رهان جمهوري على «نفاد صبر» ترمب من بوتين

مشرِّعون في «الشيوخ» يدفعون بمشروع عقوبات قاسٍ على موسكو

لقاء قمة بين الرئيسين ترمب وبوتين في هلسنكي شهر يوليو 2018 (أرشيفية- رويترز)
لقاء قمة بين الرئيسين ترمب وبوتين في هلسنكي شهر يوليو 2018 (أرشيفية- رويترز)
TT

رهان جمهوري على «نفاد صبر» ترمب من بوتين

لقاء قمة بين الرئيسين ترمب وبوتين في هلسنكي شهر يوليو 2018 (أرشيفية- رويترز)
لقاء قمة بين الرئيسين ترمب وبوتين في هلسنكي شهر يوليو 2018 (أرشيفية- رويترز)

يراهن مشرِّعون جمهوريون يطالبون بتشديد الضغوط على روسيا، على نفاد صبر الرئيس الأميركي دونالد ترمب من نظيره الروسي فلاديمير بوتين، في غياب أفق تسوية سلمية لحربه مع أوكرانيا في المستقبل القريب.

إلا أن تصريحات ترمب عن الهجمات المكثفة التي أطلقتها روسيا في الأيام الماضية ضد أوكرانيا، بدت وكأنها تُبرِّر تحرُّك الرئيس الروسي الذي أكَّد لسيد البيت الأبيض في اتصال طويل قبل أيام، عزمه الرد على عملية «شبكة العنكبوت» الأوكرانية، والتي تسببت في تدمير طائرات حربية في العمق الروسي، واستهدفت قاذفات صواريخ.

وتسبب موقف ترمب الذي عدَّه البعض انحيازاً مستمراً لروسيا، في ارتباك بين الجمهوريين في مجلس الشيوخ الذين كانوا يستعدون للدفع بمشروع قرار، نال موافقة مسبقة من 82 سيناتوراً من الحزبين، ودعماً متزايداً لمشروع قانون مماثل في مجلس النواب، لفرض عقوبات قاسية على روسيا لإرغامها على وقف الحرب.

ويرى الجمهوريون أنه على الرغم من دعوات ترمب المتكررة لإنهاء الأعمال العدائية بين روسيا وأوكرانيا، فإنه استمر في تأجيل فرض ضغوط إضافية على موسكو من خلال العقوبات.

ويوم الجمعة، قال ترمب للصحافيين على متن طائرة الرئاسة: «لقد أعطوا (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين مبرراً للتدخل، وقصفهم قصفاً عنيفاً الليلة الماضية». وأضاف: «هذا ما لا يعجبني في الأمر. عندما رأيته، قلت: (...) ستكون هناك ضربة».

وشنَّت روسيا هجوماً بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة واسع النطاق على أوكرانيا، ليلة السادس من يونيو (حزيران)، مستهدفةً العاصمة والمدن الرئيسية والمناطق الواقعة في أقصى غرب البلاد. ويأتي الهجوم بعد يوم من وعد بوتين بالرد على أوكرانيا بسبب غارتها بطائرات مُسيَّرة على القواعد الجوية الروسية خلال عملية «الشبكة العنكبوتية»، وذلك في مكالمة هاتفية مع ترمب.

مشروع غراهام- بلومنثال مرتبك

وكان السيناتور الجمهوري البارز ليندسي غراهام، قد صاغ مع السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنثال، مشروع قانون عقوبات موسع على روسيا، يشمل فرض رسوم جمركية بنسبة 500 في المائة على الدول التي تشتري النفط والغاز من موسكو. وبينما تعهد المشرِّعان بأن يكون هذا القانون «مُدمِّراً» للاقتصاد الروسي، حذَّر آخرون من تسببه في عزل الولايات المتحدة فعلياً عن بعض أكبر اقتصادات العالم، بما في ذلك حلفاؤها في أوروبا.

زيلينسكي يتوسط السيناتور الجمهوري غراهام والسيناتور الديمقراطي بلومنثال في كييف يوم 30 مايو (أ.ف.ب)

وبدا أن غراهام قد أقر بذلك يوم الأربعاء، عندما اقترح استثناءً واسع النطاق للدول التي تقدم مساعدات لأوكرانيا؛ خصوصاً دول الاتحاد الأوروبي الذي لا يزال يستورد ما يقرب من 20 في المائة من احتياجاته من الغاز من روسيا.

ومع ذلك، يُشكِّك الخبراء في جدوى الرسوم الجمركية الباهظة المقترحة في قانون معاقبة روسيا، فضلاً عن عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، كالسيناتور راند بول الذي لطالما شكك في فعالية العقوبات في تغيير سلوك خصوم الولايات المتحدة. وانتقد بول مشروع القانون يوم الاثنين، وعدَّ أنه سيفرض «حظراً عالمياً على 36 دولة».

تداعيات على أميركا

وتشتري الهند والصين ما يقرب من 70 في المائة من صادرات الطاقة الروسية، كما تشتري دول أخرى كثيرة اليورانيوم المخصب من موسكو، من بينها الولايات المتحدة نفسها التي لا تزال تعتمد على واردات اليورانيوم المخصب لتزويد مفاعلاتها النووية بالوقود.

وستؤدي الرسوم الجمركية المقترحة على واردات السلع المصنوعة في الصين إلى ارتفاع حاد في الأسعار، وتعطيل سلاسل التوريد، وقد تؤدي إلى توقف مفاجئ للتجارة الأميركية مع الصين، وترفع معدلات البطالة في الولايات المتحدة إلى مستويات ركود.

وإذا كان المشروع يهدف إلى تجويع اقتصاد الحرب الروسي الذي لا يزال يجني مئات المليارات من الدولارات من صادرات الطاقة، فإن تداعياته قد تؤدي إلى إدخال تعديلات عليه، ما قد يطيل عملية إقراره، بما في ذلك في مجلس النواب وبالتشاور مع البيت الأبيض. ومع ذلك، يشير الدعم الواسع النطاق من الحزبين للتشريع إلى وجود درجة عالية من الدعم بين النواب، لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد روسيا.

وقال غراهام إن «مجلس الشيوخ غاضب من أن روسيا تلعب لعبة على حسابنا وحساب العالم. ونحن على استعداد لفعل شيء لم نكن مستعدين لفعله من قبل، وهو ملاحقة الأشخاص الذين ساعدوا بوتين».

زيلينسكي مع السيناتور الجمهوري غراهام في كييف يوم 30 مايو (أ.ف.ب)

ورفضت السيناتورة الديمقراطية جين شاهين، كبيرة الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، المخاوف من أن مشروع القانون قاسٍ للغاية. وقالت: «علينا أن نُفهم بوتين أنه يجب عليه التوقف عن المماطلة والجلوس على طاولة المفاوضات. ولكننا نحتاج أيضاً إلى (...) توضيح أننا سنكون صارمين».

في غضون ذلك، لم تُحرز روسيا وأوكرانيا تقدماً يُذكر في محادثات السلام، رغم الاجتماعات التي عقدت بين مسؤولين من كلا البلدين في إسطنبول، أفضت إلى تبادل للأسرى فقط.

وكان غراهام وبلومنثال قد زارا أوكرانيا وفرنسا وألمانيا الأسبوع الماضي؛ حيث ناقشا مشروع قانون العقوبات، بالإضافة إلى الجهود المبذولة لدفع روسيا إلى طاولة المفاوضات. ورحبت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين التي التقت غراهام في برلين يوم الاثنين، بهذا الاقتراح. وقالت فون دير لاين، في بيان، إن «الضغط يجدي نفعاً، فالكرملين لا يفهم شيئاً آخر». وأضافت: «هذه الخطوات، إلى جانب الإجراءات الأميركية، ستزيد بشكل حاد من التأثير المشترك لعقوباتنا».

أداة في يد ترمب

وأشار زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، جون ثون، يوم الاثنين، إلى أن المجلس قد يناقش التشريع في وقت لاحق من هذا الشهر. وقال أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون إنهم يرغبون في الحصول على موافقة البيت الأبيض قبل المضي قُدماً.

ويسعى الجمهوريون إلى تصوير القانون كأداة في يد الرئيس ترمب للحصول على تأييده، وهو ما عبرت عنه الثلاثاء المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، التي قالت إن ترمب يعدُّ العقوبات «أداة في جعبته»، ولكنها رفضت التعليق على موقفه من مشروع القانون.

وبدا ترمب أقرب إلى دعم مشروع القانون في منشور على موقعه «تروث سوشيال» يوم الأربعاء، حين نشر مقالة رأي في صحيفة «واشنطن بوست» جادلت بأن بإمكان الكونغرس إقرار مشروع قانون العقوبات كتحذير ثم تأجيله، بدلاً من إرساله إلى ترمب لتوقيعه. وكتب غراهام، متفائلاً: «من الواضح لي أنه بالنظر إلى سلوك بوتين ورفضه التعقل، سيُزوِّد ​​مجلس الشيوخ الرئيس ترمب قريباً بمزيد من الأدوات، ولن تكون مجرد إغراءات».

وفي حديثه من المكتب البيضاوي يوم الخميس، أشار ترمب إلى رغبته في حصول المشرعين على موافقته قبل المضي قدماً في مشروع القانون. وقال: «إنهم ينتظرون مني أن أقرر ما يجب فعله»، واصفاً التشريع بأنه «مشروع قانون قاسٍ».

لا ضوء أخضر

ومع ذلك، لا توجد مؤشرات تُذكر على أن ترمب سيمنح الكونغرس الضوء الأخضر علناً، لإرسال مشروع القانون إليه، ناهيك من توقيعه إن وصل إليه، وهو شرط أساسي لتمريره في المجلسين.

فقد أصدر ترمب يوم الأربعاء، بعد حديثه مع بوتين، بياناً أكَّد فيه عزم روسيا الانتقام من هجوم المطارات، دون أن يرفق ذلك بإدانة، ولمَّح إلى أنه يُفضل مساعدة بوتين في التعامل مع إيران بدلاً من دفعه نحو وقف إطلاق النار في أوكرانيا.

ويوم الخميس، لم يكتفِ ترمب بتقديم تعليقات حول هجمات موسكو المضادة القادمة؛ بل كان يُصوِّر المزيد من القتال على أنه أمر لا مفر منه، وربما حتى مفيد، مُشبِّها الدولتين بأطفال في ملعب يُفضَّل تركهم للقتال حتى يتعبوا.

وتبدو الفجوة بين المشرعين الجمهوريين الحريصين على تجويع آلة الحرب الروسية، والرئيس الذي يأمل في إبرام «صفقات عظيمة» مع بوتين، أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.

والنتيجة الأكثر ترجيحاً هي أن يواصل ترمب منح بوتين مهلة «الأسبوعين» المُعلنة، وأن تستمر الحرب، وأن يذعن نواب الحزب الجمهوري لرغبات الرئيس. ويراهن البعض على رفض بوتين وقف إطلاق النار ويواصل قصف أهداف مدنية، ما قد يغضب ترمب، لينتهز صقور حزبه الفرصة ليقدموا للرئيس تنازلات على أمل أن ينقلب على بوتين، وهو ما ليس متوقعاً حتى الآن.

والتحدي الأساسي الذي يواجه الصقور هو أن ترمب منزعج من كل من أوكرانيا وروسيا، لإطالة أمد الحرب، وهو غير مستعد لاستهداف بوتين تحديداً. وعندما سُئل في المكتب البيضاوي يوم الخميس عن اللحظة التي سيفرض فيها عقوبات على روسيا، قال ترمب: «عندما أرى اللحظة التي لن تتوقف فيها الحرب... سنكون صارمين للغاية، وقد يكون ذلك على كلا البلدين بصراحة».

وأطلقت روسيا وابلاً من الصواريخ والطائرات المُسيَّرة على مناطق أوكرانية عدة في وقت مبكر السبت، ما أسفر عن مقتل 5 أشخاص على الأقل، مع تكثيف موسكو ضرباتها في الأيام الأخيرة.


مقالات ذات صلة

«روسيا الموحدة» يكتسح مقاعد «الدوما» في انتخابات جددت البيعة لسياسات بوتين

أوروبا عاملان في لجنة انتخابية يفرغان صندوق اقتراع لعد الأصوات بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الأحد (د.ب.أ)

«روسيا الموحدة» يكتسح مقاعد «الدوما» في انتخابات جددت البيعة لسياسات بوتين

وسَّع الحزب الحاكم سيطرته داخل البرلمان الروسي بشكل ملحوظ، وبعدما كان يستحوذ في البرلمان السابق على 310 مقاعد من أصل 450 مقعداً بات يسيطر حالياً على 355 مقعداً.

رائد جبر (موسكو)
العالم نيران وأعمدة دخان تتصاعد من مصفاة نفط رئيسية قرب موسكو بعد استهدافها في هجوم أوكراني الأحد (رويترز) p-circle

ترمب يدعو إلى إنهاء حرب أوكرانيا ويشير لتضرر روسيا

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ​الاثنين، إن روسيا «فقدت السيطرة» على قطاع وقود الديزل لديها، وكرر مرة أخرى دعوته لإنهاء ‌حرب موسكو ​على ‌أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مجمع لإعادة الشحن بميناء «نوفوروسيسك» على البحر الأسود في روسيا (رويترز)

كازاخستان تزيد صادرات النفط عبر «نوفوروسيسك» في أغسطس

زادت كازاخستان شحنات النفط عبر ميناء «نوفوروسيسك» الروسي على البحر الأسود 28 في المائة خلال أغسطس (آب) الماضي، لتصل إلى 460 ألف طن متري.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «ترافيغورا» عند مدخلها في جنيف بسويسرا (رويترز)

«ترافيغورا» تطلق شركة ناقلات جديدة وتخطط لإدراجها في بورصة أوسلو

أطلقت «ترافيغورا» لتجارة السلع الأولية، شركة «فولار شيبينغ» للشحن التي ستملك وتدير 14 ناقلة نفط عملاقة، وقالت إنها ستبيع أسهماً في الشركة قبل إدراجها بالبورصة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا المركز الرئيسي لـ«ناتو» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)

قادة استخبارات أوروبيون: روسيا تخطط لتصعيد تحركاتها ضد «ناتو» خلال أشهر

أثار مسؤولون في أجهزة استخبارات أوروبية احتمال أن تختبر روسيا حلف شمال الأطلسي (ناتو) قريباً، وقال أحدهم إن هجوماً محتملاً قد يقع خلال «أشهر لا سنوات».

«الشرق الأوسط» (لندن)

الوجه الآخر لاتفاقيات ترمب لترحيل المهاجرين نحو أفريقيا

أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)
أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)
TT

الوجه الآخر لاتفاقيات ترمب لترحيل المهاجرين نحو أفريقيا

أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)
أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)

رحّلت الولايات المتحدة أكثر من 25 ألف شخص بموجب اتفاقيات سرية مع 35 دولة لاستقبال مهاجرين لا تربطهم أي صلات بتلك الدول، وفقاً لتحقيق نُشرته (الاثنين) مجموعة «فوربيدن ستوريز» الصحافية.

ولكن التقرير كشف عن ظروف صعبة يمر بها المرحّلون من الولايات المتحدة إلى عدد من الدول الأفريقية، إذ كشف التحقيق عن أن ثلث اتفاقيات الترحيل التي وقّعتها الولايات المتحدة كان مع دول أفريقية (12 اتفاقية على الأقل).

التوجه نحو أفريقيا

أشارت «فوربيدن ستوريز» إلى أن إدارة ترمب تواصلت مع 49 دولة أفريقية، من أصل 54، خلال بحثها عن دول لاستقبال مهاجرين مرحَّلين لا تربطهم بها أي صلة، وأشرف على هذه المفاوضات مكتب «إعادة الهجرة» في وزارة الخارجية الأميركية، برئاسة كريستيان إيرهاردت.

وقال التحقيق إن المفاوضات في الغالب تكون سرية، وتستخدم ضغوطاً مثل قيود التأشيرات أو ربطها بمساعدات، في حين ترفض كثير من الدول قبول أصحاب السجلات الجنائية العنيفة، لكن بعضها يقبل بذلك مثل دولة سواتيني، التي وقّعت اتفاقية بقيمة 5 ملايين دولار لاستقبال 160 شخصاً.

واعتمد التحقيق على أكثر من 100 مقابلة (منها 33 مع مرحّلين)، ووثائق داخلية، وتتبع رحلات، فيما يشير إلى أن المرحّلين غالباً هم أشخاص عاشوا سنوات طويلة في أميركا، لديهم عائلات أو عملوا هناك، ومنحهم قضاة أميركيون حماية من الترحيل إلى أوطانهم.

تعنيف ممرضة!

كشف التحقيق عن أن غانا استقبلت أكثر من 110 أشخاص، عبر 9 رحلات على الأقل منذ سبتمبر (أيلول) 2025، ولكن غانا وافقت فقط على استقبال مرحّلين من أصول غرب أفريقية، وفي بعض الحالات، أعادت ترحيلهم سريعاً إلى بلدانهم الأصلية مثل نيجيريا أو سيراليون، رغم وعود أولية بتوفير «ملاذ آمن».

طائرات تُستخدم لترحيل المهاجرين على مدرج مطار في ولاية تكساس الأميركية (أ.ب)

ومن أشهر قصص الترحيل، رابياتو كوياتيه (58 عاماً)، وهي ممرضة عاشت معظم حياتها في أميركا بعد فرارها من سيراليون، بسبب الحرب الأهلية التي ضربت البلد الصغير والفقير الواقع في أقصى غرب القارة الأفريقية.

رُحّلت كوياتيه إلى غانا، ثم أُجبرت على العودة إلى بلدها الأصلي سيراليون وسط مشاهد عنيفة، حيث انتشر مقطع فيديو منها وهي حافية القدمَيْن وتُسحب من شعرها بعنف، مما أثار غضباً شعبياً واسعاً.

مركز احتجاز

أما في غينيا الاستوائية فيبدو الوضع أكثر إثارة للقلق، حيث يشير التقرير إلى أنه بموجب اتفاق بقيمة 7.5 مليون دولار، استقبلت نحو 66 شخصاً عبر 6 إلى 7 رحلات منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، من جنسيات مختلفة مثل إريتريا، وإثيوبيا، ومصر، وأنغولا، والكاميرون، وكوبا، والبرازيل.

وأوضح التحقيق أن أغلب هؤلاء المرحّلين محتجزون في فندق «بامي» المتداعي على أطراف العاصمة مالابو، الذي تحول إلى سجن فعلي، وسط تقارير عن ظروف سيئة بسبب نقص الرعاية الطبية، والمنع من الاتصال، والضغط النفسي.

ويؤكد التحقيق أن السلطات الغينية اعتقلت في شهر سبتمبر (أيلول) الحالي مواطناً مصرياً وآخر إريترياً، بعد أن وثقا بالفيديو سوء الظروف التي يتم احتجاز المرحّلين فيها، ونقل التحقيق عن شهود ومحامين أن الشرطة غطت رأسيهما بأكياس، وقيدتهما، وضربتهما بأعقاب البنادق، ودفعتهما على الدرج.

نيكا الإيرانية

تناول التحقيق قصة نيكا الإيرانية (32 عاماً)، التي فرت من إيران قبل نحو 18 شهراً بعد مشاركتها في احتجاجات ضد النظام، وبعد وصولها إلى الولايات المتحدة، قضت أكثر من عام في مركز احتجاز للهجرة الأميركية، قبل أن يمنحها قاضٍ حماية قانونية بـ«منع الترحيل»، لأنها معرّضة لضرر جسيم أو خطر على حياتها إذا أُعيدت إلى إيران.

أُفرج عنها بموجب أمر قضائي في أواخر مايو (أيار) 2026، وأصبح بإمكانها العمل والبقاء في الولايات المتحدة مؤقتاً، ولكن بعد أقل من أسبوعين، أعادت سلطات الهجرة اعتقالها خلال موعد روتيني، ثم رحّلتها جواً إلى جمهورية أفريقيا الوسطى مع نحو 18 مهاجراً آخرين (من جنسيات مختلفة مثل أفغانستان والعراق وقيرغيزستان)، رغم الحماية القضائية.

لم يُخبروها بوجهتها مسبقاً، وظلّت مقيدة بالأصفاد طوال الرحلة، قبل أن تصل نيكا إلى عاصمة البلاد بانغي، وهي مدينة تصفها وزارة الخارجية الأميركية بأنها خطيرة جداً للسفر. حالياً تعيش في غرفة صغيرة شبه معزولة، وتخاف الخروج، وتنتظر مصيرها خشية أن تُرحّل مجدداً إلى إيران.


4 شبكات أميركية كبرى توقف التغطيات المشتركة لأخبار ترمب تضامناً مع «سي إن إن»

جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)
جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

4 شبكات أميركية كبرى توقف التغطيات المشتركة لأخبار ترمب تضامناً مع «سي إن إن»

جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)
جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)

قرّرت أربع شبكات أميركية كبرى تشكّل مجموعة التغطية الصحافية المشتركة لأنشطة الرئيس دونالد ترمب، الاثنين، وقف هذه التغطية، وذلك تضامناً مع شبكة «سي إن إن» التي استبعدها الرئيس الأميركي من البيت الأبيض، وفقاً لبيان اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال براين بونتون، ممثل شبكة «فوكس» والمنسق لهذه المجموعة من القنوات المكلفة بتصوير الرئيس الأميركي على مدار اليوم وتوزيع اللقطات المصورة على وسائل الإعلام الأخرى: «اعتباراً من اليوم، لن تتولى مجموعة التغطية التلفزيونية المشتركة تغطية الفعاليات التي يشارك فيها الرئيس والتي تندرج عادة ضمن نطاق التغطية المشتركة».

والشبكات الأربع هي «سي بي إس» و«إيه بي سي» و«إن بي سي» و«فوكس».


زعماء العالم يترقبون خطاب ترمب... ومناسبة على غرار مؤتمر يالطا

شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)
شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)
TT

زعماء العالم يترقبون خطاب ترمب... ومناسبة على غرار مؤتمر يالطا

شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)
شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)

​يجلس مئات من زعماء العالم، الثلاثاء، تحت قبَّة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حاملين إلى دورتها السنوية الحادية بعد الثمانين آمالهم وتطلعات شعوبهم إلى عالم أفضل، لا ينهشه الجوع والفقر، ولا تستبد فيه الحروب والنزاعات، ولا تهدده الكوارث الطبيعية والتكنولوجيا الجديدة، وأحدثها الذكاء الذي من صنع الإنسان.

ولكن هيهات! كأن الجمعية العامة للأمم المتحدة (التي يشيع اختصار اسمها بـ«أونغا») في وادٍ، وواقع حال أعضائها الـ193 في وادٍ آخر.

ومع ،ذلك يترقب هذا الحشد الدولي الأكبر عالمياً اللحظة التي يدخل فيها الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إلى المبنى العريق على الجادة الأولى في وسط مانهاتن، والمشرف على نهر إيست ريفر، لمعرفة ما إذا كان خطابه المكتوب لهذا العام يتضمن غير ما يكتبه في منشوراته شبه اليومية على منصات التواصل الاجتماعي، وتصريحاته التلقائية أمام الصحافيين والعدسات، وغيرها من الوسائل، بغية توصيل رسائله ونداءاته بأن «أميركا أولاً»، وبهدف تعميم شعاره «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» («ماغا» اختصاراً) على من يسعى إلى كسب وده وتجنب غضبه، وعواقب العقوبات السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية أو المالية التي يمكن أن تفرضها الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى، على من يتجرأ على تحدي جبروتها.

أشخاص يحملون صوراً وقناديل أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك خلال مناسبة للأميركيين من أصول إيرانية ضد النظام الإيراني (رويترز)

ولترمب قصة طويلة وقديمة مع الأمم المتحدة. كان يطمح عندما كان مطوراً عقارياً في نيويورك إلى الفوز بعقد استثماري لتطوير مجمع المنظمة الدولية الواقع على بعد عشرات الأمتار فقط من «برج ترمب» الفاخر على الجادة الأولى أيضاً. غير أن مستثمراً آخر فاز بالعقد المجزي.

وعلى الرغم من أنه لم يتمكن من تحقيق غايته، لم تتلاشَ عزيمة ترمب لتحقيق هذا الهدف؛ بل صار أكثر تصميماً من ذي قبل، ولا سيما أنه ومنذ صار رئيساً يرى حالات الضعف والفشل والأعطاب التي أصابت الأمم المتحدة التي أنشئت على أنقاض «عصبة الأمم» في نهاية عام 1945، على أساس التوازنات التي أرساها المنتصرون في الحرب العالمية الثانية.

عظيمة كأميركا

وفي عالم شهد -ولا يزال يشهد- تحولات هائلة منذ ذلك الحين، يشبِّه البعض الإخفاقات الراهنة للأمم المتحدة بسنوات الفشل التي سبقت انهيار «عصبة الأمم». وتندَّر بعض الدبلوماسيين بأن الرئيس ترمب يريد أن يطلق شعاراً جديداً «فلنجعل الجمعية العامة للأمم المتحدة عظمية مرة أخرى» («مونغا» اختصاراً).

وفي دليل على جدية هذه التوجهات، يوزع المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، قبعات «مونغا» على فريقه الدبلوماسي وحلفاء الولايات المتحدة في المنظمة الدولية.

ووصفت الناطقة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، السفير والتز لي بأنه «مبعوث رئيسي لجميع أولويات الرئيس» ترمب، الذي «يُقدِّر جهود السفير والتز في سبيل جعل الأمم المتحدة عظيمة مرة أخرى».

غير أن الدبلوماسيين الذين يتحدثون مع السفير والتز يعتقدون أن جعل الأمم المتحدة عظيمة حقاً، يستوجب عقد صفقة كبرى على غرار مؤتمر يالطا، الذي عُقد في مطلع عام 1945 بمشاركة الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، والزعيم السوفياتي جوزيف ستالين، سعياً إلى استعادة هيبتها المفقودة في وقف حربين تنخرط فيهما دولتان من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن: الولايات المتحدة مع إيران، وروسيا مع أوكرانيا، بالإضافة إلى الحيلولة دون وقوع حرب جديدة يخشاها كثيرون بين الصين وتايوان.

واشنطن لا نيويورك

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ خلال اجتماع منظمة «بريكس» في نيودلهي بالهند (أ.ب)

ويعكس غياب كل من الرئيس الصيني شي جينبينغ، ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، عن «أونغا» هذا العام، استمرار عدم الرضا من زعيمَي دولتين كبريين على التوازنات الراهنة في الأمم المتحدة، علماً بأن الرئيس الصيني سيقوم -وقت انعقاد الجمعية العامة- بزيارة دولة بدعوة من ترمب لواشنطن العاصمة، من دون أن يعرِّج على نيويورك القريبة.

وبينما يحاول ترمب وشي رسم معالم العلاقة التنافسية بين الولايات المتحدة والصين، يخشى دبلوماسيون من تحوُّل هذه المنافسة إلى مجرد بداية لحرب باردة جديدة، عوض أن تكون فرصة لصفقة جديدة على غرار مؤتمر يالطا، الذي كان مقدمة لنشوء الأمم المتحدة بصيغتها الراهنة.

ووفقاً لبرنامج الكلمات الذي أُعد لليوم الأول من أسبوع الاجتماعات الرفيعة المستوى للجمعية العامة، سيعتلي المنصة أولاً رئيس الدورة الحالية للجمعية، وزير الخارجية البنغلاديشي السابق خليل الرحمن، ثم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، لإلقاء كلمتين افتتاحيتين، على أن تكون الكلمة الأولى للرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، وفقاً لتقليد تعتمده الجمعية العامة منذ نحو 7 عقود. ويليه الرئيس ترمب، بوصفه رئيس الدولة المضيفة للمنظمة الدولية.

وقبل أيام من هذه المناسبة، قال لولا دا سيلفا إنه سيطلب من ترمب «عدم التدخل في انتخابات البرازيل».

وظهرت التوترات بين الرئيس لولا دا سيلفا وإدارة ترمب عام 2025، حين طبَّقت الأخيرة موجة أولى من الرسوم الجمركية ضد البرازيل، رداً على محاكمة الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو، الذي يعد من حلفاء ترمب.

أصحاب الكلام

وسيتوالى على الكلام -الثلاثاء أيضاً- كل من: ملك الأردن عبد الله الثاني بن الحسين، والرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام، ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، فضلاً عن نحو 20 آخرين من رؤساء الدول والحكومات.

وعلى الرغم من الإخفاقات المتكررة للأمم المتحدة، ولا سيما مجلس الأمن الذي يعتبر القوة الرئيسية المحركة لها، في «صون السلم والأمن الدوليين» طبقاً لما جاء في ميثاقها، يُتوقع أن يعرض الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (الذي تنتهي ولايته الثانية الأخيرة بعد مائة يوم فحسب) السنين العشر التي أمضاها في هذا المنصب، وكان خلالها شاهداً على تصدعات العالم ومصائبه.

لم يتمكن غوتيريش من فعل الكثير لوقف الحرب في سوريا، التي شهدت استخدام نظامها السابق الأسلحة الكيماوية ضد شعبه، بينما كانت الأمم المتحدة عاجزة عن اتخاذ إجراءات لمنع الإفلات من العقاب. وتواصلت الأزمة في ليبيا على الرغم من تغيُّر المبعوثين الأمميين. ووقعت حرب جديدة في السودان من دون أن تتمكن الأمم المتحدة من إيصال المساعدات إلى ملايين اللاجئين. وكذلك فشلت في وضع حد للأزمة اللبنانية، رغم وجود نحو 10 آلاف جندي ضمن القوة المؤقتة للأمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل).

ورافق غوتيريش -على غرار جميع الأمناء العامِّين الذين سبقوه- الشلل المزمن لمجلس الأمن في إيجاد تسوية منصفة للشعب الفلسطيني، الواقع منذ نشأة المنظمة الدولية تحت الاحتلال الإسرائيلي؛ بل كان شاهداً على وقوع حرب غزة التي نفَّذتها إسرائيل ضد الفلسطينيين من دون أي محاسبة، وحرب أوكرانيا وروسيا منذ أكثر من 4 سنوات ونصف سنة، وشاهداً أيضاً على بدء الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران قبل نحو 7 أشهر.

ومع ذلك، لا يفقد غوتيريش الأمل في تعددية قطبية تبدو حتمية، إما على أساس التنافر، وإما على أساس التعايش تحت سقف القانون الدولي والأنظمة القائمة على القواعد.