«هدنة غزة»: جمود بالمفاوضات تفاقمه خطط تقسيم القطاع

وسط حراك عربي - فرنسي جديد لبحث وقف إطلاق النار

مواطنون فلسطينيون يتنقلون مع أمتعتهم عقب أوامر إسرائيلية بإخلاء خان يونس (أ.ف.ب)
مواطنون فلسطينيون يتنقلون مع أمتعتهم عقب أوامر إسرائيلية بإخلاء خان يونس (أ.ف.ب)
TT

«هدنة غزة»: جمود بالمفاوضات تفاقمه خطط تقسيم القطاع

مواطنون فلسطينيون يتنقلون مع أمتعتهم عقب أوامر إسرائيلية بإخلاء خان يونس (أ.ف.ب)
مواطنون فلسطينيون يتنقلون مع أمتعتهم عقب أوامر إسرائيلية بإخلاء خان يونس (أ.ف.ب)

تعثر جديد تشهده مفاوضات وقف إطلاق النار في قطاع غزة، مع سحب إسرائيل وفدها التفاوضي من الدوحة، وتحركها في فرض خطط تقسيم للقطاع، وسط رفض دولي يتصاعد، وحراك عربي فرنسي جديد لبحث سبل الحل للأزمة.

تحركات إسرائيل يراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، تُفاقم مسار الجمود الحالي للمفاوضات دون الاعتراف بفشله، على أمل فتح قنوات تفاوض علنية أو سرية جديدة لبحث حل جديد، وعدّوا الخطط التصعيدية في إطار سياسة الضغط الأقصى التي تمارسها إسرائيل، مرجحين أن تتجه لاتفاق مؤقت لامتصاص أي ضغوط دولية وتجريد «حماس» من ورقة الرهائن.

وواصلت إسرائيل، الجمعة، التصعيد العسكري في غزة، وقالت متحدثة باسم الجيش، كابتن إيلا، عبر حسابها على «إكس»، إن سلاح الجو شنَّ أكثر من 75 غارة على أنحاء متفرقة في قطاع غزة خلال الساعات الـ24 الماضية، في المقابل، أفادت إذاعة «الأقصى» الفلسطينية بأن 28 شخصاً لقوا حتفهم جراء ذلك القصف منذ فجر الجمعة.

وجاء التصعيد غداة سحب الحكومة الإسرائيلية وفدها التفاوضي من الدوحة، بحسب ما ذكره موقع «واي نت» الإسرائيلي، بعد وصول المفاوضات مع حركة «حماس» إلى «طريق مسدودة».

وتزامناً مع هذا التعثر المتكرر منذ انهيار الهدنة في 18 مارس (آذار) الماضي، تحدثت مصادر عسكرية إسرائيلية عن خطة جديدة للجيش تهدف إلى السيطرة على ما بين 70 و75 في المائة من قطاع غزة، وتقسيمه في عدة نقاط رئيسية خلال فترة تمتد لنحو 3 أشهر، عبر عملية موسعة تشارك فيها 5 فرق عسكرية، مع إمكانية تعليق العمليات في حال التوصل إلى صفقة للإفراج عن الرهائن، بحسب ما ذكرت صحيفة «إسرائيل هيوم».

تصاعد الدخان إثر قصف إسرائيلي بينما كان الناس يشقون طريقهم وسط أنقاض المباني المدمرة في جباليا (أ.ف.ب)

بينما عبر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عن دعمه لـ«أهداف بنيامين نتنياهو؛ ومنها إطلاق سراح جميع الرهائن»، بحسب بيان لمكتب الأخير، الخميس، عقب اتصال هاتفي بين الجانبين تناول محادثات بشأن مقتل اثنين من موظفي السفارة الإسرائيلية بواشنطن، والحرب في غزة.

وبنهاية زيارته للمنطقة منتصف مايو (أيار) الحالي، تناقضت تصريحات ترمب بشأن القطاع؛ ما بين الحديث مجدداً حول السيطرة على قطاع غزة، وأخرى بتلميحه إلى أخبار جيدة ستسمع بشأن الأزمة، بعد عدم قدرة مبعوثه للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، على إبرام هدنة خلال الزيارة، رغم جهود بذلها لا سيما مع نتنياهو، بحسب ما أورده إعلام أميركي آنذاك.

ويعتقد خبير الشؤون الإسرائيلية بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» في مصر، الدكتور سعيد عكاشة، أن سحب الوفد الإسرائيلي من الدوحة، وكذلك الحديث عن مخطط تقسيم للقطاع مع التصعيد العسكري يسير في إطار سياسة الضغط الأقصى التي يمارسها نتنياهو، مع موازنة ذلك بحديث متكرر منه الأيام الماضية، عن قبوله هدنة جزئية لتخفيف الضغط الداخلي والدولي عليه، وإشارة منه إلى احتمال وجود قنوات مباشرة أخرى قد تقود لاتفاق في أي لحظة.

ويرى عكاشة أن «واشنطن لم تقرر بعد وقف الحرب، ولم تمارس ضغطاً، كما يجب على إسرائيل، خصوصاً وهي متفقة معها على أهمية أن يتم نزع سلاح (حماس)، وهذا مستحيل أن يلقى استجابة من الحركة، وبالتالي الجمود في المفاوضات العلنية سيستمر دون اعتراف بالفشل، على أمل فتح نافذة أخرى مباشرة علنية أو سرية».

فلسطينيون يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى تضرر في غارة إسرائيلية على مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن سبب الجمود الجديد في المفاوضات، أن نتنياهو مصمم على أن ترفع «حماس» راية الاستسلام وتسليم السلاح والأسرى دون أن يدفع أثماناً بالمقابل، وهذا لن يتحقق وستظل العقبات قائمة، لافتاً إلى أن واشنطن مسؤولة عن هذا التراجع الجديد، ولو كانت تريد وقفاً لأتمت الأمر في ساعات.

ووسط هذا التعثر، توجه وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطى، الجمعة، إلى باريس، للمشاركة في اجتماع لوزراء خارجية الدول أعضاء «اللجنة الوزارية العربية - الإسلامية» مع وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، بهدف «تبادل الرؤى والتقديرات حول تطورات القضية الفلسطينية، وسبل التعامل مع الوضع الإنساني في قطاع غزة وتناول مسألة الاعتراف بدولة فلسطين»، وفق بيان لـ«الخارجية المصرية».

وتضم اللجنة التي شكلت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، وزراء خارجية كل من المملكة العربية السعودية ومصر وقطر والأردن والبحرين وتركيا وإندونيسيا ونيجيريا وفلسطين، وأميني جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.

ويأتي الاجتماع وسط ضغوط أوروبية مزدادة على إسرائيل، تبلورت في مواقف رسمية لنحو 15 دولة تتواصل منذ نحو أسبوع، للمطالبة بوقف الحرب وإدخال المساعدات لدول بينها فرنسا وبريطانيا وكندا والنرويج وإيطاليا وإسبانيا. وكان أحدثها إعلان بارو في تصريحات هذا الأسبوع، أن فرنسا عازمة على الاعتراف بدولة فلسطين، في مؤتمر دولي تنظمه مع السعودية في نيويورك بين 17 و20 يونيو (حزيران) المقبل لدعم حل الدولتين.

امرأة فلسطينية تبكي وهي تحمل جثة رضيع قُتل في غارة إسرائيلية على حي الشجاعية خلال وقت سابق (أ.ف.ب)

عكاشة يرى أن تلك الجهود والضغوط محل تقدير؛ لكن واشنطن يجب أن تتحرك وتضغط على إسرائيل بالمقابل، مرجحاً أن واشنطن تريد أن ينتهي المشهد في غزة بنهاية «حماس» ورحيل نتنياهو في ظل ترتيبات جديدة بالشرق الأوسط، ولحين حدوث ذلك فالموقف الأميركي سيبقى كما هو؛ إلا لو هناك ما يستدعي أن تفعله في إطار مصالحها.

ويعتقد نزال أن الحراك العربي - الفرنسي مهم، وله دور مع الضغوط الدولية المتواصلة، لكن يجب أن تستجيب واشنطن له وتتحرك وتضغط على إسرائيل وتكف عن انحيازاتها واصطفافها مع نتنياهو، لأن هذا يعطل مسار الاتفاق ومصالحها بالمنطقة، لافتاً إلى إمكانية أن يناور نتنياهو مجدداً بإعلان جديد مع تواصل الضغوط الدولية عن قبوله هدنة مؤقتة بهدف تجريد تدريجي لـ«حماس» من ورقة الأسرى ويعود لحربه؛ لكن الأخيرة لن تقبل إلا بصفقة واحدة.

ويرجح المحلل السياسي الفلسطيني أن تصل الأطراف بضغط أميركي جاد، إلى وقف إطلاق نار ممتد يصل إلى عامين أو أكثر، باعتباره شكلاً من أشكال وقف الحرب، وقد يقبل به نتنياهو الذي يقاتل بالأساس من أجل بقائه السياسي المهدد بانتخابات مبكرة محتملة.


مقالات ذات صلة

قوة «استقرار غزة»... 3 أسباب وراء تأخر التشكيل

شمال افريقيا أحد عناصر «حماس» في مدينة غزة (أ.ف.ب) play-circle

قوة «استقرار غزة»... 3 أسباب وراء تأخر التشكيل

تشكلت الأجهزة التنفيذية الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وبقيت «قوة الاستقرار الدولية» تحيطها الأسئلة.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي عائلات بدوية فلسطينية تفكك خيامها في رأس عين العوجا استعداداً للمغادرة بسبب تصاعد هجمات المستوطنين الإسرائيليين (إ.ب.أ) play-circle

عائلات بدوية تُخلي مساكنها في الضفة هرباً من عنف المستوطنين

يقول سكان محليون وجماعات لحقوق الإنسان إن غور الأردن وهو منطقة قليلة السكان نسبياً تقع بالقرب من نهر الأردن تتعرض الآن لضغوط كثيرة من المستوطنين

«الشرق الأوسط» (رام الله)
شؤون إقليمية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء بمدينة شرم الشيخ في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

ترمب يدعو السيسي لـ«مجلس السلام» في غزة

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظيره المصري عبد الفتاح السيسي إلى الانضمام لـ«مجلس السلام».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
العالم العربي فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

جرت مياه جديدة في مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأول اجتماع في القاهرة لـ«لجنة التكنوقراط» المعنية بإدارة القطاع، بعد تشكيلها بتوافق فلسطيني.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي العلَم الإسرائيلي ويظهر جزء من مستوطنة معاليه أدوميم الإسرائيلية في الخلفية بالضفة الغربية المحتلة 14 أغسطس 2025 (رويترز) play-circle

الاتحاد الأوروبي يدعو إسرائيل لوقف مشروع إقامة مستوطنة في الضفة الغربية

دعا الاتحاد الأوروبي حكومة إسرائيل لوقف مشروع إقامة مستوطنة جديدة بالضفة الغربية، ووصف الخطوة بأنها «استفزاز خطير».

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
TT

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

أعلنت الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي حالة الطوارئ القصوى، يومي الاثنين والثلاثاء، في مناطق سيطرتها بشرق البلاد وجنوبها، استعداداً لـ«عاصفة محتملة» على خلفية تحذيرات مركز الأرصاد من احتمال سوء الأحوال الجوية.

وأكد رئيس الحكومة أسامة حمَّاد إعلان حالة الطوارئ القصوى في مناطق جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة رسمية للجهات الحكومية كافة، مع استثناء المرافق الصحية والأمنية، وتعليق المدارس والمؤسسات التعليمية نتيجة التحذيرات الجوية المتوقعة من مركز الأرصاد الجوية.

وتحسباً لتقلبات الطقس، شكَّل عوض البدري، وزير الكهرباء والطاقات المتجددة بحكومة حمَّاد، غرفة طوارئ مركزية لمتابعة الأوضاع الكهربائية في مناطق سهل بنغازي والجبل الأخضر. وستعمل الغرفة على مدار اليوم لتلقي بلاغات الأعطال الكهربائية واتخاذ الإجراءات الفورية لمعالجتها.

وفي السياق نفسه، أعلن مدير أمن بنغازي اللواء صلاح هويدي حالة الطوارئ في جميع مناطق المدينة لمدة 3 أيام، مؤكِّداً ضرورة وجود جميع الضباط والأفراد في مقارِّ عملهم ورفع درجة الجاهزية القصوى، مع تجهيز الآليات والمعدات الفنية واللوجستية لضمان سرعة الاستجابة للتطورات الميدانية.

وطالبت مديرية أمن بنغازي جميع رؤساء المراكز والأقسام بعدم مغادرة مقار العمل طوال فترة الطوارئ، وحمَّلتهم المسؤولية الكاملة عن سير العمل، واتخاذ الإجراءات التي تضمن سلامة المواطنين وحماية الأرواح والممتلكات. كما نصحت المواطنين كافة بتجنّب التنقل والخروج إلا للضرورة القصوى، خاصة بين المدن والطرق السريعة التي قد تشكِّل خطراً مباشراً في ظل الظروف الجوية الحالية.

وقررت مراقبة التربية والتعليم في بنغازي منح عطلة رسمية في جميع المؤسسات التعليمية يومي الاثنين والثلاثاء، بينما علَّقت مراقبة التربية والتعليم بالمرج الدراسة بالمؤسسات التعليمية كافة حتى الثلاثاء المقبل، تحسباً لاحتمال هبوب عاصفة ورياح عالية، وفق تحذيرات مركز الأرصاد الجوية.

وفي شأن آخر، أعلن عبد الله بليحق، الناطق الرسمي باسم مجلس النواب، بدء أعمال اللجنة المشكَّلة برئاسة النائب الثاني لرئيس المجلس، مصباح دومة، المكلفة بالتواصل مع محافظ المصرف المركزي ومجلس إدارته والجهات ذات العلاقة للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية ومشاكل نقص السيولة وسعر الصرف، وضمان انتظام دفع رواتب الموظفين بالدولة.

وأعلن «المركزي»، الأحد، خفض قيمة الدينار بنسبة 14.7 في المائة ليصبح سعر صرفه 6.3759 دينار مقابل الدولار، في ثاني تعديل من نوعه للعملة في أقل من عام، مرجعاً القرار إلى الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي تشهدها ‌البلاد.

وتأتي الخطوة ‌في أعقاب ‌تخفيض ⁠قيمة العملة ‌بنسبة 13.3 في المائة في أبريل (نيسان) 2025، والذي حدد سعر الصرف عند 5.5677 دينار للدولار.

وعزا المصرف في بيان القرار الأخير إلى الآثار ⁠السلبية للانقسامات السياسية المستمرة، وتراجع عائدات النفط ‌بسبب انخفاض أسعار الخام العالمية، والتحديات الاقتصادية المتواصلة والتي تشمل غياب ميزانية عامة موحدة للدولة وتنامي الإنفاق العام.


مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
TT

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمس، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قِبَل طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه من تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، فيما يعيش السودانيون في «أهوال وجحيم».

وقال تورك في مؤتمر صحافي بمدينة بورتسودان، التي تتخذها الحكومة مقرّاً مؤقتاً، وبعد زيارة شملت مدناً سودانية عدة هي الأولى له منذ بدء الحرب: «أدى انتشار المعدات العسكرية المتطورة، ولا سيما الطائرات من دون طيار، إلى تعزيز القدرات العسكرية لكل من (قوات الدعم السريع) والجيش، ما أدَّى بدوره إلى إطالة أمد الأعمال العدائية، وتعميق أزمة المدنيين».

ودعا المسؤول الأممي إلى ضمان مثول مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة، بغض النظر عن انتماءاتهم، مشيراً إلى أن مكتبه في السودان يعمل على توثيق هذه الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها لتمهيد الطريق نحو المساءلة.


مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
TT

مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)

وسط عرض أميركي للوساطة في النزاع بين مصر وإثيوبيا بسبب «سد النهضة» الذي أقامته أديس أبابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل، لوَّحت القاهرة بمطالبتها بـ«تعويضات مالية عن أضرار مائية» تسبب فيها «السد» لكل من مصر والسودان.

وأكد وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم «وجود تضرر على مصر من السد الإثيوبي، وإن لم يشعر المواطن بأثره حتى الآن». وأضاف، خلال كلمته في الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، الأحد: «هناك ضرر طبعاً نتيجة السد الإثيوبي... لمَّا (عندما) يخصم منك ويتم خفض حصتك من المياه، ده (هذا) ضرر».

ومضى قائلاً: «السنوات الماضية كانت من أهم السنوات... المواطن لم يشعر بقطع المياه أو الضرر، لكن هذا لا يبرئ السد الإثيوبي من المسؤولية والإجراءات المنفردة؛ فقد أثر بناء السد على مصر والسودان».

واستطرد: «لا بد من مطالبة إثيوبيا بتعويضات في يوم من الأيام عن كل هذه المبالغ التي تكلفتها مصر لمواجهة نقص المياه، التي وصلت للمليارات».

وتشهد العلاقات المصرية - الإثيوبية توترات متصاعدة بشأن السد الذي بدأت إثيوبيا بناءه في عام 2011، وافتتحته رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط مطالبات من دولتي المصب، مصر والسودان، باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد بما لا يضر بمصالحهما المائية.

سد النهضة الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وطالب أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، مصر والسودان بـ«إعداد ملف كامل بالأضرار التي تسبب فيها سد النهضة»، موضحاً أنها «أضرار يمكن إثباتها بسهولة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «من بين هذه الأضرار تخزين إثيوبيا نحو 64 مليار متر مكعب في بحيرة سد النهضة. هذه المياه كانت ستتدفق إلى مصر والسودان، وحجبها السد»، مضيفاً: «أيضاً عندما قامت إثيوبيا بفتح بوابات السد في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسببت في غرق قرى سودانية وأراضٍ مصرية».

وتتخوف القاهرة من تأثيرات «سد النهضة» التي تصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة؛ فبعد أيام من تدشينه في سبتمبر الماضي، غمرت مياه فيضان نهر النيل عدداً من المدن السودانية، كما شهدت قرى مصرية عدة، خصوصاً في محافظتَي البحيرة والمنوفية، ارتفاعاً غير مسبوق في منسوب مياه النهر، ما أدّى إلى غمر مساحات من أراضي طرح النهر والأراضي الزراعية، فضلاً عن تضرر عدد من المنازل.

وبحسب شراقي، لا يتوقف ضرر السد الإثيوبي عند حجب المياه أو التسبب في فيضانات فجائية، بل «يتسبب في ارتباك لدى الفنيين الذين يقومون بتشغيل السدود في مصر والسودان، نتيجة عدم معرفة آليات تشغيل سد النهضة وحجم المياه التي ستتدفق»، فضلاً عن «الخسائر المالية، فكل مليار متر مكعب من المياه يحجب عن مصر يكلفها خسائر في زراعة الأرض تقدر بمليارات الجنيهات، بجانب المبالغ الكبيرة التي تنفقها القاهرة في تحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي لتعويض النقص في المياه». ووفق شراقي، فإن «كل الأضرار التي تسبب فيها سد النهضة يمكن إثباتها علمياً عن طريق صور الأقمار الصناعية وبيانات محطات الرصد».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أرسل خطاباً رسمياً، الجمعة الماضي، إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي والتوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية. وردَّ السيسي على رسالة ترمب مُثمناً «اهتمام الرئيس الأميركي بمحورية قضية نهر النيل لمصر»، ومؤكداً في تدوينة على حسابه الرسمي على «حرص بلاده على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، القائم على مبادئ القانون الدولي».

ومن جانبه، قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إن «حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة ترمب حول مياه النيل». وأشار عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، السبت، إلى «أهمية إيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم، ما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم».

ويؤكد أستاذ القانون الدولي العام الدكتور محمد محمود مهران أن إعلان وزير الري المصري دراسة طلب تعويضات من إثيوبيا بسبب الأضرار الناجمة عن سد النهضة «يستند إلى أساس قانوني دولي صحيح؛ لكن تحقيق هذا المطلب يواجه تحديات قانونية إجرائية معقدة».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن القانون الدولي يؤكد مسؤولية إثيوبيا عن أي أضرار تلحق بمصر كدولة مصبّ نتيجة بناء السد والملء والتشغيل دون اتفاق ملزم، موضحاً أن المادة 7 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 «تنص صراحة على التزام دول المنبع بعدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول المصب، وإذا حدث ضرر فإن الدولة المتسببة ملزمة بالتعويض».

لكن بحسب مهران، تكمن إشكالية التعويض في أن «مصر إذا أرادت رفع دعوى تعويضات أمام محكمة العدل الدولية فإنها تواجه عقبة جوهرية، وهي أن المحكمة تشترط قبول الطرف الآخر لاختصاصها»، مشيراً إلى أن «إثيوبيا يجب أن توافق على نظر الدعوى، أو أن يكون هناك اتفاق مسبق يمنح المحكمة الاختصاص من خلال اتفاقية إطارية أو ثنائية مثلاً».