5 حقائق سوداء في فقاعة الضجة الكبرى للذكاء الاصطناعي

مواجهة تغوّل شركات التكنولوجيا ومنعها من رهن مستقبل البشرية

5 حقائق سوداء في فقاعة الضجة الكبرى للذكاء الاصطناعي
TT

5 حقائق سوداء في فقاعة الضجة الكبرى للذكاء الاصطناعي

5 حقائق سوداء في فقاعة الضجة الكبرى للذكاء الاصطناعي

يشكل كتاب «خدعة الذكاء الاصطناعي The AI Con» محاولة لاستكشاف الضجة المثارة حول تقنيات الذكاء الاصطناعي، والمصالح التي تخدمها، والأضرار التي تقع تحت هذه المظلة. ومع كل ذلك، تبقى هناك خيارات متاحة أمام المجتمع لمقاومة هذه الضجة، وما زال هناك أمل في أن نتحد معاً لمواجهة تغوّل شركات التكنولوجيا، ومنعها من رهن مستقبل البشرية.

«خدعة الذكاء الاصطناعي»

وفيما يلي تتشارك المؤلفتان إميلي بيندر (أستاذة في علم اللغة، مديرة برنامج الماجستير في اللغويات الحاسوبية بجامعة واشنطن)، وأليكس هنا (مديرة الأبحاث في معهد البحوث الموزعة للذكاء الاصطناعي، ومحاضرة في كلية المعلومات بجامعة كاليفورنيا في بيركلي) مع القراء بخمسة أفكار رئيسية من كتابهما الجديد «خدعة الذكاء الاصطناعي: كيف نحارب تضليل شركات التكنولوجيا الكبرى ونصنع المستقبل الذي نريده؟ ?The AI Con: How to Fight Big Tech’s Hype and Create the Future We Want».

01-> التكنولوجيا التي تحرِّك موجة الضجة الحالية حول الذكاء الاصطناعي ما هي إلا خدعة استعراضية: تبدو روبوتات الدردشة مثل «تشات جي بي تي»، تكنولوجيا مذهلة، لكن ليس بالضرورة بالطريقة التي نتصورها.

في الواقع، لا تستطيع هذه الأنظمة الاضطلاع بمجموعة الوظائف التي تزعم أنها قادرة عليها، وإنما جرى تصميمها لتبهرنا. ويكمن جوهر الخدعة في الطريقة التي يستخدم بها البشر اللغة. قد نعتقد أن فهم الكلمات مجرد فك رموز بسيطة، لكن الحقيقة أن العملية أشد تعقيداً بكثير، وتحمل في جوهرها طابعاً اجتماعياً عميقاً.

نحن نفسر اللغة عبر الاعتماد على كل ما نعرفه (أو نفترضه) عن الشخص الذي نطق الكلمات، وعلى الأرضية المشتركة بيننا وبينه، ثم نبدأ في استخلاص نيّات المتكلم. ونتولى إنجاز هذا الأمر على نحو تلقائي. لذا، عندما نصادف نصاً أنتجته أنظمة ذكية، فإننا نتعامل معه كما لو أن هناك عقلاً بشرياً خلَّفه، رغم عدم وجود عقل هناك أصلاً.

بمعنى آخر، فإن المهارات اللغوية والاجتماعية التي نُسقطها على النص المُنتَج من الذكاء الاصطناعي، تجعل من السهل على مروِّجي هذه التقنيات خداعنا لنعتقد أن برامج الدردشة كيانات عاقلة.

02- > الذكاء الاصطناعي لن يستحوذ على وظيفتك، لكنه سيجعلها أسوأ بكثير: في الغالب، تسعى تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى إخراج الإنسان من معادلة العمل.

وهنا يبرز إضراب نقابة «كتّاب أميركا» عام 2023 مثالاً على ذلك، مع إعلان كتّاب السيناريو في هوليوود الإضراب عن العمل للمطالبة بعدة أمور، منها رفع أجورهم من شركات البث. إلا أن خلف هذه المطالب، كان هناك كذلك قلق عميق إزاء الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كتابة السيناريوهات، مما يهدد جودة العمل، ويجعل بيئة العمل أكثر ضغطاً وأقل احتراماً للمهارات البشرية.

كما أراد الكتّاب التأكد من أنهم لن يُجبروا على لعب دور مربّي الأطفال لأنظمة الدردشة الإلكترونية، التي يُكلفها المنتجون بكتابة سيناريوهات مبنية على أفكار ساذجة أو غير ناضجة مستوحاة من صناع السينما والتلفزيون.

في هذا الصدد، أشار جون لوبيز، عضو فريق العمل المعنيّ بالذكاء الاصطناعي داخل «نقابة الكتّاب»، إلى إمكانية حصول الكتّاب على أجر التعديلات فقط، عند تعاملهم مع محتوى ناتج عن الذكاء الاصطناعي، وهو أجر أقل بكثير من أجر كتابة سيناريو أصلي.

لقد رأينا بالفعل كيف أدّت أدوات توليد الصور والنصوص، إلى تقليص كبير في فرص العمل أمام مصممي الغرافيك، وفناني ألعاب الفيديو، والصحافيين. ولا يرجع ذلك إلى قدرة هذه الأدوات فعلاً على أداء مهام هؤلاء المحترفين بجودة عالية، بل لأنها تُنتج نتائج مقبولة بدرجة كافية لتقليص المهن، وإعادة توظيف العاملين مقابل أجور زهيدة، فقط ليقوموا بإصلاح مخرجات الذكاء الاصطناعي الرديئة.

وفوق ذلك، كثيراً ما تكون الأنظمة التي تُوصف بأنها «ذكاء اصطناعي» مجرد واجهات براقة تُخفي وراءها الاستراتيجية القديمة التي تعتمدها الشركات الكبرى، والمتمثلة في نقل وتحويل العمل إلى الأيدي العاملة في دول الجنوب العالمي.

وهؤلاء العمال -الذين غالباً ما يجري تجاهلهم- هم من يتولون مراجعة المحتوى عبر الإنترنت، واختبار أنظمة الدردشة للكشف عن المخرجات السامة، بل يقودون أحياناً المركبات التي يجري التسويق لها بوصفها ذاتية القيادة، عن بُعد.

ومع ذلك، يبقى هناك جانب مشرق يتمثل في نجاح بعض هؤلاء العمال من مقاومة هذا الاستغلال، سواء من خلال النشاط النقابي، أو من خلال ما يشبه التخريب الصناعي، مثل أدوات «نايتشيد» و«غليز» التي يستخدمها الفنانون لحماية أعمالهم من أن يجري استغلالها في تدريب نماذج توليد الصور، أو عبر التوعية السياسية.

إبعاد الناس عن تقديم الخدمات الاجتماعية

03- > الهدف من خدعة الذكاء الاصطناعي هو فصل الناس عن الخدمات الاجتماعية: نظراً لأننا نستخدم اللغة في كل مجالات النشاط البشري تقريباً، ولأن النص الاصطناعي الناتج عن هذه الأنظمة يمكن تدريبه على محاكاة اللغة، قد يبدو الأمر كأننا على وشك الحصول على تكنولوجيا قادرة على الاضطلاع بالتشخيص الطبي، وتقديم دروس تعليمية شخصية، واتخاذ قرارات حكيمة في توزيع الخدمات الحكومية، وتقديم استشارات قانونية، وغير ذلك -وكل ذلك مقابل تكلفة الكهرباء فقط (إضافة إلى ما تقرره الشركات المطورة من رسوم)... إلا أنه في كل هذه الحالات، ما يهم ليس مجرد الكلمات، بل التفكير الحقيقي وراءها، والعلاقات الإنسانية التي تساعدنا هذه الكلمات على بنائها والحفاظ عليها.

في الواقع، فإن أنظمة الذكاء الاصطناعي تخدم فقط أولئك الذين يريدون تحويل التمويل بعيداً عن الخدمات الاجتماعية، وتبرير سياسات التقشف. وفي الوقت نفسه، فإن أصحاب النفوذ سيحرصون على تلقي الخدمات من بشر حقيقيين، بينما يُفرض على باقي الناس نسخ رديئة من هذه الخدمات عبر أنظمة ذكية محدودة.

جدير بالذكر في هذا الصدد أن رئيس قسم الذكاء الاصطناعي الصحي في شركة «غوغل»، غريغ كورادو، صرّح بأنه لا يريد لنظام «ميد-بالم» Med-PaLM system التابع للشركة أن يكون جزءاً من رحلة الرعاية الصحية لعائلته. ورغم ذلك، فإن هذا لم يمنعه من التفاخر بأن النظام نجح في اجتياز اختبار ترخيص طبي -وهو في الحقيقة لم يفعل. والأهم من ذلك أن تصميم أنظمة تجتاز اختبارات متعددة حول المواقف الطبية، ليس وسيلة فعالة لبناء تكنولوجيا طبية مفيدة.

في هذه المجالات، تبدو الضجة حول الذكاء الاصطناعي أقرب إلى كونها ادعاءات زائفة عن حلول تكنولوجية لمشكلات اجتماعية، تستند -في أفضل الأحوال- إلى تقييمات مشكوك فيها ولا أساس لها من الصحة للأنظمة التي يجري بيعها.

04- > الذكاء الاصطناعي لن يقتلنا جميعاً، لكن التغييرات المناخية قد تفعل: في وقتٍ من الأوقات في «وادي السيليكون» وواشنطن العاصمة، دار تساؤل غريب، لكنه خطير، في أوساط العاملين في مجال التكنولوجيا أو السياسات التقنية: «ما احتمال الهلاك؟»، والمقصود به تقدير احتمالية أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى القضاء على البشرية جمعاء؟

ويقوم هذا النوع من التفكير الكارثي على فكرة تطوير ذكاء عام اصطناعي -أي نظام يمكنه أداء مجموعة واسعة من المهام بقدرة تساوي أو تتفوق على قدرة الإنسان.

الحقيقة أن مفهوم «الذكاء العام الاصطناعي» مبهم وغير محدَّد بدقة، ومع ذلك فإن فكرة الهلاك تحظى بشعبية لدى بعض التقنيين وصناع السياسات. ويرتكز هذا التوجّه على آيديولوجيات مثيرة للقلق، مثل «الإيثار الفعّال effective altruism»، و«الاهتمام بالمستقبل البعيد longtermism»، و«العقلانية rationalism»، وهي كلها تيارات تستند إلى فلسفة النفعية، لكن تأخذها إلى أقصى حدودها، إذ تدعو إلى تقليل أهمية الأذى الحالي بحجة إنقاذ مليارات البشر الذين قد يعيشون في مستقبل غير محدد. وتنبع هذه الآيديولوجيات من أفكار انتقائية وتمييزية في جوهرها ونتائجها.

في الوقت ذاته، نحن على وشك الفشل في تحقيق هدف «اتفاقية باريس»، المتمثل في الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى أقل من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية -والذكاء الاصطناعي يفاقم المشكلة.

تولِّد مراكز البيانات التي تستضيف هذه الأنظمة كميات هائلة من انبعاثات الكربون، والمكونات الإلكترونية المستخدمة في صناعتها تُسرّب مواد كيميائية سامة تدوم إلى الأبد في التربة، والمولدات الاحتياطية التي تُستخدم لدعمها تسهم في زيادة أمراض الجهاز التنفسي، خصوصاً داخل المناطق الأكثر فقراً في الولايات المتحدة وخارجها. وبالتالي، الروبوتات لن تسيطر على العالم، لكن تصنيعها قد يُفاقم أزمة المناخ بشكل خطير.

05- إجبار الإنسان على التنازل عن اختياراته

5. لا شيء من هذا محتوم: أولئك الذين يبيعون أنظمة الذكاء الاصطناعي ويثيرون الضجة حولها يريدون منَّا أن نتنازل طواعيةً عن قدرتنا على الاختيار. يُقال لنا إن الذكاء الاصطناعي -أو حتى الذكاء العام الاصطناعي- أمر لا مفر منه، أو على الأقل إن أدوات مثل «تشات جي بي تي» أصبحت واقعاً دائماً، لكن الحقيقة أنْ لا شيء من هذا محتوم. الحقيقة أننا نملك القدرة على العمل، سواء بشكل جماعي أو فردي.

على المستوى الجماعي، يمكننا الدفع نحو إقرار قوانين تنظم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحمي العمال من أن تُستخدم هذه الأدوات ضدهم. ويمكننا المطالبة بعقود عمل تضمن بقاء السيطرة بأيدي البشر.

وعلى المستوى الفردي، يمكننا ببساطة أن نرفض استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي. يمكننا أن نكون مستهلكين ناقدين لهذه الأتمتة، نتفحص ما الذي تجري أتمتته، وكيف يجري تقييمه، ولماذا.

كما يمكننا أن نكون ناقدين للإعلام التقني، فنبحث عن الصحافة التي تحاسب أصحاب القوة وتكشف عن حقائق ما يجري.

وأخيراً، يمكننا -بل يجب علينا- أن نسخر من هذه الأنظمة باعتبار ذلك وسيلة للمقاومة، بأن نُظهر بشكل مرح وساخر مدى رداءة إنتاج هذه الآلات الصناعية.

*مجلة «فاست كومباني»

خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

«إم آي إس» السعودية لأنظمة المعلومات توقع عقداً مع «تداول» بـ27.3 مليون دولار

الاقتصاد جناح «إم آي إس» في معرض «بلاك هات 2024» بالرياض (موقع الشركة الإلكتروني)

«إم آي إس» السعودية لأنظمة المعلومات توقع عقداً مع «تداول» بـ27.3 مليون دولار

أعلنت شركة «المعمر لأنظمة المعلومات» (إم آي إس)، الأحد، توقيع عقد مع «مجموعة تداول السعودية القابضة» بقيمة 102.4 مليون ريال تقريباً (نحو 27.3 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق رئيس «سدايا» متحدثاً خلال الجلسة الخاصة بالشراكة في المؤتمر الدولي بالهند (واس)

السعودية تنضم رسمياً إلى أكبر تجمع دولي لـ«الذكاء الاصطناعي»

يُتوقع أن يُسهم هذا الانضمام في تعزيز ثقة المجتمع التقني العالمي بالبيئة التنظيمية في السعودية، وجذب الاستثمارات النوعية والشركات التقنية الكبرى ورواد الأعمال.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
تكنولوجيا «سناب» تطلق اشتراكات مدفوعة لتمكين دخل مباشر للمبدعين (رويترز)

«سناب» تطلق اشتراكات صناع المحتوى لتعزيز الدخل المباشر

«سناب» تطلق اشتراكات مدفوعة للمبدعين لتنويع الإيرادات، وتقليل الاعتماد على الإعلانات، وتعزيز الدخل المتكرر واستقلالية صناع المحتوى.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
الاقتصاد شعار شركة «هيوماين» السعودية (الشرق الأوسط)

«هيوماين» تستثمر 3 مليارات دولار في «إكس إيه آي» قبيل استحواذ «سبيس إكس» عليها

أعلنت شركة «هيوماين» السعودية عن استثمار استراتيجي بقيمة 3 مليارات دولار في شركة «إكس إيه آي» ضمن جولة تمويلية من الفئة «إي».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (واس)

كندا تبحث في الرياض تعزيز الشراكات الرقمية مع السعودية

أعلن وزير الذكاء الاصطناعي والابتكار الرقمي في كندا، إيفان سولومون، أنه التقى عدداً من الوزراء وقادة الأعمال في العاصمة السعودية، الرياض، بهدف تعميق الشراكات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات
TT

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

التساؤل عن المستقبل وعما سيحدث لاحقاً، جزء متمم لحياة الإنسان. وفي كل مجتمع بشري، يوجد أفرادٌ يهتمون بدراسة أنماط العالم للتنبؤ بالمستقبل. ففي العصور القديمة، كان الملوك يوظفون المنجمين. أما اليوم، فإن أولئك الأفراد يُطورون النماذج الكمية التي تُحفز الحكومات على ضخ رؤوس الأموال، ويُحددون الشركات الرابحة في «وول ستريت»، ويُقدرون لشركات التأمين احتمالية وقوع الزلازل، ويُخبرون تجار السلع في صناديق التحوط، عن حالة الطقس للشهر المقبل.

مسابقات نخب المتنبئين

وعلى مدى سنوات، يتنافس بعض من نخب المتنبئين في مسابقات يُجيبون فيها على أسئلة حول أحداث ستقع - أو لن تقع - في الأشهر أو السنوات المقبلة. وتشمل الأسئلة مواضيع متنوعة لأنها تهدف إلى قياس القدرة العامة على التنبؤ، وليس التخصص الدقيق. فقد يُطلب من اللاعبين التنبؤ بما إذا كان سيحدث انقلاب في بلد غير مستقر، أو توقع معدل إزالة الغابات في منطقة ما من الأمازون. ويستطيع المتنبئ الذي يُقدم أدق التوقعات، في أقرب وقت ممكن، ربح جائزة نقدية. وربما الأهم من ذلك، الحصول على تقدير من أبرز المتنبئين في العالم.

وقد ازدادت شعبية هذه المسابقات بشكل ملحوظ خلال الطفرة الأخيرة لأسواق التنبؤات مثل بولي ماركت Polymarket وكالشي Kalshi، حيث يتداول مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم مليارات الدولارات شهرياً للإجابة على أسئلة تنبؤية مماثلة. والآن، تشارك برامج الذكاء الاصطناعي فيها أيضاً. وفي البداية، لم تحقق هذه البرامج نتائج جيدة: ففي نهاية عام 2024، لم يتمكن أي برنامج ذكاء اصطناعي من احتلال المركز المائة في أي من المسابقات الكبرى. لكنها منذ ذلك الحين قفزت إلى قمة قوائم المتصدرين.

وإن كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي أثبتت بالفعل قدرتها قبل سنوات على تقديم تنبؤات فائقة الدقة في سياق لعبة بشرية، لكنها قد تتفوق علينا قريباً في استشراف مستقبل عالمنا المعقد والمتغير باستمرار.

دخول الذكاء الاصطناعي

تستضيف منصة التنبؤات «ميتاكولوس» Metaculus ثلاث مرات في السنة، بطولةً تُعرف بطرح أسئلتها الصعبة للغاية. ويقول بن شيندل، عالم المواد الذي حاز على المركز الثالث بين المشاركين في مسابقة حديثة، إنها تجذب عادةً المتنبئين الأكثر جدية. في العام الماضي، وخلال بطولة «كأس الصيف»، شاركت شركة «مانتيك» الناشئة، ومقرها لندن، بمحرك تنبؤات «مانتيك» Mantic يعمل بالذكاء الاصطناعي. وكغيره من المشاركين، كان على البرنامج الإجابة على 60 سؤالاً بتحديد احتمالات نتائج معينة.

كان على البرنامج تخمين أحداث مثل: تغير خطوط المواجهة في أوكرانيا، واختيار الفائز بسباق فرنسا للدراجات، وتقدير إيرادات فيلم «سوبرمان» العالمية خلال عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية، وتحديد ما إذا كانت الصين ستحظر تصدير عنصر أرضي نادر، والتنبؤ بما إذا كان إعصار كبير سيضرب ساحل المحيط الأطلسي قبل شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبعد بضعة أشهر، تم تقييم توقعات محرك التنبؤ الخاص بشركة مانتيك، بالإضافة إلى توقعات المشاركين الآخرين في المسابقة، مقارنةً بالنتائج الواقعية وتوقعات كل منهما على حدة. حقق الذكاء الاصطناعي المركز الثامن من بين أكثر من 500 مشارك، وهو رقم قياسي جديد للبرامج الآلية. ووصف توبي شيفلين، الرئيس التنفيذي لشركة مانتيك، هذا الإنجاز بأنه «اختراق غير متوقع».

وقام شيفلين وفريقه بطرح نسخة جديدة من برنامجه الذكي في مسابقة «كأس ميتاكولوس الخريفي»، الذي حقق أداءً أفضل، إذ لم يكتفِ باحتلال المركز الرابع، وهو رقم قياسي آخر، بل تفوق أيضاً على المتوسط المرجح لتوقعات جميع المتنبئين البشريين. لقد أثبت أنه أكثر حكمة من حكمة جمهور يتمتع بقدر كبير من الحكمة.

تصميم «متعدد النماذج»

يئيجمع محرك التنبؤ الخاص بشركة «مانتيك» مجموعةً من نماذج اللغة الكبيرة ذات التعلم الموجه ويُسند لكلٍ منها مهام مختلفة. وقد يوظف أحدها كخبيرٍ في قاعدة بيانات نتائج الانتخابات، بينما قد يُطلب من نموذجٍ آخر تحليل بيانات الطقس، أو المؤشرات الاقتصادية، أو إيرادات شباك التذاكر، وذلك بحسب السؤال المطروح. وتعمل النماذج معاً كفريقٍ واحدٍ للوصول إلى التنبؤ النهائي.

خدمة تنبؤات

في العام الماضي أنشأ فريقٌ بإشراف هايفنغ شو، الأستاذ بجامعة شيكاغو، خدمةً مرجعيةً لتقييم تنبؤات الذكاء الاصطناعي بشكلٍ مستمر. تطرح الخدمة، بشكلٍ شبه يومي، أسئلةً جديدةً على النماذج الرئيسية لروبوتات الدردشة المعروفة، وهي أسئلة يستقيها برنامج «كالشي» من أسواق المراهنات.

وتُحدَّث درجات دقة هذه النماذج باستمرار مع إجابة الأسئلة. يقول شو: «لكل نموذجٍ منها أسلوبه الخاص في التنبؤ»، فنسخة «تشات جي بي تي» ChatGPT التي تُقيّمها الخدمة متحفظة، وربما متحفظةٌ أكثر من اللازم؛ فهي تتخلف حالياً في قائمة شو لأفضل النماذج عن نسخ «غروك» Grok و«جيميناي» Gemini.وتجري شركة «لايتنينغ رود» أبرز تجارب على نماذج تنبؤية مصممة خصيصاً لمجالات محددة. وقد صممت نموذجاً للتنبؤ بسلوك الرئيس ترمب المتقلب. وقال بن تورتل، الرئيس التنفيذي للشركة، إن فريقه قدم للنموذج مجموعة تضم أكثر من 2000 سؤال تنبؤي بنتائج معروفة لم تكن مدرجة في بيانات التدريب. ثم قارن النموذج إجاباته بأفعال ترمب الفعلية، وتعلم من أخطائه. وعندما خضع النموذج المصغر للشركة لاختبارات تنبؤية لسلوك ترمب بناءً على مجموعة جديدة من الأسئلة - مثل ما إذا كان سيلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ شخصياً، أو سيحضر مباراة كرة القدم بين الجيش والبحرية - تفوق أداؤه على أحدث نماذج OpenAI شركة «أوبن إيه آي».

تنبؤات العام الجديد

قد يكون هذا العام حاسماً في مجال التنبؤ بالذكاء الاصطناعي. ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، شاركت «مانتيك» بأحدث محركاتها المُطوّرة في مسابقة «كأس ميتاكولوس الربيعي» لعام 2026. وقد طُلب من المحرك بالفعل تحديد عدد جوائز الأوسكار التي سيفوز بها المرشحون، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن هجوماً قريباً على إيران. وبحلول مايو (أيار) المقبل، ستُحسم هذه الأسئلة، وسنرى كيف كان أداء المحرك. إذا تقدم مركزاً واحداً عن آخر مركز حققه، فسيكون أول ذكاء اصطناعي يحرز ميدالية في بطولة تنبؤ كبرى. وحتى الآن، أبدى خبراء التنبؤ البشريون المتميزون تقبلاً جيداً لهذا الاحتمال. يسجل شينديل، خبير التنبؤ ذي التصنيف العالي كلمات إعجاب بالذكاء الاصطناعي. ويقول: «قدراتها على الاستدلال ممتازة، وليس لديها نفس التحيزات التي لدى البشر، ويمكنها معرفة الأخبار فور حدوثها، ولا تتعلق دوماً بتوقعاتها». وعلى منصة ميتاكولوس، بدأ فريق من خبراء التنبؤ بتقدير متى سيتمكن الذكاء الاصطناعي من التفوق على فريق بشري متميز في التنبؤ. وكانوا قالوا في يناير الماضي، إن هناك احتمالاً بنسبة 75 في المائة لحدوث ذلك بحلول عام 2030، أما الآن فيعتقدون أن النسبة أقرب إلى 95 في المائة.

* «ذا أتلانتيك»، خدمات «تريبيون ميديا».


الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي
TT

الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي

في حدث لافت قد يغيّر فهمنا لطبيعة السرطان، كشفت دراسة علمية حديثة أن الأورام الخبيثة لا تكتفي بالنمو داخل الجسم بل تتلاعب بالجهاز العصبي لتأمين بقائها.

الأعصاب حليف غير متوقع للسرطان

وقد تبيّن أن السرطانات قادرة على استدراج الأعصاب الحسية القريبة منها والسيطرة عليها لتتحول هذه الأعصاب إلى ما يشبه «خطاً ساخناً» ينقل إشارات مباشرة إلى الدماغ تكبح نشاط الخلايا المناعية في موقع الورم ما يسمح له بالنمو والانتشار بلا مقاومة.

وأظهرت النتائج أن هذه الأعصاب بعد ارتباطها بالخلايا السرطانية ترسل إشارات إلى الدماغ الذي يرد بإطلاق رسائل كيميائية تثبط عمل الخلايا المناعية المسؤولة عن مهاجمة السرطان مانحاً الورم فرصة للتكاثر دون عوائق.

وقد أُجريت الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature» في 4 فبراير (شباط) 2026 على فئران مصابة بسرطان الرئة. وأوضحت عالمة مناعة السرطان آنا-ماريا غلوبيغ من معهد ألين لعلم المناعة في سياتل بالولايات المتحدة غير المشاركة بالدراسة، أن الورم يسيطر على محور الإشارات العصبية ويستخدمه لخدمة بقائه.

وعندما لجأ الباحثون إلى تعطيل بعض الأعصاب الحسية باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية كانت النتيجة لافتة، إذ انخفض نمو الأورام بأكثر من 50 في المائة في بعض الحالات بحسب تشنغ تشن جين عالمة مناعة السرطان الباحثة المشاركة في الدراسة من جامعة بنسلفانيا، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة قد تستهدف قطع التواصل العصبي مع الأورام في المستقبل.

ولطالما أدرك العلماء وجود أعصاب تحيط بالأورام لكن الدور الحقيقي لهذه الأعصاب في نمو السرطان وبقائه ظل لغزاً لسنوات طويلة. فمع أن وجودها كان واضحاً فإن فهم تأثيرها المباشر في تطور الورم كان مهمة شديدة التعقيد.

وتعود صعوبة دراسة هذه العلاقة إلى طبيعة الخلايا العصبية نفسها فهي تُعد الأطول في جسم الإنسان ويُخزَّن جزء كبير من مادتها الوراثية في جسم الخلية بعيداًعن التفرعات الدقيقة التي تمتد نحو الأورام. وهذا التعقيد جعل جمع المعلومات الجينية عنها في أثناء أخذ الخزعات أمراً بالغ الصعوبة. كما أن أدوات التحليل الجيني لم تكن في الماضي متطورة بما يكفي لفهم هذه الآليات بدقة.

ولذلك ظل الجهاز العصبي المحيطي لسنوات طويلة أحد أقل المجالات دراسة في أبحاث السرطان قبل أن تبدأ الدراسات الحديثة في كشف دوره المحتمل في دعم نمو الأورام وتأثيره في مسار المرض.

اكتشاف يقود إلى التقدم

توفرت لدى فريق البحث صور مجهرية تظهر الأعصاب المحيطة والمتوغلة في أورام الرئة، لذا جرب الباحثون لمدة عام تقريباً أدوية مختلفة لتعطيل هذه الأعصاب دون نجاح، حسبما قال هاوهان وي عالم الأحياء الخلوية بجامعة بنسلفانيا الباحث ذو الاسم الأول المشارك في الدراسة.

ثم تعاون الفريق مع روي تشانغ عالم أعصاب بجامعة ييل متخصص في تقنيات تعطيل الجينات والمشارك أيضا في الدراسة لاستهداف أعصاب محددة في العصب المبهم vagus nerve وهو مسار عصبي رئيس يربط الدماغ بالعديد من الأعضاء بما فيها الرئتان. وقد سمح هذا النهج بتحديد مسار إشاري يمتد من الورم إلى الدماغ ويعود إليه. واكتشف الباحثون أن الأورام عند استغلال هذا المسار تجعل أعصاباً أخرى من جذع الدماغ إلى الورم تُفرز مادة كيميائية تُسمى النورأدرينالين noradrenaline ما يثبط الخلايا المناعية المسؤولة عن قتل السرطان والمعروفة باسم البلعميات macrophages.

وفي البداية توقع الباحثون أن الأعصاب تقوم بتنبيه الدماغ لوجود الورم ما يساعد الجهاز المناعي على محاربة السرطان. وقال روي تشانغ إننا كنا نعتقد أن هذه الأعصاب ستعمل كنظام تحذير لكن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً.

من جهته، أوضح إسحاق تشيو عالم مناعة في كلية هارفارد الطبية غير المشارك بالدراسة أن المسار العصبي للعصب المبهم موجود في الأصل لتقليل الالتهابات الضارة، لكن الأورام تعيد برمجة الخلايا المناعية لتتحول من مهاجمة السرطان إلى حالة تهدئة التهابات وأنسجة ما يخلق بيئة مثالية لنمو الورم.

وتعزز هذه الدراسة أدلة متزايدة تشير إلى أن الأعصاب ليست مجرد عنصر محيط بالأورام بل شريك نشط في تطورها ونموها. ويزيح هذا الاكتشاف عن جانب جديد من العلاقة المعقدة بين السرطان والجسم ويفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية مبتكرة تستهدف تعطيل التواصل العصبي الذي تستغله الأورام للبقاء والانتشار.

وبدلاً من التركيز حصراً على القضاء على الخلايا السرطانية قد يصبح قطع الإشارات العصبية المرتبطة بالورم جزءاً أساسياً من علاجات المستقبل بما يسهم في إبطاء نموه وتعزيز قدرة الجهاز المناعي على مكافحته. ويرى العلماء أن فهم هذه العلاقة ما يزال في مراحله الأولى لكنه يحمل إمكانات كبيرة قد تغيّر طريقة تعامل الطب مع السرطان وتمنح المرضى أملاً بعلاجات أكثر أماناً وفاعلية في السنوات المقبلة.


حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
TT

حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع

في عيادة الأسنان، لطالما سبقت الأذنُ الأشعة: نقرة خفيفة على سطح السن، إصغاء قصير، ثم حكم سريري يتكوّن في لحظة. كان الصوت دليلاً، لكنه ظلّ دليلاً صامتاً؛ إحساساً يتشكل في ذهن الطبيب ولا يُكتب في السجل.

رقمنة «نقرة» طبيب الأسنان

لكن ماذا لو تحوّل هذا الصوت إلى رقم؟ وماذا لو أصبحت «النقرة» بصمة رقمية تُقاس، وتُحفظ، وتُقارن عبر الزمن؟

في مطلع عام 2026، نُشرت دراسة في مجلة «JADA Foundational Science» — مجلة الجمعية الأميركية لطب الأسنان العلمية، حملت عنواناً دالاً: رؤية ما لا يُرى في تشخيص صحة اللُّب وأمراضه. وقاد الدراسة الباحث جيه شِن Jie Shen بمشاركة أسماء بارزة في علوم علاج الجذور والميكانيكا الحيوية، من بينهم كليفورد رَدِل Clifford J. Ruddle وتشيريلين شيتس Cherilyn G. Sheets.

نقرة ذكية تكشف ما لا يُرى

لكن أهمية الدراسة لم تكمن في جهاز جديد، بل في سؤال قديم أعيد طرحه بصيغة علمية دقيقة: هل يمكن لصوت السن أن يتحول إلى معلومة قابلة للقياس؟

• من الطرق اليدوي إلى التحول المعرفي. الطرق اليدوي تقليد سريري راسخ. فالطبيب يطرق، والأذن تميّز بين صوت رنّان يوحي بالثبات، وصوت مكتوم قد يشير إلى التهاب أو خلل. غير أن هذه الطريقة — على بساطتها — بقيت رهينة الحدس. وهي تختلف من طبيب إلى آخر، ومن لحظة إلى أخرى، دون معيار رقمي يمكن الرجوع إليه.

وهنا يبدأ التحول الحقيقي، إذ إن تقنية التشخيص بالطرق الكمي (QPD) لا تضيف جهازاً فحسب، بل تغيّر فلسفة التشخيص نفسها. فبدل أن يكون الصوت انطباعاً عابراً، يصبح إشارة رقمية دقيقة... إنه نقرة ميكانيكية قصيرة جداً، تلتقطها مستشعرات عالية الدقة، ثم تُحلّلها خوارزميات لتحويل الاستجابة الميكانيكية إلى بصمة رقمية تُعرض أمام الطبيب خلال ثوانٍ. ليست المسألة إذن في «سماع» الصوت، بل في قراءة ما يخفيه.

• ما الذي تكشفه الأرقام قبل الألم؟ أظهرت الدراسة أن النظام قادر على رصد تغيرات ميكروسكوبية في الأربطة حول السن (PDL) قبل أن تظهر على الأشعة التقليدية أو تتحول إلى ألم سريري. وهذه القدرة ليست رقماً إضافياً في جدول إحصائي، بل تحوّل في منطق المتابعة.

وكانت دراسة متعددة المراكز نُشرت في يناير (كانون الثاني) 2025 في مجلة «Journal of Prosthetic Dentistry»، وشملت 224 مريضاً و243 سناً وغرسة، أظهرت أن نظام QPD حقق دقة بلغت 87.5 في المائة في كشف العيوب الميكروسكوبية المرتبطة بالفجوات الدقيقة، ضمن فترة ثقة 95 في المائة بين 84.2 في المائة و90.3 في المائة.

وهذه ليست إضافة جهاز إلى رفّ الأدوات، بل إعادة تعريف لمفهوم الثبات نفسه. وهذه النسبة لا تُقرأ كإحصاء مجرد، بل كإشارة مبكرة لمسار خلل قد ينتهي بفشل ترميم أو تعقيد علاجي أكبر إن تُرك دون رصد.

حين تنطق الأسنان بلغة البيانات

من الحدس إلى الطب التنبؤي

هنا تكمن النقلة النوعية. فالطرق الكمي ليس أداة فحص إضافية، بل لغة جديدة لقياس الثبات البيولوجي... إنه انتقال من الحدس إلى الرقم، ومن الملاحظة إلى التنبؤ.

حين تُخزّن القراءات في السجل الطبي الإلكتروني، وتُقارن عبر الزمن كما نقارن ضغط الدم أو مستويات السكر، يصبح لكل سن «مسار استقرار» يمكن تتبعه. لم يعد السؤال: هل يبدو ثابتاً؟

بل: هل انحرف عن مساره الطبيعي؟

بهذا المعنى، نحن لا نضيف جهازاً إلى العيادة، بل نؤسس لطبٍّ استباقيٍّ في مجال كان يعتمد طويلاً على انتظار الألم.

• ماذا يربح الطبيب وماذا يربح المريض؟ يربح الطبيب وضوحاً. يربح معياراً رقمياً يمكن الرجوع إليه بدل الاعتماد الكامل على الإحساس السمعي. كما يربح أداة إنذار مبكر قبل أن يتضخم الخلل. بينما يربح المريض فحصاً سريعاً، غير مؤلم، لا يعتمد على الإشعاع، ويمنحه طمأنينة مستندة إلى قياس لا تخمين.

لكن الأهم من ذلك كله هو استعادة المعنى الحقيقي للتشخيص: الوقاية قبل التدخل.

• نحو عيادة تُصغي إلى المستقبل. لا تظهر قيمة هذه التقنية حين تُستخدم كجهاز مستقل، بل حين تُدمج ضمن منظومة رقمية أوسع: سجل طبي يحتفظ بالبصمة، وخوارزمية تتعلم من الأنماط المتراكمة، وتنبيه مبكر يُطلق عند أول انحراف غير طبيعي.

عندها تتحول «النقرة» من لحظة فحص عابرة إلى وثيقة سريرية، ومن صوت مسموع إلى معرفة تراكمية. فالابتكار الحقيقي لا يقوم على استبدال جهاز بطبيب، بل على تحالف ذكي بين الإنسان والتقنية. فالخوارزمية تمنح قياساً أدق، والطبيب يمنح الحكم السريري والمعنى الإنساني.

وفي النهاية، ليست الثورة في أن تنطق الأسنان، بل في أن نفهم همسها قبل أن يتحول إلى ألم. والوقاية الحقيقية لا تبدأ عند الشكوى، بل عند أول انحراف ميكروسكوبي في الصمت.