بغداد تتراجع عن اتهام كردستان ببناء علاقة مع واشنطن من طرف واحد

السوداني لدى استقباله السيناتورَين بمجلس الشيوخ الأميركي آنغس كينغ وجيمس لانكفورد (رئاسة الوزراء)
السوداني لدى استقباله السيناتورَين بمجلس الشيوخ الأميركي آنغس كينغ وجيمس لانكفورد (رئاسة الوزراء)
TT

بغداد تتراجع عن اتهام كردستان ببناء علاقة مع واشنطن من طرف واحد

السوداني لدى استقباله السيناتورَين بمجلس الشيوخ الأميركي آنغس كينغ وجيمس لانكفورد (رئاسة الوزراء)
السوداني لدى استقباله السيناتورَين بمجلس الشيوخ الأميركي آنغس كينغ وجيمس لانكفورد (رئاسة الوزراء)

بعد أن أثارت العقود النفطية التي وقعتها حكومة إقليم كردستان مؤخراً مع شركات أميركية، تبلغ قيمتها عشرات مليارات الدولارات، استياء الحكومة الاتحادية العراقية؛ بسبب إبرامها دون علم بغداد، سرعان ما خففت الأخيرة من لهجتها، مكتفيةً بالدعوة إلى «التزام الدستور» في معالجة قضية تُعدّ سيادية وبهذا المستوى من الأهمية.

وعلى الرغم من أهمية الجدل المثار بشأن الاتفاقيتين اللتين وقعهما رئيس حكومة الإقليم، مسرور بارزاني، مع شركتين أميركيتين هما «إتش كيه إن إينرجي» و«ويسترن زاغروس»، لتطوير حقول الغاز بمنطقتَي ميران، وتوبخانة - كوردمير، بمحافظة السليمانية، واللتين تقدر قيمتاهما الإجمالية بنحو 110 مليارات دولار تغطي مدة المشروع كاملة، فإن الخلاف بين بغداد وأربيل لا يزال قائماً في ظل تعذر التوصل إلى صيغة نهائية لـ«قانون النفط والغاز»، وهو ما يواصل إحداث توتر مزمن بين الطرفين.

يُذكر أن «مشروع قانون النفط والغاز» يعدّ من أبرز مشروعات القوانين الحيوية المطروحة منذ عام 2007، نظراً إلى ما يشكله من أهمية استراتيجية لمستقبل البلاد بشكل عام، ولتنظيم العلاقة المتوترة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان على وجه الخصوص.

ورغم إدراجه مراراً على جدول أعمال البرلمان، فإن الخلافات العميقة بين بغداد وأربيل، خصوصاً تعنّت بعض القوى الشيعية، لا تزال تشكل عقبة رئيسية أمام إقراره. وقد أدى غياب هذا القانون إلى بقاء العلاقة بين الطرفين شبه «سائلة»، لا سيما في ما يتعلق بالتعامل مع الولايات المتحدة.

وبينما تعود علاقة إقليم كردستان بواشنطن إلى ما قبل سقوط نظام صدام حسين في عام 2003، فإن الفاعلين الشيعة يدركون اليوم، في ظل التحولات الإقليمية والدولية، أنهم بدأوا يخسرون تدريجياً موقعهم في العلاقة بالولايات المتحدة لمصلحة طهران، التي تبدو كأنها تلعب الآن في الوقت بدل الضائع من علاقاتها بالمجتمع الدولي، وفي مقدمته واشنطن.

وقال رئيس حكومة إقليم كردستان، مسرور بارزاني، في تعقيبه على توقيع العقود النفطية الأخيرة مع الشركات الأميركية، إن هذه المشروعات «ستمثل نقلة نوعية في البنية التحتية للطاقة في الإقليم»، مشيراً إلى أنها ستوفر فرص عمل وتعزز أمن الطاقة في العراق.

من جانبها، أعلنت الحكومة العراقية رفضها هذه الاتفاقيات، ووصفتها بأنها «ملغاة وغير قانونية»، مستندة إلى حكم المحكمة الاتحادية العليا الصادر عام 2022، الذي قضى بعدم دستورية «قانون النفط والغاز» في الإقليم. ومع ذلك، تراجعت بغداد لاحقاً، مكتفية بالدعوة إلى «التزام الدستور»، وهو موقف يظل غامضاً ومطاطاً ما دام لم يتم إقرار «قانون النفط والغاز» بسبب الخلافات السياسية المستمرة بين الطرفين.

وفي هذا السياق، يشير خبير قانوني إلى أن قضية توقيع العقود الدولية لا تتعلق فقط بمدى توافقها مع الدستور، بل تتعدى ذلك إلى مدى صلاحيتها الدستورية ذاتها.

ويقول الخبير القانوني علي التميمي لـ«الشرق الأوسط» إن «توقيع حكومة كردستان عقوداً نفطية يعدّ مخالفة دستورية؛ لأنها تعدّ حكومة تصريف أعمال ومنتهية الصلاحية».

وأضاف التميمي أن «الاتفاقيات الموقعة بين الإقليم وشركات نفطية أميركية تخالف الدستور العراقي وميثاق الأمم المتحدة؛ لأن حكومة الإقليم في وضع تصريف الأعمال». كما أشار إلى أن «(المادة 110) من الدستور العراقي تمنح السلطات الاتحادية الصلاحيات الحصرية لوضع السياسات الخارجية، والتمثيل الدبلوماسي، والتفاوض في المعاهدات والاتفاقيات الدولية، بالإضافة إلى سياسات الإقراض وغيرها».

وأوضح التميمي أن «ملف النفط من اختصاص الحكومة الاتحادية حصراً»، مؤكداً أن «العلاقات والتعاملات الدولية تكون بين دولتين أو أكثر، وليست بين دولة وأجزاء من دولة».

تصادم الأولويات

لكن، وفقاً لتعقيدات العلاقة بين بغداد وأربيل والطريق الوعرة التي لم تمهَّد يوماً بينهما بسبب تراكم الخلافات وتصادم الأولويات، فقد بدا أن واقع العلاقات بعد عام 2003 يختلف جذرياً عما كان عليه قبل سقوط النظام السابق، وفقاً لمصدر سياسي عراقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط» شريطة عدم الكشف عن هويته.

وقال السياسي العراقي إن «الشيطان يكمن في التفاصيل، وغالباً ما تكون هذه التفاصيل محدودةً ونقاطاً دقيقة، لكن ما حدث بعد 2003 هو أن كلاً من الشيعة والأكراد هيمن على المشهد السياسي في ظل غياب فاعل من السنة».

وأضاف أن «الحليفين الشيعي والكردي لم يأخذا في الحسبان المستقبل عند تسلمهما مقاليد الحكم وبدء عجلة الدولة في الدوران».

وتابع: «جميع الإشكاليات التي تظهر بين الحين والآخر، سواء أكانت دستورية أم سياسية أم سيادية، تعود في الأساس إلى التواطؤ الذي جرى بين الشيعة والأكراد عند تسلم الدولة من القوات الأميركية وكتابة دستور توافقي بدأت تظهر عيوبه لاحقاً».

السوداني يتطلع... وحسين يأمل

في ظل الخلاف السياسي الظاهر بين بغداد وأربيل بشأن ملف النفط، أعلن رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، عن تطلعه إلى تطوير العلاقة بالولايات المتحدة وتنميتها في مختلف المجالات، لا سيما في قطاعات الاقتصاد والطاقة والاستثمار والثقافة.

جاء ذلك خلال استقباله السيناتورَين بمجلس الشيوخ الأميركي، آنغس كينغ، وجيمس لانكفورد. وقد أكد السوداني، وفق بيان صادر عن مكتبه مساء السبت، على «أهمية العلاقات الثنائية بين بغداد وواشنطن، والرغبة في تعزيزها وتطويرها في مختلف القطاعات، وخاصة في ضوء اتفاقية (الإطار الاستراتيجي)».

وأشار السوداني إلى «الاستقرار الواضح الذي يشهده العراق، والذي انعكس إيجاباً على الوضعين الاقتصادي والتنموي»، مؤكداً أن «الحكومة اتخذت خطوات حاسمة في قطاع النفط والغاز، وحققت إنجازات مهمة من شأنها تعزيز التعاون مع الشركات الأميركية وجذب الاستثمارات في هذا المجال».

من جهته، عبر وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، عن أمله في استمرار العلاقة الإيجابية بين العراق والولايات المتحدة.

وعقب لقائه السيناتورين الأميركيين، أكد حسين، في بيان صادر عن وزارة الخارجية، أن «العراق يعمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي والاستقلالية في مجال الطاقة»، معرباً في الوقت ذاته عن أسفه إزاء تصنيف عدد من الدول الغربية العراق دولةً ذات مخاطر عالية.

وأشار البيان إلى قول حسين إن «العلاقات العراقية - الأميركية تعدّ استراتيجية، تمتد من الشراكة في الحرب على الإرهاب، إلى التعاون في إعادة الإعمار، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، بالإضافة إلى مجالات حيوية أخرى تشمل قطاعات الطاقة والتعليم».

كما أشار الوزير إلى «تطلّع العراق إلى توسيع آفاق العلاقات، وزيادة حضور الشركات الأميركية للاستفادة من الفرص الاستثمارية الواعدة، والمساهمة في جهود الإعمار والتنمية».

وفي السياق ذاته، أكد أن العراق يسير بخطى متسارعة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي والاستقلالية في مجال الطاقة، عبر «استثمار الغاز المصاحب، وتعزيز مشروعات الربط الكهربائي مع دول الجوار، واستكشاف حقول غاز جديدة؛ مما يؤهله ليصبح منتجاً رئيسياً للغاز إلى جانب أنه من كبار منتجي النفط». ودعا في هذا الإطار الشركات الأميركية المختصة إلى الاستثمار في هذا القطاع الاستراتيجي.


مقالات ذات صلة

العراق يجدد التأكيد على ملاحقة منفذي الاعتداءات على السعودية

المشرق العربي مواطنون ورجال أمن عند الجانب العراقي من معبر الشلامجة (أ.ف.ب)

العراق يجدد التأكيد على ملاحقة منفذي الاعتداءات على السعودية

كررت السلطات الأمنية في بغداد، الثلاثاء، تأكيدها الاستمرار في ملاحقة مطلقي المسيّرات الملغمة ضد دول الجوار.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)

توافق فرنسي - عراقي على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

توافق فرنسي - عراقي على تعزيز شراكة البلدين الاستراتيجية، وباريس تولي اهتماماً خاصاً لقطاعين عراقيين رئيسيين هما: الطاقة والدفاع.

ميشال أبونجم (باريس)
رياضة عربية نيفتشي الأوزبكي هزم ضيفه القوة الجوية العراقي (الاتحاد الآسيوي)

«النخبة الآسيوي»: ضربة رأس تقود نيفتشي لحسم مواجهة القوة الجوية

سجل البديل زوران ماروشيتش هدفاً بضربة رأس متقنة في الدقيقة 83 ليفوز نيفتشي الأوزبكي 1 - صفر على ضيفه القوة الجوية العراقي الاثنين.

«الشرق الأوسط» (فيرغانا (أوزبكستان))
المشرق العربي معبر الشلامجة الحدودي مع إيران في محافظة البصرة يوم السبت بعدما أغلقته الحكومة العراقية على خلفية الاعتداء بالمسيّرات على المملكة العربية السعودية (أ.ف.ب)

العراق يشدد إجراءات الأمن لمنع استهداف دول الجوار

ما زال الهجوم الذي طال المملكة العربية السعودية، نهاية الأسبوع الماضي، يحظى باهتمام الجهات الرسمية العراقية التي تتحدث عن إجراءات مشددة للحيلولة دون تكراره.

فاضل النشمي (بغداد)
الاقتصاد الزيدي يناقش مع رئيس شركة توتال إنرجيز باتريك بوينيه والوفد المرافق له مشاريع الشركة في العراق (إكس)

الزيدي يناقش مشاريع «توتال» الفرنسية في العراق

أعلن العراق، الاثنين، أن رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، ناقش مع رئيس شركة توتال إنرجيز باتريك بوينيه، في باريس، مشاريع الشركة التي تنفذها في العراق.

«الشرق الأوسط» (باريس)

الغموض يلف دوافع جريمة في السويداء ضحاياها محامٍ ووالدته وشقيقته

مستشفى السويداء الوطني (أرشيفية)
مستشفى السويداء الوطني (أرشيفية)
TT

الغموض يلف دوافع جريمة في السويداء ضحاياها محامٍ ووالدته وشقيقته

مستشفى السويداء الوطني (أرشيفية)
مستشفى السويداء الوطني (أرشيفية)

يلفّ الغموض دوافع وهوية مرتكبي جريمة قتل، راح ضحيتها محامٍ ووالدته وشقيقته، في منزلهم بمدينة السويداء، جنوب سوريا، إحدى المناطق التي يسيطر عليها شيخ العقل حكمت الهجري وما يعرف بـ«الحرس الوطني» التابع له.

وبينما ذكرت مصادر رسمية في المحافظة، أن هناك شبهات تتعلق بعناصر ومجموعات كانت تنضوي سابقاً تحت ما يُعرف بـ«عصابة راجي فلحوط الإرهابية»، تحدثت مصادر محلية في المدينة عن أن المحامي «من المقتدرين مالياً، وليس له نشاط سياسي»، في حين كشفت مصادر أخرى أنه «لم يكن على توافق مع الهجري».

وأفادت منصات إخبارية، تعني بأخبار السويداء ذات الأغلبية السكانية الدرزية، الاثنين، بالعثور على جثث كل من المحامي زاهر محمود ثابت، وشقيقته لينا محمود ثابت، ووالدتهما رضى أبو شبلي، داخل منزلهم في حي الإطفائية في مدينة السويداء.

ونقلت المنصات، عن مصادر محلية، أن «الجثث وُجدت داخل الشقة وعليها آثار قتل بأدوات حادة، فيما تحدثت بعض الروايات عن آثار تعذيب ونحر»، مشيرة إلى أنه «لم تُعرف بعد دوافع الجريمة أو هوية الجناة».

المحامي زاهر محمود ثابت وجد مقتولاً مع والدته وشقيقته في منزله بالسويداء (أرشيفية)

نفّذت الجريمة وسط حالة من الفوضى الأمنية تسود المناطق الخاضعة لنفوذ الهجري و«الحرس الوطني»، منذ سيطرتهم عليها عقب اشتباكات وقعت في يوليو (تموز) 2025 بين الدروز وعشائر تسكن المنطقة، وتدخلت فيها القوات الحكومية، وأدّت إلى اندلاع أعمال عنف.

من جانبها، أصدرت «مديرية إعلام السويداء» التابعة لمحافظة السويداء بياناً أدانت فيه بأشد العبارات الجريمة البشعة التي أودت بحياة المحامي ووالدته وشقيقته، وما تلاها من حادثة قتل بحق مدنيين أبرياء.

وذكرت أنه بحسب المعطيات الأولية، تظهر على جثامين الضحايا آثار تعذيب وتنكيل باستخدام أدوات حادة، في جريمة تشكل انتهاكاً صارخاً للقيم الإنسانية والقانونية، وتستوجب محاسبة جميع المتورطين فيها.

وتشير المعلومات إلى «وجود شبهات تتعلق بعناصر ومجموعات كانت تنضوي سابقاً تحت ما يُعرف بعصابة راجي فلحوط الإرهابية»، لافتة إلى أن المحامي المغدور تعرض لـ«حادثة اختطاف عام 2021 على يد عصابات السويداء، حيث تم دفع فدية مالية لفكّ اختطافه. علماً بأنه يعرف عن المغدور، بشهادات أهلية عديدة، سيرته الحسنة وأياديه الممدودة لمساعدة الآخرين».

يذكر أن راجي فلحوط أسّس ما يُعرف بـ«حركة قوات الفجر» خلال سنوات الحرب السورية، وكانت من أبرز المجموعات التابعة لجهاز الأمن العسكري في السويداء والجنوب السوري خلال عهد النظام السابق، ويتهمها أبناء السويداء بعمليات قتل وخطف وتجارة مخدرات لصالح نظام الأسد والميليشيات الإيرانية. وقد تمكنت «حركة رجال الكرامة» وفصائل محلية أخرى، منتصف عام 2022، من السيطرة على مقراتها والقضاء على عدد كبير من مسلحيها، فيما لم يعرف مصير زعيمها.

مقتل إياد صابر مقلد برصاص أمام منزله في مدينة السويداء الإثنين (السويداء 24)

وفي بيانها، لفتت «مديرية إعلام السويداء»، إلى أن تزايد الجرائم والانتهاكات وأعمال العنف في محافظة السويداء، خصوصاً في ظل الفراغ الأمني القائم في مناطق تخضع لسيطرة «مجموعات خارجة عن القانون»، تمارس التضييق على المدنيين، وتقيّد حرياتهم في الرأي والتعبير والعمل والتنقل تحت تهديد السلاح، يتطلب وقفة جادة من المجتمع المحلي للعودة إلى ضرورة تطبيق القانون وإيجاد التفاهم الحقيقي بعودة الدولة الضامنة لحقوق أفرادها.

وأوضحت المديرية، أن هذا الواقع لم يعد يقتصر على القضايا الجنائية والتهديدات الأمنية، بل يمتد إلى تقويض الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين، الأمر الذي يفرض تضافر الجهود المجتمعية والقانونية لحماية المدنيين وصون كرامتهم.


احتضان دبلوماسي وعسكري للبنان في اجتماعات باريس الخميس

الرئيس اللبناني جوزيف عون (وسط) خلال الجولة التي قام بها في 12 سبتمبر بالجنوب اللبناني (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (وسط) خلال الجولة التي قام بها في 12 سبتمبر بالجنوب اللبناني (الرئاسة اللبنانية)
TT

احتضان دبلوماسي وعسكري للبنان في اجتماعات باريس الخميس

الرئيس اللبناني جوزيف عون (وسط) خلال الجولة التي قام بها في 12 سبتمبر بالجنوب اللبناني (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (وسط) خلال الجولة التي قام بها في 12 سبتمبر بالجنوب اللبناني (الرئاسة اللبنانية)

رداً على من يروّجون لغياب أي تأثير لفرنسا في الملف اللبناني، تنظر باريس إلى الاجتماع الدولي الخاص بدعم الجيش اللبناني والقوات الأمنية على أنه الدليل على قدرتها على العمل من أجل مساعدة لبنان. وجديد الاجتماع أنه وضع في إطار ما يسمى «مسار العقبة»، الذي أطلقه الأردن قبل عشر سنوات، والذي يركز أساساً على تحديات الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، من خلال حوارات لخبراء من المستوى الرفيع.

ووفق «الإليزيه»، فإن العاهل الأردني هو الجهة التي اقترحت التئام دورته الراهنة في باريس، وأن تُخصَّص للملف اللبناني، وأن الرئيس اللبناني جوزيف عون وافق على ذلك. ووفق «الإليزيه» أيضاً، فإن المناقشات تتركز على المسائل «العملياتية» والمهمات التي ستقع على عاتق الجيش اللبناني، لضمان أن تمارس الدولة سلطتها على كل الأراضي اللبنانية وبداية في الجنوب. لذا فإن البحث سيتناول النظر في حاجات الجيش اللبناني التي سيتاح له عرضها من الناحيتين المالية والقدراتية، بحيث يتمكن من القيام بالمهام المسندة إليه، لا بل أيضاً مواكبته في مهامّه. وتريد باريس أن يفهم الجميع أنه لا أحد سيمكنه الحلول محل الجيش اللبناني، مشيرة بذلك إلى مهمة حصرية السلاح التي تريد الدولة القيام بها منوطة بالجيش اللبناني، وهي ترى أنه يمكن أن يكون قادراً على القيام بها.

الرئيس جوزيف عون في النبطية بجنوب لبنان يوم 12 سبتمبر (أ.ب)

وقبل انطلاق الاجتماع «التقني»؛ أي العسكري، سيكون للرئيس ماكرون اجتماعان ثنائيان في قصر الإليزيه صباحاً مع الرئيس جوزيف عون بدايةً، ثم مع العاهل الأردني عبد الله الثاني، ثم سيحصل اجتماع ثلاثي. ومن المقرر أن يلقي كل من القادة الثلاثة كلمة افتتاحية في الاجتماع. وأفاد قصر الإليزيه بأن قيادة الجيش اللبناني ورئاسة أركان القوات الفرنسية والأردنية والبريطانية ستكون حاضرة، وأن التمثيل الأميركي العسكري سيكون مرتفعاً.

وأشارت صحيفة «لو موند»، في عددها الصادر الثلاثاء، أن الجنرال جوزيف كليرفيلد سيمثل الجيش الأميركي، وأن السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى سيحضر أيضاً الاجتماع، إلى جانب مستشارين لوزير الخارجية ماركو روبيو. وبالنسبة للتمثيل السعودي، فقد أفاد «الإليزيه» بأنه سيكون عسكرياً وسياسياً، وأن المبعوث السعودي إلى لبنان الأمير يزيد بن فرحان سيكون حاضراً، مؤكداً أن باريس تعمل «بشكل وثيق» مع السعودية في الملف اللبناني.

ولم تكشف مصادر «الإليزيه» عن هويات الأطراف الأخرى المشارِكة ومستويات التمثيل العسكرية، إلا أن «الشرق الأوسط» علمت من مصادر دبلوماسية أن هناك 17 دولة وهيئة ستشارك في الاجتماع؛ ومن بينها بعثة أوروبية، وأخرى أممية، باعتبار أن ملف ما بعد «يونيفيل» سيكون مطروحاً.

حقيقة الأمر أن باريس لا تريد رفع سقف التوقعات، لذا فإن مصادر «الإليزيه» أشارت إلى أن الاجتماع «ليس لعرض أرقام الالتزامات المالية أو للائحة المقتنيات الواجب الحصول عليها». إلا أنها، بالمقابل، تضع الاجتماع ذا الطابع العسكري في إطار أوسع هو ترميم السيادة اللبنانية والتوصل إلى استقرار الأوضاع وقلب صفحة الأزمات، الأمر الذي يمر، وفق ما قالته، بالسير بمجموعة من الإصلاحات، بما فيها المالية وتوافق لبناني حول الإصلاحات والانتخابات والتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وكلها مطالب قديمة طلبت الأسرة الدولية من اللبنانيين القيام بها. بيد أن باريس تعي صعوبة الوضع الميداني في الجنوب بسبب الاحتلال الإسرائيلي لمساحات واسعة من أراضيه، وما يقوم به الجيش الإسرائيلي من ضرب البنى التحتية والتهجير، وكلها تُفاقم الصعوبات اللبنانية. وتعي باريس أيضاً أن علاقاتها المتوترة مع إسرائيل لا تسهل مهمة البحث في مرحلةِ ما بعد نهاية انتداب «يونيفيل».

ومع ذلك فإن باريس تُراهن على عنصرين؛ الأول العمل الذي تقوم به مع إيطاليا لملء الفراغ المترتب على رحيل «يونيفيل» الحالية. وإيطاليا توفر أكبر عدد حالياً لـ«يونيفيل». والثاني الالتزام الأوروبي بمساعدة لبنان من خلال آلياته المعتمَدة للمساعدات الخارجية. إلا أن الرفض المزدوج أميركياً وإسرائيلياً لـ«يونيفيل 2»، يُصعب مهمة باريس وروما، لذا فإن الرهان على الاجتماعات التي ستستضيفها الأمم المتحدة، خلال الشهر الحالي، التي يمكن أن تسهم في توضيح الصورة.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته قاعدة عسكرية في مدينة أورانج بجنوب فرنسا الثلاثاء (أ.ف.ب)

وليس سراً أن باريس تريد انتداباً دولياً يحدد مهمة القوة المطلوب منها ملء الفراغ الأمني ومساعدة الجيش اللبناني، الأمر الذي مِن شأنه تشجيع الدول الراغبة في الانخراط في هذه العملية. وفي أي حال، فإن الهدف الأعلى الذي تسعى إليه باريس يقوم على شقين: مساعدة لبنان على ترميم سيادته وسلطته، ما يستدعي نزع سلاح «حزب الله»، وهو الطلب المنصوص عليه في القرار 1701 وفي قرارات دولية أخرى. والثاني طمأنة إسرائيل لتوافر أمنها انطلاقاً من الخط الأزرق. وتعدّ فرنسا أن رئاستها مجلس الأمن الدولي، للشهر الحالي، يمكن أن تكون عاملاً مساعداً لإيجاد مَخرج للقوة البديلة في الجنوب اللبناني.

هل سيغيّر اجتماع باريس شيئاً في الوضع اللبناني؟ السؤال يمكن أن يطرح إذ إن الاجتماعات التي خُصصت لدعم الجيش اللبناني كانت كثيرة وتنقلت، في السنوات الأخيرة، بين باريس وروما، لكن المراد من اجتماع الخميس أن يكون مختلفاً عما سبقه بحيث يتناول الأمور العملية الواجب التعامل معها وفق قراءة مشتركة واضحة: من جهة، رصد لحاجات الجيش اللبناني وتحديد مهماته. ومن الجهة الثانية، الدور العربي الدولي في كيفية الاستجابة لهذه الحاجات وتلبيتها لتمكينه من القيام بدوره وليس الحلول مكانه.


إسرائيل تغتال قائد كتيبة في «القسام» بغزة

فلسطينيون يشيعون القيادي في كتائب «القسام» أحمد البطش بعد مقتله في غارة جوية إسرائيلية استهدفت سيارته في مدينة غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)
فلسطينيون يشيعون القيادي في كتائب «القسام» أحمد البطش بعد مقتله في غارة جوية إسرائيلية استهدفت سيارته في مدينة غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تغتال قائد كتيبة في «القسام» بغزة

فلسطينيون يشيعون القيادي في كتائب «القسام» أحمد البطش بعد مقتله في غارة جوية إسرائيلية استهدفت سيارته في مدينة غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)
فلسطينيون يشيعون القيادي في كتائب «القسام» أحمد البطش بعد مقتله في غارة جوية إسرائيلية استهدفت سيارته في مدينة غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)

واصلت إسرائيل تنفيذ عمليات الاغتيال في قطاع غزة، والتي تطال نشطاء بارزين في الفصائل الفلسطينية، وخاصةً «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس».

ووقعت أحداث محاولات الاغتيال، ظهر الثلاثاء، باستهداف ناشطَين من «حماس» كانا يسيران بالقرب من مفترق الصناعة جنوب غربي مدينة غزة، ما أدى لإصابتهما بجروح، بعدما تمكنا من الابتعاد عن مكان استهدافهما بصاروخ واحد من طائرة مسيرة، بينما أصيب 7 من المارة بجروح متفاوتة ونقلوا إلى مستشفيات المدينة لتلقي العلاج.

وبعد أيام من اغتيال محمد اليازوري، قائد لواء خان يونس جنوبي قطاع غزة، قتلت طائرة مسيرة إسرائيلية، قبيل منتصف ليل الاثنين - الثلاثاء، أحمد البطش، قائد كتيبة جباليا البلد، في لواء الشمال، التابع لـ«كتائب القسام»، وذلك إثر استهداف مركبة كان يقودها بحي الصفطاوي شمال غزة.

وقال مصدر ميداني من «حماس» إن «هناك بدائل موجودة للقيادات العسكرية التي تتعرض للاغتيال، وفق آلية (مرنة) كما كان الحال بعد الاغتيالات التي طالت القيادات التاريخية».

وتزامن اغتيال البطش مع غارة أخرى استهدفت مجموعة من الشبان في حي تل الهوى جنوب غربي مدينة غزة، ما أدى لإصابة بعضهم، قبل أن يعلن، صباح الثلاثاء، عن مقتل الناشط في «كتائب القسام»، يوسف الزعيم.

كما نفذت طائرة مسيرة إسرائيلية غارة على سطح مبنى وشقة سكنية، بجوار مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة، ما أدى لمقتل محمد عجور، وهو قائد سرية في «وحدة التصنيع العسكري» بـ«كتائب القسام».

وأكد بيان للجيش الإسرائيلي أن عجور ناشط في وحدة التصنيع العسكري، زاعماً أنه عمل مؤخراً على «دفع مخططات لاستهداف قواته، ولإعادة بناء قدرات (حماس)».

وسبق ذلك اغتيال رأفت أبو الزمر إثر قصف خيمة من قبل طائرة مسيرة إسرائيلية في مواصي خان يونس جنوب القطاع.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر ميداني آخر أنه أبو الزمر كان قائد سرية في قسم التدريبات العسكرية بـ«القسام»، وهو من الناشطين الميدانيين البارزين في «لواء رفح»، وكان على علاقة مباشرة مع مؤمن أبو لبدة الذي اغتيل ليلة الخميس - الجمعة بعد قصف مركبته في مدينة حمد.

وفي بيان له، قال الجيش الإسرائيلي إن «أبو الزمر قائد سرية في هيئة العمليات، وقاد تدريبات لعناصر في (حماس) قبل هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وواصل خلال الفترة الأخيرة تدريبه لعناصر أخرى، وتطوير القدرات القتالية للحركة»، على حد بيانه.

كما أصيب، ظهر الاثنين، ناشط في «القسام» إثر غارة استهدفته في خيمة بمخيم للنازحين وسط مدينة غزة، وأصيب عدد آخر من المواطنين في الهجوم.