رهانات أوروبية على تجنّب توسُّع الحرب والعودة إلى مسار المفاوضات

اجتماع أوروبي - إيراني في جنيف الجمعة قد يُشكّل «الفرصة الأخيرة»

جانب من لقاء ترمب وماكرون بالبيت الأبيض في فبراير الماضي (أ.ب)
جانب من لقاء ترمب وماكرون بالبيت الأبيض في فبراير الماضي (أ.ب)
TT

رهانات أوروبية على تجنّب توسُّع الحرب والعودة إلى مسار المفاوضات

جانب من لقاء ترمب وماكرون بالبيت الأبيض في فبراير الماضي (أ.ب)
جانب من لقاء ترمب وماكرون بالبيت الأبيض في فبراير الماضي (أ.ب)

ثمة سباق بين التصعيد العسكري في الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران، التي أطلقتها الأولى ليل الخميس إلى الجمعة، وبين المحاولات الدبلوماسية التي تبذل في الساعات الأخيرة للسير بوساطات، والعودة إلى طاولة المفاوضات بين الغربيين وإيران.

والوساطة الجدية المطروحة اليوم تعود للثلاثي الأوروبي؛ الذي تشارك فيه فرنسا وبريطانيا وألمانيا الموقّعة على الاتفاق النووي لعام 2015، والتي لها تاريخ طويل في التفاوض مع طهران تعود بداياته لعام 2003. وتأكّد، الخميس، خبر اجتماع الثلاثي الأوروبي بنظيرهم الإيراني عباس عراقجي في جنيف، الجمعة، وفق ما نقلت وكالة «إرنا».

نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي «القبة الحديدية» يطلق النار لاعتراض الصواريخ الإيرانية فوق تل أبيب (أ.ب)

وآخر لقاءات بين الطرفين عُقدت في روما. إلا أنها لم تسفر عن أي نتيجة. وغاب الأوروبيون عن المشهد بعد أن وضعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدها على ملف التفاوض بوساطة عمانية، تاركة الثلاثي الأوروبي خارج القاعة.

ولأن الولايات المتحدة كانت، قبل اندلاع الحرب الأخيرة، في حاجة إلى الثلاثي الأوروبي لاستصدار قرار شديد اللهجة من مجلس محافظي الوكالة الدولية يندد بانتهاك إيران التزاماتها في إطار معاهدة منع انتشار السلاح النووي، ولأن واشنطن ستكون في حاجة إليها مجدداً في حال إعادة الملف النووي إلى مجلس الأمن الدولي وتفعيل آلية «سناب باك» الشهيرة؛ فقد تقاربت مواقف الطرفين، بل إنها تطابقت في الإعراب عن دعم إسرائيل و«حقها المشروع في الدفاع عن النفس».

تحذير من «الفوضى»

وبرز ذلك بشكل جلي، في البيان الصادر الأربعاء الماضي عن قمة مجموعة السبع، التي التأمت في كندا، حيث جاء في فقرته الثانية ما حرفيته: «نؤكد أن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها، ونكرر دعمنا أمن إسرائيل كما نؤكد على أهمية حماية المدنيين». ويضيف البيان أن «إيران تمثل المصدر الرئيس لعدم الاستقرار والإرهاب في المنطقة». كما أكّد القادة السبعة «بشكل واضح أن إيران لن تتمكن أبداً من امتلاك السلاح النووي».

الرئيس الفرنسي خلال احتفال بذكرى نداء الجنرال ديغول للفرنسيين بمقاومة الاحتلال النازي لفرنسا (أ.ف.ب)

بيد أن هذا الإجماع على دعم إسرائيل وحملتها العسكرية، كما عكسه البيان، بدأ بالتفسخ بالنظر لتذبذب موقف الرئيس الأميركي ما بين الرغبة في التدخل في المواجهة الدائرة بين إسرائيل وإيران، ومخططات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي فهم الثلاثي الأوروبي أنها تتجاوز البرنامج النووي الإيراني والقدرات الباليستية الإيرانية إلى حدّ إسقاط النظام.

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أول من قرع جرس الإنذار، مُنبّهاً من «الفوضى» المترتبة على خطة كهذه، ومُذكّراً بالفشل الذي حصده الغربيون بتخلصهم من الرئيس العراقي السابق صدام حسين. كذلك، أبدى ماكرون تخوفه من زعزعة استقرار الإقليم، ومن تساقط الضحايا المدنيين، وتوسع الضربات الإسرائيلية التي لم تعد محصورة في البنى النووية.

عودة الدور الأوروبي

بعد الاجتماع الثاني لمجلس الدفاع والأمن القومي الفرنسي خلال 24 ساعة، برئاسة ماكرون، صدر عن قصر الإليزيه بياناً متشدّداً أشار إلى أن الأخير ركز على نقاط أساسية؛ أولها القلق إزاء التصعيد الجاري «مع تزايد الضربات الإسرائيلية التي تستهدف أهدافاً لا علاقة لها بالبرنامج النووي والباليستي الإيراني، وارتفاع عدد الضحايا المدنيين في إيران وإسرائيل». وثانية النقاط اعتبار أنه «من الضروري وضع حدّ عاجل لهذه العمليات العسكرية التي تشكل تهديداً خطيراً للأمن الإقليمي».

قادة أميركا واليابان وكندا وفرنسا وإيطاليا في اجتماع «مجموعة السبع» في كندا (إ.ب.أ)

بيد أن الأهم ورد في النقطة الثالثة، التي تشدد على أن «تسوية دائمة للبرنامجين النووي والباليستي لا يمكن أن تتحقق إلا عبر التفاوض. كما ذكّر بإرادة فرنسا في الدخول في حوار حازم مع إيران بشأن أنشطتها المزعزعة للاستقرار في المنطقة. وأخيراً، كلّف ماكرون وزير خارجيته جان نويل بارو اتخاذ مبادرة في هذا الصدد خلال الأيام المقبلة، بالتعاون مع الشركاء الأوروبيين المقربين؛ من أجل اقتراح تسوية تفاوضية صارمة من شأنها إنهاء النزاع».

وقال بارو، مساء الأربعاء، للنواب إن بلاده «ترى منذ وقت طويل أن الحلّ العسكري لن يكون السبيل للانتهاء من الملف النووي الإيراني».

وتقول مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس إن الثلاثي الأوروبي يعي أن مهمته «بالغة الصعوبة» للتوصل إلى تفاهم على «تنازلات يمكن أن تقدم عليها إيران بخصوص برنامجها النووي وأنشطتها الباليستية، وتكون مقبولة في واشنطن وتل أبيب».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً للصحافة بعد اتصال بنظيريه البريطاني والألماني 19 يونيو (إ.ب.أ)

كما يعي الأوروبيون أن «فترة السماح» الزمنية المتاحة لهم ضيقة للغاية، ويمكن ألا تتعدّى الوقت الذي يحتاج إليه الرئيس الأميركي لاتخاذ قرار بالمشاركة في العمليات العسكرية الإسرائيلية أو بالامتناع عنها، علماً أنه يخضع لضغوط متناقضة في الداخل الأميركي بين من يدفع به للتجاوب مع دعوات نتنياهو لضمه مباشرة للعمليات العسكرية، ومن ينصحه بالبقاء خارج الانخراط المباشر في الحرب الدائرة حالياً.

وكان لافتاً الخبر الذي نقلته صحيفة «وول ستريت جورنال»، مساء الأربعاء، وفحواه أن ترمب أبلغ مساعديه موافقته على خطط مهاجمة إيران، لكنه أرجأ إصدار أمر بهذا الخصوص بانتظار معرفة ما إذا كانت إيران مستعدة للتخلي عن برنامجها النووي. ونفى ترمب صدقية التقرير في منشور على منصّة «تروث سوشيال».

وكان ترمب قد عدّ أن «زمن التفاوض مع إيران ولّى»، وأنه منحها فرصة لوقت طويل (60 يوماً)، إلا أنها لم تتجاوب. كذلك، فقد رفض وساطة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي أعرب عن استعداده للمساعدة. وبالتالي، خلت الساحة تماماً من الوساطات باستثناء الوساطة الثلاثية. من هنا، يمكن النظر إلى الجهود الأميركية على أنها «المحاولة الدبلوماسية الأخيرة» التي تتقبلها واشنطن قبل اتخاذ قرارها النهائي بشأن الحرب.

حظوظ النجاح والفشل

تقول المصادر الأوروبية إن وساطة الثلاثي الأوروبي لا يمكن أن تقوم من غير قبول أميركي. وكان ديفيد لامي، وزير الخارجية البريطاني، في واشنطن، الخميس، لجولة محادثات أحد أغراضها التعرف على ما هو مقبول أو مرفوض أميركياً.

وأكّد ماكرون، الأربعاء، أن الدول الأوروبية تعتزم اقتراح حلّ تفاوضي لإنهاء الحرب بين إيران وإسرائيل.

ونقلت وكالة الأنباء الألمانية، الخميس، عن مسؤول ألماني أن خطة التفاوض «تم الاتفاق عليها بالتنسيق مع واشنطن، وأن هدفها إقناع الجانب الإيراني بتقديم ضمانات قاطعة بأنه سيستخدم برنامجه النووي للأغراض المدنية فقط». إلا أن بارو قال، الخميس، عقب مشاورات حول النووي مع شركاء فرنسا: «نحن مستعدون للمشاركة في مفاوضات تهدف إلى دفع إيران للتراجع بشكل دائم عن برنامجيها النووي والمتعلق بالصواريخ الباليستية» ما يتناقض، إلى حد ما، مع ما ورد من ألمانيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في لقاء في البيت الأبيض يوم 18 يونيو (إ.ب.آ)

ثمّة ملاحظات عدّة يجب التوقف عندها؛ أوّلها أن لواشنطن رؤية مختلفة؛ إذ إنها تريد تدميراً كاملاً للبرنامج النووي الإيراني، وهي رفضت تمكين إيران من مواصلة تخصيب اليورانيوم الذي تراه حقاً لها تضمنه معاهدة منع انتشار النووي. كذلك، فإن إسرائيل، وفق تصريحات قادتها، تسعى للقضاء على نووي إيران من خلال العمل العسكري، وتريد أن يكون مصيره كمصير البرنامج النووي الليبي الذي انتهى مع تدمير مكوناته كافة. وكلتا الرؤيتين تبتعد عن المقاربة الأوروبية.

والملاحظة الثانية أن إسرائيل ترفض، قطعياً، أي مفاوضات مع إيران. ونقلت صحيفة «لو فيغاور» الفرنسية عن مسؤول عسكري إسرائيلي قوله: «إذا عمدت الولايات المتحدة لمساعدتنا، فإن الحرب ستنتهي سريعاً. لكننا بأي حال سنواصلها حتى النهاية، وحتى لا يتبقى هناك أي شيء يمكن التفاوض حوله مع إيران».

ويتبدى مما سبق أن هناك ثلاث رؤى: الأولى إسرائيلية وعنوانها الحرب. والثانية، أميركية متأرجحة ما بين العملين العسكري والتفاوض. والثالثة أوروبية لا ترى حلاً، إلا في العمل الدبلوماسي. فضلاً عن الوسائل، ثمّة خلافات حول الأهداف ومنها إسقاط النظام الإيراني الذي يرفضه الأوروبيون ويسعى إليه الإسرائيليون وقد يحبّذه الأميركيون. والسير في أحد الخيارات مرتبط، من جهة أخرى، وفق مصادر متابعة للملف، بقدرة إيران وإسرائيل على تحمل الخسائر المادية والبشرية، خصوصاً إذا تواصلت الحرب لفترة طويلة وردود فعل الشارع المحلي والضغوط الدولية.


مقالات ذات صلة

كواليس القرار العسكري الأميركي الإسرائيلي في الحرب على إيران

شؤون إقليمية قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي-إكس)

كواليس القرار العسكري الأميركي الإسرائيلي في الحرب على إيران

كشفت مصادر إسرائيلية كواليس القرار الذي قاد إلى الحرب على إيران، مشيرة إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اتخذا القرار.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية مبنى تعرض لغارات جوية أميركية إسرائيلية قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ بجنوب طهران (أ.ف.ب) p-circle

الدمار يتكشف: تقرير يُظهر حجم ونطاق الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران

بدأت تتكشف تدريجياً ملامح الأضرار الواسعة التي خلّفتها الضربات الأميركية – الإسرائيلية داخل إيران، وسط قيود صارمة على تدفق المعلومات من داخل البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم سفن وقوارب تظهر في مضيق هرمز (رويترز) p-circle

تقرير يكشف: إزالة الألغام من مضيق هرمز قد تستغرق 6 أشهر

أفاد تقرير نقلته صحيفة «إندبندنت» بأن عملية تطهير مضيق هرمز بالكامل من الألغام التي يُعتقد أن إيران زرعتها قد تستغرق ما يصل إلى ستة أشهر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)

تصعيد إيراني في «هرمز» يختبر تمديد الهدنة

أطلقت إيران، الأربعاء، مرحلة جديدة من التصعيد في مضيق هرمز بمهاجمة ثلاث سفن، بعد ساعات من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (لندن – واشنطن - طهران)
شؤون إقليمية إيراني يتحدث إلى أحد الزبائن داخل محل صرافة يملكه في إسطنبول (أ.ب)

الحرب قد تدفع الإيرانيين في تركيا للعودة إلى بلادهم

الحرب تهدد استقرار الإيرانيين في تركيا؛ إقامات مؤقتة وفرص محدودة تدفع بعضهم للعودة رغم المخاطر، وصعوبة الأوضاع في بلدهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)

كواليس القرار العسكري الأميركي الإسرائيلي في الحرب على إيران

قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي-إكس)
قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي-إكس)
TT

كواليس القرار العسكري الأميركي الإسرائيلي في الحرب على إيران

قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي-إكس)
قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي-إكس)

كشفت مصادر إسرائيلية كواليس القرار الذي قاد إلى الحرب على إيران، مشيرة إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اتخذا القرارات النهائية بشأن الحرب والهدنة، في حين برزت ثلاث شخصيات عسكرية بوصفها الأكثر تأثيراً بعدهما: رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية دان كين، وقائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر.

ووفق تحقيق حصري، لصحيفة «جيروزاليم بوست»، كان زامير عاملاً أساسياً في إقناع كين وكوبر بأن الحرب ممكنة وقابلة للتنفيذ، بما دفعهما إلى دعمها أو عدم معارضتها. ثم لعب كين دوراً حاسماً في إقناع ترمب بإمكانية خوض الحرب، رغم شكوكه بشأن جوانب مهمة منها. كما ارتبط موقفه بقرارات ترمب المتكررة بإعلان وقف إطلاق نار أحادي، خشية كلفة التصعيد على الأرواح الأميركية والموقع السياسي.

وكان نتنياهو، خلال زيارة طارئة إلى واشنطن في 12 فبراير (شباط) الماضي، قد عرَضَ على ترمب خطة من أربع خطوات هي: اغتيال المرشد علي خامنئي وكبار المسؤولين العسكريين والاستخباراتيين، وتدمير قدرات إيران الصاروخية والطائرات المُسيرة، وإثارة انتفاضة داخلية ثم تحويلها إلى تغيير النظام، وهجوم بري محتمل من قِبل الأكراد الذين يعيشون على الحدود بين إيران والعراق.

غير أن أياً من القادة الثلاثة لم يؤمن فعلياً بالخطوتين الثالثة والرابعة، مع استعداد زامير للمخاطرة بهما، مقابل تركيز كين وكوبر على الخطوتين الأوليين. ودفع هذا التباين نحو تغيير النظام ومحاولة تجنب الانخراط المباشر فيه، دون إعلان معارضة، كان له أثر مباشر على مسار الحرب.

وفي توزيع الأدوار، كلّفت إسرائيل باستهداف القادة ومراكز «الحرس الثوري» و«الباسيج» والقدرات العسكرية، في حين ركزت الولايات المتحدة على القدرات الإيرانية. وأبقى ترمب، بتأثير من كين وبدعم من كوبر، بلاده خارج الانخراط المباشر في تغيير النظام، رغم دعواته اللاحقة العلنية لذلك.

كما أشار التحقيق إلى أن الجهود الإسرائيلية للتأثير على قرار الحرب ركزت، بشكل خاص، على كين، من خلال زيارات زامير ومدير «الموساد» ديفيد برنياع، ورئيس الاستخبارات العسكرية شلومي بيندر، إلى واشنطن.

وفي المقابل، كان كوبر أقل تدخلاً في قرار الذهاب إلى الحرب، وركز على بناء خياراتها، مع دور رئيسي في تقسيم الأهداف جغرافياً بين إسرائيل والولايات المتحدة.

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير مع قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر والمبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر (الجيش الإسرائيلي)

منطق التوقيت

وتطرقت المصادر إلى الحجة الأساسية لزامير في تسريع توقيت الحرب، فقد أقر بإمكانية تأجيل المواجهة نظرياً، إذ لم تتجاوز إيران بعدُ العتبة الحرجة من الصواريخ الباليستية، خصوصاً أن الخطة الإسرائيلية الأصلية كانت تستهدف البرنامج الصاروخي، في وقت لاحق من عام 2026.

لكن زامير حذّر من أن إيران تتقدم بسرعة كبيرة، وأن التأجيل سيضر الجهود العسكرية لاحقاً. ووفق الأرقام الواردة، كانت إيران تنتج بين 200 و300 صاروخ باليستي شهرياً، وقد عوَّضت نحو نصف خسائرها في حرب يونيو (حزيران) الماضي من الصواريخ ومنصات الإطلاق خلال ثمانية أشهر، لتصل إلى نحو 2500 صاروخ.

ووفق هذا التقدير، كان الانتظار ستة أشهر قد يرفع العدد إلى ما بين 3700 و4300 صاروخ، في حين قد يصل بعد عام إلى ما بين 4900 و6100 صاروخ.

ويرى التحقيق أن هذه الزيادة الكبيرة كانت ستؤدي إلى ارتفاع كبير في الخسائر والأضرار، وربما إلى تقليص العمليات العسكرية في وقت مبكر.

كما ربط زامير توقيت الحرب باستغلال احتجاجات داخلية في إيران خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، وعَدَّ فبراير لحظة مناسبة للتحرك، إضافة إلى التحذير من نقل الأصول النووية إلى مواقع تحت الأرض، ما يصعّب استهدافها لاحقاً.

إخفاق الصواريخ وهرمز

في المقابل، حمّل التحقيق زامير وكين وكوبر مسؤولية إخفاقين رئيسيين؛ الأول يتعلق بعدم وقف الهجمات الصاروخية الإيرانية. فرغم إعلان انخفاضها بنسبة 70 إلى 90 في المائة خلال الأيام الأولى، لم تتراجع إلى مستويات ضئيلة، كما كان متوقعاً.

ويعزو التحقيق ذلك إلى قدرة إيران على إعادة تشغيل منصات إطلاق الصواريخ بسرعة، عبر فِرق جرافات وتقنيات كشفت مواقع الإطلاق التي تعرضت لانهيارات خلال أقل من يوم، إضافة إلى توزيع الأطقم الصاروخية في أنحاء البلاد، وتعديل أكثر من 70 في المائة من الصواريخ لتشمل ذخائر عنقودية، ما زاد صعوبة التصدي لها.

أما الإخفاق الثاني فيتعلق بمضيق هرمز. ورغم تحميل ترمب المسؤولية الأساسية بسبب ضعف آليات القرار، أشار التحقيق إلى أن كين وكوبر لم يرفعا مستوى التحذير بما يكفي بشأن المخاطر المحتملة، واكتفيا بتقديم مشورة محايدة.

ويضيف أن تأخر نشر القوات القادرة على التعامل مع سيناريو هرمز لأسابيع عدة شكّل خطأ استراتيجياً، إذ كان يمكن نشرها منذ بداية الحرب، بدلاً من التركيز أولاً على استهداف «البحرية» الإيرانية.

وخلص التحقيق إلى أن الحملة العسكرية نجحت أكثر مما كان متوقعاً، لكنها لم تحقق أهدافها كاملة، خصوصاً في ملفي الصواريخ وهرمز، بينما بقيت مسألة ترجمة المكاسب العسكرية إلى نتائج استراتيجية في يد القادة السياسيين والدبلوماسيين، لا العسكريين.

كما أشار إلى أن خيار التدخل البري ظل مطروحاً نظرياً، سواء في مضيق هرمز أم جزيرة خرج، لكن دان كين وبراد كوبر شددا على كلفته العالية، في حين بدا إيال زامير أكثر ميلاً إلى المخاطرة في بعض المسارات.


ترمب: سنهاجم أي قارب يضع ألغاماً في مضيق هرمز

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب: سنهاجم أي قارب يضع ألغاماً في مضيق هرمز

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ‌اليوم ‌(الخميس)، أنه ‌أمر ⁠البحرية ​الأميركية بـ«إطلاق النار على ⁠أي قارب» يضع ⁠ألغاماً ‌في ‌مضيق ​هرمز. وأضاف ‌أن ‌كاسحات الألغام الأميركية ‌تعمل «بثلاثة أمثال مستواها» لإزالة ⁠أي ألغام ⁠من المياه بعدما وجّه إليها أمراً بهذا الخصوص.

وكتب عبر منصته «تروث سوشال»: «أمرتُ البحرية الأميركية بإطلاق النار وتدمير أي قارب، مهما كان صغيرا يزرع ألغاما في مياه مضيق هرمز»، مضيفا «يجب ألا يكون هناك أي تردد. كما أنّ كاسحات الألغام التابعة لنا تعمل حاليا على تطهير المضيق».

وشدد على أن ‌الولايات ⁠المتحدة «تسيطر ​بشكل كامل» ⁠على المضيق من دون ⁠أن ‌يقدم ‌دليلا ​على ‌ذلك. وأضاف ‌أن الممر ‌المائي سيظل «مغلقا بإحكام» ولا لا يمكن أن تدخل أي سفينة أو تخرج دون موافقة البحرية الأميركية حتى ⁠تتوصل ⁠إيران إلى اتفاق.

وحذّر إيران من أنها تواجه وقتا عصيبا للغاية لتحديد من يقودها.

كانت طهران قد أكدت أن مضيق هرمز سيبقى مغلقاً ما دام الحصار البحري الأميركي على موانئها قائماً، فيما أعلنت واشنطن أنْ لا مهلة محدّدة لتمديد وقف إطلاق النار، وأنها لن توقف حصارها في مياه الخليج، الأمر الذي يثير مخاوف من تصعيد جديد هذه المرة في البحر.


مسؤول إيراني: طهران بدأت تتلقى رسوماً على عبور مضيق هرمز

سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)
سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)
TT

مسؤول إيراني: طهران بدأت تتلقى رسوماً على عبور مضيق هرمز

سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)
سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)

أعلن نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني حميد رضا حاجي بابائي اليوم (الخميس) أن طهران حصلت على أول عائداتها من رسوم العبور التي فرضتها في مضيق هرمز الاستراتيجي.

ونقلت وكالة الأنباء «تسنيم» عن بابائي قوله: «أولى العائدات الناتجة عن رسوم عبور مضيق هرمز أُودِعَت في حساب البنك المركزي».

وأوردت وسائل إعلام أخرى التصريح نفسه من دون أي تفاصيل إضافية، وفقاً لما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

حول هذا الممر المائي الحيوي للطاقة الذي أغلقته إيران بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) إثر هجوم أميركي إسرائيلي على إيران.

وسمحت إيران بمرور عدد محدود من السفن في المضيق الذي يعبره في زمن السلم خُمس تدفقات النفط والغاز العالمية، وسلع حيوية أخرى.

وقبل الإعلان عن عائدات رسوم العبور، كان البرلمان الإيراني يدرس مسألة فرضها على الملاحة البحرية عبر المضيق، فيما حذّر مسؤولون إيرانيون من أن حركة الملاحة البحرية عبر المضيق «لن تعود إلى وضعها قبل الحرب».

وفي 30 مارس (آذار) ذكرت وسائل إعلام إيرانية رسمية أن لجنة الأمن في البرلمان وافقت على خطط لفرض رسوم عبور، لكن لم يتضح ما إذا كان تمّ التصويت النهائي على المقترح في البرلمان.

ويضغط الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إيران لفتح المضيق.

وتفرض الولايات المتحدة حصاراً بحرياً بدورها على الموانئ الإيرانية تعتبره طهران خرقاً لوقف إطلاق النار المعمول به منذ الثامن من أبريل (نيسان).