريحات قادتها، تسعى للقضاء على نووي إيران من خلال العمل العسكري، وتريد أن يكون مصيره كمصير البرنامج النووي الليبي الذي انتهى مع تدمير مكوناته كافة. وكلتا الرؤيتين تبتعد عن المقاربة الأوروبية.

والملاحظة الثانية أن إسرائيل ترفض، قطعياً، أي مفاوضات مع إيران. ونقلت صحيفة «لو فيغاور» الفرنسية عن مسؤول عسكري إسرائيلي قوله: «إذا عمدت الولايات المتحدة لمساعدتنا، فإن الحرب ستنتهي سريعاً. لكننا بأي حال سنواصلها حتى النهاية، وحتى لا يتبقى هناك أي شيء يمكن التفاوض حوله مع إيران».

ويتبدى مما سبق أن هناك ثلاث رؤى: الأولى إسرائيلية وعنوانها الحرب. والثانية، أميركية متأرجحة ما بين العملين العسكري والتفاوض. والثالثة أوروبية لا ترى حلاً، إلا في العمل الدبلوماسي. فضلاً عن الوسائل، ثمّة خلافات حول الأهداف ومنها إسقاط النظام الإيراني الذي يرفضه الأوروبيون ويسعى إليه الإسرائيليون وقد يحبّذه الأميركيون. والسير في أحد الخيارات مرتبط، من جهة أخرى، وفق مصادر متابعة للملف، بقدرة إيران وإسرائيل على تحمل الخسائر المادية والبشرية، خصوصاً إذا تواصلت الحرب لفترة طويلة وردود فعل الشارع المحلي والضغوط الدولية.


مقالات ذات صلة

موسكو تكثف وساطتها بين إيران وإسرائيل لاحتواء التصعيد

شؤون إقليمية صورة ملتقطة في 15 يناير 2026 بموسكو تُظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مراسم تسلُّم أوراق اعتماد السفراء المعينين حديثاً لدى روسيا (د.ب.أ)

موسكو تكثف وساطتها بين إيران وإسرائيل لاحتواء التصعيد

كثف الكرملين، الجمعة، تحركاته الدبلوماسية لخفض التوتر بين إيران وإسرائيل، عبر سلسلة اتصالات أجراها الرئيس الروسي مع نظيره الإيراني ورئيس الوزراء الإسرائيلي

«الشرق الأوسط» (لندن-موسكو)
شؤون إقليمية سيارات تسير في طهران تحت لافتة كتب عليها «هذا ليس احتجاجاً» الخميس (أ.ف.ب)

احتجاجات إيران تخفت… وواشنطن تراقب دون حسم

في لهجة بدت أقل حدة أعرب الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن أمله في استمرار تراجع إيران عن اللجوء إلى أحكام الإعدام بحق المحتجين

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية السفارة الأميركية في القدس (أرشيفية - رويترز)

أميركا تحذر رعاياها في إسرائيل وتحثهم على التأكد من صلاحية جوازات سفرهم

أصدرت السفارة الأميركية في إسرائيل، تحذيراَ أمنياَ لرعاياها في إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية جانب من الاحتجاجات في إيران (أ.ب)

تركيا تكثف مساعيها لتهدئة التوتر في إيران وإبعاد خطر التدخل الخارجي

عبّرت تركيا عن قلقها إزاء الوضع في إيران وأكدت ضرورة إجراء حوار من أجل تخفيف التوترات في المنطقة وسط مخاوف من تدخلات خارجية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية متظاهرات يحملن صور الإيرانية مهدية أسفندياري في طهران أكتوبر الماضي للمطالبة بإطلاق سراحها من سجن فرنسي (أ.ف.ب)

محاكمة الإيرانية أسفندياري تنطلق في باريس الثلاثاء وسط تعقيدات

محاكمة الإيرانية أسفندياري تنطلق في باريس، الثلاثاء، وسط تعقيدات قانونية ودبلوماسية وطهران تسعى لـ«مقايضة» أسفندياري بالفرنسيين كوهلر وباريس المحتجزين في إيران.

ميشال أبونجم (باريس)

نائب إيراني بارز: الحصيلة النهائية لقتلى الاحتجاجات قيد الإعداد

لافتة عليها صور قادة سابقين وحاليين مكتوب عليها باللغة الفارسية «سقوط الدومينو» مع عودة الحياة اليومية إلى الشوارع في طهران (أ.ف.ب)
لافتة عليها صور قادة سابقين وحاليين مكتوب عليها باللغة الفارسية «سقوط الدومينو» مع عودة الحياة اليومية إلى الشوارع في طهران (أ.ف.ب)
TT

نائب إيراني بارز: الحصيلة النهائية لقتلى الاحتجاجات قيد الإعداد

لافتة عليها صور قادة سابقين وحاليين مكتوب عليها باللغة الفارسية «سقوط الدومينو» مع عودة الحياة اليومية إلى الشوارع في طهران (أ.ف.ب)
لافتة عليها صور قادة سابقين وحاليين مكتوب عليها باللغة الفارسية «سقوط الدومينو» مع عودة الحياة اليومية إلى الشوارع في طهران (أ.ف.ب)

قال نائب إيراني بارز إن الجهات المعنية تعمل على إعداد الحصيلة النهائية لعدد القتلى، في وقت شدد القضاء على ضرورة تسريع محاكمة معتقلي الاحتجاجات التي هزت البلاد منذ 28 ديسمبر (كانون الأول)، وسط تجدد الدعوات للإيرانيين للنزول إلى الشارع هذا الأسبوع.

وقال رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، النائب إبراهيم عزيزي، إن «الحصيلة النهائية لعدد القتلى قيد الإعداد»، موضحاً أن «تقديم أرقام القتلى يحتاج إلى تحليل، وأن بعض القتلى لم يكن لهم أي ذنب».

وأضاف عزيزي، في تصريحات للصحافيين، الاثنين، أن «مشروع صناعة القتلى جرى العمل عليه خارج إيران كأولوية، وهم اليوم بصدد فبركة إحصاءات كاذبة».

وأوضح النائب المحافظ أن «3709 من عناصر الشرطة والباسيج والقوى الأمنية أُصيبوا خلال الاحتجاجات الأخيرة»، مشيراً، في ما يتعلق بعدد الجرحى من المدنيين، إلى أن «حجم المصابين في هذه الأحداث، للأسف، مرتفع، لكن الإحصائية النهائية للمصابين لم تُحسم بعد».

فرع «بنك ملي» (الوطني الإيراني) الذي احترق خلال الاحتجاجات المناهضة للحكام في طهران اليوم (أ.ف.ب)

وأشار عزيزي إلى تضرر «250 مدرسة» و«300 مسجد و90 حوزة علمية»، إضافة إلى «2221 مركبة تابعة لقوات الشرطة والباسيج» خلال هذه الأحداث.

وتابع أن «تقييد الإنترنت أُدرج ضمن الإجراءات لإدارة أعمال الشغب»، لافتاً إلى أن «المجلس الأعلى للأمن القومي ومجلس أمن البلاد سيتخذان قراراً بشأن الإنترنت خلال الأيام القليلة المقبلة».

ونقلت «رويترز» عن «مسؤول إيراني في المنطقة» قوله الأحد إن ما لا يقل عن 5 آلاف شخص، بينهم نحو 500 من أفراد الأمن، قُتلوا في الاحتجاجات. وأضاف المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، أن بعض أعنف الاشتباكات وأكبر أعداد من القتلى سُجّلت في المناطق الكردية شمال غربي البلاد.

من جهتها، أفادت وكالة نشطاء حقوق الإنسان في إيران (هرانا) بأن عدد القتلى الموثقين في الاحتجاجات المستمرة بلغ 3919 شخصاً حتى نهاية اليوم الثاني والعشرين، أمس (الأحد)، بينما لا تزال 8949 حالة وفاة أخرى قيد التحقق، في ظل استمرار الإغلاق الواسع للإنترنت وصعوبة الوصول إلى المعلومات.

وأضافت الوكالة أن 2109 أشخاص أُصيبوا بجروح خطيرة، بينما ارتفع عدد المعتقلين المؤكدين إلى 24669 شخصاً، موضحة أن هذه الأرقام تستند إلى توثيق فردي للحالات، وأن الحصيلة الفعلية قد تكون أعلى بكثير بسبب القيود المفروضة على الاتصالات وتعذر التحقق المستقل.

وأشارت «هرانا» إلى أن قطع الإنترنت أعاق بشكل كبير عمليات الرصد، كما رُصدت ضغوط متزايدة على عائلات الضحايا، وصعوبات في تسليم الجثامين، إضافة إلى اشتراطات أمنية ودفن ليلي في بعض المناطق، بالتزامن مع استمرار الأجواء الأمنية المشددة في عدد من المدن.

مركبات تمر أمام لوحة إعلانية محترقة خلال الاحتجاجات العامة في طهران اليوم (أ.ف.ب)

وبالتوازي، أفادت منظمة حقوق الإنسان في إيران، ومقرها النرويج، بمقتل 3428 شخصاً على يد قوات الأمن، محذرةً من أن العدد الفعلي قد يكون أعلى من ذلك بمرات. ونوهت بأن تقديرات أخرى تشير إلى أن الحصيلة تخطّت 5 آلاف قتيل، وربما تصل إلى نحو 20 ألفاً.

من جهتها، نقلت صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية، الأحد، عن تقرير طبي ميداني أن عدد القتلى بلغ ما لا يقل عن 16500 شخص، مع تسجيل نحو 330 ألف مصاب، معظمهم خلال يومين وُصفا بالأكثر دموية منذ 47 عاماً. وذكر التقرير أن غالبية الضحايا دون سن الثلاثين، وأن قوات الأمن استخدمت ذخيرة حية وأسلحة من طراز عسكري، ما أدى إلى إصابات قاتلة في الرأس والعنق والصدر.

وفي وقت سابق، أفاد مصدران من داخل إيران لشبكة «سي بي إس نيوز» بأن ما لا يقل عن 12 ألف شخص، وربما ما يصل إلى 20 ألفاً، يُخشى أنهم قُتلوا، مع اعتقال آلاف آخرين يواجهون أحكاماً محتملة بالإعدام.

محاكمة سريعة

وقال رؤساء السلطات الثلاث (الحكومة والبرلمان والقضاء)، الرئيس مسعود بزشكيان ومحمد باقر قاليباف وغلام حسين محسني إجئي، في بيان مشترك، إن السلطات ستبدي «الرأفة» تجاه مَن وصفوهم بـ«المغرر بهم» ممن لم يضطلعوا بدور أساسي في الأحداث الأخيرة، مقابل تطبيق «عقوبات حاسمة» بحق «القتلة والمحرضين الإرهابيين».

وأضاف البيان أن التعامل مع التطورات يتطلب «كشف الأسباب والجذور مع مراعاة أقصى درجات الإنصاف والعدالة»، مع التأكيد على التمييز بين المحتجين و«مثيري الشغب». ويأتي ذلك بالتزامن مع تشديد القضاء على تسريع محاكمات المعتقلين.

وفي وقت سابق اليوم، قال إجئي إن النظر في قضايا المعتقلين على خلفية الاحتجاجات «يجب أن يتم بسرعة»، مشدداً على عدم السماح «بأي تأخير أو تردد» في حسم ملفات «العناصر الرئيسية والمحرضين».

ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن إجئي قوله إن «الطابع الردعي لعقوبات مثيري الفتنة مطلب شعبي مشروع»، لافتاً إلى أن تنفيذ الأحكام «في الوقت المناسب ومن دون تسويف» يعد عنصراً أساسياً في الردع. ويصف مسؤولون إيرانيون الاحتجاجات بأنها «أعمال شغب» و«فتنة».

وأضاف إجئي، خلال اجتماع للمجلس الأعلى للقضاء، أن «الفساد الاقتصادي كان من بين العوامل التي مهدت لأحداث استغلها العدو في عملياته الإرهابية»، داعياً أجهزة الرقابة والنيابة العامة إلى عدم إغفال «المكافحة الشاملة للفساد» في ظل الظروف الراهنة.

وتابع أن «عمل السلطة القضائية فيما يتعلق بالأحداث الأخيرة قد بدأ للتو»، وأن «المحاكمة والعقاب في الوقت المناسب ومن دون تردد، ولا سيما للعناصر الرئيسية، لهما أثر ردعي واضح». كما تعهد بمحاكمة «المتسببين والمحرضين والمنفذين المباشرين للأعمال الإرهابية وأعمال الشغب وفق القانون وبأقصى درجات الدقة والسرعة والعدالة».

عمال إيرانيون خلال ترميم مبنى متضرر في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

وأشار إجئي إلى أنه «لن يسمح بأي تأخير» في القضايا التي تتضمن «اعترافات صريحة»، مستشهداً بمثال متهم اعترف بقتل عنصر أمني في مرودشت بمحافظة فارس، مؤكداً أن إجراءات محاكمته «يجب أن تُستكمل بسرعة». وأضاف أن السلطة القضائية «لن تتخلى عن ملاحقة مرتكبي الجرائم الأخيرة في المحاكم الداخلية والدولية»، وأن المسؤولين عن تخريب الممتلكات العامة والخاصة «ملزمون، إلى جانب العقوبة، بتعويض الأضرار».

وكان المتحدث باسم الجهاز القضائي أصغر جهانغير قد أشار، الأحد، إلى إمكانية تنفيذ أحكام إعدام بحق مَن جرى اعتقالهم خلال الاحتجاجات، في ظل الضغوط الدولية المتزايدة التي تواجهها السلطات بسبب هذه الاحتجاجات، التي تُعد الأكثر إزهاقاً للأرواح منذ ثورة عام 1979.

واندلعت الاحتجاجات الشهر الماضي على خلفية تفاقم الأزمة الاقتصادية، قبل أن تتطور إلى مظاهرات واسعة النطاق شارك فيها مدنيون من مختلف الأعمار والفئات الاجتماعية للمطالبة بإنهاء نظام الحكم.

وفي هذا السياق، تسعى طهران إلى ردع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن تنفيذ تهديداته بالتدخل، بعدما توعد مراراً باتخاذ «إجراء قوي للغاية» إذا أقدمت إيران على إعدام محتجين. وقال ترمب، في مقابلة مع «بوليتيكو»، السبت، إن «الوقت حان للبحث عن قيادة جديدة في إيران».

وحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأحد، من أن أي هجوم أميركي سيؤدي إلى «رد قاسٍ» من طهران، مضيفاً أن أي استهداف للمرشد علي خامنئي سيكون «بمثابة حرب شاملة على الأمة».

من جانبه، وصف المرشد الإيراني علي خامنئي ترمب بأنه «مجرم» بسبب ما ألحقه بإيران من خسائر جراء دعمه المحتجين، مشيراً إلى سقوط «عدة آلاف من القتلى» خلال الاحتجاجات، ومحملاً المسؤولية لـ«إرهابيين ومثيري شغب» على صلة بالولايات المتحدة وإسرائيل.


تركيا تراقب وقف إطلاق النار بين دمشق و«قسد»

سوريون يحتفلون بدخول وسيطرة الجيش على الرقة (أ.ب)
سوريون يحتفلون بدخول وسيطرة الجيش على الرقة (أ.ب)
TT

تركيا تراقب وقف إطلاق النار بين دمشق و«قسد»

سوريون يحتفلون بدخول وسيطرة الجيش على الرقة (أ.ب)
سوريون يحتفلون بدخول وسيطرة الجيش على الرقة (أ.ب)

جددت تركيا دعمها وحدة سوريا، وسلامة أراضيها، مؤكدة أنها ستراقب من كثب تنفيذ وقف إطلاق النار الموقع بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي.

وأجرى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان اتصالاً هاتفياً مع الشرع عقب الإعلان عن وقف إطلاق النار مع «قسد»، مساء الأحد، لبحث آخر التطورات في سوريا.

وقالت الرئاسة التركية إن إردوغان أكد للشرع أن دعم تركيا لوحدة سوريا وسلامة أراضيها واستقرارها وأمنها سيستمر بشكل متزايد في العديد من المجالات، وعلى رأسها مكافحة الإرهاب.

وأضافت أن إردوغان شدد على أن تطهير الأراضي السورية بالكامل من الإرهاب أمر ضروري من أجل سوريا، والمنطقة بأسرها.

«منطقة خالية من الإرهاب»

وقال رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية برهان الدين دوران إن اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج الكامل الذي أُعلن عنه في سوريا يُعد مرحلة مهمة في إطار مسار «منطقة خالية من الإرهاب».

وأكد أن الطريق إلى الاستقرار الدائم في سوريا يمر عبر ضمان حقوق جميع المكوّنات العرقية والمذهبية على أساس المواطنة المتساوية، وأن «سوريا التي تحافظ على وحدة أراضيها، وتطهَّر من التنظيمات الإرهابية هي مفتاح السلام الإقليمي، ومن هذا المنطلق فإن الخطوات التي تتخذها الإدارة السورية والجهود التي تبذلها تُعد مهمة».

وأضاف أن تركيا «فاعل قوي على الأرض ومؤثر على طاولة المفاوضات، وتتبنى السلام كمبدأ، والاستقرار كهدف، ولا تفصل أمن جارتها عن أمنها».

إردوغان خلال استقباله الشرع بقصر دولمه بهشه في 24 مايو 2025 (الرئاسة التركية)

وقالت مصادر أمنية تركية، ​الاثنين، إن المخابرات التركية أجرت اتصالات مكثفة ‌مع الولايات المتحدة والحكومة السورية قبل إبرام اتفاق وقف إطلاق النار، الذي وصفته بأنه «خطوة تاريخية»، ‌لضمان ضبط ‌النفس ⁠من ​جانب ‌الأطراف على الأرض.

ونقلت وسائل إعلام تركية عن المصادر أن الحرب ضد تنظيم «داعش» الإرهابي في سوريا ستستمر بلا هوادة، لافتة إلى أن إرساء الاستقرار ⁠والأمن في سوريا يعد أمراً ‌بالغ الأهمية لتحقيق هدف «تركيا خالية من الإرهاب» الذي يمر عبر حل «حزب العمال الكردستاني» وجميع أذرعه، وصولاً إلى «منطقة خالية من الإرهاب».

دعم جهود دمشق

في السياق ذاته، قالت وزارة الخارجية التركية، في بيان، إنه بعد إدراك الحقائق الميدانية على أرض الواقع، نأمل أن يكون قد اتضح بشكل تام لجميع المكونات والأفراد في سوريا أن مستقبل البلاد يمر عبر الوحدة والتكامل والاندماج، وليس من خلال الإرهاب والانقسام.

الشرع خلال توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع «قسد» مساء الأحد (إ.ب.أ)

وأكد البيان أن تركيا ستواصل دعمها لجهود الحكومة السورية في مكافحة الإرهاب، وجهود إعادة إعمار البلاد التي تقوم بها حكومة دمشق في إطار «نهج عملي شامل وتكاملي يستند إلى رضا الشعب».

بدوره، أكد نائب رئيس حزب «العدالة والتنمية» الحاكم المتحدث باسم الحزب، عمر تشيليك، أنه لا يمكن أن تكون هناك دولة داخل دولة، أو جيش داخل جيش، لافتاً إلى أن سعي «قسد» للعمل بوصف أنها «دولة داخل دولة، وجيش داخل جيش» هو مهمةٌ أوكلتها إليها قوى تسعى إلى نشر الشر في سوريا والمنطقة.

وتعليقاً على اتفاق وقف إطلاق النار بين الحكومة السورية و«قسد»، رأى تشيليك، في بيان عبر حسابه في «إكس» الاثنين، أن الأمر الجوهري هو أن يصبح إخواننا العرب والتركمان والأكراد إلى جانب أتباع جميع الأديان والطوائف عناصر متساوية وكريمة في سوريا موحدة وكاملة، من خلال نموذج اجتماعي وسياسي ودستوري شامل.

وقال «إنه بالنسبة لإخواننا الأكراد في سوريا فإن المكسب الحقيقي هو خريطة الطريق التي بدأت باتفاق اندماج (قسد) في الجيش السوري في 10 مارس (آذار)، واستمرت بالمرسوم الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع يوم الجمعة الماضي، والذي يضمن حقوقهم، وتُوِّجت أخيراً باتفاق وقف إطلاق النار».

وأضاف أن أولئك الذين يعتبرون احتلال المنظمات الإرهابية «مكسباً» إنما يصبحون داعمين لمشاريع سياسية خبيثة تهدف إلى إلحاق الدمار بإخواننا وأخواتنا الأكراد، وبسوريا بأكملها.

من جانبه، وصف نائب الرئيس التركي جودت يلماظ، في بيان عبر حسابه في «إكس»، اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج الكامل بين الحكومة السورية و«قسد» بأنه «تطور واعد للمستقبل».

وأكد أن تركيا ستتابع من كثب العملية المتعلقة بتنفيذ بنود الاتفاق، معرباً عن أمله في أن يلتزم الطرفان بتعهداتهما في المرحلة المقبلة لنقل العملية إلى حالة من الاستقرار، وأن تنتهي الكيانات التي جرى تشكيلها بدعم خارجي في ظل فراغ السلطة المركزية والمتبقية من المرحلة السابقة.


سموتريتش: خطة ترمب سيئة لإسرائيل... ويجب إعادة احتلال غزة

وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش (د.ب.أ)
وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش (د.ب.أ)
TT

سموتريتش: خطة ترمب سيئة لإسرائيل... ويجب إعادة احتلال غزة

وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش (د.ب.أ)
وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش (د.ب.أ)

دعا وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إلى تصحيح «خطيئة» الانسحاب من غزة في عام 2005، مُعلناً، خلال خطابٍ ألقاه بمناسبة الاعتراف بمستوطنة ياتسيف الجديدة في الضفة الغربية، أن إسرائيل لا يمكنها «الانتظار 20 عاماً أخرى» للسيطرة على القطاع الساحلي الفلسطيني، وفق ما أوردته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل».

وفي مناشدته رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو السيطرة على غزة، قال سموتريتش: «إما نحن أو هم، إما سيطرة إسرائيلية كاملة، وتدمير (حماس)، ومواصلة قمع الإرهاب على المدى الطويل، وتشجيع هجرة العدو إلى الخارج، واستيطان إسرائيلي دائم، أو - لا قدَّر الله - تبديد جهود وتكاليف الحرب وانتظار الجولة المقبلة».

وأضاف أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستحق الشكر الإسرائيلي لدوره في إعادة الرهائن، لكن «خطته سيئة لدولة إسرائيل» ويجب وضعها جانباً، مؤكداً أن «غزة لنا، ومستقبلها سيؤثر في مستقبلنا أكثر من أي طرف آخر»، لذلك يجب على تل أبيب «تحمُّل المسؤولية عما يجري هناك» و«فرض حكم عسكري».

وتباهى الوزير اليميني المتطرف بأن الحكومة الحالية «صحّحت خطيئة الطرد» من عدد من مستوطنات الضفة الغربية، والتي جرت بالتزامن مع الانسحاب من غزة في عام 2005. وقال إن «هناك خطيئة واحدة لم نتمكّن بعدُ من تصحيحها، حتى عندما بدا أن لدينا الفرصة والواجب لفعل ذلك؛ وهي الطرد من غوش قطيف».

وتساءل سموتريتش: «ألم تكن أفظع مجزرة حلّت بالشعب اليهودي منذ المحرقة الرهيبة كافية لكي تدرك القيادة الإسرائيلية ما الذي يجب فعله؟».