الخلافات الفرنسية - الألمانية تُعطّل «مُحرّك» الاتحاد الأوروبي

العلاقات بين ماكرون وميرتس «باردة»... ومشروعهما الدفاعي مُهدّد

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس فرنسا إيمانويل ماكرون في قلعة ألدن بيزن خلال اجتماع غير رسمي لقادة الاتحاد الأوروبي (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس فرنسا إيمانويل ماكرون في قلعة ألدن بيزن خلال اجتماع غير رسمي لقادة الاتحاد الأوروبي (رويترز)
TT

الخلافات الفرنسية - الألمانية تُعطّل «مُحرّك» الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس فرنسا إيمانويل ماكرون في قلعة ألدن بيزن خلال اجتماع غير رسمي لقادة الاتحاد الأوروبي (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس فرنسا إيمانويل ماكرون في قلعة ألدن بيزن خلال اجتماع غير رسمي لقادة الاتحاد الأوروبي (رويترز)

في 25 مارس (آذار) من عام 1957، وُقّعت في روما معاهدة إطلاق «المجموعة الاقتصادية الأوروبية» التي تحوّلت مع مرور العقود إلى الاتحاد الأوروبي كما نعرفه اليوم، والذي يضُمّ 27 دولة بعد أن خرجت منه بريطانيا في عام 2020.

في البداية، كانت «المجموعة» مُشكّلة فقط من ستة بلدان مؤسسة هي: فرنسا وألمانيا الغربية وإيطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ. انضمت إليها تباعاً الدول الأخرى، خصوصاً تلك التي خرجت من عباءة حلف وارسو بعد انهياره في عام 1991. لكن المعطى الثابت منذ نحو 70 عاماً أن فرنسا وألمانيا كانتا تعدان «مُحرّك» التكتل الأوروبي: الأولى تمتلك السلاح النووي، وهي الوحيدة داخل «الاتحاد» بعد «البركسيت» البريطاني، والثانية تتميز بكونها أكبر اقتصاد في المنطقة الأوروبية.

برلين وباريس... تاريخ حروب وشراكة

واللافت لدى خبراء العلاقات الفرنسية - الألمانية التي عانت من سلسلة حروب طاحنة، في عهد الإمبراطورين نابليون الأول ونابليون الثالث، ثم إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية، أن الطرفين نجحا منذ أوائل خمسينيات القرن الماضي في قلب الصفحات الدامية، والدخول في عملية تصالح وتعاون أثمرت رعاية قيام التكتل الأوروبي.

بوتين مع ميركل وماكرون في مناسبة سابقة (رويترز)

وكان ذلك بفعل الحاجة من جهة، ولكن أيضاً بفضل التفاهم بين الثنائي الحاكم في البلدين. فالعلاقات التي نسجها الجنرال ديغول والمستشار أديناور مهدت طريق الحوار والتعاون لمن خلفهما. وبعد الثنائي المذكور، برز ثنائي آخر بين الرئيس فاليري جيسكار ديستان والمستشار هيلموت شميدت، ثم ثنائي فرنسوا ميتران وهيلموت كول. وهكذا دواليك، وصولاً إلى الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون الذي عرف ثلاثة مستشارين: أنغيلا ميركل وأولاف شولتس وفريدريش ميرتس.

مع الأولى، كانت علاقات ماكرون جيدة بشكل عام؛ إذ أطلقا معاً إصلاحات اقتصادية ومالية ومشاريع دفاعية، أبرزها في عام 2017 مشروع إنتاج طائرة المستقبل القتالية. كذلك تعاونا معاً لمواجهة جائحة «كوفيد-19»، وأبرز ما قاما به استدانة جماعية لمبلغ 750 مليار يورو عن طريق مفوضية الاتحاد لدعم الاقتصاد الأوروبي المهتز.

علاقات معقدة بين ماكرون وميرتس

بيد أن وصول أولاف شولتس الاشتراكي إلى المستشارية غيّر الوضع. ماكرون وشولتس لم ينجحا في بناء علاقة شخصية قوية لاختلاف المزاج بين الرجلين، وبسبب «البرودة» التي تميز بها الثاني. لكن ماكرون استفاد من الوضع الجديد ليطرح نفسه، مع انطلاق الحرب الروسية على أوكرانيا، «زعيماً» لأوروبا، إلا أن وصول ميرتس، المنتمي إلى الحزب المسيحي الديمقراطي، قلب الوضع رأساً على عقب؛ إذ إنه نافس ماكرون منذ اليوم الأول.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس متوسّطاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في ميونيخ يوم 13 فبراير (أ.ب)

ويوماً بعد يوم، كانت تظهر التشققات في العلاقات بين طرفَي «المُحرّك» الأوروبي. فمن جهة، تأخذ برلين على باريس سياستها الاقتصادية التي تعتبرها «كارثية»، وعنوانها نسبة المديونية الفرنسية قياساً بالناتج الداخلي الخام، والتي تُعدّ من الأسوأ داخل الاتحاد الأوروبي.

كذلك، ترفض ألمانيا المقترح الفرنسي القاضي بتكرار الاستدانة الجماعية. وتعثّرت العلاقات بين الجانبين إلى درجة أن وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، المعروف بتحفظه، لم يتردد في انتقاد غياب الإصلاحات الاقتصادية والمالية الفرنسية، وضعف الاستثمارات الفرنسية في ميدان الدفاع قياساً بما أقرّته ألمانيا، ومن ذلك تخصيص 86 مليار يورو للنفقات الدفاعية العام الحالي، والتخطيط للوصول إلى 150 ملياراً في عام 2029، في حين أن الميزانية الدفاعية الفرنسية تبلغ، بشق الأنفس، 57 مليار يورو للعام الحالي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه يوم 6 يناير (د.ب.أ)

ثمة مسائل أخرى تواجَه فيها الطرفان؛ فالرئيس الفرنسي كان من بين أبرز الذين أجهضوا، نهاية العام الماضي، مشروع استخدام الأصول المالية الروسية المجمدة في أوروبا، خصوصاً في بلجيكا، لتقديم قروض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، الأمر الذي أجبر المفوضية على استدانة المبلغ من الأسواق المالية. وكان ميرتس من أهم المتحمسين والدافعين للاستحواذ مؤقتاً على الأصول الروسية.

كذلك، فإن ماكرون كان من أشدّ الرافضين لإبرام معاهدة التجارة الحرة مع دول أميركا الجنوبية، المعروفة بـ«ميركوسور»؛ لأن باريس اعتبرت أنها تمسّ بمصالح فئة من المزارعين الفرنسيين، في حين أن برلين كانت تدفع للسير بها بقوة؛ لما تفتح أمام صناعاتها، خصوصاً صناعة السيارات، من أسواق في الجزء الجنوبي من القارة الأميركية. وفي المقابل، فإن ميرتس أجهض رغبة ماكرون في الاستدانة الجماعية مجدداً لدعم الاقتصاد الأوروبي.

صعوبات بناء الصناعات الدفاعية المشتركة

مع عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض بداية عام 2025، واستشعار الأوروبيين أن التزام واشنطن بالحلف الأطلسي لم يعد كما كان في السابق، وجد ماكرون أن دعوته لبناء قوة أوروبية تدافع عن مصالح أوروبا أخذت تلقى آذاناً صاغية.

وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس (يميناً) يفحص غواصة مسيّرة خلال زيارته مركزاً للابتكار تابعاً للجيش الألماني في منطقة إردينغ بالقرب من مدينة ميونيخ جنوب ألمانيا (أ.ف.ب)

وكانت باريس قد صُدمت من مشروع ألماني سابق يقوم على بناء «درع الفضاء الأوروبي» المخصص لحماية السماء الأوروبية من الصواريخ والمسيّرات. المشروع أطلقته برلين في سبتمبر (أيلول) من عام 2022، ووصل عدد المشاركين فيه إلى 20 بلداً ليست فرنسا من بينهم. ويتميز المشروع بالرغبة في الإسراع ببناء «الدرع» عن طريق الاستفادة من أنظمة الدفاع الجوي المتوافرة في السوق الدولية، من غير التركيز على الصناعات الدفاعية الأوروبية. وأبرز نظامين دفاعيين لجأ إليهما القائمون بالمشروع، بقيادة ألمانية، هما نظام «باتريوت باك 3ـ إم إس إي» الذي تنتجه شركتا «رايتن» و«لوكهيد مارتن» الأميركيتين، وهو نظام للدفاع الجوي متوسط المدى. ونظام «أروــ 3» الإسرائيلي للدفاع الجوي والفضائي للمستويات المرتفعة الذي تنتجه شركة «الصناعات الفضائية الإسرائيلية» بالاشتراك مع شركة «بوينغ». والطرف الأوروبي الوحيد هو شركة «دييل ديفانس» الألمانية للدفاع الجوي المنخفض والمتوسط.

إجهاض مشروع طائرة المستقبل القتالية

ما سبق يميط اللثام عن صعوبة السير بصناعات دفاعية مشتركة على المستوى الأوروبي. لكن ثمة مشروع آخر يُبيّن صعوبة التعاون الفرنسي - الألماني، والذي احتلّ حيّزاً وافراً من الصحافة الأوروبية خلال الأسبوع الماضي.

سرب طائرات «رافال» فرنسية الصنع في تمرين «أوريون 26» قرب قاعدة سان نازيرن يوم 19 فبراير (رويترز)

ذلك أنه بعد 9 سنوات على إطلاق برنامج فرنسي - ألماني طموح يقوم على بناء طائرة قتالية من الجيل الجديد (نظام القتال الجوي المستقبلي)، بقيمة تبلغ 100 مليار يورو، يبدو اليوم أنه في طريقه إلى الانهيار بسبب الخلافات بين باريس وبرلين، وأيضاً بين الشركات الضالعة في المشروع.

وسرت معلومات في الأيام القليلة الماضية أن برلين تسعى لشراء 35 طائرة من طراز «إف-35» المتطورة من الولايات المتحدة، ما يعني أنها قلبت صفحة الطائرة القتالية المستقبلية التي كان من المفترض أن تدخل الخدمة في عام 2040. كذلك، ثمة معلومات تتحدث عن احتمال أن تلتحق برلين ببرنامج منافس بريطاني - إيطالي - ياباني إذا تبين لها أنه يصعب التغلب على الهوة القائمة بينها وبين باريس.

وكانت إسبانيا قد انضمت إلى المشروع الثنائي في عام 2019، إلا أن صوتها يبدو ضعيفاً إزاء العاصمتين الكبريين.

حقيقة الأمر أن شركة «داسو للصناعات الجوية» الفرنسية التي تصنّع طائرة «رافال» القتالية، تجد نفسها اليوم في وضع المهيمن، نظراً للنجاحات التي حصدتها «رافال» في السنوات الماضية. وآخر نجاحاتها سيكون توقيع عقد بين باريس ونيودلهي قريباً لتزويد الهند بـ114 طائرة «رافال»، إضافة إلى 35 طائرة أخرى تنطلق من حاملات الطائرات.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي يتصافحان عقب مؤتمرهما الصحافي في مدينة مومباي يوم 17 فبراير (أ.ب)

وسبق لـ«داسو» أن باعت طائرتها إلى مصر والإمارات واليونان وصربيا، وإلى العديد من الدول الأخرى. كما أنها المزود الوحيد للجيش الفرنسي. ولذا، تعتبر «داسو» أن قيادة مشروع الطائرة المشتركة يجب أن يعود إليها حكماً، باعتبار أن الجانب الألماني وإن كان يملك حصة في شركة «بوينغ» للطائرات التجارية، فإنه لا يمتلك الخبرة الضرورية لبناء الطائرات القتالية.

وإذا فرط عقد الطائرة المشتركة، فإن الأوروبيين سيجدون أنفسهم في منافسة أوروبية داخلية حامية لإنتاج طائرة المستقبل، الأمر الذي سينعكس على طموحاتهم لبناء صناعات دفاعية موحدة يُفترض أن تشكل البنية الأساسية لقيام دفاع أوروبي مشترك، والسير نحو الاستقلالية الاستراتيجية.


مقالات ذات صلة

أوكرانيا تستهدف مصفاة نفط كبرى في أكبر هجوم على موسكو منذ أعوام

أوروبا بناية تعرضت للهجوم الأوكراني بالمسيرات (رويترز) p-circle

أوكرانيا تستهدف مصفاة نفط كبرى في أكبر هجوم على موسكو منذ أعوام

أوكرانيا تستهدف مصفاة نفط كبرى في أكبر هجوم على موسكو منذ أعوام، وزيلينسكي يهدد بحرق العاصمة الروسية إذا استمرت الهجمات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا مُسيّرة أوكرانية (رويترز)

بريطانيا تورّد لأوكرانيا 150 ألف طائرة مُسيرة ضمن حزمة تمويل

قال دان جارفيس، وزير الدفاع البريطاني، اليوم، خلال اجتماع مجموعة الاتصال المعنية بالدفاع عن أوكرانيا في بروكسل إن بلاده ستُزود أوكرانيا بعدد 150 ألف طائرة مسيرة

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
شؤون إقليمية جانب من اجتماع وزراء دفاع دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) في بروكسل الخميس (وزارة الدفاع التركية)

تركيا تؤكد وجود قضايا مطروحة على قمة الناتو تتطلب حضور ترمب

أكدت تركيا أن قضايا مطروحة على قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) التي ستستضيفها في يوليو (تموز) المقبل لا يمكن اتخاذ قرارات بشأنها دون حضور الرئيس الأميركي ترمب

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا ميرتس يهدي ترمب قميصاً للمنتخب الألماني يحمل رقم «47» (إ.ب.أ) p-circle

قمة «السبع» تتوافق على تسليح أوكرانيا وتنظيم الذكاء الاصطناعي وحماية القاصرين رقمياً

قمة «السبع» تتوافق على تسليح أوكرانيا وتنظيم الذكاء الاصطناعي وحماية القاصرين رقمياً... والمستشار الألماني يشيد بالوحدة عبر الأطلسي

«الشرق الأوسط» (إيفيان(فرنسا) )
أوروبا صورة تذكارية للقادة المشاركين في قمة مجموعة السبع في إيفيان لي بان بفرنسا (أ.ب)

مجموعة «السبع» تصعّد الضغط على روسيا لإنهاء «حرب أوكرانيا»

اتفق قادة «مجموعة السبع»، أمس الثلاثاء، على تكثيف الضغوط على روسيا لإنهاء الحرب المتواصلة منذ أكثر من أربع سنوات على أوكرانيا.

ميشال أبونجم (باريس)

أوكرانيا تستهدف مصفاة نفط كبرى في أكبر هجوم على موسكو منذ أعوام

قال عمدة موسكو سيرغي سوبيانين إن عدة طائرات مسيرة استهدفت مصفاة نفط موسكو الواقعة في الضواحي الجنوبية الشرقية للعاصمة (إ.ب.أ)
قال عمدة موسكو سيرغي سوبيانين إن عدة طائرات مسيرة استهدفت مصفاة نفط موسكو الواقعة في الضواحي الجنوبية الشرقية للعاصمة (إ.ب.أ)
TT

أوكرانيا تستهدف مصفاة نفط كبرى في أكبر هجوم على موسكو منذ أعوام

قال عمدة موسكو سيرغي سوبيانين إن عدة طائرات مسيرة استهدفت مصفاة نفط موسكو الواقعة في الضواحي الجنوبية الشرقية للعاصمة (إ.ب.أ)
قال عمدة موسكو سيرغي سوبيانين إن عدة طائرات مسيرة استهدفت مصفاة نفط موسكو الواقعة في الضواحي الجنوبية الشرقية للعاصمة (إ.ب.أ)

نفّذت أوكرانيا، الخميس، هجوماً بطائرات مسيّرة على موسكو، في أكبر استهداف للعاصمة الروسية منذ سنوات، مما أدى إلى اندلاع حرائق داخل المدينة وفي محيطها، وشمل الهجوم مصفاة نفط كبرى وتسبب بإجلاء ركاب من أكبر مطارات العاصمة، فيما حذر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في رسالة صوتية قائلاً: «إذا احترقت أوكرانيا، فستحترق موسكو».

مصفاة نفط تابعة لشركة «غازبروم» الروسية في موسكو واقعة على مشارفها الجنوبية الشرقية (أ.ف.ب)

وأكد مسؤولون روس الهجوم غير المسبوق على العاصمة الروسية، واعتبرته وكالة «تاس» الروسية للأنباء الأكبر على موسكو منذ عامين على الأقل. وقال عمدة موسكو، سيرغي سوبيانين، إن عدة طائرات مسيرة استهدفت مصفاة نفط موسكو الواقعة في الضواحي الجنوبية الشرقية للعاصمة، وللمرة الثانية خلال أسبوع، وأعلنت وزارة النقل الروسية عن تعليق الرحلات الجوية في المطارات الأربعة الرئيسية في العاصمة.

وهدّدت روسيا بشن مزيد من الضربات على أوكرانيا، الخميس، بعدما استهداف موسكو. ورداً على سؤال حول الهجوم، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ⁠الخميس، ​إن روسيا ⁠ستنفذ «ضربات ⁠منسقة واسعة ‌النطاق ‌بشكل ​منتظم» ‌عقب الهجوم ‌الأوكراني. وقال إن الرئيس فلاديمير بوتين سبق أن أعلن أن موسكو «ستشن ضربات واسعة النطاق بشكل منتظم» على أوكرانيا، لافتاً إلى أن الجيش الروسي «ينفذ ذلك وسيواصل القيام به»

وقال الرئيس الأوكراني إن الهجمات المكثفة بالطائرات المسيرة على روسيا جاءت رداً على غارة ألحقت أضراراً بدير تاريخي في كييف، هذا الأسبوع، مضيفاً أن «موسكو ستحترق» إذا استمرت الهجمات الروسية. وأضاف: «نحن لا نريد هذه الحرب، ولم نرغب فيها أبداً، والجميع يعلم ذلك، وشركاؤنا يعلمون ذلك». وقال زيلينسكي إن «الأهم هو أن يبدأ الشعب الروسي أن يشعر بأن شخصاً واحداً، بوتين، يخوض هذه الحرب، في حين يدفع الناس العاديون الثمن كاملاً»، مضيفاً في تسجيل صوتي: «لا نريد هذه الحرب ولم نردها أبداً... لكن إذا كانت أوكرانيا تحترق، فموسكو ستحترق أيضاً».

واستخدمت أوكرانيا عشرات الطائرات المسيرة في الهجوم الليلي. وقالت «وكالة الصحافة الفرنسية» إن مراسليها شاهدوا أعمدة كبيرة من الدخان الأسود في سماء موسكو، بينما شوهدت ألسنة اللهب تشتعل في قسم من منشأة نفطية في منطقة كابوتنيا الجنوبية، واستمر الحريق في المصفاة طوال الفترة الصباحية.

بوتين ⁠خلال اجتماع مع ⁠مسؤولين ‌عسكريين ‌الجمعة ⁠(رويترز)

وأظهرت صور ومقاطع مصورة نشرتها وسائل إعلام روسية اندلاع حرائق هائلة في المصفاة، الواقعة على بعد نحو 15 كيلومتراً (9 أميال) من الكرملين. وجاء الهجوم بعد ساعات من إعلان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أنه أجرى «اتصالاً تنسيقياً مهماً» مع رئيسي الولايات المتحدة وفرنسا، وأنه حصل على تعهدات رئيسية بتقديم المزيد من الدعم من قمة مجموعة السبع خلال الأسبوع الحالي.

وقال زيلينسكي إنه أجرى اتصالاً آخر مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب الروسية في أوكرانيا. وكتب زيلينسكي على منصة «إكس»، في وقت متأخر من مساء الأربعاء: «كان اتصالاً تنسيقياً مهماً يمكن أن يحدث تغييراً كبيراً»، دون أن يقدم مزيداً من التفاصيل. وأضاف: «أشكر الرئيس ترمب على اهتمامه بأوكرانيا واستعداده للمساعدة في تقريب السلام». وكان زيلينسكي التقى ترمب وماكرون على هامش قمة مجموعة السبع في مدينة إيفيان الفرنسية، حيث كانت الحرب في أوكرانيا من بين الموضوعات التي نوقشت خلال القمة.

بوتين في قمة «آسيان» (أ.ف.ب)

وقال مسؤولون أوكرانيون، في ساعة مبكرة من صباح الخميس، إن روسيا أطلقت عدة صواريخ على أهداف داخل أوكرانيا، بما في ذلك العاصمة كييف. وقال الحاكم العسكري لكييف، تيمور تكاتشينكو، عبر تطبيق «تلغرام»: «العدو يهاجم العاصمة بصواريخ باليستية». وسمع دوي عدة انفجارات في وسط كييف، وفق ما أفاد مراسل لـ«وكالة الأنباء الألمانية». وقالت القوات الجوية الأوكرانية إن صاروخين على الأقل كانا في طريقهما نحو كييف، بينما تم توجيه صاروخ آخر إلى منطقة بولتافا وسط البلاد.

وتتزامن هذه الضربات مع استضافة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قادة من جنوب شرقي آسيا ضمن قمة روسيا (آسيان) المنعقدة في مدينة كازان التي تبعد نحو 700 كيلومتر شرق موسكو. وبعد ساعات من الهجوم، ظهر بوتين في صورة جماعية مع عدد من القادة خلال القمة، من دون أن يتطرق في كلمته الافتتاحية إلى الضربة الأوكرانية.

ويحرص بوتين منذ سنوات على إبراز الاستقرار في روسيا، رغم التداعيات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن الحرب المستمرة على أوكرانيا منذ أربع سنوات. وبعد أن شنت كييف هجمات مماثلة على سانت بطرسبرغ في وقت سابق من هذا الشهر، ووعد بوتين بتعزيز الدفاعات الجوية. وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، فرضت الهيئة الفيدرالية للطيران في روسيا حظراً على المسيرات المدنية والطائرات الخفيفة حول المجال الجوي لموسكو، على خلفية هذه الهجمات.

قالت السلطات الروسية إن أكثر من 200 مسيرة أوكرانية هاجمت موسكو (إ.ب.أ)

وقال يوري أوشاكوف، مستشار الكرملين للشؤون الخارجية، الخميس، إن القادة الأوروبيين ربما يكونون قد «شحنوا» الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأفكار مضرة خلال قمة مجموعة السبع التي عقدت هذا الأسبوع، لكنه أشار إلى أن ترمب زعيم قوي يتمسك بأفكاره.

وذكر ترمب أن على روسيا أن تعقد سلاماً مع أوكرانيا، بعد أن عقد لقاء «جيداً جداً» مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الثلاثاء. وبثت التصريحات تفاؤلاً حذراً بين قادة مجموعة السبع بإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام.

وأضاف أوشاكوف أنه يعتقد أن ترمب تلقى معلومات مضللة حول الوضع في أوكرانيا خلال القمة، وأن موسكو لا تزال تنتظر زيارة من مبعوثَي ترمب - ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر - على الرغم من عدم تحديد موعد لذلك حتى الآن.

عدة طائرات مسيرة استهدفت مصفاة نفط موسكو الواقعة في الضواحي الجنوبية الشرقية للعاصمة (أ.ف.ب)

وتابع أوشاكوف للتلفزيون الحكومي الروسي: «يمكن الافتراض أن ترمب قد تم شحنه... بأفكار مضرة. وندرك أن الأوروبيين يمارسون تأثيراً غير مفيد في هذا الصدد».

ومضى قائلاً: «ترمب سياسي قوي ويتمسك بآرائه. لقد علق على بعض الأمور وأبقى أموراً أخرى لنفسه. فلننتظر ونرَ كيف ستتطور الأمور».

وأكد زيلينسكي وحلفاؤه الأوروبيون لترمب أنهم يعتقدون أن حظوظ أوكرانيا في ساحة المعركة تحسنت بفضل توغلاتها بطائرات مسيرة في روسيا. وقال أوشاكوف إن هذا «غير صحيح على الإطلاق».

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيسة الوزراء يوليا سفيريدنكو يتفقدان كنيسة «دير كييف بيشيرسك لافرا» التي أصيبت بهجوم روسي على كييف أمس (أ.ف.ب)

وقال وزير الخارجية الأوكراني، أندريه سيبيها، عبر منصة «إكس»، إن «أحد أكثر الأسئلة تداولاً بين سكان موسكو هذا الصباح: ماذا يحدث؟ أستطيع أن أجيب: لقد شنت بلادكم حرباً عدوانية ضد بلادنا. ولسنوات، وهي تقتل شعبنا. والآن بعدما عرفتم ما يحدث، اسألوا بوتين متى يعتزم إنهاء هذه الحرب».

من جانبها، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن دفاعاتها الجوية أسقطت 555 طائرة مسيرة أوكرانية فوق مناطق متعددة، خلال الليل، حيث تم اعتراض نحو 200 طائرة لدى اقترابها من العاصمة الروسية

ودعا زيلينسكي أوروبا والولايات المتحدة إلى زيادة الضغط على روسيا من خلال فرض عقوبات على قطاعي الدفاع والطاقة الروسيين، وعلى الاقتصاد الروسي بشكل عام، لإجبار الرئيس فلاديمير بوتين على إنهاء الحرب. وتابع: «على الجميع ممارسة الضغط على بوتين: الأوكرانيون وجميع الأوروبيين دون استثناء والأميركيون والروس، حان وقت الاستفاقة وممارسة الضغط على زعيمهم».

ومن المقرر أن يتوجه زيلينسكي إلى بروكسل في وقت لاحق الخميس، لإجراء محادثات مع قادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي، بما في ذلك مناقشات حول إمكانية إنشاء منظومة دفاعية قارية للحماية من الصواريخ الباليستية.

بناية تعرضت للهجوم الأوكراني بالمسيرات (رويترز)

ويلتقي قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، الخميس، في قمة تستمر يومين تركز على الدعم لأوكرانيا، والموازنة المقبلة طويلة الأمد للاتحاد الأوروبي والتحديات الاقتصادية العالمية. وشهدت أوكرانيا موجة من الدعم الجديد من الاتحاد الأوروبي بعدما رفعت المجر اعتراضها على العديد من المبادرات التي تتراوح بين افتتاح محادثات انضمام رسمية وتبني قرض قيمته 90 مليار يورو (104.5 مليار دولار) لكييف.


بريطانيا تورّد لأوكرانيا 150 ألف طائرة مُسيرة ضمن حزمة تمويل

مُسيّرة أوكرانية (رويترز)
مُسيّرة أوكرانية (رويترز)
TT

بريطانيا تورّد لأوكرانيا 150 ألف طائرة مُسيرة ضمن حزمة تمويل

مُسيّرة أوكرانية (رويترز)
مُسيّرة أوكرانية (رويترز)

قال دان جارفيس، وزير الدفاع البريطاني، اليوم الخميس، خلال اجتماع مجموعة الاتصال المعنية بالدفاع عن أوكرانيا في بروكسل، إن بلاده ستُزود أوكرانيا بطائرات مُسيرة يبلغ عددها 150 ألفاً، بحلول نهاية عام 2026، ضِمن حزمة تمويل بقيمة 752 مليون جنيه إسترليني (996 مليون دولار).

وتضم الحزمة، التي يموّلها قرض بريطاني لأوكرانيا بقيمة 2.26 مليار جنيه إسترليني، 350 صاروخاً للدفاع الجوي، إضافة إلى أنظمة رادار أرضية.

وهذا القرض مدعوم بعائدات أصول سيادية روسية مجمَّدة.

والتقى جارفيس، الذي شارك في رئاسة الاجتماع مع نظيره الألماني، بوزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، ووزراء دفاع آخرين؛ بينهم وزيرا الدفاع الفرنسي والأوكراني.


مدينة باريس تمنح المدنيين والصحافيين الفلسطينيين المواطنة الفخرية

رئيس بلدية باريس إيمانويل غريغوار (أ.ف.ب)
رئيس بلدية باريس إيمانويل غريغوار (أ.ف.ب)
TT

مدينة باريس تمنح المدنيين والصحافيين الفلسطينيين المواطنة الفخرية

رئيس بلدية باريس إيمانويل غريغوار (أ.ف.ب)
رئيس بلدية باريس إيمانويل غريغوار (أ.ف.ب)

منحت مدينة باريس، الخميس، المواطنة الفخرية للمدنيين والصحافيين الفلسطينيين، وهي خطوة لطالما طالب بها جزء من الغالبية اليسارية في مجلس العاصمة الفرنسية.

وقال رئيس بلدية العاصمة الاشتراكي إيمانويل غريغوار أمام مجلس مدينة باريس، بحضور سفيرة فلسطين هالة أبو حصيرة، إن «المواطنة الفخرية ليست رمزاً، بل هي التزام بالسلام. إننا نمد يدنا لشعب بأكمله».

وأضاف: «الاعتراف بمعاناة الشعب الفلسطيني لا يمحو معاناة الشعب الإسرائيلي»، في حين ينتقده سياسيون من اليمين لموقفه «غير المتوازن» الذي يستبعد في رأيهم الضحايا الإسرائيليين للنزاع.