العاصمة الليبية... رهينة الصراعات بين «السلطة» ومعارضيها

تتكبد تبعات كونها مقر الحكم

شارع النصر وجزيرة بومشماشة وسط العاصمة طرابلس بعد استكمال أعمال الصيانة والتوسعة (حكومة الوحدة)
شارع النصر وجزيرة بومشماشة وسط العاصمة طرابلس بعد استكمال أعمال الصيانة والتوسعة (حكومة الوحدة)
TT

العاصمة الليبية... رهينة الصراعات بين «السلطة» ومعارضيها

شارع النصر وجزيرة بومشماشة وسط العاصمة طرابلس بعد استكمال أعمال الصيانة والتوسعة (حكومة الوحدة)
شارع النصر وجزيرة بومشماشة وسط العاصمة طرابلس بعد استكمال أعمال الصيانة والتوسعة (حكومة الوحدة)

تجتذب العاصمة الليبية طرابلس انتباه العالم من وقت إلى آخر، بالنظر إلى ما تشهده من اقتتال وصراع بين السلطة وأجنحتها من ناحية وبين معارضيها من ناحية ثانية، ما يجعلها دوماً «رهينة، تنتظر المجهول».

أحد أبواب السرايا الحمراء من «ميدان الشهداء» بوسط طرابلس (صفحات موثوقة على مواقع التواصل)

فطرابلس التي يطوّقها البحر المتوسط كسوار، وتنام على حافته مترقبة ما يأتيها من أوروبا على الجانب الآخر، لم تهدأ منذ رحيل نظام الرئيس معمر القذافي، وغالباً ما تكون مضطربة، فمنها تنطلق السياسة، وإليها يتوافد كبار المسؤولين الدوليين، كونها «بيت الحكم».

وبعد ما يزيد على 13 عاماً، على إسقاط نظام القذافي في فبراير (شباط) 2011، لم يغادر طرابلس دوي الرصاص والأسلحة الثقيلة والمتوسطة، في معارك ظلت تنتهي بتعزيز مكتسبات الميليشيات المسلحة، وتنقص من منسوب أمن سكانها وتراكم قتلاهم.

معمّر القذافي (إ.ب.أ)

فمن «باب العزيزية» مقر حكم القذافي، بالعاصمة إلى «طريق السكة» الذي يحتضن ديوان حكومة «الوحدة» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، شهدت طرابلس اقتتالاً عنيفاً، فضلاً عن «توافقات ومساومات»، بالإضافة إلى «إبرام اتفاقيات» يُعتقد أنها استهدفت «تثبيت دعائم السلطة» لمن تداولوها في ليبيا.

وبجانب تقلبات السياسة، صار العتاد المخزون لدى الميليشيات المسلحة خارج إطار الدولة، مصدر أرق وقلق لليبيا منذ إسقاط النظام السابق، بل إنه بات يمنعها من مغادرة «الفترة الانتقالية» وسط إصرار على أن يبقى الوضع على ما هو عليه، فكلما هدأت الاشتباكات أوقدت الميليشيات نارها، بغية الاستبقاء على ليبيا سوقاً رائجة للسلاح تدرّ ملايين الدولارات على «أمراء الحرب».

وخلال الأسبوعين الماضيين، تحوّلت طرابلس إلى مسرح للأحداث الساخنة إثر اغتيال القائد الميليشياوي عبد الغني الككلي، الشهير بـ«غنيوة»، في نزاع مع «حكومة الوحدة»، ما تسبب في اقتتال خلّف كثيراً من القتلى والجرحى، وروّع سكان أحياء عديدة بالعاصمة التي تضم ما يزيد على مليوني نسمة.

مقتل الككلي كشف عن هشاشة الوضع الأمني في العاصمة، وسلّط الضوء على ملف التشكيلات المسلحة، ومدى قدرة السلطة التنفيذية على تفكيكها، لكن المشهد السياسي في البلد الغني بالنفط يبدو أكثر تعقيداً.

وفيما كان البعض يراهن على حراك الشارع وتصاعد الاحتجاجات المطالبة بعزل الدبيبة، لم يتوقف توافد أفواج السياسيين الدوليين على مقر الحكومة في «طريق السكة»، فهناك اتفاقيات اقتصادية تتعلق بالطاقة والهجرة غير النظامية يجب دعم استمراريتها.

وقبل أن تستعيد العاصمة هدوءها، سارع خمسة سفراء أوروبيين معتمدين لدى ليبيا، إلى عقد لقاء مع الدبيبة، عدّه مكتبه تقديراً «لجهود حكومته في إنهاء وجود التشكيلات المسلحة الخارجة عن مؤسسات الدولة». واستغل الدبيبة هذا الاجتماع ليؤكد «التزام حكومته بتعقّب كل مرتكبي الجرائم، ومكافحة الإفلات من العقاب وضمان المساءلة عن الجرائم الجسيمة التي ارتُكبت بحق المواطنين».

مصرف ليبيا المركزي بطرابلس (تصوير جمال جوهر)

وطرابلس «ميدان السياسية وبيت الحكم»، وبالإضافة لـ«حكومة الوحدة» تضم مقار مجلسي «الرئاسي»، و«الأعلى للدولة»، وأجهزة رقابية منها ديوان المحاسبة، و«المصرف المركزي» و«المؤسسة الوطنية للنفط» التي تتقاتل مجموعة من التشكيلات المسلحة والسياسية للاستحواذ على أكبر قدر مما تجنيه من عائدات.

وقدّر لطرابلس العاصمة، بحسب سياسيين، أن تظل رهينة الصراعات بين السلطة فيها ومعارضيها، وتتكبد نتيجة ذلك مزيداً من الدماء والقتلى الذين يسقطون في معركة التمسك بالحكم، ليظل مواطنوها هدفاً محتملاً لرصاص وقذائف الميليشيات.

وهنا يلاحظ أنه منذ أن دمرت الضربات الجوية لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مجمع «باب العزيزية»، مقر حكم القذافي، بشكل شبه كامل غداة سقوط نظامه وحتى الآن، وطرابلس تدفع فاتورة مركزية الحكم، الذي نمت على أطرافه فئات من المستفيدين.

الدبيبة مستقبلاً تيتيه المبعوثة الأممية إلى ليبيا (مكتب الدبيبة)

شيء من الفوضى الآن، لا يزال يعتصر العاصمة ويطرق بصماته على طرقاتها، ويؤرق سكانها، فهناك محتجون، وخصوصاً في «سوق الجمعة» شرقي طرابلس، يعملون على فرض واقع على الأرض وتكريس «عصيان مدني»... والشيء ذاته تكرر في بعض مناطق طرابلس.

ما يحدث في طرابلس دفع الحقوقي الليبي ناصر الهواري إلى التساؤل عن حكم الشرع في إغلاق الطرق العامة وحرق الإطارات في وسطها، وقال: «في كل مرة يُغلق فيها طريق أو تُحرق الإطارات، تُعلن الحرب على الناس الآمنين، وتُعطّل مصالح العباد، ويُرتكب فساد».

ويعد حي «أبو سليم» الذي كان يسيطر عليه الككلي من أشهر أحياء العاصمة، بالإضافة إلى الحي الإسلامي ومنطقة الدريبي، والمدينة القديمة، والهضبة الخضراء، وباب بن غشير والأندلس، ودمشق، وزاوية الدهماني، وزناتة و«سوق الجمعة» مقر نفوذ عبد الرؤوف كارة رئيس «قوة الردع الخاصة» الذي تحول إلى عدو للدبيبة.

وطرابلس، التي تأسست على يد الفينيقيين في القرن السابع قبل الميلاد، وعُرفت بألقاب عدة كـ«طرابلس الغرب»، و«عروس البحر الأبيض المتوسط»، تظل سياسياً عقبة كأداء أو جائزة كبرى، أمام من يقرر خوض ماراثون الانتخابات الرئاسية المقبلة. فهي تضم أكثر من 62 في المائة من عدد الناخبين، وهم الذين يحددون مَن يقود البلاد، عند الاحتكام إلى صناديق الاقتراع.


مقالات ذات صلة

حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

شمال افريقيا المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

نقلت القيادة العامة أن المشير خليفة حفتر أكد دعمه لجهود بعثة الأمم المتحدة ومساعيها الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية للأمام، وصولاً إلى إجراء الانتخابات.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا جميلة اللواطي خلال تأدية اليمين عميدة لبلدية سلوق في شرق ليبيا الأحد (وزارة المرأة في غرب ليبيا)

ثاني رئيسة بلدية في ليبيا... تمكين للمرأة واختبار جديد للتحديات

ينظر سياسيون ومراقبون ليبيون إلى فوز امرأة بمنصب رئيسة بلدية بوصفه «خطوة مهمة» في مسار تمكين المرأة و«اختباراً جديداً لقدرتها على مواجهة التحديات».

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا ​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)

نجاة امرأتين وفقدان عشرات المهاجرين... مأساة جديدة قبالة سواحل ليبيا

قال متحدث باسم المنظمة الدولية للهجرة، الاثنين، إن 53 مهاجراً بينهم رضيعان لقوا حتفهم أو فُقدوا إثر انقلاب قارب مطاطي كان يقل 55 شخصاً قبالة السواحل الليبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي مهاجرون على متن قارب مطاطي يتلقون سترات نجاة في حين يقوم أفراد طاقم سفينة بعملية إنقاذ قبالة المياه الدولية لليبيا 16 يناير 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

53 مهاجراً في عداد القتلى أو المفقودين إثر غرق قارب قبالة ليبيا

أعلنت المنظمة الدولية للهجرة، الاثنين، أن 53 شخصاً لقوا حتفهم أو فُقد أثرهم إثر غرق قارب في المتوسط قبالة السواحل الليبية، في حين لم ينجُ سوى شخصين.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا بدء فرز نتائج الانتخابات البلدية (مفوضية الانتخابات)

ليبيا: «مجلس الحكماء والأعيان» يدخل على خط «أزمة القضاء»

أيد «المجلس الأعلى لحكماء وأعيان ليبيا» أحكام الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا «بعدم دستورية بعض القوانين والقرارات الصادرة عن مجلس النواب»

خالد محمود (القاهرة)

مصر: السيسي يُجري مشاورات مع رئيس الوزراء لإجراء تعديل حكومي

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء مصطفي مدبولي في لقاء سابق (أرشيفية - الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء مصطفي مدبولي في لقاء سابق (أرشيفية - الرئاسة المصرية)
TT

مصر: السيسي يُجري مشاورات مع رئيس الوزراء لإجراء تعديل حكومي

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء مصطفي مدبولي في لقاء سابق (أرشيفية - الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء مصطفي مدبولي في لقاء سابق (أرشيفية - الرئاسة المصرية)

أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مشاورات، اليوم (الثلاثاء)، مع رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي لإجراء تعديل حكومي جديد.

وصرح المُتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، عبر حسابه الرسمي علي موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، بأن الرئيس المصري تشاور مع الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء لإجراء تعديل على تشكيل الحكومة الحالية.

وذكر السفير محمد الشناوي، المُتحدث الرسمي، أن الرئيس أكد ضرورة أن تعمل الحكومة، بتشكيلها الجديد، على تحقيق عددٍ من الأهداف المحددة في المحاور الخاصة بالأمن القومي والسياسة الخارجية، والتنمية الاقتصادية، وكذلك الإنتاج والطاقة والأمن الغذائي و المجتمع وبناء الإنسان، وذلك بالإضافة إلى تكليفات جديدة تتسق مع الغاية من إجراء التعديل الوزاري.


وزير الخارجية المصري: حوكمة البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة فقط

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 18 سبتمبر 2024 (أرشيفية - د.ب.أ)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 18 سبتمبر 2024 (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

وزير الخارجية المصري: حوكمة البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة فقط

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 18 سبتمبر 2024 (أرشيفية - د.ب.أ)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 18 سبتمبر 2024 (أرشيفية - د.ب.أ)

قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اليوم (الثلاثاء)، إن حوكمة البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة فقط، مشدداً على أن القاهرة ترفض بشكل كامل أي نفاذ عسكري لأي دولة غير مشاطئة.

وفي الوقت الذي تطمح فيه إثيوبيا للحصول على منفذ على البحر الأحمر، تصاعدت حدة التوترات بين إريتريا وإثيوبيا، حيث طالبت أديس أبابا جارتها «بسحب قواتها من أراضيها».

ووجهت إثيوبيا اتهامات لإريتريا بدعم جماعات مسلحة داخل الأراضي الإثيوبية، لكن إريتريا رفضت هذه الاتهامات ووصفتها بأنها «كاذبة ومفبركة».

وفي الملف السوداني، شدد وزير الخارجية المصري في مؤتمر صحافي مع نظيره السنغالي، على رفض بلاده الكامل للمساواة بين مؤسسات الدولة السودانية «وأي ميليشيا».

وكان عبد العاطي أكد في لقاء مع نظيره السوداني محيي الدين سالم، في وقت سابق هذا الشهر، رفض القاهرة أي محاولات تستهدف تقسيم السودان أو المساس بسيادته واستقراره.


السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
TT

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)

أعلن السودان أنه سيعود إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تجمع دولاً في شرق أفريقيا، بعد عامين من تجميد عضويته فيها بسبب دعوة وجّهتها آنذاك إلى قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف باسم «حميدتي»، الذي يقاتل القوات الحكومية منذ أبريل (نيسان) عام 2023.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان نُشر على موقع «إكس» أمس، إن «حكومة جمهورية السودان ستستأنف نشاطها الكامل في عُضوية المنظمة»، التي بدورها أعربت عن التزامها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، مؤكدةً احترامها الكامل لسيادة السودان ووحدة أراضيه وشعبه، وسلامة مؤسساته الوطنية القائمة.

وكان السودان قد جمَّد عضويته في «إيغاد» في يناير (كانون الثاني) 2024، بعدما دعت المنظمة دقلو إلى قمة في أوغندا لمناقشة النزاع في السودان. وكانت القمة تهدف إلى مناقشة وقف الحرب عبر سلسلة من المقترحات على رأسها نشر قوات أممية في مناطق النزاعات.