الحرب الإسرائيلية تفتك بغزة اجتماعياً وأسرياً

طلاق وسرقات ونصب واحتيال وقتل لأسباب مختلفة

طفل فلسطيني يتناول طعاماً حصل عليه من إحدى التكيات في النصيرات (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني يتناول طعاماً حصل عليه من إحدى التكيات في النصيرات (أ.ف.ب)
TT

الحرب الإسرائيلية تفتك بغزة اجتماعياً وأسرياً

طفل فلسطيني يتناول طعاماً حصل عليه من إحدى التكيات في النصيرات (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني يتناول طعاماً حصل عليه من إحدى التكيات في النصيرات (أ.ف.ب)

لم تتوقع هناء (42 عاماً)، وهي فلسطينية من أهالي غزة، أن يقدم زوجها على طلاقها، بعد عمر أمضياه معاً، لمجرد أنها كانت تطلب منه توفير «مكان أفضل للنزوح»، وتوفير الطعام لأفراد عائلتهما المكونة من 7 أشخاص.

وربما تعبّر حالة هناء عن واقع آخر يعيشه الغزيون من تفكك أسري واجتماعي تسببت به الحرب الإسرائيلية على القطاع. وهذا واقع في غزة لا تنقله الصور التي لا تقف عند عمليات القتل الإسرائيلية وحالات التجويع والحرمان، وطوابير التكيات والمياه، وواقع القطاع الصحي المتدهور.

حالات طلاق، وسرقات، ونصب واحتيال، وقتل لأسباب مختلفة، إلى جانب الشجارات اليومية بسبب طوابير الحصول على المياه أو الطعام من التكيات، جميعها ظروف خلقتها الحرب وفرضتها على سكان غزة الذين كانوا يعيشون حياة أفضل قبل السابع من أكتوبر (تشرين أول) 2023، وقبل أن تنقلب حياتهم رأساً على عقب.

موجات نزوح

تشير هناء إلى أن طليقها يعمل موظفاً مدنياً في حكومة «حماس»، وبالكاد كان يستطيع توفير احتياجات المنزل بسبب صرف سلف مالية بسيطة جداً لهم. توضح أنهما انفصلا بعد موجات نزوح متكررة بدأت من مخيم جباليا قبل أكثر من عام، إلى جنوب القطاع، ثم عادوا إلى شمال القطاع بعد حياة مريرة في مناطق النزوح بمواصي خان يونس، ليعاودوا النزوح عدة مرات من جباليا إلى مدينة غزة.

قبيل طلاقها، لم تتحمل هناء، كما تقول لـ«الشرق الأوسط»، تلك الظروف، وتوجهت لمنزل والدها المتضرر جزئياً في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، وبقيت لعدة أيام هناك، وعند عودتها لزوجها وأبنائها في الخيمة التي يعيشون بها في ساحة أحد مراكز الإيواء بالمدينة، لم يحتمل زوجها كثرة طلبها مغادرة المكان لعدم ملاءمته لها.

فلسطينية تطهو لأطفالها في أحد مخيمات النزوح في غزة (رويترز)

تعترف هناء أن ساحة المركز صغيرة وتتعرض، مثلها مثل الكثير من النساء، للمضايقات من قبل بعض الرجال أو حتى القائمين في بعض الأحيان على إدارة مركز الإيواء بسبب حاجاتها وعائلتها للطعام من التكيات أو حتى في أثناء وقوفها على طابور المياه، في وقت يكون فيها زوجها مشغولاً بتوفير احتياجات أخرى، وفي حال لم يكن كذلك، هو من يتولى هذه المسؤوليات.

تقول هناء، إنها تحدثت مع زوجها كثيراً عن المضايقات التي تتعرض لها، لكنه كان باستمرار يقول لها ليس لدي ما أفعله، وبعد أيام طلبت منه البحث عن عمل أو حتى بيع بعض حاجيات الأطفال الصغار لجمع بعض الشواقل يومياً لتوفير احتياجاتهم بأقل القليل، لكنه في كل مرة كان يرفض ذلك حتى وصل بهم الحال إلى أنهم لا يجدون شيئاً يأكلونه سوى ما يتحصلون عليه من كمية بسيطة من الطعام من قبل التكيات.

وأشارت إلى أنه عندما تكرر طلبها هذا، قام بإلقاء يمين الطلاق عليها، وأمرها بالمغادرة فوراً إلى والدها دون عودة. وتقول هناء إن ما حصل معها هو نتيجة مباشرة للحرب التي باتت تؤثر على الكثير من العائلات وتسببت بتفككها فعلياً.

دمار نفسي

وإذا كانت الحرب حولت هناء إلى مطلقة، فإن ياسمين (38 عاماً) جعلتها الحرب أرملة وحملتها مسؤولية 6 أطفال أكبرهم لا يتجاوز الـ13 سنة من عمره. ياسمين، من عائلة معروفة في حي الزيتون جنوب مدينة غزة، رفضت ذكر اسمها كاملاً لأسباب اجتماعية، تقوم في كل صباح بتوزيع الأدوار على أطفالها بحثاً عن احتياجات حياتهم، مضطرةً لذلك بعد أن فقدت قدرتها على القيام بما يخدم أطفالها في أعقاب فقدانها لزوجها في قصف إسرائيلي سابق.

تقول ياسمين: «باتت حياتنا صعبة، وأبنائي لا يتلقون تعليمهم مثل أطفال العالم»، مشيرةً إلى أنها منذ مقتل زوجها باتت تتحمل أعباءً كبيرة، حتى باتت هي الأم والأب والأخ الكبير لأطفالها الذين تضطر في العديد من المرات للدخول في أزمات متلاحقة منها صعوبة توفير المال أو حل خلافات أطفالها مع أطفال آخرين، ما يشعل بينها وبين جيرانها خلافات كبيرة.

فلسطينية تحضر طعاماً في أحد مخيمات النزوح في غزة (رويترز)

وتضيف ياسمين: «هذه الحرب دمرتني نفسياً واجتماعياً، ولم يعد لي سند أو معيل، فأصبحت المعيلة لأطفالي الذين يتناوبون على الوقوف في طوابير التكيات ونقل المياه لنا منذ الساعة السادسة صباحاً وحتى ساعات العصر، وهم يتنقلون من مكان إلى آخر للحصول عليها».

تتابع ياسمين بصوت غلب عليه الوجع والقهر: «كل شخص هنا فقط ببحث عن نفسه وحياته. لا يوجد معيل أو سند يقف معنا مثل ما كان قبل الحرب الأخ بيقف إلى جانب أخيه أو أخته، والآن كلنا مشتتون ونعيش في مناطق بعضها بعيدة عن بعض».

ولا تُخفي ياسمين أن بعض أطفالها يضطرون في العديد من المرات إلى التسول في الشوارع من أجل الحصول على بعض الأموال البسيطة التي بالكاد تكفي لشراء كيلو من الطحين «الدقيق» أو توفير بعض الخضراوات التي تحتاج إليها العائلة للطعام في ظل حاجة أطفالها لذلك.

خيار التسول

تقول ياسمين: «ليس أمامي أي خيار سوى أن أطلب من أبنائي التسول... الفقر يقتلني أنا وأطفالي ولا نجد من يعيننا أو يساعدنا، لا أقارب ولا مؤسسات ولا غيرها»، مشيرةً إلى أنه قبل الحرب كان لدى زوجها محل تجاري صغير في الحي الذي كانت تقطن به، ولكنه دُمر مع منزل العائلة كما باقي المحال والمنازل في حي الزيتون المدمر بشكل شبه كامل.

وخلال جولة قصيرة بمدينة غزة، يمكن مشاهدة المئات من المتسولين، وهي أرقام لم تكن تسجل قبل الحرب التي زادت من صعوبة الأزمات الاقتصادية والحياتية بالنسبة للكثير من الغزيين الذين لا يجدون سبيلاً أفضل لحياتهم، مع فقدانهم لأدنى مقومات الحياة على مختلف الصعد.

تفكك أسري

وتقول رواء، وهو اسم لطفلة (14 عاماً)، تتسول باستمرار في حي الرمال، إن والدها هو من أجبرها على القيام بذلك، مشيرةً إلى أن لديها 3 أشقاء أطفال يتسولون في مناطق أخرى من أجل جمع المال؛ لأن والدهم لا يملك شيئاً، ولا يستطيع تقديم الطعام لهم.

رفضت رواء الحديث أكثر عن عائلتها خشيةً من أن يعرف والدها، لكنها أشارت إلى أن أمها أصبحت منفصلة عن والدها بسبب خلاف بينهما نشب خلال الحرب، فتأثرت العائلة بأكملها، ومنذ تلك اللحظة أصبح يجبرهم والدهم على التسول.

حي الرمال

وفي حي الرمال، أحد أرقى أحياء قطاع غزة قبل الحرب الإسرائيلية، يعيش عشرات آلاف النازحين من سكان شرق مدينة غزة، وشمال القطاع، في خيام وما تبقى من مبان ومحال تجارية فارغة، لكن هذه المنطقة تحولت في الأيام الأخيرة مسرحاً لعمليات قتل وإطلاق نار وإغلاق للشوارع، ما تسبب بحالة من الهلع والخوف في أوساط النازحين والسكان مع انتشار بعض المسلحين من الأطراف المتنازعة.

غالبية الخلافات التي أدت لهذا المشهد غير المعتاد بحي الرمال، خلاف إما على طوابير المياه وإما تكيات الطعام، وإما بسبب خلاف على وضع أماكن الخيام، وصولاً إلى قضايا اجتماعية عائلية، وما يمكن أن يوصف في بعضها أنه «يخدش الحياء»، وبعضها نتيجة نزعة عشائرية كانت حاضرة في قطاع غزة لسنوات خاصةً قبيل سيطرة «حماس» على القطاع، قبل نجاحها في نزع غالبية سلاح العشائر.

فلسطينيون يهربون مجدداً من قصف إسرائيلي طال جنوب قطاع غزة ة الأحد (أ.ب.ف)

ووفقاً لمصادر ميدانية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن 3 مواطنين قتلوا نتيجة تلك الأحداث في حي الرمال خلال الأيام القليلة الماضية، ما دفع مخاتير ووجهاء العوائل والعشائر للتدخل لمحاولة وضع حد لهذا الواقع المأساوي الذي يتولد يومياً نتيجة ما يصفه البعض بحالة «الاختناق البشري» من هذا الواقع القاسي.

بعيداً عن صورة القتل والشجارات اليومية، هناك داخل خيام النازحين قصص مؤلمة تعيشها عوائل قتلتها الحرب اجتماعياً، فتحول أطفالها مضطرون إلى متسولين، بينما بعضهم يقف في طوابير الحصول على المياه والطعام، في حين تعيش عائلات قصصاً أسوأ من ذلك.

فوارق الحياة

تقول الاختصاصية الاجتماعية والنفسية، فلسطين عابد، إن فوارق الحياة ما قبل وبعد الحرب كان لها تأثير على واقع تحمّل السكان للظروف القاهرة والقاسية التي يعيشونها حالياً، بين من استطاع تحمل موجات النزوح جزئياً بشكل قسري بعد أن أجبر على ذلك لعدم وجود خيارات أفضل اجتماعياً بالنسبة له، ومن لم يستطع ذلك خاصةً في حال كان يعيش في ظروف أفضل بكثير قبيل الحرب.

وتوضح عابد أن هذه الفوارق كان لها تأثير اجتماعي كبير، إلى جانب عدم توفر بيئة آمنة خاصةً للأطفال تحتضنهم مثل المدارس أو غيرها، ما أشعرهم أنهم كبروا قبل أوانهم، متحملين مسؤولية لا تطاق مثل الوقوف في طوابير للبحث عن بعض المياه أو الطعام، أو حتى إجبار بعضهم من عوائلهم على التسول بحثاً عن لقمة تسد رمقهم.

زواج الأرامل

ورأت عابد أن انتشار حالات الطلاق وحتى الزواج بمعدلات كبيرة أمر طبيعي في ظل أن هناك ظروفاً غير طبيعية نشأت بفعل الحرب، مشيرةً إلى أن هناك حالات طلاق بسبب أن بعض الرجال تزوجوا على سبيل المثال من أرامل أقاربهم الذين سقطوا ضحايا الحرب أو غيرها، ما دفع زوجاتهن الأساسيات لطلب الطلاق.

وأكدت عابد أن الحرب خلقت حالة من التصدع الأسري الذي أوجد مشكلات اجتماعية لا تحتمل ولا تحمد عواقبها ونتائجها على العوائل من جانب، والفرد والمجتمع بأكمله من جانب آخر، مشيرةً إلى مشاكل أخرى نشأت أيضاً نتيجة الحرب، مثل زيادة عدد المشردين وما نتج عنها من مشاكل أخلاقية مختلفة، إلى جانب ظهور أطفال في ثوب «اللصوص» واستغلالهم من قبل بعض الجهات، إلى جانب الاحتيال الإلكتروني، وعمليات النصب المتكررة، وغيرها من المشاكل الاجتماعية التي لا تعد ولا تحصى.

صراع البقاء

من جانبه، يقول الدكتور سمير زقوت، نائب مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان، إنه من الطبيعي ما خلقته الحرب الإسرائيلية بعد تدمير البنية التحتية والقطاعات الأساسية مثل الصحة وغيرها، إلا أن المجتمع الغزي يعدّ ما زال متماسكاً مقارنةً ربما بمجتمعات أخرى كان يمكن أن تقع في نفس الظروف بعد حرب طويلة منذ أشهر.

وأشار إلى أن إسرائيل كانت معنية بأن يصل سكان قطاع غزة لهذا الحال، معتبراً أن حالات الطلاق والتسول وغيرها من الظروف التي نشأت بفعل الحرب، هي تصرفات طبيعية بعد أكثر من عام ونصف عام على الحرب.

وقال: «ماذا يمكن أن ننتظر من شخص يكون جائعاً أو أطفاله جياعاً أو عطشى، سوى أنه لن يتورع عن خوض أي صراع من أجل انتزاع أي لقمة عيش أو شربة ماء لأطفاله؟». مشيراً إلى أن 80 في المائة من سكان قطاع غزة كانوا قبل الحرب يعتمدون على المساعدات الإنسانية، والآن أصبح الجميع يعتمد عليها، بمن في ذلك من كانوا يوصفون بأغنياء القطاع، ولذلك ما يجري يعدّ طبيعياً.


مقالات ذات صلة

دول عربية وإسلامية تنضم لـ«مجلس السلام» في غزة

الخليج يسعى مجلس السلام لتثبيت وقفٍ دائم لإطلاق النار ودعم إعادة إعمار غزة (رويترز)

دول عربية وإسلامية تنضم لـ«مجلس السلام» في غزة

رحَّبت السعودية وتركيا ومصر والأردن وإندونيسيا وباكستان وقطر والإمارات بالدعوة التي وجَّهها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لقادة دولهم للانضمام إلى «مجلس السلام».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

ترمب: على «حماس» التخلي عن أسلحتها و«إلاّ ستُدمّر»

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (الأربعاء)، إنه سيتضح خلال 3 أسابيع ما إذا كانت حركة «حماس» ستوافق على التخلي عن أسلحتها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص جانب من أنشطة اللجنة المصرية لإغاثة غزة (الصفحة الرسمية للجنة) play-circle 00:30

خاص «اللجنة المصرية» بغزة لـ«الشرق الأوسط»: الاستهداف الإسرائيلي لمصورينا «مُتعمّد»

قال المتحدث باسم اللجنة المصرية الإغاثية في قطاع غزة محمد منصور إن 3 مصورين صحافيين استهدفتهم إسرائيل كانوا في مهمة إنسانية داخل "مخيم نتساريم".

أحمد جمال (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينية تبكي أمام جثمان أحد قتلى الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (رويترز) play-circle

مقتل 11 فلسطينياً بينهم صحافيون بنيران إسرائيلية في غزة

قُتل 11 فلسطينياً، اليوم (الأربعاء)، بنيران الجيش الإسرائيلي في مناطق متفرقة من قطاع غزة، في ظل تصاعد التوتر الميداني اليومي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية إردوغان خلال مشاركته في اجتماع حول غزة دعا إليه ترمب على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي (الرئاسة التركية)

إردوغان: بحثت هاتفيا مع ترمب ملفي سوريا وغزة 

قال الرئيس إردوغان خلال الاتصال إن تركيا تتابع عن كثب التطورات في سوريا، وإن وحدة سوريا وانسجامها وسلامة أراضيها مهمة ⁠بالنسبة لتركيا.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

أين يُحتجز عناصر «داعش» المعتقلون في سوريا الآن؟

قوات الأمن الداخلي السورية تقف حراسة عند مدخل مخيم الهول في المنطقة الصحراوية بمحافظة الحسكة السورية (أ.ف.ب)
قوات الأمن الداخلي السورية تقف حراسة عند مدخل مخيم الهول في المنطقة الصحراوية بمحافظة الحسكة السورية (أ.ف.ب)
TT

أين يُحتجز عناصر «داعش» المعتقلون في سوريا الآن؟

قوات الأمن الداخلي السورية تقف حراسة عند مدخل مخيم الهول في المنطقة الصحراوية بمحافظة الحسكة السورية (أ.ف.ب)
قوات الأمن الداخلي السورية تقف حراسة عند مدخل مخيم الهول في المنطقة الصحراوية بمحافظة الحسكة السورية (أ.ف.ب)

أثار الانهيار السريع لـ«قوات سوريا الديمقراطية» التي يقودها الأكراد في شمال شرق سوريا هذا الأسبوع مخاوف بشأن مصير نحو عشرة سجون ومخيمات احتجاز كانت تحت حراستها، وكان يُحتجز بداخلها أكثر من 10 آلاف ​من عناصر «داعش» وآلاف آخرون من النساء والأطفال ذوي الصلة بالتنظيم.

وأعلن الجيش الأميركي، الأربعاء، بدء مهمة لنقل سجناء «داعش» من شمال شرقي سوريا إلى العراق، إذ جرى نقل 150 مقاتلاً من «داعش» كانوا محتجزين في مركز احتجاز في الحسكة بسوريا، إلى موقع آمن في العراق. ومن المتوقع أن يصل إجمالي عدد معتقلي «داعش» الذين سيتم نقلهم من سوريا إلى مراكز احتجاز تحت السيطرة العراقية إلى 7 آلاف معتقلي، وفق بيان للقيادة المركزية الأميركية.

وفيما يلي عرض لبعض من أبرز السجون والمخيمات التي تؤوي أشخاصاً على صلة بتنظيم «داعش» في شمال شرق سوريا:

سجنان في الحسكة تحت سيطرة «قسد»

السجنان الرئيسيان في محافظة الحسكة هما سجنا غويران وبانوراما، حيث يُحتجز الآلاف من مقاتلي تنظيم «داعش» الذين صقلتهم المعارك. ويضم سجن غويران، الذي كان مدرسة قبل أن يتم تحويله إلى سجن، حوالي 4000 سجين. وتضم ‌سجون أخرى ‌مراهقين وأحداثاً، بعضهم ولدوا في سوريا لآباء سافروا ‌للانضمام ⁠إلى ​تنظيم «داعش».

ويتولى ‌أفراد عسكريون من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة تأمين المحيط الخارجي للسجن، بينما تحتفظ القوات الكردية بالسيطرة داخله.

وحصلت «رويترز» على فرصة نادرة لدخول أحد السجنين في عام 2025 وتحدثت إلى معتقلين من بريطانيا وروسيا وألمانيا.

وتقع مراكز احتجاز أخرى في مدينتي القامشلي والمالكية اللتين لا تزالان، مثل مدينة الحسكة، تحت سيطرة الأكراد.

أطفال ونساء من أقارب عناصر في تنظيم «داعش» يظهرون داخل مخيم الهول في المنطقة الصحراوية بمحافظة الحسكة شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)

سجون تحت سيطرة الحكومة

سيطرت الحكومة السورية على بعض السجون الأخرى التي تضم معتقلي تنظيم «داعش».

أحد هذه السجون هو سجن الشدادي الواقع في ريف الحسكة. وقالت «قوات سوريا الديمقراطية» إنها فقدت ‌السيطرة عليه مع اقتراب القوات السورية، وإن سجناء فروا ‍منه. وقالت الحكومة السورية إن ‍«قوات سوريا الديمقراطية» تخلت عن مواقعها وأفرجت عن نحو 200 سجين من «داعش»، وإن القوات السورية أعادت معظمهم لاحقاً.

وأكد مسؤول أميركي أن القوات السورية قبضت مجدداً على كثير من الهاربين، واصفاً إياهم بأنهم أعضاء من تنظيم «داعش» من ذوي الرتب المنخفضة.

ومن المنشآت الأخرى التي أصبحت تحت سيطرة الحكومة السورية، سجن الأقطان في محافظة ​الرقة المجاورة.

لقطة جوية تُظهر مخيم الهول في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا (أ.ب)

مخيمات احتجاز

جمعت قوات الأمن الكردية عشرات الآلاف من المدنيين الذين فروا من آخر معاقل تنظيم «داعش» مع خسارة ⁠التنظيم للأراضي التي كان يسيطر عليها خلال العقد الماضي، واحتجزتهم في مخيمين رئيسيين، يُعرفان باسم مخيمي الهول وروج.

ومنذ عام 2024، كان مخيم الهول يضم 44 ألف شخص، جميعهم تقريباً من النساء والأطفال، ومعظمهم من السوريين أو العراقيين، لكن غربيين يعيشون هناك أيضاً في ملحق منفصل.

عنصر من قوات الأمن السورية يقف أمام بوابة مخيم الهول في محافظة الحسكة (إ.ب.أ)

ومن بين المحتجزين في مخيم روج أيضا بعض الغربيين مثل شميمة بيجوم، وهي امرأة بريطانية المولد انضمت إلى تنظيم «داعش». وقال أحد سكان روج لـ«رويترز» في عام 2025 إن نساء من تنزانيا وترينيداد يعشن أيضا في المخيم.

وقالت القوات الكردية إنها أُجبرت على الانسحاب من الهول مع اقتراب القوات الحكومية. وشاهد مراسلو «رويترز»، اليوم الأربعاء، عشرات الأطفال والنساء وهم يتدافعون ‌أمام سور المخيم بينما كانت القوات الحكومية السورية تقف ساكنة.

ولم يتضح على الفور ما هو وضع مخيم روج.


إسرائيل تفتتح مرحلة جديدة من التصعيد في جنوب لبنان

لبنانيون يفرون بعد غارة إسرائيلية على بلدة قناريت في الجنوب الأربعاء (أ.ب)
لبنانيون يفرون بعد غارة إسرائيلية على بلدة قناريت في الجنوب الأربعاء (أ.ب)
TT

إسرائيل تفتتح مرحلة جديدة من التصعيد في جنوب لبنان

لبنانيون يفرون بعد غارة إسرائيلية على بلدة قناريت في الجنوب الأربعاء (أ.ب)
لبنانيون يفرون بعد غارة إسرائيلية على بلدة قناريت في الجنوب الأربعاء (أ.ب)

كثفت إسرائيل في الأسبوعين الأخيرين وتيرة استهدافاتها لمناطق شمال الليطاني في جنوب لبنان، حيث باتت تنفذ غارات بمعدل مرتين على الأقل في الأسبوع، خلافاً للوتيرة السابقة قبل مطلع العام الحالي، إلى جانب الرصد، والملاحقات شبه اليومية، في مؤشر على تكثيف وتيرة التصعيد بالتزامن مع استعدادات الجيش اللبناني لإطلاق المرحلة الثانية من خطة حصرية السلاح في شمال الليطاني.

وبعد غارات عنيفة استهدفت مناطق في شمال الليطاني يوم الاثنين، وجّه الجيش الإسرائيلي عصر الأربعاء إنذارات إخلاء للسكان في خمس بلدات في جنوب لبنان، بعيد ساعات من شنّه ضربات أوقعت قتيلين، وقال إنها استهدفت عنصرين من «حزب الله».

مؤشر جديد

وقالت مصادر محلية مواكبة لوتيرة التصعيد الإسرائيلي في الجنوب إن ما تقوم به القوات الإسرائيلية في شمال الليطاني منذ مطلع العام «يمثل تحولاً بوتيرة التصعيد، مقارنة بما كان الأمر عليه في العام الماضي منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ» في نوفمبر (تشرين الثاني).

وأوضحت المصادر في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الجيش الإسرائيلي «بات ينفذ غارات جوية بمعدل كل يومين أو ثلاثة أيام، أي مرتين على الأقل في الأسبوع، وهو ضعف وتيرة القصف التي كان ينفذها في العام الماضي»، في إشارة إلى قصف جوي كان يستهدف منطقة جنوب الليطاني، وأطراف النهر بمعدل مرة أسبوعياً، وغالباً ما كانت الغارات تتم يوم الخميس.

الدخان يتصاعد من مبانٍ استهدفتها غارات إسرائيلية في بلدة قناريت بجنوب لبنان بعد إنذار بإخلائها (متداول)

ويتنوع القصف بين غارات تستهدف الوديان وأطراف القرى والمناطق الحرجية، وإنذارات إخلاء تتكرر في عدة بلدات شمال الليطاني. وقالت المصادر: «هذا مؤشر جديد على التصعيد لناحية تكثيف الضربات»، مؤكدة أن انذارات الإخلاء «باتت تستهدف مباني ضخمة، وأحياء كاملة، وغالباً ما تستخدم فيها ذخائر ضخمة تؤدي إلى أضرار واسعة في الممتلكات والمناطق المحيطة بالمباني المستهدفة».

إنذارات إخلاء

وأصدر الجيش الإسرائيلي بعد ظهر الأربعاء إنذارات إخلاء على مرحلتين في خمس قرى تقع شمال الليطاني في جنوب لبنان، وهي قرى تتعرض لإنذارات إخلاء للمرة الأولى، مما تسبب في نزوح المئات من تلك البلدات.

مواطنون ينزحون من بلدة قناريت في جنوب لبنان إثر إصدار الجيش الإسرائيلي إنذاراً بإخلاء مبنى (متداول)

وأورد الناطق باللغة العربية باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في منشور على «إكس» أن جيشه سيهاجم بنى تحتية عسكرية تابعة لـ«حزب الله»، «وذلك للتعامل مع محاولاته المحظورة لإعادة إعمار أنشطته في المنطقة» في بلدات جرجوع والكفور في قضاء النبطية وقناريت في قضاء صيدا التي تبعد نحو 40 كيلومتراً عن الحدود. وأرفق منشوره بخرائط حدد فيها ثلاثة أبنية باللون الأحمر، وحث سكانها ومحطيها على «إخلائها فوراً».

وبعد تنفيذ القصف الذي أدى إلى تدمير المباني وإلحاق أضرار واسعة في المباني المحيطة، أصدر إنذاري إخلاء في بلدتي أنصار والزرارية اللتين تبعدان نحو 30 كيلومتراً عن الحدود مع إسرائيل.

ويعتزم الجيش اللبناني الشهر المقبل تقديم خطة إلى الحكومة بشأن آلية نزع سلاح «حزب الله» في منطقة شمال الليطاني التي تقع فيها البلدات الخمس، بعد إعلانه نزع سلاح الحزب في المنطقة الحدودية الواقعة جنوب النهر.

وكان الجيش اللبناني أعلن في وقت سابق في يناير (كانون الثاني) إنجاز المرحلة الأولى من خطة نزع ترسانة «حزب الله»، والتي أقرتها الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة. وأكد الجيش أنه أتمّ «بسط السيطرة العملانية على الأراضي التي أصبحت تحت سلطته في قطاع جنوب الليطاني (نحو 30 كيلومتراً من الحدود الإسرائيلية)، باستثناء الأراضي والمواقع التي لا تزال خاضعة للاحتلال الإسرائيلي».

إلا أن إسرائيل شككت في هذه الخطوة واعتبرتها غير كافية. ومنذ إعلان الجيش اللبناني استكمال نزع السلاح جنوب الليطاني، وجهت الدولة العبرية ضربات عدة لمناطق معظمها شمال النهر.

وتتألف خطة الجيش اللبناني من خمس مراحل. وتشمل المرحلة الثانية المنطقة الممتدة من شمال نهر الليطاني حتى نهر الأولي الذي يصب شمال صيدا، كبرى مدن جنوب لبنان، والواقعة على بعد نحو ستين كيلومتراً من الحدود، وعلى بعد نحو أربعين كيلومترا من بيروت.

ملاحقات متواصلة

وجاء التصعيد بعد الظهر، بعد اغتيالين نفذهما سلاح الجو الإسرائيلي بحق شخصين في جنوب لبنان، أحدهما في شمال الليطاني، والثاني في جنوبه.

متطوع في الدفاع المدني يتفقد ركام سيارة استهدفتها غارة إسرائيلية في منطقة الزهراني بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

فقد شنّت إسرائيل صباح الأربعاء غارة على سيارة في بلدة الزهراني، أدت وفق وزارة الصحة اللبنانية إلى «استشهاد مواطن»، قال الجيش الإسرائيلي في بيان إنه «عنصر إرهابي من (حزب الله)».

ووقعت الغارة على طريق عام يصل بين مدينتي صيدا والنبطية، فيما أسفرت ضربة إسرائيلية ثانية، استهدفت سيارة في بلدة البازورية في منطقة صور، عن مقتل شخص، وفق وزارة الصحة. وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه استهدف أحد عناصر «حزب الله» في المنطقة. وتقول إسرائيل إن ضرباتها على لبنان تستهدف عناصر في «حزب الله» ومنشآت ومخازن أسلحة عائدة إليه، مؤكدة أنها لن تسمح له بترميم قدراته بعد الحرب التي تلقى خلالها ضربات قاسية على صعيد الترسانة العسكرية والبنية القيادية.

وبموجب وقف إطلاق النار، كان يُفترض بإسرائيل أن تسحب قواتها من جنوب لبنان، لكنها أبقت على وجودها في خمسة مواقع تعتبرها استراتيجية، يطالبها لبنان بالانسحاب منها.

وشنّت خلال الأيام الماضية غارات واسعة على مناطق بعيدة عن الحدود بُعيد إعلان الجيش اللبناني إنجاز نزع سلاح الحزب جنوب نهر الليطاني حتى الحدود مع الدولة العبرية.


الجيش اللبناني يؤكد التزامه حماية الحدود مع سوريا

قائد الجيش اللبناني يتوسط سفراء الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا خلال الاجتماع (مديرية التوجيه)
قائد الجيش اللبناني يتوسط سفراء الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا خلال الاجتماع (مديرية التوجيه)
TT

الجيش اللبناني يؤكد التزامه حماية الحدود مع سوريا

قائد الجيش اللبناني يتوسط سفراء الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا خلال الاجتماع (مديرية التوجيه)
قائد الجيش اللبناني يتوسط سفراء الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا خلال الاجتماع (مديرية التوجيه)

أكد الجيش اللبناني التزامه حماية الحدود مع سوريا، مشدداً على أن تحقيق هذا الهدف بفاعلية «يستلزم دعماً عسكرياً نوعياً»، وذلك بموازاة التحضيرات لعقد «مؤتمر دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي» في باريس يوم 5 مارس (آذار) المقبل.

وينتشر الجيش اللبناني على الحدود مع سوريا في شمال وشرق لبنان، ويعمل على ضبط الحدود ومكافحة التهريب، إلى جانب مهام أخرى مترتبة عليه لجهة الانتشار على الحدود الجنوبية مع إسرائيل، وتنفيذ خطة الحكومة بحصر السلاح، فضلاً عن حماية الاستقرار في الداخل ومكافحة تهريب المخدرات.

كما عُقد اجتماع لـ«لجنة الإشراف العليا» على «برنامج المساعدات لحماية الحدود البرية»، في «مبنى قيادة الجيش - اليرزة»، بحضور قائد الجيش العماد رودولف هيكل، والسفير الأميركي ميشال عيسى، والسفير البريطاني هاميش كاول، والسفير الكندي غريغوري غاليغان، إلى جانب عدد من ضباط القيادة وقادة الوحدات، وأعضاء فريق العمل المشترك اللبناني - البريطاني - الأميركي، وفريق التدريب الكندي.

وأعلنت قيادة الجيش اللبناني، في بيان، أنه خلال الاجتماع، عُرضت المراحل المنفَّذة من «البرنامج» والخطوات المقبلة لتلبية حاجات الوحدات العسكرية المكلّفة «ضبط الحدود الشمالية والشرقية، ومكافحة التهريب والتسلل غير الشرعي، والتحديات التي تواجهها هذه الوحدات وسط التطورات الراهنة».

ولفت السفراء المشاركون إلى «أهمية دور الجيش في حفظ أمن لبنان واستقراره»، ونوهوا بمستوى احترافه ونجاحه، مؤكدين ضرورة دعم المؤسسة العسكرية لتعزيز قدرتها على أداء مهامها فوق كامل الأراضي اللبنانية.

وقال العماد هيكل: «التزامنا حماية الحدود التزام نهائي، وقد بذلنا كثيراً من الجهود والتضحيات لهذه الغاية، غير أنّ تحقيق هذا الهدف بفاعلية يستلزم دعماً عسكرياً نوعياً، انطلاقاً من حجم التحديات القائمة على الحدود الشمالية والشرقية». وأكد أهمية المساعدات التي قدمتها السلطات الأميركية والبريطانية والكندية إلى الجيش، شاكراً دعمها المتواصل في ظل الصعوبات الحالية.