خلاف داخلي في إدارة ترمب حول الاستراتيجية تجاه إيران

باحثون لـ«الشرق الأوسط»: استعراض القوة وارد لكن إيران لديها أدوات للمقاومة

المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف يتحدث وبجواره الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض 28 مايو 2025 (أ.ف.ب)
المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف يتحدث وبجواره الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض 28 مايو 2025 (أ.ف.ب)
TT

خلاف داخلي في إدارة ترمب حول الاستراتيجية تجاه إيران

المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف يتحدث وبجواره الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض 28 مايو 2025 (أ.ف.ب)
المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف يتحدث وبجواره الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض 28 مايو 2025 (أ.ف.ب)

لا يزال الغموض يحيط بمصير المفاوضات الأميركية - الإيرانية بعد شهرين على انطلاقها، وسط شكوك حول إمكانية التوصل إلى اتفاق نووي أو الانزلاق نحو «عواقب لن تكون جميلة»، بحسب ترمب. ويأتي هذا الغموض في ظل تحليلات وتسريبات متزايدة في الصحافة الأميركية، تشير إلى أن ترمب يواجه ضغوطاً متصاعدة من تيارين متباينين داخل إدارته: الأول، تيار «انعزالي» من أنصار شعار «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً»، يفضل استمرار المسار الدبلوماسي الذي يتولاه مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف؛ والثاني، تيار «الصقور» المحافظين، الذي يضغط من أجل التخلي عن الدبلوماسية والانخراط مع إسرائيل في عمل عسكري ضد طهران.

واجتمع ترمب، الأحد، بفريقه للسياسة الخارجية في كامب ديفيد لبحث الاستراتيجية الأميركية بشأن إيران وغزة، وسط تأكيد من مسؤولين أن الأزمتين مترابطتان في سياق إقليمي أوسع وفقاً لموقع «أكسيوس». شارك في الاجتماع كبار المسؤولين، بينهم نائبه ووزيرا الخارجية والدفاع، إلى جانب مسؤولي الاستخبارات والجيش. وقال ترمب إن «جنرالات وأدميرالات» حضروا أيضاً، لكنه امتنع عن كشف التفاصيل، فيما أشار مسؤول إلى أن اللقاء أتاح نقاشاً معمقاً في ظل تسارع التطورات.

صراع بين «الصقور» والانعزاليين

تشير تسريبات إلى أن الرئيس ترمب يتلقى إحاطات متكررة من «الصقور» المحافظين، تشير إلى أن إيران على بعد أيام من امتلاك سلاح نووي، وهي رواية عدّها مسؤول استخباراتي غير دقيقة وفقاً لتقديرات الاستخبارات الأميركية.

ترمب محاطاً بوزير الدفاع بيتر هيغسيث (يمين الصورة) ووزير الخارجية ماركو روبيو خلال اجتماع في البيت الأبيض فبراير الماضي (إ.ب.أ)

ولا يقتصر ضغط هذا التيار على حثّ ترمب للسماح بضرب المواقع النووية الإيرانية، وهو خيار رفضه مراراً وطلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الامتناع عنه خلال المفاوضات، بل يشمل أيضاً حملة علنية ضد مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف.

في المقابل، يراقب أنصار حركة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» بحذر تصعيد التيار المحافظ المتشدد، خصوصاً الهجوم الإعلامي الذي تقوده صحف موالية للصقور ضد المفاوضات وويتكوف، ما أثار غضب الداعمين للمسار الدبلوماسي. وقال مسؤول كبير لصحيفة «بوليتيكو» إنهم «يحاولون دفع الرئيس لاتخاذ قرار لا يريده». وأضاف أن هناك جماعة ضغط تدفع باتجاه الحرب مع إيران، في مواجهة تيار أقرب لترمب، يدرك أنه هو من أقنع طهران بالعودة إلى طاولة التفاوض.

الخلاف قد يفيد إيران

يثير مراقبون تساؤلات حول ما إذا كان فعلاً هناك فصيلان داخل إدارة ترمب يتنازعان التأثير على قراراته بشأن الملف النووي الإيراني، ومدى انعكاس ذلك على موقف واشنطن. كما يتساءلون كيف تنجح طهران، رغم الضغوط ومزاعم الضعف، في الصمود خلال المفاوضات مع واشنطن.

ويرى فرزين نديمي، الباحث المتخصص في الشأن الإيراني بمعهد واشنطن، أن خلافات داخل الإدارة الأميركية حول كيفية التعامل مع إيران تبدو واضحة، وإن لم يكن مطّلعاً على التفاصيل. ويرجّح أن تستغل طهران هذه الانقسامات لتعزيز موقعها التفاوضي، سواء عبر كسب الوقت أو لإثارة الشكوك.

لكن حتى داخل الفريق المؤيد للدبلوماسية، هناك قلق من تقلبات ترمب. فرغم دعمه الرسمي للمفاوضات، سبق أن هدّد بقصف إيران، ما يُعدّ في نظر البعض مجرد استعراض تفاوضي. ويقول مصدر مطلع لموقع «بوليتيكو»: «ترمب واضح فيما يريده، ويدع ويتكوف يعمل بحرية، لكنه قد يبدّل رأيه حسب من يستمع إليه».

أما باراك بارفي، الباحث في مؤسسة «نيو أميركا»، فيرفض توصيف الوضع بصراع بين فصيلين، معتبراً أن هناك فصيلاً واحداً يسعى للتأثير على الرئيس. ويرى أن الانقسامات الأميركية بشأن إيران أعقد من تصنيفات تقليدية، وتشمل تيارات مرتبطة بإسرائيل، ومؤيدي الهيمنة الأميركية، وغيرهم.

ترمب ليس انعزالياً

ورغم الدفع نحو الدبلوماسية، يؤكد بعض «الصقور» أن ترمب أوضح استعداده لاستخدام القوة العسكرية إذا اقتضى الأمر، ويعتبرون أن السعي إلى الحلول الدبلوماسية بأي ثمن يُسيء فهم نواياه. فترمب، في رأيهم، ليس انعزالياً كما يُروج، والدليل على ذلك سماحه بقصف اليمن، وقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني، وزعيم «داعش» أبو بكر البغدادي. «لقد فعل ما يجب فعله»، كما يرددون.

وقد عبّر ترمب بالفعل عن تشككه في جدوى التفاوض، خلال حديثه إلى الصحافيين بعد ظهر الاثنين. فبينما أشار إلى أن محادثات مع إيران ستُعقد الخميس، وأنه سيطّلع على تقرير من مبعوثه ستيف ويتكوف، الجمعة، قال إن الإيرانيين «يطالبون بما لا يمكن قبوله». وأضاف: «لا يريدون التخلي عما يجب التخلي عنه، وهو التخصيب. لا يمكننا السماح بالتخصيب. نريد العكس تماماً. وحتى الآن، لم يصلوا إلى هذا الموقف». وختم قائلاً: «أكره قول ذلك؛ لأن البديل سيكون مروعاً».

ترمب يلتقي نتنياهو بحضور جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو في المكتب البيضاوي أبريل الماضي (أ.ب)

ويرى حلفاء الرئيس ترمب وبعض مسؤولي إدارته، الذين يحذرون من خيار العمل العسكري، أن بعض القصص المتداولة في وسائل الإعلام المحافظة ليست سوى «خدع» يروّج لها المتشددون والجماعات الداعمة للتصعيد، خاصة تلك المتحالفة مع إسرائيل.

وقدّرت الاستخبارات الأميركية ما يُعرف بـ«زمن الاختراق النووي» الإيراني - أي الوقت الذي تحتاج إليه طهران لإنتاج ما يكفي من المواد اللازمة لصنع سلاح نووي - بنحو أسبوع إلى أسبوعين. ومع ذلك، لا تزال التقديرات تشير إلى أن إيران لم تتخذ بعد قراراً بالسعي الفعلي إلى امتلاك سلاح نووي. وفي حال قررت المضي في هذا المسار، تختلف آراء الخبراء والدبلوماسيين بشأن المدة اللازمة لصنع القنبلة، وتتراوح التقديرات بين بضعة أشهر وأكثر من عام.

ويسلّط الخلاف العلني داخل إدارة ترمب الضوء على انقسام عميق في صفوف الحزب الجمهوري بشأن السياسة الخارجية الأميركية. ففي حين ينظر العديد من رموز «الحرس القديم» المحافظين بقدر من الشك إلى جهود ستيف ويتكوف الدبلوماسية، يتمسك الجناح الأكثر تحفظاً داخل الحزب بضرورة تهدئة التوترات مع طهران.

وكان ويتكوف قد قدم مؤخراً مقترحاً لإيران يتضمن السماح لها بتخصيب اليورانيوم بمستويات منخفضة، على أن تُدمج لاحقاً في اتحاد تخصيب إقليمي. لكن إيران أوضحت رفضها التخلي عن قدراتها المحلية في مجال التخصيب، وهو ما يعدّه ترمب خطاً أحمر. ويواصل ويتكوف جهوده لسدّ هذه الفجوة من خلال طرح تسوية مقبولة إقليمياً، إلا أن طهران لم تُصدر رداً رسمياً على المقترح حتى الآن.

إيران تقاوم الضغوط

ويعتقد الباحث فارزين نديمي أن طهران لن تتخلى عن دورة الوقود النووي، وقد يوافق - في أفضل الأحوال - على تقييدها أو تعليقها مؤقتاً. وقال: «أعتقد أن هذا كان واضحاً منذ البداية، لكن الإدارة الأميركية لا تزال تأمل بطريقة ما في إقناع إيران بالتخلي الكامل عن التخصيب».

وأضاف أن إيران، «رغم كونها في أضعف حالاتها إقليمياً منذ 25 عاماً، لا تزال قوية داخلياً ومن منظور عسكري»، مشيراً إلى أن «الأضرار التي لحقتها بفعل الهجمات الإسرائيلية في أبريل وأكتوبر (تشرين الأول) قد أُصلحت أو استُبدلت بالفعل. ومع ذلك، تبقى إيران في وضع اقتصادي واجتماعي هش للغاية بسبب سنوات من الفساد وسوء الإدارة والتصلب السياسي، لكنها ليست هدفاً سهلاً من الناحية العسكرية».

من جانبه، يوضح الباحث باراك بارفي أن طهران تمكنت من التكيّف مع العقوبات، نظراً لعزلتها الطويلة منذ ثورة 1979؛ إذ اعتادت تجنّب الاعتماد على الغرب. كما استفادت من صعود قوى معادية للمنظومة الليبرالية، مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية، حيث تبيع النفط للصين خارج الأطر القانونية، وتحصل على تكنولوجيا روسية مقابل تزويد موسكو بطائرات مسيّرة.


مقالات ذات صلة

ما هو الوضع الراهن للمنشآت النووية الرئيسية بإيران؟

شؤون إقليمية مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب) play-circle

ما هو الوضع الراهن للمنشآت النووية الرئيسية بإيران؟

انحسرت المخاوف الإقليمية من هجوم أميركي على إيران، بعد أن قال الرئيس دونالد ترمب إن طهران أكدت له أن المحتجين لن يتم إعدامهم.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
شؤون إقليمية المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز متحدثاً في جلسة مجلس الأمن حول الاحتجاجات بإيران (صور الأمم المتحدة)

أميركا تبدأ «تصفية الحسابات» مع إيران

كانت الجلسة الطارئة لمجلس الأمن حيال الاحتجاجات في إيران بمثابة مناسبة لعملية «تصفية حسابات» بدأتها إدارة الرئيس دونالد ترمب لعقود من التوتر مع النظام الإيراني.

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية ترمب يغادر بعد إلقاء كلمة في منتجع مارالاغو 22 ديسمبر 2025 (أ.ب)

خطوة ترمب تجاه إيران قيد الحساب على وقع تأهب عسكري

يسود ترقب واسع في واشنطن حيال الخطوة التالية للرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه إيران، في ظل تأكيد مسؤولين أميركيين أن «كل الخيارات لا تزال مطروحة».

هبة القدسي (واشنطن)
شؤون إقليمية لاريجاني يلتقي مستشار الأمن القومي ونائب وزير الخارجية السويسري غابرييل لوشينغر بطهران في أغسطس الماضي (جماران)

سويسرا تعرض الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران

عرضت سويسرا القيام بدور وساطة دبلوماسية بين واشنطن وطهران، في وقت يتصاعد فيه التوتر على خلفية الاحتجاجات في إيران وتلويح أميركي بخيارات تصعيدية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية عناصر من القوات الخاصة بالبحرية الإسرائيلية خلال تدريبات مشتركة مع قوات أميركية (الجيش الإسرائيلي) play-circle

الجيش الإسرائيلي يرفع جهوزيته استعداداً لـ«كل السيناريوهات»

الأجواء في تل أبيب متوترة وتخيم عليها الحيرة والإرباك والأجهزة الأمنية رفعت حالة التأهّب إلى المستوى الأقصى خلال الساعات الأخيرة

نظير مجلي (تل ابيب)

هدوء حذر في طهران... وبهلوي يدعو الإيرانيين للنزول إلى الشوارع مجدداً

رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)
رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)
TT

هدوء حذر في طهران... وبهلوي يدعو الإيرانيين للنزول إلى الشوارع مجدداً

رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)
رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)

شجع رضا بهلوي، نجل شاه إيران المخلوع، الإيرانيين على النزول إلى الشوارع مرة أخرى في نهاية هذا الأسبوع، وذلك بعدما تم خنق الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد بعد مقتل أكثر من 2600 متظاهر على يد قوات الأمن الإيرانية.

وفي منشور على منصة «إكس»، حث نجل شاه إيران المخلوع «مواطنيه الشجعان» على «رفع أصوات غضبهم واحتجاجهم» من السبت إلى الاثنين.

وقال في المنشور، إن «العالم يرى شجاعتكم وسيقدم دعماً أوضح وأكثر عملية لثورتكم الوطنية».

وجاءت تصريحات بهلوي بعدما عادت إيران إلى الهدوء المشوب بالحذر بعد موجة من الاحتجاجات التي أدت إلى حملة قمع دموية وتحذيرات من عمليات إعدام جماعية لآلاف المعتقلين في جميع أنحاء البلاد.

سيارات تسير في وسط العاصمة الإيرانية طهران يوم أمس الجمعة (ا.ب)

وبدأت التظاهرات في إيران في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي بإضراب لتجار بازار طهران على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية، لكنها تحوّلت إلى حركة احتجاج واسعة النطاق رُفعت فيها شعارات سياسيّة من بينها إسقاط الحُكم الممسك بمقاليد البلاد منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979.وبحسب الأرقام الصادرة عن منظمة «حقوق الإنسان في إيران» التي تتّخذ من النروج مقراً، قُتل ما لا يقلّ عن 3428 متظاهراً في الاحتجاجات. لكن المنظمة نبّهت لإمكان أن يكون عدد القتلى أكبر من ذلك بكثير.

إيرانيون يسيرون في طهران بجوار لوحة إعلانية كُتب عليها بالفارسية «اعرفني.. أنا إيران» (ا.ب)

وأفادت منظمات حقوقية بأن السلطات نفذت حملات اعتقال واسعة على خلفية التظاهرات، مع تقديرات بأن عدد الموقوفين قد يصل الى 20 ألفاً.وأفادت قناة المعارضة «إيران إنترناشونال» التي تبث من الخارج، بمقتل 12 ألف شخص على الأقل، نقلاً عن مصادر حكومية وأمنية رفيعة المستوى.

وكان ترمب توعّد إيران مراراً بتدخّل عسكري أميركي في حال قتلت محتجين، وشجّع المتظاهرين الإيرانيين على السيطرة على المؤسسات الحكومية، قائلاً إن «المساعدة في طريقها» إليهم.لكن بعد مرور أسبوعين على عرضه المساعدة لأول مرة، وبعدما قتلت القوات الإيرانية، وفق تقديرات، آلاف المتظاهرين، لم يسجّل أي تحرّك أميركي، لا بل شكر ترمب الجمعة إيران على إلغائها «كل عمليات الإعدام المقرّرة» بحق متظاهرين.


تحرك روسي لكبح التوتر الإيراني ــ الإسرائيلي

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
TT

تحرك روسي لكبح التوتر الإيراني ــ الإسرائيلي

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

كثفت موسكو تحركاتها الدبلوماسية لخفض التوتر الإيراني – الإسرائيلي، بالتوازي مع تراجع المخاوف من تصعيد أميركي وشيك، وفي وقت صعَّدت السلطات الإيرانية الإجراءات الأمنية المشددة لمنع تجدد الاحتجاجات.

وأعلن الكرملين، أمس، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أجرى اتصالين هاتفيين منفصلين مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عارضاً مواصلة دور الوساطة وتكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لمنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة مباشرة.

جاء ذلك في وقت وصل مدير جهاز الموساد الإسرائيلي ديفيد برنياع إلى واشنطن لإجراء محادثات مع المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف.

وشكر ترمب، الجمعة، الحكومة الإيرانية لإلغائها «كل عمليات الإعدام الـ800 المقررة الأربعاء» بحق متظاهرين.

وقال البيت الأبيض إن التحذيرات لطهران لا تزال قائمة، في حين يواصل الجيش الأميركي تعزيز جاهزيته في المنطقة تحسباً لأي تطور. وأفاد موقع «أكسيوس» عن مسؤولين إسرائيليين بأنهم يتوقعون ضربة عسكرية أميركية لإيران خلال أيام رغم إعلان تأجيلها.

ويأتي هذا في حين خفّت حدّة القلق من ضربة أميركية بعد تصريحات للرئيس ترمب أفادت بتراجع عمليات القتل المرتبطة بقمع الاحتجاجات، مع تأكيد البيت الأبيض في الوقت نفسه إبقاء «كل الخيارات على الطاولة»؛ ما أبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متباينة بين خفض التصعيد واستمرار الضغوط.


ما هو الوضع الراهن للمنشآت النووية الرئيسية بإيران؟

مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
TT

ما هو الوضع الراهن للمنشآت النووية الرئيسية بإيران؟

مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)

انحسرت المخاوف الإقليمية من هجوم أميركي على إيران، بعد أن قال الرئيس دونالد ترمب إن طهران أكدت له أن المحتجين لن يتم إعدامهم، وبالرغم من ذلك قال البيت الأبيض إنه يبقي «جميع خياراته على الطاولة».

ونفّذت إسرائيل والولايات المتحدة آخر الهجمات الكبيرة على إيران في يونيو (حزيران) الماضي، واستهدفت بشكل أساسي المنشآت النووية الرئيسية.

ما هي المواقع النووية التي ​قصفت؟

تعرضت 3 محطات إيرانية لتخصيب اليورانيوم للقصف، محطتان في نطنز، وثالثة داخل جبل في فوردو، إضافة إلى مجمع واسع في أصفهان يضم منشآت مرتبطة بدورة الوقود النووي، ومنطقة تحت الأرض يقول دبلوماسيون إن جزءاً كبيراً من مخزون إيران من اليورانيوم المخصب كان مخزناً فيها.

صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر حُفَراً في منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم عقب الضربات الأميركية (أرشيفية - رويترز)

ما حجم الضرر الذي وقع؟

لم يسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي كانت تجري عمليات تفتيش منتظمة على المنشآت النووية قبل الهجوم، بما في ذلك نطنز وفوردو، بالوصول إلى تلك المواقع منذ قصفها.

مدخل منشأة فوردو في ضواحي مدينة قم (أرشيفية - أرنا)

وأجرت الوكالة عمليات تفتيش في منشآت أخرى لم تتضرر، لكن الحالة الدقيقة للمواقع التي تعرضت للقصف تبقى غير معروفة.

وفي تقريرها الفصلي عن إيران، الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني)، قالت الوكالة إن 7 منشآت نووية معروفة «تأثرت بالهجمات العسكرية»، بينما لم تتأثر 13 منشأة أخرى. ولم توضح هذه التقارير حجم الأضرار التي لحقت بالمواقع المتضررة.

وبعد ‌القصف، قالت الوكالة ‌الدولية للطاقة الذرية إن أصغر محطات التخصيب الثلاث، وهي محطة التخصيب التجريبية للوقود في ‌نطنز الواقعة فوق ​الأرض، دمرت.

ورجحت ‌الوكالة أن تكون المنشآت الأكبر تحت الأرض في نطنز وفوردو قد تعرضت لأضرار بالغة على الأقل.

أما حجم الانتكاسة التي تعرض لها البرنامج النووي الإيراني فهو محل جدل. وبينما أكد ترمب مراراً أن المنشآت النووية الإيرانية دمرت، قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، في يونيو، إن إيران قد تستأنف تخصيب اليورانيوم على نطاق محدود خلال أشهر.

أجهزة طرد مركزي في صالة لتخصيب اليورانيوم بمنشأة «نطنز» قبل تعرضها لهجوم أميركي يونيو 2025 (المنظمة الذرية الإيرانية)

ماذا حدث لليورانيوم الإيراني المخصب؟

مصير اليورانيوم المخصب ليس واضحاً تماماً. فبعضه دمر في الغارات الجوية، لكن إيران لم تقدم بعد تقريراً إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول ما حدث لمنشآتها التي تعرضت للقصف، ومخزون اليورانيوم المخصب، وذلك بالرغم من تأكيد الوكالة على أن ذلك أمر عاجل وتأخر. ولا يمكن للوكالة الدولية للطاقة الذرية التحقق من ذلك إلا عندما تقدم إيران التقرير.

وقال غروسي، لوكالة «رويترز»، في سبتمبر (أيلول): «أعتقد أن هناك فهماً عاماً بأن المواد لا تزال موجودة بشكل عام. ولكن، بالطبع، يجب التحقق منها. وقد يكون ‌البعض منها قد فقد». ويقول دبلوماسيون إن الوضع لم يتغير كثيراً على ما يبدو منذ ذلك الحين.

وأضاف غروسي: «ليست لدينا مؤشرات تقودنا إلى الاعتقاد بحدوث نقل كبير للمواد».

صورة أرشيفية لمركز «نطنز» للأبحاث النووية الإيرانية على بُعد 270 كيلومتراً جنوب طهران (أ.ف.ب)

وكانت إيران تخصب اليورانيوم بدرجة نقاء تصل إلى 60 في المائة قبل وقوع الضربات. ويمكن بسهولة رفع نقاء هذا اليورانيوم إلى نحو 90 في المائة تقريباً، وهي الدرجة المطلوبة لصنع الأسلحة النووية.

وتقدر الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران كان لديها 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب إلى هذا المستوى عندما بدأ القصف. ويكفي هذا نظرياً، وفقاً لمقياس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لصنع 10 أسلحة نووية، في حالة رفع درجة النقاء بشكل أكبر. ولدى إيران أيضاً يورانيوم مخصب بمستويات أقل.

ولا تعلن الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن مكان تخزين إيران لتلك المواد. ​ويقول دبلوماسيون إن إحدى منشآت التخزين الرئيسية تحت الأرض في أصفهان يبدو أنها لم تتضرر، باستثناء قصف مدخل النفق المؤدي إليها.

مفتش من «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» يجري فحصاً داخل محطة «نطنز» النووية يوم 20 يناير 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)

ما هي المخاوف المتبقية؟

كان أحد الأسباب التي قدّمتها الولايات المتحدة وإسرائيل لتبرير القصف هو أن إيران كانت تقترب كثيراً من القدرة على إنتاج سلاح نووي. وإذا جرى تخصيب اليورانيوم إلى درجة تسمح بصنع أسلحة، يمكن استخدام اليورانيوم لصنع نواة قنبلة نووية. كما يمكن استخدامه لتغذية محطات الطاقة النووية بمستويات تخصيب مختلفة.

وتقول القوى الغربية إنه لا يوجد مبرر مدني معقول لتخصيب إيران لليورانيوم إلى هذا المستوى الانشطاري العالي. وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن ذلك يثير قلقاً بالغاً. ولم تقدم أي دولة أخرى على ذلك دون أن تتجه لإنتاج أسلحة نووية في نهاية المطاف.

وفي الوقت نفسه، وقبل الهجمات، قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنها ليس لديها أي مؤشر موثوق على وجود برنامج منسق لامتلاك أسلحة نووية في إيران، وكان هناك كثير من الجدل حول المدة التي ستستغرقها إيران لتطوير قنبلة نووية إذا قررت الاتجاه لذلك.

وتنفي طهران سعيها لامتلاك أسلحة نووية. وبصفتها طرفاً في معاهدة حظر الانتشار النووي، يحقّ لها تخصيب اليورانيوم لأغراض إنتاج الطاقة والأبحاث، ما دامت لا توجه هذه العملية نحو تطوير سلاح نووي.

منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم كما تبدو من الداخل في وسط محافظة أصفهان (رويترز)

وتمتلك إيران عدداً غير معروف من أجهزة الطرد المركزي، وهي الآلات التي يمكنها تخصيب اليورانيوم، مخزنة في مواقع غير معروفة. ولأن حجم مخزونها من اليورانيوم المخصب غير معروف الآن، فهناك خطر من أن ‌تتمكن إيران من دمج الاثنين معاً سرّاً وإنتاج يورانيوم من الدرجة التي يمكن استخدامها في صنع الأسلحة، في انتهاك لالتزاماتها بموجب معاهدة منع الانتشار النووي.

وفي الوقت الحالي، يبدو من المرجح أن عملية البحث عن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب ستستمر لبعض الوقت.