التباس وغموض يحيطان بقضايا «اختفاء» في سوريا

من أسبابه صمت السلطات وعدم توضيح حقيقة ما يجري للرأي العام

قوات الأمن السورية تفرض سيطرتها في منطقة الساحل بعد أحداث اللاذقية وطرطوس (د.ب.أ)
قوات الأمن السورية تفرض سيطرتها في منطقة الساحل بعد أحداث اللاذقية وطرطوس (د.ب.أ)
TT

التباس وغموض يحيطان بقضايا «اختفاء» في سوريا

قوات الأمن السورية تفرض سيطرتها في منطقة الساحل بعد أحداث اللاذقية وطرطوس (د.ب.أ)
قوات الأمن السورية تفرض سيطرتها في منطقة الساحل بعد أحداث اللاذقية وطرطوس (د.ب.أ)

لا يزال الاختفاء القسري والخطف والأعمال الانتقامية من أعقد التحديات التي تواجه السلطات الأمنية في سوريا، ولا يزال الغموض والمعلومات المتضاربة تحيط بمعظم الحالات التي يتم تداولها في وسائل الإعلام المحلي والخارجي، متسببة ببث الذعر والقلق، لا سيما في مناطق الساحل السوري، ومحافظة حمص والسويداء، التي تشهد أغلب الحالات التي يتم تسليط الضوء عليها. بينما تغيب حالات مماثلة في مناطق أخرى عن الإعلام، تظهر أخرى تتعلق بجرائم القتل الانتقامية التي تشهدها محافظات مثل حماة ودرعا.

الطبيب وسام الأحمد

من الأمثلة على الاختفاء، قيام جهة مسلحة بإخفاء المحامي رضوان الأحمد وشقيقه الطبيب بسام الأحمد في قرية بيت عانا في محافظة اللاذقية أثناء حملة أمنية شنتها قوى الأمن العام عشية عيد الأضحى. وتضاربت المعلومات عما إذا كان توقيفهما تم من قِبل الأمن العام أم اختُطفا على يد فصيل مسلح.

وسبق تلك الحادثة بساعات حالة خطف لشخص يدعى ممتاز يوسف أحمد من أمام منزله في مدينة طرطوس، من قِبل ملثمين، وفق ما أعلنت زوجته عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقد أبلغت الأمن العام دون التوصل لسبب الخطف أو هوية الفاعلين. وفي دمشق لا يزال الغموض يحيط بالعثور على جثامين خمسة شبان في مشفى المجتهد، من أصل سبعة اختفوا أثناء عودتهم من العمل إلى مسكنهم في حي عش الورور.

 

 

المحامية عهد قوجة من مدينة جبلة الساحلية ومقيمة بدمشق، قالت إنها كانت تتابع قصص المختطفين، للوصول إلى معلومات موثوقة، لكنها توقفت عن السعي، بسبب «الالتباس» الحاصل حولها. وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هناك حالات خطف للفدية، وهي كانت موجودة فترة النظام السابق ولا تزال مستمرة، كذلك هناك حالات اختفاء قسري لأسباب طائفية، إضافة إلى حالات اختفاء غامضة».

إلا أن المشكلة - بحسب رأيها: «هي في غياب المعلومات وطمس الحقائق والتهويل بالشائعات والأخبار غير الصحيحة»، لا سيما ما تردد عن حالات «سبي». وأوضحت أنه «لغاية الآن لا دليل ملموساً أو معلومات موثوقة على وجود حالات سبي للنساء، لكن في ظل حالات الخطف لأسباب طائفية لا يُستبعد الاحتمال».

و رأت المحامية أن «ما يزيد الالتباس في هذه القضايا، صمت السلطات وعدم توضيح حقيقة ما يجري للرأي العام»، منبهة إلى «أن ما ساهم في زيادة الغموض وتضييع قضية المختفيات قسرياً، حالات اختفاء روّجت على أنها سبي ثم تبين أن النساء ذهبن بإرادتهن».

ويتداول ناشطون عبر وسائل التواصل الاجتماعي قوائم بأسماء خمسين امرأة اختفين بظروف غامضة أو اختطفن، منذ سقوط النظام ولغاية اليوم. تقول قوجة: «إن حالات الاختفاء والخطف التي تم التبليغ عنها قليلة قياساً إلى القوائم المتداولة، ومن الحالات المبلغ عنها، الأطفال الثلاثة الإخوة (الصبي والبنتان) الذين اختفوا في ريف اللاذقية أثناء أحداث الساحل في مارس (آذار) الماضي، وقبل يومين ظهرت البنتان ولم تتضح أي معلومات عن المكان الذي كانتا فيه ولا مصير شقيقهما.

الشابة ميرا التي شغل اختفاؤها مواقع التواصل وتبيَّن أنها هربت مع الشاب أحمد الذي رفضه أهلها وتزوجا (فيسبوك)

كذلك الشابة ميرا التي بلَّغ والدها عن اختفائها وظهرت لاحقاً لتعلن زواجها من شاب قالت إنها ذهبت معه بإرادتها دون علم أهلها. وهناك الفتاة لانا التي زيَّفت عملية خطفها لتظهر لاحقاً مع شاب قالت إنها مرتبطة به. وترى المحامية قوجة أن «معظم تلك الحالات تظهر أن الاختفاء كان لأسباب شخصية».

تشير محدثتنا إلى حالات أخرى للاختفاء تم التبليغ عنها، وهي «خطف أطفال لطلب فدية، من ذلك طفل في صحنايا بريف دمشق، وتم تحريره قبل أيام، وطفل في حلب عاد إلى أهله بعد دفع فدية للخاطفين، وطفلا محاميين اختطفا في دمشق ودفع الوالدان فدية باهظة لاستعادتهما»، هذا بالإضافة إلى حالات خطف لأسباب انتقامية أغلبها لم يتم الإعلان عن الجهات الخاطفة. وانتقدت قوجة طريقة معالجة هذه القضايا سواء من قِبل الجهات الرسمية و الإعلام المحلي، وما يسببه ذلك من قلق وانعدام للأمان.

من جهة أخرى، قالت ناشطة نسوية في حماة، إن عمليات القتل الانتقامي تتكرر في حماة بعيداً عن الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، آخرها كان قبل أسبوع في حي الشيخ عنبر، وأغلب الجرائم يشاع أنها تستهدف متعاونين سابقين مع الأجهزة الأمنية في النظام السابق دون تأكيدات موثوقة. واصفة الفعل بـ«الخطير للغاية» ويهدد الاستقرار، ومن المستغرب ألا تكشف السلطات الأمنية عن ملاحقتها للقتلة أو توضيح ملابسات «الجرائم التي تمر مرور الكرام»، بحسب تعبيرها.

احتراق سيارة في قرية بيت عانا بجبلة الساحلية نتيجة مواجهات مع مجموعة خارجية عن القانون (متداولة)

في السياق، أكد محمد يوسف، وهو ناشط مدني في بانياس الساحلية، ويتعاون مع لجان السلم الأهلي فيما يتعلق بجرائم القتل والاختطاف، لـ«الشرق الأوسط»، أن «حالات الخطف وجرائم القتل الطائفي» لا تزال متواصلة في بانياس، بمعدل يومي، إلا أن ما يخص خطف النساء، فإن «معظمها غير موثق». مضيفاً أنه في بانياس لم يتم الإبلاغ عن حالة حقيقية، وأن الحالات التي كُشف عنها كانت لأسباب خاصة اجتماعية، كالهروب من الأسرة، في حين يتواصل خطف الرجال واغلب الحالات لأسباب انتقامية؛ إذ يعثر على الجثة بعد اختفاء يتراوح من يوم إلى أسبوع».

وأكد محمد يوسف، على أن ما يسبب الالتباس هو «أن الأمن العام لا يكشف عن أسماء الموقوفين لديه»، وبالتالي يصعب تحديد ما إذا كان سبب الاختفاء، توقيفاً أم خطفاً يقوم بها أشخاص لا يتبعون أي جهة ويحملون سلاحاً مسروقاً ويقتلون لأسباب طائفية بحتة.

من تلك الحالات، قتل الشاب سامر سليمان حمدوش من قرية كوكب، وهو عامل تركيبات في مقسم البيضة، وقد قُتل بطلقة مسدس في الرأس، لافتاً إلى وجود حالات يعرف فيها القاتل ولا تتم محاسبته. من ذلك، شخص من قرية علقين، قُتل حبيب حيدر وأولاده الثلاثة من قرية بديغان، جرى توقيف القاتل لأقل من شهر ثم أُطلق سراحه، وهناك حالات قتل أخرى عُرف القاتل ولم يقبض عليه، منها قتل ثلاثة أشخاص في قرية القلوع، وهم شمعون وابنه رامز وأخوه هاني محفوض، أمام منزلهم ولم يتم التصرف رغم وجود كاميرات مراقبة في المنطقة التي حصلت فيها جريمة القتل.

فتوى تحظر الثأر

وقد حظرت فتوى مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا «الثأر الشخصي»، وأكدت ضرورة استرداد الحقوق عبر القضاء، وجاء في الفتوى: «إن من أعظم الظلم التعدي على الدماء والأعراض والأموال المعصومة، ومن حق المظلوم المطالبة بحقه عبر الطرق المشروعة، لكن الواجب في استيفاء الحقوق أن يكون عن طريق القضاء فقط، وليس عبر التصرف الفردي أو بناءً على إشاعات؛ حفاظاً على حرمة الدمـاء والأعراض ومنعاً للفوضى».

كما حذَّر المجلس من تحريض الأفراد على الثأر، مؤكداً أن ذلك «يذكي نار الفتنة ويهدد السلم المجتمعي»، كما طالب المجلس المسؤولين بـ«تعجيل إجراءات التقاضي، وإبعاد قضاة السوء»، وضمان تحقيق العدالة حفاظاً على استقرار المجتمع.


مقالات ذات صلة

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي مهرجان خطابي بدعوة من وزارة الثقافة ومحافظة السويداء في ذكرى رحيل سلطان باشا الأطرش (محافظة السويداء)

خطف وضرب وتفتيش جوالات أثناء إحياء ذكرى سلطان الأطرش في بلدة سورية

قالت مديرية إعلام السويداء، إن ميليشيا «الحرس الوطني» (التابعة لشيخ العقل حكمت الهجري)، اختطفت 6 أشخاص خلال إحياء ذكرى وفاة سلطان باشا الأطرش في بلدة القريا.

«الشرق الأوسط» (السويداء)
العالم العربي الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما وذلك بتعزيز التعاون الثنائي وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز)

الشرع إلى برلين الاثنين للقاء ميرتس

كشفت وسائل إعلام ألمانية أن الرئيس السوري سيصل إلى العاصمة برلين، الاثنين، في زيارة تأتي بعد إلغاء سابق طرأ في اللحظة الأخيرة على موعد كان مقرراً في يناير.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وبدر عبد العاطي وأسعد الشيباني (الشرق الأوسط)

فيصل بن فرحان يبحث مستجدات المنطقة مع عبد العاطي والشيباني

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع نظيريه المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني، الأربعاء، مستجدات الأوضاع في المنطقة وتداعياتها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

لبنان يتبلّغ بمعلومات مصرية عن «حرب إسرائيلية طويلة»


الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان يتبلّغ بمعلومات مصرية عن «حرب إسرائيلية طويلة»


الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)

تبلّغ لبنان بمعلومات مصرية سلبية، تشير إلى أن الحرب الإسرائيلية مرشحة لأن تكون طويلة، في ظل غياب مؤشرات حاسمة على قرب التهدئة، وذلك في وقت استقدمت فيه إسرائيل فرقة عسكرية جديدة إلى جنوب لبنان، مؤكدةً اتجاهها نحو تصعيد ميداني متدرّج.

وبينما أعلن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي الذي التقى مسؤولين في بيروت أن «بلاده تجري اتصالات مكثفة تشمل نقل رسائل بين إيران والولايات المتحدة، بالتوازي مع تواصلها مع الجانب الإسرائيلي، بهدف خفض التوتر ومنع توسع المواجهة في المنطقة»، وصفت مصادر مواكبة للقاءات عبد العاطي في بيروت الأجواء بـ«غير المشجعة».

وقالت المصادر لـ «الشرق الأوسط» إن المعطيات السياسية والعسكرية لا تعكس إيجابية في التعاطي مع الملف اللبناني، لا سيما من قبل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي يرفض أن تكون الحرب على لبنان ضمن المفاوضات بين أميركا وإيران، ويتشدد في موقفه لجهة «القضاء على «حزب الله»، ما يؤشر إلى أن الحرب على لبنان ستكون طويلة الأمد.


«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
TT

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

بينما تواصل فرق الدفاع المدني السوري في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان، مثل الألغام ومخلفات الحرب التي كُشفت مع الفيضانات الأخيرة التي شهدتها المنطقة الشرقية في سوريا، خصوصاً بعد انجراف الألغام من مواقعها وظهورها على سطح التربة، ما وسّع نطاق تهديدها ووضعها في متناول السكان، وفرض واقعاً أكثر تعقيداً يتطلب استجابة عاجلة ومنظّمة.

فرق الدفاع المدني السوري تستجيب لفيضان نهر الخابور وروافده محافظة الحسكة لمنع وصول المياه لمنازل السكان (حساب فيسبوك)

وفي هذا السياق، أوضح مدير (إدارة الإزالة في المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلفات الحرب) رائد الحسون، أن الجهات المختصة تتابع من كثب تداعيات الفيضانات الأخيرة، مشيراً إلى أن السيول لم تقتصر على كشف الألغام المدفونة، بل أسهمت أيضاً في نقلها من مواقعها الأصلية، ما أدى إلى ظهور بؤر تلوث جديدة وانتشار غير متوقع لهذه المخلفات في مناطق مختلفة، بحسب «الإخبارية السورية».

وفي تعليق على المشاهد التي أظهرت أطفالاً يتعاملون مع الألغام بشكل مباشر، وصف الحسون هذه الحادثة بأنها «صادمة»، مشدداً على أن هذا الواقع يعكس حجم التحدي في مجال التوعية المجتمعية.

ودعا في هذا الإطار إلى تكاتف الجهود بين الجهات الرسمية والمجتمعات المحلية، بما في ذلك المدارس والأهالي، لنشر رسائل التحذير وتعزيز ثقافة الابتعاد عن الأجسام المشبوهة، ما يسهم في تقليل عدد الضحايا إلى الحد الأدنى.

جولة ميدانية للبحث في تجنب فيضانات في سبخة السيحة التي تشهد مخاطر متزايدة نتيجة ارتفاع منسوب المياه في إدلب (الدفاع المدني السوري)

وتعمل الوزارة بالتعاون مع المركز الوطني ضمن خطة استجابة شاملة للتعامل مع الألغام ومخلّفات الحرب على مستوى البلاد، ولفت الحسون، إلى أن المرحلة الحالية تشهد تنسيقاً مكثفاً مع الشركاء المحليين والدوليين، بهدف تعزيز الجهود الميدانية وتوجيه المنظمات المختصة نحو المناطق الأكثر تضرراً، مع السعي لتأمين الدعم اللازم لمواجهة هذا التحدي المتفاقم.

وأكد أن تحديد أولويات التدخل يتم وفق معايير واضحة تشمل الكثافة السكانية وطبيعة استخدام الأراضي، سواء كانت زراعية أو مخصّصة لإعادة تأهيل البنية التحتية، ما يسمح بتوجيه الجهود نحو المواقع الأكثر عرضة للخطر والأشد تأثيراً على حياة المدنيين.

أما على صعيد حماية المزارعين، مع اقتراب موسم الحراثة، فقد أكد مدير المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلّفات الحرب أن الإجراءات تتركز على تكثيف حملات التوعية في المناطق المتضررة، بالتوازي مع إرسال فرق المسح غير التقني لتحديد مواقع التلوث بدقة، تمهيداً للتعامل معها وفق الأولويات المعتمدة، بما يضمن تقليل المخاطر المرتبطة باستخدام الأراضي الزراعية.

جولة ميدانية للوزير السوري رائد الصالح في مركز Sinzig بمدينة بون للإطلاع على أبرز التقنيات في الاستجابة للطوارئ (سانا)

وضمن هذه الظروف الشديدة الحساسية في الكوارث الجوية التي تضرب سوريا هذه الأيام, بحث وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري رائد الصالح والوفد المرافق له، في بون بألمانيا، سبل تعزيز التعاون المشترك في مجال إدارة الطوارئ والكوارث، مع الوكالة الفيدرالية الألمانية للإغاثة التقنية «THW».

واستعرض الجانبان خلال اللقاء، أمس الأربعاء، الإمكانيات والخبرات الألمانية في مجالات الاستجابة للطوارئ، وآليات التنسيق والعمل الميداني، إضافة إلى فرص تطوير التعاون الفني، وتبادل الخبرات بين الجانبين، ما يسهم في دعم قدرات الاستجابة في مواجهة الكوارث.

الصالح قال في تصريح لمراسل (سانا)، أن الزيارة شكّلت فرصة مهمة للاطلاع على التجربة الألمانية المتقدمة في إدارة الطوارئ والكوارث: «ناقشنا مع الجانب الألماني إمكانياتهم الفنية والتقنية، وسبل الاستفادة منها في تطوير عملنا، كما قمنا بزيارة ميدانية إلى مركز Sinzig التابع للوكالة الألمانية، واطلعنا على التجهيزات وآليات العمل المعتمدة لديهم».

وأشار الصالح إلى أن هذه الزيارة تمهد لمرحلة من التعاون المشترك وتبادل الخبرات بين الجانبين خلال الفترة المقبلة. واطلع الوفد المرافق لوزير الطوارئ وإدارة الكوارث خلال جولة ميدانية في مركز Sinzig بمدينة بون، على أبرز التقنيات المستخدمة في الاستجابة للطوارئ، وآليات العمل داخل المركز.


عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
TT

عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

فوق أنقاض مستوصف عسكري بغرب العراق صار ركاماً بعد غارة جوية، يقف أحمد مع اثنين من زملائه العاملين في الوحدة الطبية، غير مصدّقين أنهم نجوا من غارة خلّفت، الأربعاء، سبعة قتلى.

في قاعدة الحبّانية في محافظة الأنبار، يقول أحمد بصوت مثقل بالحزن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس: «نحن فقط من بقينا سالمين من وحدة الطبابة. الآخرون إمّا قُتلوا وإما أُصيبوا».

وأعلنت وزارة الدفاع العراقية، صباح الأربعاء، أن سبعة من عناصر الجيش قضوا في غارة على مستوصف الحبّانية العسكري وشعبة خدمات هندسية تابعة لآمرية الموقع، وذلك غداة ضربة على موقع لقوات «الحشد الشعبي» يبعد كيلومترين فقط قضى فيها 15 عنصراً من الحشد الذي اتهم واشنطن باستهدافه.

ويشير العسكري الثلاثيني إلى ما كان قبل 24 ساعة موقع عمله، قائلاً: «في ضربة أولى أُصيب عدد من زملائنا. حين هرعت الفرق لإنقاذهم من تحت الركام، استهدفهم الطيران مجدداً بشكل مباشر، ما أسفر عن مقتل المسعفين».

وأدّت الضربة إلى إصابة 23 عنصراً في الجيش بينهم ضباط، وفق ما قال مسؤول طبي في الموقع لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ بدء الحرب في الشرق الأوسط، تتعرّض مقار لـ«الحشد الشعبي» ولفصائل عراقية مسلحة موالية لطهران لغارات تنسب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما تستهدف هجمات تتبناها فصائل عراقية المصالح الأميركية. وتنفّذ إيران ضربات ضد مجموعات كردية إيرانية معارضة موجودة في شمال العراق.

عراقيون يرفعون نعش جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

واعتبرت الحكومة العراقية غارة، الأربعاء، «جريمة مكتملة الأركان تنتهك القانون الدولي»، وتسيء للعلاقة التي تجمع شعبي العراق والولايات المتحدة.

وأقرّ «البنتاغون»، الأسبوع الماضي، بأن مروحيات قتالية نفّذت غارات ضد فصائل موالية لطهران في العراق. لكن متحدثاً باسم وزارة الخارجية الأميركية نفى، ردّاً على سؤال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، أن تكون القوات الأميركية استهدفت قوات الأمن العراقية.

وخلال جولة إعلامية نظمتها وزارة الدفاع العراقية، الخميس، قال مدير مديرية الإعلام والتوجيه المعنوي في الوزارة اللواء تحسين الخفاجي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن مستوصف الحبّانية «معروف بأنه تابع لوزارة الدفاع (...) لذلك فوجئنا باستهدافه بضربة جوية».

ويروي الضابط العشريني محمّد مصطفى الذي كان على مقربة من المستوصف حين استُهدف، أنه تمكّن من إنقاذ صديقه الذي «علق بين الجدار والسقف»، قبل «الضربة الثانية التي قضت على ما تبقى».

ويقول زميله علي: «الأجساد تحوّلت إلى أشلاء خلال لحظات»، مضيفاً: «عثرنا كذلك صباح اليوم على ذراع أحد الجنود (...) ومسدّسات تحوّلت إلى كتل حديد مذاب».

«تاريخ طويل من التضحية»

في اليوم نفسه الذي قضى فيه 15 عنصراً من «الحشد الشعبي» في الأنبار، قضى ستة عناصر من قوات «البشمركة» المسلحة التابعة لحكومة كردستان العراق في هجومَين بصواريخ باليستية إيرانية على مقرّهم في مدينة سوران، في أول استهداف يخلّف قتلى في صفوف هذه القوات منذ اندلاع الحرب التي بدأت بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).

وأعلن رئيس الإقليم نيجرفان بارزاني، الأربعاء، أن إيران «أقرّت» بأن الهجومَين كانا «عن طريق الخطأ».

في مجلس عزاء، نُظّم الأربعاء في سوران، وعُلّقت فيه صور القتلى على أكاليل زهور ناصعة البياض، توافد عشرات الرجال، وقد ارتدى بعضهم الزي الكردي التقليدي مع الكوفية، فيما كان آخرون ببزّات عسكرية. وخيّم الحزن على المكان. في قاعة أخرى، كانت نساء بالأسود يبكين الغائبين.

بينهم فاطمة مظفّر (24 عاماً) التي قُتل شقيقها كيوان عن عمر (21 عاماً)، وقد خدم في صفوف «البشمركة» مدة ثلاثة أعوام.

أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)

وفيما أمسكت بها سيّدة لمؤاساتها، قالت الشابة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قبل رحيله، ودّع أخي والدتي وشقيقتَيّ اللواتي كنّ هنا لتمضية أعياد الفطر والنوروز».

التقتها «وكالة الصحافة الفرنسية» في وقت سابق في منزل العائلة حيث كانت ترتّب بزّة شقيقها العسكرية وتضمّ أحذيته إلى صدرها وتعرض صور زفافه.

في الطابق الأرضي للمنزل، يلزم والدها مظفّر قادر (55 عاماً) الفراش، إذ يعاني شللاً جرّاء إصابة لحقت به في عام 2014 خلال محاربته تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من شمال وغرب العراق حتى دحره في عام 2017.

ويقول المقاتل السابق مع «البشمركة» إنه تحدث مع ابنه عبر الهاتف فور سقوط الصاروخ الأول قرابة الثانية من فجر الثلاثاء. ويضيف: «لكن بعد بضع ثوانٍ فقط، سقط الصاروخ الثاني، فحاولت الاتصال به مجدداً، لكن هاتفه كان قد خرج من الخدمة».

ويرى الرجل الذي حارب نظام صدام حسين قبل أن يطيح به الغزو الأميركي في 2003، أن «الأكراد اعتادوا المآسي». ويتابع: «لعائلتنا تاريخ طويل من التضحية من أجل هذه الأرض».