تسارع التحضيرات لمؤتمر «حل الدولتين» في الأمم المتحدة برئاسة سعودية - فرنسية

يستهدف إيجاد «دينامية سياسية» واقتراح خريطة طريق عملية لحل الدولتين

وزراء خارجية فرنسا والسعودية ومصر والأردن في مقر وزارة الخارجية الفرنسية الجمعة قبل اجتماع مخصص للتحضير لمؤتمر نيويورك حول حل الدولتين (أ.ب)
وزراء خارجية فرنسا والسعودية ومصر والأردن في مقر وزارة الخارجية الفرنسية الجمعة قبل اجتماع مخصص للتحضير لمؤتمر نيويورك حول حل الدولتين (أ.ب)
TT

تسارع التحضيرات لمؤتمر «حل الدولتين» في الأمم المتحدة برئاسة سعودية - فرنسية

وزراء خارجية فرنسا والسعودية ومصر والأردن في مقر وزارة الخارجية الفرنسية الجمعة قبل اجتماع مخصص للتحضير لمؤتمر نيويورك حول حل الدولتين (أ.ب)
وزراء خارجية فرنسا والسعودية ومصر والأردن في مقر وزارة الخارجية الفرنسية الجمعة قبل اجتماع مخصص للتحضير لمؤتمر نيويورك حول حل الدولتين (أ.ب)

شهدت باريس ونيويورك، في اليوم نفسه، اجتماعين متوازيين حول «المؤتمر الدولي الرفيع المستوى من أجل التسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتنفيذ حلّ الدولتين» (الاسم الرسمي للمؤتمر) المقرر أن تستضيفه الأمم المتحدة في نيويورك ما بين 17 و20 يونيو (حزيران) المقبل، برئاسة مشتركة سعودية - فرنسية.

ودل الاجتماعان على أن التحضيرات قد انطلقت بوتيرة مكثفة للمؤتمر، وأن الطرفين الراعيين يريدان فعلاً تحقيق اختراق فعلي من شأنه فتح الباب، مجدداً، أمام الحل السياسي المغيّب، من خلال العودة إلى أساسيات النزاع، وأولى ركائزها تمكنين الفلسطينيين من بناء دولتهم الموعودة.

ففي باريس، استضاف وزير الخارجية، جان نويل بارو، بعد ظهر الجمعة، نظراءه من السعودية ومصر والأردن (الأمير فيصل بن فرحان وبدر عبد العاطي وأيمن الصفدي)، لجلسة عمل مخصصة للتحضير للمؤتمر المذكور، الأمر الذي يعكس اهتمام فرنسا بالعمل يداً بيد مع الشركاء العرب، وخصوصاً مع الجانب السعودي.

وأفادت مصادر رسمية فرنسية بأن باريس «تعوّل» على وزن السعودية على المستويات العربية والإسلامية والدولية بوصفها شريكاً في رئاسة المؤتمر بتوكيل من الأمم المتحدة بموجب قرار تم اتخاذه في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي.

وبالمقابل، فإن انخراط باريس التام يوفر للمؤتمر دعماً أساسياً بالنظر لكون فرنسا عضواً دائماً في مجلس الأمن، وتتمتع بقدرة تأثيرية داخل الاتحاد الأوروبي، وبالتالي، فإن هناك نوعاً من «التكامل» بين الطرفين العربي والأوروبي، وفق ما يشدد عليه دبلوماسي عربي في باريس.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عازم على الاعتراف بالدولة الفلسطينية (أ.ف.ب)

الدينامية السياسية

بموازاة اجتماع باريس، انعقد في مقر الأمم المتحدة في نيويورك اجتماع تحضيري لتقييم ما أنجزته مجموعات العمل الثماني التي تم تشكيلها سابقاً، والغرض منها تقديم مقترحات «عملية» ملموسة للدفع باتجاه تنفيذ حل الدولتين الذي يرى فيه الراعيان «الخيار الوحيد» لوضع حد للنزاع الفلسطيني - الإسرائيلي.

ومن المفترض أن تواصل هذه المجموعات أنشطتها حتى موعد المؤتمر بحيث توفر خلاصاتها الأساس الذي ستبنى عليه «الوثيقة النهائية» المفترض بها أن ترسم السبيل والإجراءات لقيام الدولة الفلسطينية.

وتغطي المجموعات الثماني طيفاً واسعاً من القطاعات؛ منها المسائل الأمنية والمساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار.

ووفق العرض الذي قدمه الجانب الفرنسي، فإن مؤتمر يونيو (حزيران) مفتوح أمام كافة أعضاء المنظمة الدولية، ولكن أيضاً أمام الأطراف المتمتعة بصفة «مراقب».

ويراهن الراعيان على أن يحظى المؤتمر بحضور واسع رفيع المستوى. ويتوقع أن يفتتحه الأمين العام للمنظمة الدولية، يليه الرئيس الدوري للجمعية العامة، ثم رئيسا المؤتمر، وبعدها لمن يريد التعبير عن وجهة نظره.

وستشهد الجلسة الأولى عرضاً يقدمه رؤساء المجموعات الثماني لخلاصات أعمالهم.

ومن المقرر أن تنشر الوثيقة النهائية التي يراد لها أن تكون بمثابة «خريطة طريق» للحل السياسي القائم على وجود دولتين تعيشان جنباً إلى جنب.

والمطلوب أن تركز الوثيقة على «الأعمال الملموسة التي ترسم الطريق نحو الحل السلمي وقيام الدولتين».

وتضيف باريس أن المطلوب «ليس مناقشة قرارات دولية بل التركيز على التدابير العملية التي تيسّر الوصل إلى الحل ووضعه موضع التنفيذ».

نزوح من مدينة غزة يوم الخميس (د.ب.أ)

يعي الطرفان الجميع صعوبة المرحلة التي ينعقد المؤتمر في سياقها. فحرب غزة التي ترفض الحكومة الإسرائيلية وضع حد لها، وعنف المستوطنين في الضفة الغربية، وعمليات الجيش الإسرائيلي المتواصلة، والأصوات الداعية إما لضم الضفة الغربية وإما لترحيل الفلسطينيين عن غزة، والهوة التي تزداد اتساعاً بين الشعبين، كل ذلك لا يوفر أفضل الظروف للمؤتمر والحل المطلوب.

بيد أن هناك، وفق القراءة الفرنسية، هدفاً وقناعة: الهدف هو تعبئة الأسرة الدولية حول الحاجة للحل السياسي. والقناعة: القدرة على إطلاق «دينامية سياسية» تعيد الحل السياسي إلى الواجهة باعتبار أن لا بديل سواه بما في ذلك الحل العسكري».

صورة للاجتماع الرباعي في مقر وزارة الخارجية في باريس بعد ظهر الجمعة (أ.ب)

المحاور الأربعة

لأجل الذهاب نحو الهدف المذكور، يتم تركيز العمل، في المرحلة الراهنة، على تحقيق تقدم في أربعة محاور رئيسية؛ أولها الاعتراف بدولة فلسطين.

وترى باريس أن الغرض المطلوب تحقيقه «إطلاق تيار لا يمكن الرجوع عنه» لقيام دولة فلسطين التي اعترف بها حتى الآن ما لا يقل عن خمسين دولة، لكن ليس بينها أي دولة غربية تشغل مقعداً دائماً في مجلس الأمن الدولي.

وأعرب الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي من المتوقع أن يذهب إلى نيويورك بمناسبة المؤتمر، عن استعداده للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو ما أكده لاحقاً وزير خارجيته.

ثم إن البيان الثلاثي المشترك الذي صدر، الثلاثاء، عن فرنسا وبريطانيا وكندا والذي أثار غيظ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أكد أن الأطراف الثلاثة سوف تعترف بالدولة الفلسطينية.

وجاء في حرفية الفقرة المعنية ما يلي: «نؤكد الدور المهم الذي سيلعبه مؤتمر (نيويورك) رفيع المستوى حول حل الدولتين، من أجل التوصل إلى توافق دولي حول هذا الهدف. نحن عازمون على الاعتراف بدولة فلسطينية كإسهام في تحقيق حل الدولتين، ونحن مستعدون للعمل مع الآخرين لتحقيق هذه الغاية».

وقال بارو إن فرنسا «عازمة على الاعتراف بدولة فلسطين». والاعتراف، بحسب باريس، سيساعد السلطة الفلسطينية، وسيشكل وسيلة لمجابهة «من يلجأ إلى العنف والإرهاب».

يقوم المحور الثالث على مبدأ أن «المقابل» للاعتراف بالدولة الفلسطينية هو التطبيع مع إسرائيل. وقالت باريس: «نريد اعترافات متبادلة».

وأفاد كريستوف لوموان، الناطق باسم وزارة الخارجية الفرنسية، بأنه «من أجل توخي حل الدولتين، فإن مسألة الاعتراف المتبادل بين الدول أمر بالغ الأهمية».

وأضاف: «إذا أردنا أن نتمكن من التحدث عن حلّ الدولتين، فيجب على الدول التي لم تعترف بفلسطين أن تعترف بها، ويجب على الدول التي لم تعترف بإسرائيل أن تبادر بالتحرك نحو التطبيع».

بيد أن المصادر الفرنسية ترى أن حرب غزة بما يرافقها من جرائم «سيجعل من الصعب أن تعمد دول عربية لم تعترف بإسرائيل إلى الاعتراف بها»، بمناسبة المؤتمر.

ويتمثل المحور الثالث بإصلاح السلطة الفلسطينية؛ إن كان لجهة إحداث تغيير في هرمها أو في البنى الحكومية وإعادة الديمقراطية لعملها ومواجهة التيارات الفلسطينية الراديكالية.

وتعتبر باريس أن إصلاح السلطة يعد خطوة مهمة؛ كونها مستهدفة، وأن السياسة الإسرائيلية تعمل على إضعافها.

متظاهرون إسرائيليون الجمعة في سديروت قرب الحدود مع غزة للمطالبة بوقف فوري لإطلاق النار (د.ب.أ)

وتشكل الضمانات الأمنية لإسرائيل المحور الرابع وعنوانه نزع سلاح «حماس»، وإبعادها عن حكم غزة، والنظر في «هندسة أمنية إقليمية» تكون إسرائيل طرفاً فيها.

كثيرةٌ العوائق والتساؤلات التي تحاصر المؤتمر الموعود الهادف إلى إنفاذ حل الدولتين الذي تحول في السنوات الأخيرة إلى مجرد شراع يكرر غالباً لرفع العتب. وأول العوائق الموقفان الأميركي والإسرائيلي. وتؤكد باريس أنه تم التواصل مع الطرفين المذكورين.

وحتى اليوم، لم يصدر عن واشنطن أي تعليق على التحضيرات أو على أهداف المؤتمر. وليس سراً أن واشنطن ناهضت أي قرار عملي يذهب في هذا الاتجاه.

ويعلم الجميع أن نتنياهو يرفض قطعاً قيام دولة فلسطينية، فيما حلفاؤه في الحكومة يفكرون في الطريقة المثلى للتخلص من الفلسطينيين.

كذلك، فإن العلاقات الفرنسية - الإسرائيلية تعاني حالياً من تأزم بالغ بسبب مواقف باريس؛ إن لجهة الاعتراف بالدولة الفلسطينية أو من حرب غزة ومن سياسة إسرائيل في الضفة الغربية.

وآخر ملفات الخلاف استهداف الجيش الإسرائيلي بالرصاص دبلوماسيين، بينهم دبلوماسي فرنسي، كانوا في زيارة لمخيم جنين.

وتفيد أوساط واسعة الاطلاع في باريس بأن نتنياهو «هدد» باريس بإجراءات «راديكالية» في حال أقدمت على خطة الاعتراف التي عدّها «مكافأة لإرهاب (حماس)».


مقالات ذات صلة

السعودية تشدد على ضمان الارتباط المؤسسي والجغرافي بين غزة والضفة الغربية

الخليج شددت السعودية على ضمان انسحاب القوات الإسرائيلية وإنهاء الاحتلال وتهيئة الظروف اللازمة للتقدم السياسي (أ.ب)

السعودية تشدد على ضمان الارتباط المؤسسي والجغرافي بين غزة والضفة الغربية

شددت السعودية على أهمية تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2803 الذي يمثل المرجعية القانونية والسياسية، ولا سيما فيما يتعلق بعمل مجلس السلام.

«الشرق الأوسط» (دبلن)
الخليج جانب من اللقاء (واس)

مباحثات سعودية – فلسطينية تشدد على تسوية عادلة ودائمة

استعرض وزير خارجية السعودية، ونائب الرئيس الفلسطيني، تطورات الأوضاع في قطاع غزة والضفة الغربية، ولا سيما التداعيات الإنسانية المتفاقمة التي يعانيها سكان غزة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج صورة جوية لقبة الصخرة والمسجد الأقصى في القدس (رويترز)

إجماع دولي في جدة على دعم فلسطين... ورفض الإجراءات الإسرائيلية الأحادية

أعلنت وفود دولية رفيعة المستوى من جدة، دعمها لفلسطين ورفض الإجراءات الإسرائيلية الأحادية، مؤكدة ضرورة «حل الدولتين»، وإنهاء الاحتلال، وحماية الحقوق الإنسانية.

«الشرق الأوسط» (جدة)
العالم العربي أعضاء مجلس الأمن يصوتون على مشروع قرار قدمته الولايات المتحدة لتفويض قوة دولية لحفظ الاستقرار في غزة (د.ب.أ)

خطة ترمب لغزة تنال مباركة أممية واسعة تدفع مسار الدولة الفلسطينية

وفّر مجلس الأمن غطاء دولياً واسعاً لخريطة الطريق الأميركية بشأن غزة، فيما يمثل اختراقاً مهماً يعطي بعداً قانونياً يتجاوز مجرد وقف النار وإطلاق الرهائن.

علي بردى (واشنطن)
العالم رجل يتحدث أثناء تجمع الناس دعماً للفلسطينيين بينما يرفرف العلم الفلسطيني في تورونتو بكندا 17 نوفمبر 2025 (رويترز)

للمرة الأولى... العلم الفلسطيني يرفرف على مبنى بلدية تورونتو الكندية

رُفع العلم الفلسطيني على مبنى بلدية تورونتو، الاثنين، للمرة الأولى منذ اعتراف الحكومة الفيدرالية بدولة فلسطين في سبتمبر.

«الشرق الأوسط» (تورونتو)

توسع نطاق الاعتقالات في صفوف الناشطين الإصلاحيين في إيران

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يلتقط صورة تذكارية مع أعضاء اللجنة المركزية لجبهة الإصلاحات وتقف إلى جانبه آذر منصوري ويبدو شكوري راد وخلفه العلم الإيراني بحضور مسؤولين وناشطين آخرين نوفمبر 2024 (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يلتقط صورة تذكارية مع أعضاء اللجنة المركزية لجبهة الإصلاحات وتقف إلى جانبه آذر منصوري ويبدو شكوري راد وخلفه العلم الإيراني بحضور مسؤولين وناشطين آخرين نوفمبر 2024 (الرئاسة الإيرانية)
TT

توسع نطاق الاعتقالات في صفوف الناشطين الإصلاحيين في إيران

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يلتقط صورة تذكارية مع أعضاء اللجنة المركزية لجبهة الإصلاحات وتقف إلى جانبه آذر منصوري ويبدو شكوري راد وخلفه العلم الإيراني بحضور مسؤولين وناشطين آخرين نوفمبر 2024 (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يلتقط صورة تذكارية مع أعضاء اللجنة المركزية لجبهة الإصلاحات وتقف إلى جانبه آذر منصوري ويبدو شكوري راد وخلفه العلم الإيراني بحضور مسؤولين وناشطين آخرين نوفمبر 2024 (الرئاسة الإيرانية)

وسعت السلطات الإيرانية، خلال الأيام الأخيرة، حملة الاعتقالات بحق شخصيات وناشطين من التيار الإصلاحي، شملت قيادات حزبية وبرلمانيين سابقين، على خلفية مواقفهم من احتجاجات يناير (كانون الثاني)، وفق ما أفادت به وسائل إعلام رسمية وإصلاحية.

وتأتي هذه التوقيفات في وقت تواصل فيه طهران تشديد قبضتها الأمنية في الداخل، بالتوازي مع تمسّكها بشروطها في ملف التفاوض مع الولايات المتحدة، مصرة على استمرار تخصيب اليورانيوم، ورفض إدراج برنامجها الصاروخي في أي مسار تفاوضي، مع التشديد على انعدام الثقة بواشنطن.

وأفادت وسائل إعلام محلية وإصلاحية بأن أجهزة أمنية وقضائية أوقفت أربع شخصيات إصلاحية بارزة أبدت تعاطفاً مع المحتجين خلال المظاهرات الأخيرة.

وأكدت تقارير متطابقة أن حملة التوقيفات بدأت الأحد، وشملت آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات» والأمينة العامة لحزب «اتحاد ملت إيران» الإصلاحي، إلى جانب إبراهيم أصغر زاده، النائب الأسبق، ومحسن أمين‌ زاده، نائب وزير الخارجية في حكومة الرئيس الأسبق محمد خاتمي.

وذكرت وكالة «فارس»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، أن «المؤسسات الأمنية والقضائية» أوقفت هؤلاء الناشطين، مشيرة إلى أن «الاتهامات الموجهة إليهم تشمل استهداف التماسك الوطني، واتخاذ مواقف مناوئة للدستور، والتناغم مع دعاية العدو، والترويج لنهج الاستسلام، وإنشاء آليات تخريبية سرية».

إيرانيون يتظاهرون ضد الحكومة في طهران 9 يناير 2026 (أ.ب)

بدورها، أكدت وكالة «ميزان» التابعة للسلطة القضائية توقيف وتوجيه الاتهام إلى «عدد من الشخصيات السياسية»، من دون الكشف عن أسمائهم، موضحة أن الاعتقالات جاءت بعد «الانتهاء من التحقيق في أعمال وأنشطة بعض العناصر السياسية المهمة الداعمة للكيان الصهيوني والولايات المتحدة».

وفي السياق نفسه، أفادت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» بأن الادعاء العام في طهران وجّه اتهامات رسمية إلى عدد من العناصر السياسية البارزة على خلفية ما وصفه بـ«دعم النظام الصهيوني والولايات المتحدة»، في إطار التحقيقات المرتبطة بأحداث يناير. ولم تكشف الوكالة عن أسماء المعنيين أو انتماءاتهم الحزبية.

وأضافت «تسنيم» أن الأحداث التي وصفتها بـ«الإرهابية» أظهرت ارتباطاً عملياً وعملياتياً بـ«إسرائيل»، وأجهزة «الاستكبار»، عبر شبكة تنظيمية وإعلامية عملت خلف الكواليس وفي الفضاء الافتراضي لتبرير أعمال العنف والتأثير على الأمن الداخلي. وحسب الوكالة، أدى رصد سلوك عناصر سياسية بارزة خلال ذروة التهديدات الأميركية والإسرائيلية إلى وضع ملفاتهم على جدول أعمال الادعاء العام، قبل توجيه اتهامات إلى أربعة أشخاص واعتقال عدد منهم، واستدعاء آخرين للتحقيق.

توسع دائرة التوقيف

واستمرت حملة الاعتقالات صباح الاثنين، إذ أعلن عن اعتقال جواد إمام، المتحدث باسم «جبهة الإصلاحات»، بعد مداهمة منزله فجر الأحد من قبل عناصر استخبارات «الحرس الثوري»، وفق ما أوردته صحيفة «شرق» الإصلاحية، ووكالة «فارس».

وفي سياق موازٍ، اعتُقل حسين كروبي، نجل الزعيم الإصلاحي مهدي كروبي، بعد استدعائه إلى نيابة الثقافة والإعلام، وفق ما نقل المحامي الخاص به لصحيفة «اعتماد».

وفي وقت لاحق، قالت وكالة «فارس» إنه «في إطار مواصلة التعامل مع الحلقة الانقلابية والمحرضة على الفوضى، جرى توقيف علي شكوري‌ راد، عضو اللجنة المركزية لحزب (اتحاد ملت)، بموجب حكم قضائي».

جواد إمام الثاني من يسار الصورة خلال لقاء مع الرئيس مسعود بزشكيان نوفمبر 2024 (الرئاسة الإيرانية)

كما جرى استدعاء كل من محسن آرمين وبدر السادات مفيدي وفرج كميجاني، وهم أعضاء في اللجنة المركزية لجبهة الإصلاحات، عبر إخطارات قضائية. وسبق ذلك بيوم واحد الإعلان عن توقيف قربان بهزاديان ‌نجاد، مستشار مير حسين موسوي ورئيس حملته الانتخابية في انتخابات عام 2009.

وكانت إيران قد شهدت في 28 ديسمبر (كانون الأول) احتجاجات واسعة بدأت على خلفية الأوضاع المعيشية وارتفاع تكاليف الحياة، قبل أن تتسع سريعاً إلى حركة احتجاجية ذات مطالب سياسية وصلت إلى الدعوة لإسقاط النظام.

ووفق السلطات، تحولت المظاهرات من احتجاجات سلمية إلى «أعمال شغب» شملت القتل والتخريب، واتُّهمت الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف خلفها.

وأدت حملة القمع اللاحقة إلى إنهاء الاحتجاجات، التي وُصفت بأنها التحدي السياسي الأكبر للجمهورية الإسلامية منذ عام 1979.

وحسب منظمة «هرانا» الحقوقية، ومقرها الولايات المتحدة، جرى توثيق مقتل 6971 شخصاً خلال تلك الأحداث، معظمهم من المتظاهرين، إضافة إلى أكثر من 51 ألف معتقل.

وقبيل توسّع حملة الاعتقالات، وجّه رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي انتقادات حادة لشخصيات داخلية أصدرت بيانات خلال الاحتجاجات، وطالبت بإصلاحات وتشكيل لجنة تقصي حقائق وطنية.

وقال إن «الذين يصدرون من الداخل بيانات ضد الجمهورية الإسلامية يرددون صدى النظام الصهيوني والولايات المتحدة»، محذراً من أن عدم الوقوف إلى جانب «ولي الفقيه» يؤدي إلى المصير نفسه الذي انتهى إليه «أولئك الذين لجأوا إلى صدام حسين أثناء الحرب، ويلجأون اليوم إلى الصهاينة المجرمين».

انتقادات إصلاحية

وفي رد فعل سياسي، قال حزب «اتحاد ملت إيران» الإصلاحي إن اعتقال آذر منصوري، إلى جانب شخصيات إصلاحية أخرى، يمثل «خطأً استراتيجياً» لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمات.

وطالب الحزب بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلين السياسيين، منتقداً ما وصفه بـ«التعامل الأمني» مع قوى سياسية سلمية.

وأشارت «جبهة الإصلاحات» في بيان وقعه عدد من أعضائها إلى أن «قطاعاً واسعاً من مواطني إيران فقدوا ثقتهم بجميع المؤسسات التي كان يفترض أن تكون ملاذاً لهم وممثلةً لمطالبهم»، مطالبة بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة، وتقديم تقرير شفاف إلى الرأي العام.

اتهامات لقوات الأمن

وتزامنت الاعتقالات مع تصاعد الجدل حول تصريحات علي شكوري‌ راد، الرئيس السابق لـ«جبهة الإصلاحات» والبرلماني الأسبق، الذي اتهم القوات الأمنية بـ«افتعال القتل من صفوف عناصرها» و«إحراق المساجد» خلال الاحتجاجات.

وأثار ذلك رد فعل غاضباً من النائب المتشدد أمير حسين ثابتي، الذي طالب شكوري‌ راد بتقديم أدلة، محذراً من أن عدم تقديمها «يفرض على السلطة القضائية محاكمته حتماً». وفي رسالة رسمية، اتهمه بطرح «ادعاءات غريبة وغير موثقة».

واحتج النائب المتشدد مهدي كوتشك ‌زاده، الاثنين، على عدم اعتقال شكوري راد قائلاً: «كيف يعقل أن تعتقلوا بضعة أشخاص لا قيمة لهم، في حين لا يتخذ أي إجراء بحق شكوري‌ راد؟».

وأضاف كوتشك‌ زاده: «كيف لا تتخذون أي إجراء بحق السيد شكوري ‌راد الذي يوجه، في ظروف حرب شاملة، تلك الترهات إلى القوات العسكرية والأمنية؟ أوقفوا هؤلاء، فبهذه الطريقة لا يمكن إدارة البلاد».

ماذا قال شكوري‌ راد؟

وفي تسجيل صوتي نُشر الأسبوع الماضي، قدّم شكوري‌ راد رواية مفصلة لأحداث 8 و9 يناير، قال فيها إن «افتعال القتل من عناصرهم هو مشروع لقمع الاضطرابات»، مضيفاً أن «حرق المساجد والأضرحة والمصاحف وقتل عناصر من الباسيج والأمن يُستخدم ذريعةً للقمع»، معرباً عن رفضه الرواية الرسمية التي تتهم الموساد وفرق عمليات خارجية.

وانتقد شكوري‌ راد وصف الرئيس مسعود بزشكيان للمحتجين بـ«المشاغبين»، عاداً أن ذلك «أحرق دوره بصفته قوة وسطية»، مؤكداً أن «القوة الوسطية رأسمال اجتماعي أساسي في الأزمات».

وأشار شكوري‌ راد أيضاً إلى المؤتمر الأخير لحزب «اتحاد ملت»، حيث طُرح اقتراح يقضي بأن يقوم المرشد علي خامنئي، لمعالجة الأوضاع الراهنة، بتفويض جزء من صلاحياته إلى الرئيس بزشكيان، مؤكداً أن هذا الطرح نوقش داخل أطر حزبية مغلقة.

وكانت قناة «إيران إنترنشنال» المعارضة، قد ذكرت في 20 يناير، أن اللجنة المركزية لـ«جبهة الإصلاحات» عقدت اجتماعاً طارئاً وسرياً ناقشت فيه مسودة بيان تطالب بتنحي خامنئي، وتشكيل «مجلس انتقالي» لإدارة البلاد وتهيئة مسار انتقال سياسي.

وأضاف التقرير أن الأجهزة الأمنية تدخلت وهددت قادة الجبهة، ما أدى إلى وقف نشر البيان، والتراجع عن أي دعوة علنية، بما في ذلك مقترحات «استقالات جماعية»، و«دعوات لمظاهرات واسعة».

«جبهة إنقاذ إيران»

ومن جانبه، أفاد موقع «كلمة» التابع لمكتب مير حسين موسوي، الاثنين، أن موجة الاعتقالات الجديدة استهدفت شخصيات أيدت فكرة تشكيل «جبهة إنقاذ إيران»، وهو اقتراح طرحه موسوي، مشيراً إلى أن توقيفات الأيام الأخيرة.

وقال أمير أرجمند، مستشار موسوي، إن النظام «يعد انتقال ثقل المعارضة إلى الداخل وتشكّل معارضة وطنية تهديداً وجودياً»، مضيفاً أن الاعتقالات الأخيرة «صممت في هذا السياق».

منصوري تجلس إلى جانب محسن ميرزائي مدير مكتب الرئيس الإيراني خلال اجتماع يوليو الماضي (الرئاسة الإيرانية)

وقال المحلل الإصلاحي أحمد زيد آبادي إن اعتقال واستدعاء قادة في «جبهة الإصلاحات» في هذا التوقيت «يثير أسفاً بالغاً»، محذراً من أن هذه الإجراءات لا تزيد إلا من الاحتقان النفسي على المدى القصير، وتعمق الشروخ بين القوى السياسية على المدى البعيد.

ورأى أن تجارب ما بعد كل اضطراب تُظهر أن الإصلاحيين غالباً ما يدفعون الثمن، سواء شاركوا أم لم يشاركوا، عبر خسارة كوادرهم وإمكاناتهم التنظيمية، لكنه رغم موجات الاعتقال المتجددة لا يستبعد «بصيص أمل» يسمح بعبور إيران أزماتها من دون انهيار.

من جهته، تساءل الناشط الإصلاحي حسن زيد آبادي على منصة «إكس» عن توقيت الاعتقالات وقال: «هل الثقة التي قادت إلى الاعتقالات الأخيرة هي نتيجة اتفاق مع جهات أجنبية؟ ربما!».


جنرالات إسرائيل يحذرون الحكومة من تصريحاتها المتغطرسة وأضرارها مع العرب

ضربة إسرائيلية استهدفت مخيماً للنازحين إلى الغرب من خان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
ضربة إسرائيلية استهدفت مخيماً للنازحين إلى الغرب من خان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

جنرالات إسرائيل يحذرون الحكومة من تصريحاتها المتغطرسة وأضرارها مع العرب

ضربة إسرائيلية استهدفت مخيماً للنازحين إلى الغرب من خان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
ضربة إسرائيلية استهدفت مخيماً للنازحين إلى الغرب من خان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

حذر عدد من الجنرالات في الجيش والمخابرات الإسرائيلية من التبعات والتأثيرات السلبية لتصريحات عدد من المسؤولين السياسيين، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، التي تتسم بالغطرسة والغرور. وقال هؤلاء، خلال اجتماعات رسمية موثقة في البروتوكولات: «إن تبجح القادة السياسيين يجعل إسرائيل في نظر دول المنطقة عنصراً خطيراً وغير متوقع، يهدد الاستقرار الإقليمي، ويجعل هذه الدول تفتش عن تحالفات ضدها».

سلاح الجو الإسرائيلي خلال تدريبات «بلو فلاغ» السابقة (الجيش الإسرائيلي)

وبحسب المراسل العسكري لصحيفة «هآرتس»، ينيف كوفوفيتش، فإن الجنرالات لم يكتفوا بالتذمر، بل توجهوا رسمياً باسم المؤسسة الأمنية، وعبَّروا صراحة عن القلق من أنه «في ظل الصراعات السياسية التي تجري في إسرائيل، فإنه تتم ترجمة الإنجازات الحربية والردع اللذين حققهما الجيش الإسرائيلي بتكلفة باهظة من قِبل القيادة السياسية، لا سيما الوزراء الكبار، إلى خطاب تفاخر أهوج يبلغ حد الإهانة لبعض دول المنطقة».

وحذرت المؤسسة الأمنية القيادة السياسية من أن «التحول من حالة الردع الإقليمي إلى حالة الإهانة الإقليمية يدفع دول الشرق الأوسط، بما في ذلك الدول التي وقَّعت على اتفاقات إبراهيم، أو التي تجري محادثات للانضمام إليها، إلى فقدان الثقة والخوف من طموحات إسرائيل الإقليمية».

وحسب المؤسسة، «تقيم هذه الدول تحالفات مع الولايات المتحدة وأوروبا الغربية وفيما بينها لمنع إسرائيل من مراكمة نفوذ غير منضبط في المنطقة، وخلق أدوات ضغط قد تؤثر سلباً في أمن إسرائيل واقتصادها».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

المعلوم أن القادة العسكريين الإسرائيليين لم يكونوا أبرياء في لهجة الغطرسة والعجرفة الإسرائيلية، بل هم أهم عناصر تكوينها. ومع ذلك فإنهم، على ما يبدو، بدأوا يرون تداعياتها الخطيرة، لكنهم، وفقاً للعادة السائدة في تل أبيب خصوصاً في الآونة الأخيرة، يلقون بالمسؤولية على الآخرين من دون أن يحاسبوا أنفسهم على التصرف نفسه.

ونقلت الصحيفة عن «مصدر أمني رفيع» قوله: «دول كثيرة في الشرق الأوسط تعتقد أن إسرائيل أصبحت بعد هذه الحرب أقوى، بما يفوق حجمها الحقيقي في المنطقة؛ فالقدرة التي أظهرها الجيش و(الشاباك) و(الموساد) في أثناء الحرب أعادت بدرجة كبيرة قوة الردع أمام جميع الأطراف الفاعلة في المنطقة، وجعلتها تقدر قوتها العسكرية، ولكن الخطابات المغرورة والتصريحات غير المسؤولة من قبل النخبة السياسية تحول الردع إلى إهانة؛ ففي الشرق الأوسط يتم النظر إلى أي شخص يراكم كثيراً من السلطة، ويتفاخر بها على الفور على أنه عامل يضعضع الاستقرار، ويجب الاستعداد لصده».

قوات إسرائيلية في الأراضي السورية (حساب الجيش الإسرائيلي)

ويتضح من مراجعة هذه التحذيرات أن الجنرالات يقصدون انتقاد تصريحات علنية لكبار الوزراء، مثل نتنياهو، الذي يتباهى بأن «إسرائيل غيرت وجه الشرق الأوسط»، ويهدد باستئناف الحرب في كل الجبهات. وتصريحات وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، الذي يتباهى بممارسات تستهدف فرض حقائق على الأرض يمكن أن تؤدي إلى ضم الضفة الغربية، خلافاً لموقف أميركا. كما يقصدون الحملة التي أطلقها عدد من أعضاء فريق المستشارين في مكتب رئيس الحكومة، التي هدفت إلى الإضرار بمكانة مصر الإقليمية واتفاق السلام، بزعم أن المصريين كانوا يحشدون القوات استعداداً للمواجهة مع إسرائيل، وأنهم سمحوا بالتهريب في الأنفاق عن طريق محور فيلادلفيا حتى في أثناء الحرب، الأمر الذي كرره مسؤولون كبار في الحكومة، وتبين بعد ذلك أنه افتراء، ومحاولة اغتيال قادة «حماس» الكبار في قطر في أثناء المفاوضات حول صفقة الرهائن، وهو الحدث الذي جعل دول الشرق الأوسط تتأكد، وفقاً للمؤسسة الأمنية، أنه من الصعب الوثوق بالحكومة الإسرائيلية الحالية.

وقال المسؤولون أنفسهم، بحسب الصحيفة، إنه «إذا كان الخوف من امتلاك إيران للسلاح النووي كابوساً مشتركاً بين كثير من دول الشرق الأوسط، فإن القلق يسود دول الخليج إزاء ثقة إسرائيل المفرطة بنفسها، التي تتحول بالنسبة لهم إلى عامل يقوض الاستقرار الأمني في المنطقة».

ونقلت عن «مصدر أمني رفيع ومطلع» القول: «يوجد توجه واضح لدى الشخصيات السياسية وكبار المسؤولين في المؤسسة الأمنية أيضاً؛ حيث يعتقدون أن القوة العسكرية تحقق إنجازات أكبر من التحركات السياسية. وبالنسبة لدول الخليج، فهذه رسالة تقول إن إسرائيل مستعدة لاستخدام القوة حتى في ساحات الشراكة مثلما حدث في قطر. وقادة كثيرون منهم يتساءلون عما إذا كانت إسرائيل، بعد إيران، ستكون هي العامل الذي سيحاول التأثير فيما يحدث في دولهم، وإذا كان يتوقع أنها ستعدهم تهديداً في الغد، وتشن الهجوم عليهم. هذا مصدر قلق حقيقي في المنطقة».

جنود إسرائيليون يراقبون الحدود مع الأردن (أرشيفية - الجيش الإسرائيلي)

وتختتم «هآرتس» تقريرها بالتأكيد على أن موقف المؤسسة الأمنية مثلما عرض مؤخراً في النقاشات الأمنية، وهو أن الاستمرار في خلق خطاب يصور إسرائيل بأنها تفضل الحلول العسكرية أحادية البعد على العمليات السياسية والمدنية والاقتصادية، هو موقف خاطئ. واستمرار سياسة التفاخر المهينة قد يؤدي إلى تآكل اتفاقات السلام والإضرار بالتطبيع الذي رسخته اتفاقات إبراهيم، وضياع فرص التعاون مع دول أخرى».


رفض أردني - فلسطيني تام للقرارات الإسرائيلية الأخطر على الضفة

فتيات فلسطينيات يرفعن علامة النصر على أنقاض مبانٍ هدمتها إسرائيل في بيت عوا بمدينة الخليل بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
فتيات فلسطينيات يرفعن علامة النصر على أنقاض مبانٍ هدمتها إسرائيل في بيت عوا بمدينة الخليل بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
TT

رفض أردني - فلسطيني تام للقرارات الإسرائيلية الأخطر على الضفة

فتيات فلسطينيات يرفعن علامة النصر على أنقاض مبانٍ هدمتها إسرائيل في بيت عوا بمدينة الخليل بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
فتيات فلسطينيات يرفعن علامة النصر على أنقاض مبانٍ هدمتها إسرائيل في بيت عوا بمدينة الخليل بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

أكد العاهل الأردني الملك عبد ﷲ الثاني «رفض بلاده التام» لأي قرارات من شأنها انتهاك الحقوق العادلة والمشروعة للأشقاء الفلسطينيين وقيام دولتهم المستقلة على أساس حل الدولتين».

وجدد لدى استقباله الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في عمان، الاثنين، «إدانة بلاده الإجراءات غير الشرعية التي تهدف إلى ترسيخ الاستيطان وفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية».

وحسب البيان الصحافي الصادر عن الديوان الملكي، فإن اللقاء عُقد في «قصر الحسينية» لبحث مجمل التطورات في الأراضي الفلسطينية، وشدد خلاله الزعيمان «على ضرورة إدامة التنسيق الثنائي ومع الشركاء الإقليميين والدوليين للضغط باتجاه وقف التصعيد الإسرائيلي الخطير، الذي من شأنه تأجيج الصراع في المنطقة».

الملك عبد الله الثاني يستقبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس في عمّان (أ.ف.ب)

وفيما يخص المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، أعاد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، التأكيد على «استمرار المملكة في القيام بدورها التاريخي في رعاية هذه المقدسات، انطلاقاً من الوصاية الهاشمية عليها».

وجدد الملك الأردني دعم جهود السلطة الوطنية الفلسطينية في الإصلاح، بما يخدم مصالح الشعب الفلسطيني الشقيق.

بدوره، حذر عباس من «خطورة القرارات (التي اتخذها الكابينت الإسرائيلي) وتداعياتها على الأمن والاستقرار في المنطقة، بخاصة في ظل استهداف المقدسات الإسلامية والمسيحية، ومع اقتراب شهر رمضان المبارك».

وقال: «ندعو الرئيس دونالد ترمب إلى إعادة تأكيد وقف التهجير والضم، وهي التعهدات التي التزمت بها الإدارة الأميركية في سبتمبر (أيلول) الماضي خلال بحث خطة الرئيس ترمب مع قادة الدول العربية والإسلامية في نيويورك».

وبينما تصادر الحكومة الإسرائيلية المزيد من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، بهدف توسيع رقعة الاستيطان، وفرض واقع جديد على الأرض، فإن الأردن الرسمي «على تنسيق مستمر مع الولايات المتحدة الأميركية لمنع إسرائيل من التعسف في فرض إجراءات أحادية، أو عبر التوسع في عملياتها الاستيطانية، والتضييق على سكان محافظات الضفة الغربية، ما سيتسبب في ردود فعل فلسطينية غاضبة»، وفق مصادر سياسية تحدثت لـ«الشرق الأوسط».

وأكدت المصادر أن «عمان على اتصال مستمر مع فاعلين في مؤسسات القرار الأميركي». ويُحذر الأردن الرسمي من أن الممارسات الإسرائيلية الأحادية المدعومة من حكومة اليمين المتطرف برئاسة بنيامين نتنياهو، من «شأنها مصادرة الحقوق الفلسطينية التاريخية المشروعة»، كما ستسهم في «خلق فوضى من بوابة تأجيج الصراع، واستمرار الانتهاكات اليومية للحق الفلسطيني على أراضيه».

العاهل الأردني والرئيس الفلسطيني (الديوان الملكي)

وشددت المصادر في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، على أن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني يواصل جهوده الدبلوماسية مع الولايات المتحدة للضغط على تل أبيب و«العمل على تسهيل إجراءات دخول المصلين إلى باحات المسجد الأقصى مع اقتراب حلول شهر رمضان نهاية الأسبوع المُقبل». ويُحذر الأردن من أن أي استفزازات إسرائيلية بحق المصلين قد تكون سبباً في ردود فعل غير متوقعة.

وفي حين تؤكد مصادر «الشرق الأوسط» أن انقطاع الاتصالات مع الجانب الإسرائيلي، بدأ منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2023، فإن نفس المصادر جددت التأكيد على أن نتنياهو «يكذب» بشأن القرارات التي تتخذها حكومته والسياسات التي تنتهجها، وأنه يريد الاتصال مع الأردن لـ«أسباب انتخابية تتعلق بمستقبله السياسي»، وهو ما يرفضه الأردن الرسمي.

ومنذ العدوان الإسرائيلي على غزة سحب الأردن سفيره من تل أبيب، وطالب بمغادرة السفير الإسرائيلي من عمان، ولا يزال التمثيل الدبلوماسي مجمداً بين البلدين. على أن الاتصالات الأمنية مستمرة لأهداف تتعلق بضبط الحدود المشتركة ومنع عمليات التسلل بالاتجاهين.

وحسب تقديرات الأردن الرسمية، فإن الولايات المتحدة وإن كانت لا تزال تُظهر دعمها لحكومة نتنياهو، لكنها بدأت تشعر بِثقل التحالف الذي انعكس سلباً على صورتها أمام المجتمع الدولي. وذلك نتيجة لبشاعة الحرب التي شنتها إسرائيل على المدنيين في قطاع غزة، وتسجيلها انتهاكات خطيرة وارتكابها جرائم حرب جرى توثيقها في تقارير حقوقية دولية، إلى جانب التضييق المستمر على إدخال المساعدات الإنسانية العاجلة لسكان القطاع.

وقالت مصادر فلسطينية مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، إن عباس بدأ سلسلة مشاورات مع الدول العربية لمواجهة القرارات الإسرائيلية، واتخاذ قرارات محتملة.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرأس اجتماع «الكابينت» الإسرائيلي (د.ب.أ)

وأضافت: «لا يمكن الانتظار حتى تنتهي إسرائيل من ضم الضفة. القضية الفلسطينية تمر بأعقد وأكثر مرحلة حساسة على الإطلاق، وهي الأخطر... والتشاور مع الملك الأردني كان مهماً جداً باعتبار أن القرارات الإسرائيلية مسَّت كذلك بالوضع القائم الذي تعد المملكة طرفاً فيه، وتمس بالمقدسات التي تشرف عليها المملكة، وقد ألغت قرارات أردنية سابقة تخص الضفة الغربية بما في ذلك القدس... عمان جزء من المجموعة (الـ8) التي تشكل أفضل داعم للفلسطينيين وأكبر ضاغط على الرئيس الأميركي دونالد ترمب».

مستوطنون إسرائيليون في جولة أسبوعية بمدينة الخليل في الضفة الغربية (رويترز)

كان «الكابينت» قد اتخذ سلسلة قرارات أعلن عنها لاحقاً وزير الدفاع يسرائيل كاتس، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، شملت تغيير إجراءات تسجيل الأراضي وحيازة العقارات في الضفة الغربية بشكل جذري، بهدف تسهيل الاستيطان اليهودي في المنطقة.

وقال الوزيران في بيان مشترك، إن هذه القرارات «تهدف إلى إزالة الحواجز القائمة منذ عقود، وإلغاء التشريعات الأردنية التمييزية، وتسريع وتيرة التنمية الاستيطانية على أرض الواقع».

ونصّت الخطة المعتمدة على نشر سجلات الأراضي في الضفة الغربية، بعدما كانت سرية، وإلغاء قانون أردني يمنع اليهود من شراء العقارات في المنطقة، إلى جانب إلغاء شرط الحصول على ترخيص من مكتب تسجيل الأراضي، واستبدال «شروط مهنية فقط» به.

نتنياهو وسموتريتش في أحد اجتماعات «الكابينت» (رويترز)

كما تقرر توسيع نطاق الرقابة والإنفاذ ليشمل المنطقتين (أ) و(ب) فيما يتعلق بمخالفات المياه، وإلحاق الضرر بالمواقع الأثرية، والمخاطر البيئية التي تلوث كامل الأراضي.

إضافة إلى ذلك، نصت الخطة، على نقل صلاحية إصدار تصاريح البناء للمستوطنة اليهودية في الخليل، بما في ذلك في موقع الحرم الإبراهيمي شديد الحساسية، من بلدية الخليل، الخاضعة للسلطة الفلسطينية، إلى إسرائيل. كما تقرر أيضاً إنشاء «سلطة بلدية مخصّصة» تتولى مسؤولية التنظيف والصيانة الدورية لموقع قبر راحيل في بيت لحم.

وفاخر المسؤولون الإسرائيليون بأن هذه الإجراءات «تدفن الدولة الفلسطينية، وتمكِّن اليهود من شراء الأراضي في يهودا والسامرة (الضفة الغربية) كما يشترونها في تل أبيب أو القدس».

أحد اجتماعات «الكابينت» الأخيرة في الحكومة الإسرائيلية (مكتب الصحافة الحكومي)

فماذا تعني هذه القرارات؟

تعد هذه القرارات الأخطر منذ نشأة السلطة الفلسطينية قبل 33 عاماً، وهي بطريقة أو بأخرى تغيِّر وجه الضفة الغربية، وتُلغي سيادة السلطة في مناطقها.

ويتيح فتح سجل الأراضي في الضفة الغربية (الطابو) لجميع اليهود، معرفة أسماء الملاك الفلسطينيين للأراضي والتواصل معهم مباشرةً أو الضغط عليهم بطرق مختلفة لشرائها، مما يسهّل عملية الاستحواذ على الأراضي والعقارات.

والأخطر أن هذا سيشمل للمرة الأولى مناطق «أ» وهي المناطق التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية، وكانت ممنوعة على الإسرائيليين.

واختراق «المناطق المحرمة» (أ) وكذلك (ب) هو الأكثر خطورة في المسألة، لأنه يُلغي عملياً دور السلطة الفلسطينية في هذه المناطق، إذ لا تعود الجهة المخولة بتنظيم ملكية الأراضي والعقارات والبيع والشراء، كما أنه يمنح السلطات الإسرائيلية صلاحية الرقابة والهدم في المنطقتين الخاضعتين إدارياً للسلطة الفلسطينية (بموجب اتفاق أوسلو).

الدخان يتصاعد من منزل هدمه الجيش الإسرائيلي في قرية شمال الخليل بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

ويعد نقل صلاحيات تخطيط البناء ومنح التراخيص في قلب الخليل (بما في ذلك الحرم الإبراهيمي) من بلدية الخليل الفلسطينية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، جزءاً يصب في هذا الإطار.

وقال محامي بلدية الخليل، سامر شحادة، في بيان، إن القرارات «تعكس توغّلاً خطيراً في منظومة الصلاحيّات المدنيّة والبلديّة»... أمّا إلغاء «القانون الأردني» الذي يمنع غير العرب من الشراء في الضفة الغربية، فيستهدف تمكين أي إسرائيلي من شراء الأرض بصفته الشخصية وليس عبر شركات مسجلة كما كان يحدث سابقاً للالتفاف على القانون.

وحسب اتفاقيات أوسلو، تُقسّم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق: (أ)، و(ب)، و(ج). وتخضع المنطقة (ج) لسيطرة إسرائيلية كاملة، بينما تخضع المنطقة (ب) لسيطرة مدنية فلسطينية وسيطرة أمنية إسرائيلية، وتخضع المنطقة (أ) لسيطرة فلسطينية كاملة (أمنية وإدارية).

جنود إسرائيليون يقفون للحراسة خلال جولة للمستوطنين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

وأصدر «معهد الحقوق في جامعة بير زيت» ورقة يشرح فيها الإطار العام للقرارات الإسرائيلية وتأثيراتها السياسية والقانونية. وقال إن إسرائيل عملياً تبتلع الضفة عبر إعادة هندسة السيطرة عليها، مما يعد ضماً فعلياً للأراضي المحتلة.

وفنَّد المعهد القرارات الإسرائيلية، وقال إن رفع السرية عن سجلات الأراضي في الضفة الغربية يؤثر مباشرةً على البنية القانونية لملكية الأرض في الضفة، ويغير التوزيع الديمغرافي وحقائق الوجود على الأرض، ويضفي «شرعية» على توسع استيطاني يمس جوهر حقوق الفلسطينيين في الأرض.

أمّا إلغاء القيود على بيع الأراضي للأجانب، وإلغاء شرط «تصريح الصفقة»، فيحدث تحولاً جوهرياً، ويعد «تسهيلاً قانونياً» للاستيطان، ويغير حقائق الأرض بشكل يصعب التراجع عنه لاحقاً.

وفيما يخص نقل صلاحيات التخطيط والبناء في مناطق حساسة إلى ما تسمى «الإدارة المدنية» للاحتلال، فإن ذلك يعزز السيطرة الإسرائيلية الكاملة على هذه المناطق، ويحدّ من دور السلطة الفلسطينية في اتخاذ قرارات حضرية مهمة، ويفتح الباب أمام توفر سلطة إسرائيلية كبرى لهدم مبانٍ فلسطينية بحجج تتعلق بالأمن أو التراث أو البناء غير المرخّص، في مناطق كان يُفترض أن تديرها السلطة الفلسطينية.

وأضاف: «يُنظر إلى هذه الخطوة أيضاً على أنها جزء من إلغاء تدريجي لسلطة الحكم الذاتي الفلسطينية في مناطق استراتيجية، مما يشكل تحولاً ملموساً في موازين القوى على الأرض».

جنود إسرائيليون في الخليل (رويترز)

وبينما أكدت الرئاسة الفلسطينية أن «هذه القرارات غير الشرعية وغير القانونية باطلة ولاغية ولن تعطي شرعية لأحد، ولن يترتب عليها أي أثر قانوني»، قالت منظمة «سلام الآن»، التي تدعو إلى حل الدولتين في بيان: «وعد نتنياهو بإسقاط (حماس) في غزة، لكنه في الواقع اختار إسقاط السلطة الفلسطينية، وإلغاء الاتفاقيات التي وقّعتها إسرائيل، وفرض ضمّ فعلي علينا، في تعارض تام مع إرادة الشعب، ومصلحة إسرائيل، والموقف الواضح للرئيس ترمب».

وأدانت حركتا «حماس» و«الجهاد الإسلامي» قرارات «الكابينت» ودعتا إلى «رد شامل وتصعيد المواجهة» في عموم الضفة والقدس.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended