مصر: لماذا يعدّ طلاب الغش «حقاً مكتسباً»؟

وزارة التربية والتعليم تكثّف إجراءاتها سنوياً للحد من الظاهرة

وزارة التربية والتعليم المصرية تكثّف إجراءاتها سنوياً للحد من ظاهرة الغش (صفحة وزارة التربية والتعليم)
وزارة التربية والتعليم المصرية تكثّف إجراءاتها سنوياً للحد من ظاهرة الغش (صفحة وزارة التربية والتعليم)
TT

مصر: لماذا يعدّ طلاب الغش «حقاً مكتسباً»؟

وزارة التربية والتعليم المصرية تكثّف إجراءاتها سنوياً للحد من ظاهرة الغش (صفحة وزارة التربية والتعليم)
وزارة التربية والتعليم المصرية تكثّف إجراءاتها سنوياً للحد من ظاهرة الغش (صفحة وزارة التربية والتعليم)

«المراقبين مفيش في قلوبهم رحمة»... كلمات غاضبة ردَّدتها طالبةٌ مصريةٌ تدرس في الصف الثالث الإعدادي، عبر مقطع فيديو، انتشر سريعاً على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية، تُعبِّر فيه عن استيائها وغضبها من تشدُّد المُراقبين داخل لجان الامتحانات بمحافظة الشرقية (دلتا مصر)، شاكيةً رفضهم السماح لها بالغش ولو في سؤال واحد، واصفة إياهم بأنهم «يفتقرون إلى الرحمة»، موضحة، وهي في حالة من الانزعاج، أن اللجان كانت صارمةً، مما حال دون تمكُّن الطلاب من الغش.

الكلمات الغاضبة، لم تجد تعاطفاً لدى رواد «السوشيال ميديا»، الذين تناقلوا المقطع فيما بينهم على نطاق واسع، وسط انتقادات وتساؤلات حول الدوافع وراء الرغبة الشديدة في الغش.

وتتصدَّر الحوادث المرتبطة بالغش عناوين الأخبار في مصر، التي كانت أحدثها ما شهدته مدرسة ابتدائية بمحافظة الفيوم (جنوب غربي القاهرة)، قبل أيام، من اعتداء ولي أمر تلميذ على مُعلم؛ لأن الأخير منع التلميذ من الغش خلال امتحانات نهاية العام الدراسي، فحضر والده إلى المدرسة وقام بنهر المعلم والتعدي عليه بالأيدي. سبقتها واقعةٌ بمدرسة إعدادية بمحافظة الغربية (دلتا مصر)، حيث أقدم طالبٌ على صفع مُعلم وضربه لمنعه من الغش في الامتحان.

وهي وقائع متكررة تشهدها المحافظات المصرية، مع تكثيف وزارة التربية والتعليم من إجراءاتها سنوياً للحدِّ من ظاهرة الغش في الامتحانات بالمراحل الدراسية كافة.

في ظل حديث الطلاب عن «استحقاق الغش»، يرى أستاذ العلوم والتربية بجامعة عين شمس المصرية، الدكتور محمد عبد العزيز، أن «ثقافة الغش» أصبحت ظاهرةً شائعةً بعدما كانت في الماضي تعدُّ وصمةً في حق الطالب، حيث كان النجاح والتفوُّق يعتمدان على الاجتهاد والسعي الحقيقي لإثبات الذات. أما اليوم، ومع تراجع الثقة في قيمة التعليم، فبات الهدف الأساسي للطلاب هو الانتقال من سنة إلى أخرى، ومن مرحلة إلى مرحلة أخرى، وبالتالي اللجوء للغش بوصفه حلاً سهلاً لتحقيق هذا الهدف.

وزير التربية والتعليم المصري يتفقد إحدى لجان امتحانات الثانوية العامة العام الماضي (صفحة وزارة التربية والتعليم)

ويضيف عبد العزيز لـ«الشرق الأوسط»: «انتشار الغش بين الطلاب لم يعد مجرد مخالفة تعليمية، بل هو انعكاس مباشر لأزمة فقدان الشغف بالتعليم، وهو ما يرجع لعوامل جوهرية عدة أدت إلى تراجع قيمة العملية التعليمية، أبرزها أن دور المدرسة بات محدوداً في تلقي العلم داخل الفصول، والمناهج الدراسية لا تثير اهتمام الطلاب ولا تلبي احتياجاتهم الفعلية، حيث يشعر الطالب بأن ما يدرسه لا يرتبط بحياته العملية أو طموحاته المستقبلية، مما يجعله يفقد الرغبة في التحصيل، ويلجأ إلى الغش بوصفه وسيلةً لضمان النجاح دون مجهود حقيقي».

ويوضح الخبير التربوي أن من المشكلات المتزايدة أيضاً أن الامتحانات تحوَّلت إلى تحدٍ صعب بدلاً من كونها وسيلةً لقياس فهم الطالب، وبعض واضعي الأسئلة باتوا يلجأون إلى «استعراض عضلاتهم» في صياغة أسئلة صعبة، مما يجعل الطالب يشعر وكأن الامتحان عقاب، مما يدفعه للبحث عن أي طريقة للنجاح، حتى لو كان ذلك عبر الغش.

ويشدِّد عبد العزيز على أن الحل لا يكمن في مزيد من الرقابة والتشديد على الطلاب، بل في إصلاح جذري للمنظومة التعليمية، بوجود نظام دراسي يلبي احتياجات الطلاب، ومدرسة ذات بيئة مُحفِّزة وجاذبة للطلاب، تقدِّم محتوى تعليمياً له قيمة حقيقية، عندها سيشعر الطالب بأن للتعليم معنى حقيقياً في حياته، ولن يكون هناك دافع لديه للجوء إلى الغش.

طالبات مصريات خلال امتحانات الثانوية العامة العام الماضي (صفحة وزارة التربية والتعليم)

بدوره، يرى أستاذ الاجتماع السياسي، الدكتور سعيد صادق، أن هناك هوساً مفرطاً بالدرجات العالية في مصر، حيث يضغط الأهالي على أبنائهم لتحصيلها، وهذا الضغط يولّد سلوكيات غير أخلاقية، من بينها الغش، وبمرور الوقت اعتاد الطلاب عليه حتى باتوا يعدّونه «حقاً مكتسباً»، ولا يرون فيه خرقاً للقواعد.

ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «أيضاً مع نظام تعليمي يعتمد على الاختبارات النهائية الصارمة، بات الغش بالنسبة لبعض الطلاب وسيلةً للتكيُّف مع الضغوط الدراسية وليس مجرد تحايل، حيث يرون فيه فرصةً لتجنب الفشل في ظل بيئة دراسية لا تتيح مساحةً كافيةً للفهم والاستيعاب، لكن هذا السلوك يؤدي إلى نتائج كارثية، حيث يُخرِّج إلى المجتمع أجيالاً غير مُؤهَّلة».

ترسيخ الغش

ويشير أستاذ علم الاجتماع إلى أن جزءاً من هذه المشكلة يعود لوزارة التربية والتعليم، حيث التراخي منذ عقود في التعامل مع هذه الظاهرة، إلى جانب تهاون بعض المراقبين في اللجان عبر السماح للطلاب بالغش، ما أورث ترسيخ ثقافة الغش، كما يرى أن من بين العوامل المؤثرة أيضاً، ردود فعل بعض أولياء الأمور، حيث شهدت بعض المدارس حالات اقتحام من الأهالي ومحاولة الاعتداء على المعلمين اعتراضاً على منع الغش، وهو ما يعكس اختلالاً في النظرة المجتمعية تجاه التعليم، حيث أصبحت الدرجات الهدف الأساسي، بغض النظر عن كيفية الحصول عليها.

ويرى صادق أنه في عصر التكنولوجيا، أصبحت أساليب الغش أكثر تطوراً، مع استخدام الهواتف الذكية، وسماعات البلوتوث، وطرق إلكترونية لتمرير الإجابات بين الطلاب، ولا تزال هناك ثغرات يستغلها بعض الطلاب للتحايل، مما جعل مكافحة ظاهرة الغش أكثر تعقيداً، رغم محاولات الجهات التعليمية تشديد الرقابة على الامتحانات.


مقالات ذات صلة

أكثر من تسلية… كيف تفيد ألعاب الطاولة الدماغ على المدى البعيد؟

يوميات الشرق ممارسة ألعاب الطاولة تُحسّن مهارات الحساب لدى الأطفال (بيكسلز)

أكثر من تسلية… كيف تفيد ألعاب الطاولة الدماغ على المدى البعيد؟

لطالما كانت ألعاب الطاولة نشاطاً أساسياً تجتمع حوله العائلات، أو وسيلة ممتعة للتواصل مع الأصدقاء في أمسية هادئة، ما دامت لا تُسبب فوضى أو جدالاً حول القواعد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم جامعة هارفارد الأميركية

أفقدت «هارفارد» الصدارة... الصين تتصدر الجامعات عالمياً وسط تراجع أميركي

حتى وقت قريب، كانت جامعة هارفارد تُعدّ أكثر جامعة بحثية إنتاجاً في العالم، وفق تصنيف عالمي يركز على النشر الأكاديمي، غير أن هذا الموقع بات مهدداً.

الاقتصاد وزير التعليم متحدثاً إلى الحضور في كلمته خلال مؤتمر التعدين الدولي (الشرق الأوسط)

السعودية بصدد إطلاق كلية تربط مخرجات التعليم بفرص استثمارات التعدين

وقعت وزارة التعليم ووزارة الصناعة والثروة المعدنية اتفاقية تعاون لإطلاق مشروع الكلية السعودية للتعدين، لتمثل انطلاقة جديدة من «التعليم المنتج».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي البابا ليو الرابع عشر خلال لقاء خاص مع فيليب لازاريني المفوض العام لوكالة الأونروا... في مدينة الفاتيكان يوم 12 يناير 2026 (إ.ب.أ)

مفوض «الأونروا»: طلبت دعم البابا ليو للحفاظ على خدمات الوكالة للاجئين الفلسطينيين

قال المفوض العام لوكالة الأونروا إنه طلب دعم البابا ليو الرابع عشر، بابا الفاتيكان، للحفاظ على خدمات الوكالة الحيوية للاجئين الفلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
المشرق العربي طلاب فلسطينيون نازحون يدرسون داخل خيمة بالقرب من «الخط الأصفر» الذي حددته إسرائيل في بيت لاهيا شمال قطاع غزة... 6 يناير 2026 (رويترز)

طلاب غزة يستأنفون الدراسة داخل خيام قرب «الخط الأصفر»

استأنف طلاب فلسطينيون دراستهم في قطاع غزة بخيام قرب «الخط الأصفر» بعد غياب عامين جراء الحرب.

«الشرق الأوسط» (غزة)

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».