الخلافات الفرنسية - الألمانية تُعطّل «مُحرّك» الاتحاد الأوروبي

العلاقات بين ماكرون وميرتس «باردة»... ومشروعهما الدفاعي مُهدّد

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس فرنسا إيمانويل ماكرون في قلعة ألدن بيزن خلال اجتماع غير رسمي لقادة الاتحاد الأوروبي (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس فرنسا إيمانويل ماكرون في قلعة ألدن بيزن خلال اجتماع غير رسمي لقادة الاتحاد الأوروبي (رويترز)
TT

الخلافات الفرنسية - الألمانية تُعطّل «مُحرّك» الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس فرنسا إيمانويل ماكرون في قلعة ألدن بيزن خلال اجتماع غير رسمي لقادة الاتحاد الأوروبي (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس فرنسا إيمانويل ماكرون في قلعة ألدن بيزن خلال اجتماع غير رسمي لقادة الاتحاد الأوروبي (رويترز)

في 25 مارس (آذار) من عام 1957، وُقّعت في روما معاهدة إطلاق «المجموعة الاقتصادية الأوروبية» التي تحوّلت مع مرور العقود إلى الاتحاد الأوروبي كما نعرفه اليوم، والذي يضُمّ 27 دولة بعد أن خرجت منه بريطانيا في عام 2020.

في البداية، كانت «المجموعة» مُشكّلة فقط من ستة بلدان مؤسسة هي: فرنسا وألمانيا الغربية وإيطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ. انضمت إليها تباعاً الدول الأخرى، خصوصاً تلك التي خرجت من عباءة حلف وارسو بعد انهياره في عام 1991. لكن المعطى الثابت منذ نحو 70 عاماً أن فرنسا وألمانيا كانتا تعدان «مُحرّك» التكتل الأوروبي: الأولى تمتلك السلاح النووي، وهي الوحيدة داخل «الاتحاد» بعد «البركسيت» البريطاني، والثانية تتميز بكونها أكبر اقتصاد في المنطقة الأوروبية.

برلين وباريس... تاريخ حروب وشراكة

واللافت لدى خبراء العلاقات الفرنسية - الألمانية التي عانت من سلسلة حروب طاحنة، في عهد الإمبراطورين نابليون الأول ونابليون الثالث، ثم إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية، أن الطرفين نجحا منذ أوائل خمسينيات القرن الماضي في قلب الصفحات الدامية، والدخول في عملية تصالح وتعاون أثمرت رعاية قيام التكتل الأوروبي.

بوتين مع ميركل وماكرون في مناسبة سابقة (رويترز)

وكان ذلك بفعل الحاجة من جهة، ولكن أيضاً بفضل التفاهم بين الثنائي الحاكم في البلدين. فالعلاقات التي نسجها الجنرال ديغول والمستشار أديناور مهدت طريق الحوار والتعاون لمن خلفهما. وبعد الثنائي المذكور، برز ثنائي آخر بين الرئيس فاليري جيسكار ديستان والمستشار هيلموت شميدت، ثم ثنائي فرنسوا ميتران وهيلموت كول. وهكذا دواليك، وصولاً إلى الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون الذي عرف ثلاثة مستشارين: أنغيلا ميركل وأولاف شولتس وفريدريش ميرتس.

مع الأولى، كانت علاقات ماكرون جيدة بشكل عام؛ إذ أطلقا معاً إصلاحات اقتصادية ومالية ومشاريع دفاعية، أبرزها في عام 2017 مشروع إنتاج طائرة المستقبل القتالية. كذلك تعاونا معاً لمواجهة جائحة «كوفيد-19»، وأبرز ما قاما به استدانة جماعية لمبلغ 750 مليار يورو عن طريق مفوضية الاتحاد لدعم الاقتصاد الأوروبي المهتز.

علاقات معقدة بين ماكرون وميرتس

بيد أن وصول أولاف شولتس الاشتراكي إلى المستشارية غيّر الوضع. ماكرون وشولتس لم ينجحا في بناء علاقة شخصية قوية لاختلاف المزاج بين الرجلين، وبسبب «البرودة» التي تميز بها الثاني. لكن ماكرون استفاد من الوضع الجديد ليطرح نفسه، مع انطلاق الحرب الروسية على أوكرانيا، «زعيماً» لأوروبا، إلا أن وصول ميرتس، المنتمي إلى الحزب المسيحي الديمقراطي، قلب الوضع رأساً على عقب؛ إذ إنه نافس ماكرون منذ اليوم الأول.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس متوسّطاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في ميونيخ يوم 13 فبراير (أ.ب)

ويوماً بعد يوم، كانت تظهر التشققات في العلاقات بين طرفَي «المُحرّك» الأوروبي. فمن جهة، تأخذ برلين على باريس سياستها الاقتصادية التي تعتبرها «كارثية»، وعنوانها نسبة المديونية الفرنسية قياساً بالناتج الداخلي الخام، والتي تُعدّ من الأسوأ داخل الاتحاد الأوروبي.

كذلك، ترفض ألمانيا المقترح الفرنسي القاضي بتكرار الاستدانة الجماعية. وتعثّرت العلاقات بين الجانبين إلى درجة أن وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، المعروف بتحفظه، لم يتردد في انتقاد غياب الإصلاحات الاقتصادية والمالية الفرنسية، وضعف الاستثمارات الفرنسية في ميدان الدفاع قياساً بما أقرّته ألمانيا، ومن ذلك تخصيص 86 مليار يورو للنفقات الدفاعية العام الحالي، والتخطيط للوصول إلى 150 ملياراً في عام 2029، في حين أن الميزانية الدفاعية الفرنسية تبلغ، بشق الأنفس، 57 مليار يورو للعام الحالي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه يوم 6 يناير (د.ب.أ)

ثمة مسائل أخرى تواجَه فيها الطرفان؛ فالرئيس الفرنسي كان من بين أبرز الذين أجهضوا، نهاية العام الماضي، مشروع استخدام الأصول المالية الروسية المجمدة في أوروبا، خصوصاً في بلجيكا، لتقديم قروض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، الأمر الذي أجبر المفوضية على استدانة المبلغ من الأسواق المالية. وكان ميرتس من أهم المتحمسين والدافعين للاستحواذ مؤقتاً على الأصول الروسية.

كذلك، فإن ماكرون كان من أشدّ الرافضين لإبرام معاهدة التجارة الحرة مع دول أميركا الجنوبية، المعروفة بـ«ميركوسور»؛ لأن باريس اعتبرت أنها تمسّ بمصالح فئة من المزارعين الفرنسيين، في حين أن برلين كانت تدفع للسير بها بقوة؛ لما تفتح أمام صناعاتها، خصوصاً صناعة السيارات، من أسواق في الجزء الجنوبي من القارة الأميركية. وفي المقابل، فإن ميرتس أجهض رغبة ماكرون في الاستدانة الجماعية مجدداً لدعم الاقتصاد الأوروبي.

صعوبات بناء الصناعات الدفاعية المشتركة

مع عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض بداية عام 2025، واستشعار الأوروبيين أن التزام واشنطن بالحلف الأطلسي لم يعد كما كان في السابق، وجد ماكرون أن دعوته لبناء قوة أوروبية تدافع عن مصالح أوروبا أخذت تلقى آذاناً صاغية.

وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس (يميناً) يفحص غواصة مسيّرة خلال زيارته مركزاً للابتكار تابعاً للجيش الألماني في منطقة إردينغ بالقرب من مدينة ميونيخ جنوب ألمانيا (أ.ف.ب)

وكانت باريس قد صُدمت من مشروع ألماني سابق يقوم على بناء «درع الفضاء الأوروبي» المخصص لحماية السماء الأوروبية من الصواريخ والمسيّرات. المشروع أطلقته برلين في سبتمبر (أيلول) من عام 2022، ووصل عدد المشاركين فيه إلى 20 بلداً ليست فرنسا من بينهم. ويتميز المشروع بالرغبة في الإسراع ببناء «الدرع» عن طريق الاستفادة من أنظمة الدفاع الجوي المتوافرة في السوق الدولية، من غير التركيز على الصناعات الدفاعية الأوروبية. وأبرز نظامين دفاعيين لجأ إليهما القائمون بالمشروع، بقيادة ألمانية، هما نظام «باتريوت باك 3ـ إم إس إي» الذي تنتجه شركتا «رايتن» و«لوكهيد مارتن» الأميركيتين، وهو نظام للدفاع الجوي متوسط المدى. ونظام «أروــ 3» الإسرائيلي للدفاع الجوي والفضائي للمستويات المرتفعة الذي تنتجه شركة «الصناعات الفضائية الإسرائيلية» بالاشتراك مع شركة «بوينغ». والطرف الأوروبي الوحيد هو شركة «دييل ديفانس» الألمانية للدفاع الجوي المنخفض والمتوسط.

إجهاض مشروع طائرة المستقبل القتالية

ما سبق يميط اللثام عن صعوبة السير بصناعات دفاعية مشتركة على المستوى الأوروبي. لكن ثمة مشروع آخر يُبيّن صعوبة التعاون الفرنسي - الألماني، والذي احتلّ حيّزاً وافراً من الصحافة الأوروبية خلال الأسبوع الماضي.

سرب طائرات «رافال» فرنسية الصنع في تمرين «أوريون 26» قرب قاعدة سان نازيرن يوم 19 فبراير (رويترز)

ذلك أنه بعد 9 سنوات على إطلاق برنامج فرنسي - ألماني طموح يقوم على بناء طائرة قتالية من الجيل الجديد (نظام القتال الجوي المستقبلي)، بقيمة تبلغ 100 مليار يورو، يبدو اليوم أنه في طريقه إلى الانهيار بسبب الخلافات بين باريس وبرلين، وأيضاً بين الشركات الضالعة في المشروع.

وسرت معلومات في الأيام القليلة الماضية أن برلين تسعى لشراء 35 طائرة من طراز «إف-35» المتطورة من الولايات المتحدة، ما يعني أنها قلبت صفحة الطائرة القتالية المستقبلية التي كان من المفترض أن تدخل الخدمة في عام 2040. كذلك، ثمة معلومات تتحدث عن احتمال أن تلتحق برلين ببرنامج منافس بريطاني - إيطالي - ياباني إذا تبين لها أنه يصعب التغلب على الهوة القائمة بينها وبين باريس.

وكانت إسبانيا قد انضمت إلى المشروع الثنائي في عام 2019، إلا أن صوتها يبدو ضعيفاً إزاء العاصمتين الكبريين.

حقيقة الأمر أن شركة «داسو للصناعات الجوية» الفرنسية التي تصنّع طائرة «رافال» القتالية، تجد نفسها اليوم في وضع المهيمن، نظراً للنجاحات التي حصدتها «رافال» في السنوات الماضية. وآخر نجاحاتها سيكون توقيع عقد بين باريس ونيودلهي قريباً لتزويد الهند بـ114 طائرة «رافال»، إضافة إلى 35 طائرة أخرى تنطلق من حاملات الطائرات.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي يتصافحان عقب مؤتمرهما الصحافي في مدينة مومباي يوم 17 فبراير (أ.ب)

وسبق لـ«داسو» أن باعت طائرتها إلى مصر والإمارات واليونان وصربيا، وإلى العديد من الدول الأخرى. كما أنها المزود الوحيد للجيش الفرنسي. ولذا، تعتبر «داسو» أن قيادة مشروع الطائرة المشتركة يجب أن يعود إليها حكماً، باعتبار أن الجانب الألماني وإن كان يملك حصة في شركة «بوينغ» للطائرات التجارية، فإنه لا يمتلك الخبرة الضرورية لبناء الطائرات القتالية.

وإذا فرط عقد الطائرة المشتركة، فإن الأوروبيين سيجدون أنفسهم في منافسة أوروبية داخلية حامية لإنتاج طائرة المستقبل، الأمر الذي سينعكس على طموحاتهم لبناء صناعات دفاعية موحدة يُفترض أن تشكل البنية الأساسية لقيام دفاع أوروبي مشترك، والسير نحو الاستقلالية الاستراتيجية.


مقالات ذات صلة

أوروبا جنود أوكرانيون في غرفة تحوَّلت لكنيسة قرب الجبهة في دونيتسك (اللواء 93 الميكانيكي - أ.ف.ب) p-circle

هدنة عيد الفصح بين روسيا وأوكرانيا تتعثر

اتهمت القيادة العسكرية الأوكرانية روسيا بانتهاك هدنة عيد الفصح الأرثوذكسي مراراً، مع تسجيلها 470 حادثة تتراوح بين الضربات الجوية وهجمات الطائرات المسيّرة والقصف

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا نيران تشتعل بمبنى أصابته مسيّرة أوكرانية في بيلغورود (رويترز)

روسيا: إصابة 5 في هجمات لأوكرانيا على منطقتين حدوديتين رغم الهدنة

قال حاكما منطقتَين حدوديَّتين روسيَّتين إنَّ طائرات مسيَّرة أوكرانية هاجمت أهدافاً في منطقتَي كورسك وبيلغورود؛ مما أسفر عن إصابة 5 أشخاص.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
شؤون إقليمية الصواريخ الإيرانية تُعرض في متحف القوة الجوية الفضائية لـ«الحرس الثوري» في طهران بإيران - 15 نوفمبر 2024 (رويترز) p-circle

تقارير: الصين وروسيا قدمتا مساعدات ومعلومات إلى إيران

قال مسؤولون إن وكالات الاستخبارات الأميركية حصلت على معلومات تفيد بأن الصين ربما تكون قد أرسلت خلال الأسابيع الأخيرة شحنة من صواريخ الدفاع الجوي المحمولة.

أوروبا جنود أوكرانيون يؤدون صلاة العيد في قرية قرب سلوفيانسك (إ.ب.أ)

روسيا وأوكرانيا تفرجان عن أسرى حرب قُبيل هدنة عيد الفصح

تستعد روسيا وأوكرانيا لوقف مؤقت لإطلاق النار لمناسبة عيد الفصح الأرثوذكسي، اليوم (السبت)، سبقه تبادل لأسرى الحرب وضربات بالمسيّرات خلال الليل.

«الشرق الأوسط» (كييف)

رئيس الوزراء المجري أوربان يقر بهزيمة «مؤلمة» في الانتخابات

رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان خلال كلمته إلى أنصاره عقب اعترافه بالهزيمة في الانتخابات التشريعية (أ.ب)
رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان خلال كلمته إلى أنصاره عقب اعترافه بالهزيمة في الانتخابات التشريعية (أ.ب)
TT

رئيس الوزراء المجري أوربان يقر بهزيمة «مؤلمة» في الانتخابات

رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان خلال كلمته إلى أنصاره عقب اعترافه بالهزيمة في الانتخابات التشريعية (أ.ب)
رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان خلال كلمته إلى أنصاره عقب اعترافه بالهزيمة في الانتخابات التشريعية (أ.ب)

أقر رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان بالهزيمة في الانتخابات التشريعية التي جرت الأحد، وذلك خلال خطاب مقتضب ألقاه في مقر حملته الانتخابية.

وقال الزعيم القومي إن «نتائج الانتخابات، وإن لم تكن نهائية بعد، واضحة بالنسبة لنا، هي مؤلمة لكنها لا لبس فيها. لم تُمنح لنا المسؤولية أو الفرصة للحكم»، مضيفا أنه «هنأ الحزب الفائز».

وكان الناخبون المجريون توجهوا بكثافةٍ إلى صناديق الاقتراع، الأحد، للإدلاء بأصواتهم في انتخابات تشريعية قد تضع حداً لحكم رئيس الوزراء فيكتور أوربان الذي يتولى السلطة منذ 16 عاماً، في استحقاق تستحوذ نتائجه على متابعة مكثفة من المجتمع الدولي، خصوصاً من الولايات المتحدة وروسيا والبلدان الأوروبية.

وأشار محللون إلى أن نسبة المشاركة مرتفعة، خصوصاً في المدن متوسطة الحجم، وبين الناخبين الشباب، الأكثر ميلاً لدعم مرشح المعارضة بيتر ماغيار. وتحدث هؤلاء المحللون قبل الانتخابات عن نسبة مشاركة قياسية قد تصل إلى 75 في المائة.

وحظي أوربان قبل الانتخابات بدعم قوي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وتمثّلَ هذا الدعم بزيارة لنائبه جاي دي فانس إلى بودابست، الأسبوع الحالي، امتدح خلالها مزايا فيكتور أوربان وانتقد تدخُّل «بيروقراطيي بروكسل»، حيث مقر الاتحاد الأوروبي. أما ترمب نفسه، فاتخذ الجمعة مواقف عدة داعمة لأوربان، إذ تعهد بتسخير «كامل القوة الاقتصادية» الأميركية لمساعدة المجر إذا دعم الناخبون حليفه الذي يراه مجسداً لمعركة مكافحة الهجرة والدفاع عن «الحضارة الغربية».


انتخابات تشريعية حاسمة لحكم أوربان في المجر

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (أ.ف.ب)
TT

انتخابات تشريعية حاسمة لحكم أوربان في المجر

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (أ.ف.ب)

توجّه الناخبون المجريون بكثافةٍ إلى صناديق الاقتراع، الأحد، للإدلاء بأصواتهم في انتخابات تشريعية قد تضع حداً لحكم رئيس الوزراء فيكتور أوربان الذي يتولى السلطة منذ 16 عاماً، في استحقاق تستحوذ نتائجه على متابعة مكثفة من المجتمع الدولي، خصوصاً من الولايات المتحدة وروسيا والبلدان الأوروبية.

ويختار 7.5 ملايين ناخب داخل المجر، إضافة إلى أكثر من 500 ألف مسجّلين في الخارج، بين خمسة أحزاب، وفقاً لنظام انتخابي أكثري مختلط يصبّ بدرجة كبيرة في مصلحة حزب «فيديش» الحاكم.

وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات مستوى قياسياً ظهر الأحد، إذ وصلت إلى 54.14 في المائة بين فتح مكاتب الاقتراع عند السادسة صباحاً (04.00 ت غ) والأولى من بعد الظهر بالتوقيت المحلي (11.00 ت غ)، في مقابل 40.1 في المائة عام 2022، وفقاً لمكتب الانتخابات الوطني.

وأشار محللون إلى أن نسبة المشاركة مرتفعة، خصوصاً في المدن متوسطة الحجم، وبين الناخبين الشباب، الأكثر ميلاً لدعم مرشح المعارضة بيتر ماغيار. وتحدث هؤلاء المحللون قبل الانتخابات عن نسبة مشاركة قياسية قد تصل إلى 75 في المائة.

بيتر ماغيار صاحب التوجهات الأوروبية المحافظة لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (إ.ب.أ)

وتوقعت استطلاعات رأي أجرتها مؤسسات مستقلة فوزاً كاسحاً لحزب «تيسا» بقيادة بيتر ماغيار ذي التوجهات الأوروبية والمحافظة الذي تمكّن خلال عامين من بناء حركة معارضة قادرة على منافسة أوربان، علماً بأن شعبية رئيس الوزراء ذي التوجهات القومية تراجعت بفعل تباطؤ النمو الاقتصادي في المجر.

وبعد الإدلاء بصوته في بودابست، دعا ماغيار، المجريين، إلى الاستنفار من أجل هذه «الانتخابات الحاسمة»، وقال: «نحن نختار بين الشرق والغرب، بين الدعاية والنقاش العام الصادق، بين الفساد وحياة عامة نزيهة، بين استمرار التدهور والانهيار الكامل للخدمات العامة أو إعادة الأموال الأوروبية وإنعاش الاقتصاد المجري».

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان وزوجته أنيكو ليفاي لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (أ.ف.ب)

في المقابل، توقعت مؤسسات استطلاعات مقرّبة من السلطة فوز تحالف «فيديش» وحزب «الشعب الديمقراطي المسيحي» (كي دي إن بي) الذي يقوده أوربان الساعي إلى ولاية خامسة على التوالي.

وجدّد أوربان بعد إدلائه بصوته تحذيره من «أزمة كبرى» تنتظر أوروبا، وقال: «لحسن الحظ، لدينا الكثير من الأصدقاء في العالم، من أميركا إلى الصين، مروراً بروسيا والعالم التركي»، مضيفاً أنه لن يسمح للاتحاد الأوروبي بأن «يحرم» المجر من «مستقبلها وسيادتها».

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (يسار) ونائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتبادلان التحية في نهاية تجمع انتخابي في بودابست يوم 7 أبريل 2026 (رويترز)

وحظي أوربان قبل الانتخابات بدعم قوي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وتمثّلَ هذا الدعم بزيارة لنائبه جاي دي فانس إلى بودابست، الأسبوع الحالي، امتدح خلالها مزايا فيكتور أوربان وانتقد تدخُّل «بيروقراطيي بروكسل»، حيث مقر الاتحاد الأوروبي. أما ترمب نفسه، فاتخذ الجمعة مواقف عدة داعمة لأوربان، إذ تعهد بتسخير «كامل القوة الاقتصادية» الأميركية لمساعدة المجر إذا دعم الناخبون حليفه الذي يراه مجسداً لمعركة مكافحة الهجرة والدفاع عن «الحضارة الغربية».

«حملة سلبية»

بات رئيس الوزراء المجري الذي جعل من بلده، البالغ عدد سكانه 9.5 ملايين نسمة، نموذجاً لـ«الديمقراطية غير الليبرالية» مثالاً تحتذي به عدد من الحركات اليمينية المتطرفة في مختلف أنحاء العالم. ويعد أوربان مقرّباً أيضاً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وواظب على انتقاد العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا منذ غزوها أوكرانيا عام 2022.

ومع أن بروكسل تجنّبت التعبير علناً عن موقفها من الانتخابات المجرية، أكّد دبلوماسي أوروبي أن «معظم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ستكون مسرورة بالتخلص من أوربان»، مشيراً إلى أن «الصبر بلغ حدّه الأقصى».

واتخذ أوربان (62 عاماً) مراراً مواقف مخالفة لتوجهات الدول الأعضاء الـ26 الأخرى، فيما جمّدت بروكسل التي تتهمه بتقويض دولة القانون مبالغ مخصصة لتمويل المجر تبلغ مليارات اليورو. وأكد أوربان خلال حملته عزمه مواصلة استهداف ما وصفه بـ«منظمات المجتمع المدني الوهمية، والصحافيين المأجورين، والقضاة والسياسيين».

ورأت أندريا شابو من «مركز العلوم الاجتماعية» في «جامعة ELTE» أن فوز أوربان «سيعني بوضوح (...) انزلاقاً نحو نظام استبدادي».

كذلك سعى أوربان إلى إعطاء انطباع بأنه سدّ منيع في وجه أوكرانيا، متهماً إياها بالسعي إلى جرّ المجريين إلى الحرب. لكنّ المحللين رأوا أن هذه الحجة لم تقنع مواطنيه في ظل الركود الاقتصادي في المجر واستشراء الفساد فيها بشكل فاضح.

وقالت أندريا شابو إن «فيديش» قرر «خوض حملة سلبية تماماً»، إذ لم تتضمن «طرحاً واحداً يمكن القول إنه قد يسهم فعلاً في توحيد الأمة، بل على العكس، لم يتحدث (الحزب) إلا عن الحرب».

أما بيتر ماغيار، البالغ 45 عاماً الذي زار مختلف المناطق المجرية منذ منتصف فبراير (شباط)، فقد تعهّد بتحسين الخدمات العامة، لا سيما في قطاعي الصحة والتعليم.

بيتر ماغيار ممثلاً عن حزب «تيسا» أثناء تصويته في بودابست الأحد (إ.ب.أ)

وخلال لقاء انتخابي، الخميس، دعا ماغيار الذي كان منتمياً سابقاً إلى «فيديش» إلى «إعطاء فرصة للتغيير»، مطلقاً سلسلة وعود، أبرزها مكافحة الفساد، وإعادة إحياء المؤسسات الديمقراطية، وجعل المجر عضواً أميناً في الاتحاد الأوروبي الذي تنتمي إليه منذ عام 2004.

اتهامات بالتدخل

وقال دانيال باشتور (60 عاماً) خلال لقاء انتخابي آخر أُقيمَ الجمعة: «من المهم أن تبدأ فعلاً حقبة جديدة، وأن تولد مجر جديدة قابلة للعيش». لكنّ لسائق سيارة الأجرة الخمسيني أتيلا شوكه رأياً مناقضاً، إذ اعتبر خلال تجمع انتخابي لأوربان الخميس أن «فوز (تيسا) سيكون أمراً فظيعاً بالنسبة للمجر».

وتتخوف المعارضة المجرية من أن يرفض أوربان الاعتراف بنتائج الانتخابات، فيما برزت اتهامات بتدخل روسي وبلجوء «فيديش» إلى شراء الأصوات على نطاق واسع. وردّ أوربان باتهام حزب «تيسا» بأنه «يتآمر مع أجهزة استخبارات أجنبية» للتلاعب بالنتائج.


روسيا وأوكرانيا تتبادلان اتهامات انتهاك «هدنة الفصح»

سكان يحملون سلالهم المليئة بالكعك والبيض التقليديين في أثناء مرورهم بمعرض للمعدات العسكرية الروسية المدمرة خلال احتفالات عيد الفصح في كييف الأحد (أ.ف.ب)
سكان يحملون سلالهم المليئة بالكعك والبيض التقليديين في أثناء مرورهم بمعرض للمعدات العسكرية الروسية المدمرة خلال احتفالات عيد الفصح في كييف الأحد (أ.ف.ب)
TT

روسيا وأوكرانيا تتبادلان اتهامات انتهاك «هدنة الفصح»

سكان يحملون سلالهم المليئة بالكعك والبيض التقليديين في أثناء مرورهم بمعرض للمعدات العسكرية الروسية المدمرة خلال احتفالات عيد الفصح في كييف الأحد (أ.ف.ب)
سكان يحملون سلالهم المليئة بالكعك والبيض التقليديين في أثناء مرورهم بمعرض للمعدات العسكرية الروسية المدمرة خلال احتفالات عيد الفصح في كييف الأحد (أ.ف.ب)

تبادلت أوكرانيا وروسيا، الأحد، اتهامات بخرق هدنة قائمة لمناسبة عيد الفصح الأرثوذكسي مئات المرّات، ورفض الكرملين تمديدها ما لم توافق كييف على شروطه.

وكانت الهدنة قد بدأت، السبت، عند الساعة الرابعة بعد الظهر (13:00 ت غ) على أن تستمر 32 ساعة، واتفق الطرفان على وقف الأعمال الحربية لمناسبة العطلة بعدما وافق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الخميس، على مقترح قدّمه نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبل أكثر من أسبوع، مؤكداً أن كييف سترد بالمثل على أي انتهاك روسي. وأعلن زيلينسكي، السبت، أنه سيكون من الصواب تمديد وقف إطلاق النار، موضحاً أنه قدّم هذا الاقتراح إلى موسكو.

وفي المقابل، استبعد الكرملين هذا الاحتمال، الأحد، مشترطاً موافقة كييف على شروط موسكو لإنهاء الحرب التي اندلعت إثر غزو روسي واسع النطاق لأوكرانيا عام 2022. وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف: «إلى حين امتلاك زيلينسكي الشجاعة لذلك، فإن العملية العسكرية الخاصة ستتواصل بعد انقضاء مهلة الهدنة».

وتستخدم روسيا عبارة «العملية العسكرية الخاصة» في حديثها عن هجومها على أوكرانيا. ورأى بيسكوف أن «السلام الدائم يمكن أن يأتي عندما نضمن مصالحنا، ونحقق الأهداف التي حددناها منذ البداية. يمكن القيام بذلك اليوم، لكن على زيلينسكي القبول بهذه الحلول المعروفة». وتطالب السلطات الروسية أوكرانيا بتنازلات سياسية وميدانية بينها الانسحاب الكامل من منطقة دونيتسك التي تسيطر موسكو عليها جزئياً. وترفض كييف هذه المطالب، معتبرة إياها استسلاماً.

أوكرانيون أمام شجرة مزينة ببيض عيد الفصح بمناسبة الاحتفال بعيد الفصح قرب كييف الأحد (إ.ب.أ)

أكثر من 3000 انتهاك

وكثيراً ما طالبت كييف بهدنة طويلة الأمد تسهل إجراء مفاوضات، لكن ترفض موسكو هذا المقترح معتبرة خصوصاً أن وقف إطلاق النار لمدة طويلة يتيح للجيش الأوكراني فرصة تعزيز قدراته. وكما كانت الحال خلال هدنة مماثلة، العام الماضي، شهدت الجبهة الممتدة على طول 1200 كيلومتر هدوءاً نسبياً.

وأفادت هيئة الأركان العامة للجيش الأوكراني في منشور صباح الأحد بأن روسيا انتهكت الهدنة 2299 مرة. وبعد دقائق، اتهمت وزارة الدفاع الروسية، القوات الأوكرانية بانتهاك وقف إطلاق النار 1971 مرة. وتبادل الجيشان اتهامات بشن مئات الضربات المدفعية والهجمات بطائرات مسيّرة وهجمات عسكرية. ورغم ذلك، لفتت هيئة الأركان العامة للجيش الأوكراني إلى أنه «لم تكن هناك ضربات صاروخية أو بقنابل جوية موجّهة أو بمسيّرات من طراز (شاهد)»؛ ما يشير إلى انخفاض نسبي في النشاط العسكري.

وعادة، تشن روسيا كل ليلة تقريباً مئات الهجمات على أوكرانيا بطائرات مسيّرة بعيدة المدى، وترد كييف بضرب الأراضي الروسية بعشرات الطائرات المسيّرة أيضاً. واتهم الجيش ومكتب المدعي العام في أوكرانيا، الأحد، القوات الروسية بإعدام 4 جنود أوكرانيين أُسروا، السبت، على الجبهة قرب قرية فيتيرينارني في منطقة خاركيف في شمال شرقي البلاد.

عناصر من القوات المسلحة الأوكرانية لدى احتفالهم بعيد الفصح الأرثوذكسي في منطقة خاركيف الأحد (أ.ف.ب)

«وهم»

نشر مراقبون عسكريون في موقع «ديب ستايت» المقرب من الجيش الأوكراني صوراً، مساء السبت، التقطتها طائرة مسيرة، تُظهر 4 أشخاص مستلقين على الأرض يرتدون زياً عسكرياً في منطقة حرجية، بينما يقف شخص آخر مسلحاً ويطلق النار عليهم، ولم يتسنَّ التحقق من صحتها.

وفي منطقة خاركيف في شمال شرقي أوكرانيا، قال اللفتنانت - كولونيل فاسيل كوبزياك (32 عاماً)، صباح الأحد، إن الأوضاع «هادئة نسبياً» في منطقته، حسبما نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية». وأفاد بأن وقف إطلاق النار لا يُطبّق «بشكل كامل»، لكنه لفت إلى أن تراجع حدة القتال سمح لجنوده بحضور قداس بمناسبة عيد الفصح في إحدى غابات المنطقة، بُعَيد فجر، الأحد، في ظلّ طقس شديد البرودة.

وفي منطقة كورسك الروسية المتاخمة لأوكرانيا، اتهم الحاكم ألكسندر خينشتاين كييف بخرق الهدنة، السبت، من خلال مهاجمة محطة وقود في بلدة لغوف بطائرة مسيّرة؛ ما أسفر عن جرح 3 أشخاص، بينهم رضيع. ومن جانبه، اتهم رئيس إدارة منطقة سومي الأوكرانية في شمال شرقي البلاد أوليغ غريغوروف الجيش الروسي بمهاجمة سيارة إسعاف بطائرة مسيّرة، ليل السبت - الأحد، ما أسفر عن جرح 3 مسعفين.

وفي مدينة زابوريجيا الكبيرة في جنوب شرقي أوكرانيا التي تبعد حالياً نحو 20 كيلومتراً عن الجبهة، قالت البائعة فيكتوريا (21 عاماً) لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن هذه الهدنة مجرد «وهم». وفي الأشهر الأخيرة، فشلت جولات عديدة من المحادثات بقيادة الولايات المتحدة في تقريب وجهات نظر الطرفين للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، وتعثّرت العملية بشكل متزايد مع تحوّل اهتمام واشنطن إلى إيران.

وأودت الحرب بمئات آلاف الأشخاص، وأجبرت الملايين على النزوح؛ ما يجعلها النزاع الأكثر عنفاً وحصداً للأرواح في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.