قرار لبناني - فلسطيني بإقفال ملف السلاح بالكامل داخل المخيمات وخارجها

عباس وسلام: لجنة تنفيذية مشتركة لمتابعة تطبيق هذه التفاهمات

الرئيس محمود عباس يستعرض شرطة مجلس النواب ضمن مراسم استقبال رسمي في بيروت (إ.ب.أ)
الرئيس محمود عباس يستعرض شرطة مجلس النواب ضمن مراسم استقبال رسمي في بيروت (إ.ب.أ)
TT

قرار لبناني - فلسطيني بإقفال ملف السلاح بالكامل داخل المخيمات وخارجها

الرئيس محمود عباس يستعرض شرطة مجلس النواب ضمن مراسم استقبال رسمي في بيروت (إ.ب.أ)
الرئيس محمود عباس يستعرض شرطة مجلس النواب ضمن مراسم استقبال رسمي في بيروت (إ.ب.أ)

حَسَمت لقاءات الرئيس الفلسطيني محمود عباس، مع المسؤولين اللبنانيين، مصير السلاح الفلسطيني داخل المخيمات وخارجها، حيث «اتُّخذ قرار سياسي» بإقفال الملف بالكامل «لتحقيق حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية»، حسبما أفادت رئاسة الحكومة اللبنانية، في مقابل رفض التوطين وتحسين الأوضاع الاجتماعية للمدنيين الفلسطينيين في لبنان.

وواصل عباس، الخميس، جولته على المسؤولين اللبنانيين، في ثاني أيام زيارته إلى بيروت التي بدأت الأربعاء، وتهدف إلى البحث في ملفّ السلاح في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، في وقت تسعى السلطات اللبنانية إلى بسط سلطتها على كامل أراضيها. وتعدّ هذه الزيارة الأولى لعبّاس إلى لبنان منذ عام 2017.

الرئيس نبيه بري يستقبل الرئيس محمود عباس في مقر إقامة رئاسة البرلمان اللبناني (إ.ب.أ)

والتقى عباس رئيس البرلمان اللبناني، نبيه بري، حيث تناولا، على مدى ساعة، تطورات الأوضاع العامة في لبنان والمنطقة «في ضوء مواصلة إسرائيل عدوانها على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية، إضافة إلى العلاقات اللبنانية - الفلسطينية»، حسبما أفادت رئاسة البرلمان في بيان.

رئيس الحكومة

وانتقل بعدها للقاء رئيس الحكومة نواف سلام في القصر الحكومي، حيث عقد عباس وسلام لقاءً ثنائياً، ثم اجتماعاً أمنياً، حضره مسؤولون أمنيون لبنانيون وفلسطينيون.

وأفادت رئاسة الحكومة اللبنانية بأنه خلال اللقاء «تمّ البحث في الجهود المستمرة لتعزيز الاستقرار والأمن في لبنان، وضمان احترام سيادة الدولة اللبنانية على جميع أراضيها، بما فيها مخيمات اللاجئين الفلسطينيين».

وشدد الرئيسان سلام وعباس على أن الفلسطينيين في لبنان «يُعدّون ضيوفاً، ويلتزمون بقرارات الدولة اللبنانية، مع التأكيد على رفض التوطين والتمسك بحق العودة»، وأكدا «تمسك الدولة اللبنانية بفرض سيادتها على جميع أراضيها، بما في ذلك المخيمات الفلسطينية، وإنهاء كل المظاهر المسلّحة خارج إطار الدولة اللبنانية، وإقفال ملف السلاح الفلسطيني خارج أو داخل المخيمات بشكل كامل، لتحقيق حصر السلاح بيد الدولة».

ووفقاً لبيان رئاسة الحكومة، «تم الاتفاق على تشكيل لجنة تنفيذية مشتركة لمتابعة تطبيق هذه التفاهمات»، كما شددا «على أهمية العمل المشترك على معالجة القضايا الحقوقية والاجتماعية للاجئين الفلسطينيين، بما يضمن تحسين أوضاعهم الإنسانية من دون المساس بسيادة الدولة».

الرئيسان عباس وسلام على شرفة القصر الحكومة يلقيان نظرة على وسط بيروت (أ.ف.ب)

وأكد الرئيسان «ضرورة وقف الحرب الإسرائيلية على غزة ورفض تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، والالتزام بوقف إطلاق النار، مع ضمان إيصال الدعم الإنساني إلى جميع أنحاء القطاع، وإزالة كل العقبات أمام دخول المساعدات وكل متطلبات التعافي وإعادة تأهيله، وانسحاب الجيش الإسرائيلي، وتمكين السلطة الفلسطينية من إدارته، وضرورة تحقيق إعادة إعمار قطاع غزة».

وأضافت رئاسة الحكومة أن عباس وسلام «جددا التمسك بحلّ الدولتين بوصفه حلاً عادلاً وشاملاً للصراع في المنطقة، وفق القرارات الدولية ذات الصلة ووفق المبادرة العربية للسلام التي تقدمت بها المملكة العربية السعودية في قمة بيروت عام 2002 لإقامة دولة فلسطينية على كامل التراب الفلسطيني».

لجنة مشتركة

وبعد لقاء عباس مع كل من بري وسلام، غداة لقائه بالرئيس اللبناني جوزيف عون، أكدت مصادر لبنانية لـ«الشرق الأوسط» تأليف اللجنة اللبنانية الفلسطينية المشتركة لمتابعة ملف تنفيذ السلاح، وستعقد أول اجتماع لها يوم الجمعة في بيروت لوضع آلية تطبيقية لجمع السلاح الفلسطيني داخل المخيمات.

وقالت المصادر إن اللجنة ستضم عن الجانب اللبناني رئيس لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني السفير رامز دمشقية، والمدير العام لأمن العام اللواء حسن شقير، ومدير المخابرات في الجيش اللبناني العميد الركن طوني قهوجي؛ أما عن الجانب الفلسطيني فستضم أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عزام الأحمد، السفير الفلسطيني في لبنان أشرف دبور، وأمين سر حركة «فتح»، وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، فتحي أبو العردات.

وقال سلام في تغريدة بعد لقائه عباس: «اتفقنا على أن تعقد اللجنة اللبنانية - الفلسطينية المشتركة أول اجتماع لها غداً، لوضع جدول أعمال واضح لتنفيذ آلية حصر السلاح بيد الدولة، بما فيه السلاح داخل المخيمات، ومناقشة ملف الحقوق المدنية للفلسطينيين في لبنان»، مضيفاً: «أكدت أن هذا السلاح لم يعد سلاحاً يساهم في تحقيق حقوق الشعب الفلسطيني، بل الخطر أنه قد يتحول لسلاح فتنة (فلسطينية - فلسطينية)، وسلاح فتنة فلسطينية - لبنانية».

وتابع سلام: «قوة القضية الفلسطينية اليوم ليس في السلاح الموجود في المخيمات الفلسطينية في لبنان، بل في تزايد أعداد الدول التي تعترف بدولة فلسطين، وفي مئات آلاف المتظاهرين في مختلف أنحاء العالم نصرة لفلسطين وغزة، كما هو في مقررات الشرعية الدولية، وأحكام المحاكم الدولية التي تدين إسرائيل وممارساتها».

وكان عباس أعلن في مستهل اللقاء مع الرئيس اللبناني، جوزيف عون، الأربعاء، أن الفلسطينيين في لبنان لن يكون لديهم أي نشاط خارج إطار القانون اللبناني، وهم «ضيوف مؤقتون، وليس لديهم لا رغبة ولا رأي ولا موقف ينادي بحمل السلاح فيه»، مؤكداً أنهم «في ظل الحكومة اللبنانية، ولن يكون لديهم أي نشاط خارج إطار القانون اللبناني والشرعية اللبنانية».

ورأى القيادي في «الحزب التقدمي الاشتراكي» توفيق سلطان، أن اللقاء بين عباس وعون «كان يوماً تاريخياً»، بالنظر إلى «أننا انتظرنا طويلاً طرح بند الوجود الفلسطيني وسلاحه، وكان ذلك حلماً أن يصبح لبنان وطناً لا ساحة».

وأضاف سلطان في مؤتمر صحافي عقده الخميس: «انتهت قصة (الدولة ضمن الدولة)، وما ينطبق بالقانون على اللبنانيين والمواطنين العرب ينطبق على الفلسطينيين داخل المخيمات وخارجها... نرى تحوّلات في قلب أوروبا نحو الاعتراف بدولة فلسطين، ولبنان هو دائماً في موقع المساندة».

وقال سلطان: «كل البنود التي طرحت في البيان، قابلة للتنفيذ»، ونقل عن عباس تأكيده أن «الجانب اللبناني أبدى تجاوباً مع المطالب المدنية الفلسطينية... القرار السياسي اتخذ باتجاه حصرية السلاح بالدولة اللبنانية، لكن التفاصيل والآلية سيتم بحثهما ضمن اللجان المشتركة».


مقالات ذات صلة

تأكيد سعودي - لبناني على تعزيز التعاون الأمني

الخليج الأمير عبد العزيز بن سعود وزير الداخلية السعودي ونظيره اللبناني أحمد الحجار (الشرق الأوسط)

تأكيد سعودي - لبناني على تعزيز التعاون الأمني

بحث الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف وزير الداخلية السعودي ونظيره اللبناني أحمد الحجار الأحد المستجدات الراهنة بالمنطقة، وأكدا على تعزيز التعاون الأمني الثنائي

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي الراعي لدى وصوله إلى العاقورة لترؤس قداس الأحد (فيسبوك)

الراعي يُحذّر من تهريب السلاح عبر الحدود: تهديد لأمن لبنان

حذّر البطريرك الماروني بشارة الراعي من أن تكرار محاولات تهريب المتفجرات والسلاح عبر الحدود الى لبنان «يكشف أن أي ثغرة في ضبط الحدود يمكن أن تتحول إلى تهديد».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي دورية راجلة للجيش الإسرائيلي في بلدة كفرشوبا جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)

توغلات إسرائيلية وتفتيش للمنازل على تخوم جبل الشيخ

أثار توغلُ دورية مشاة إسرائيلية مدعومة بثلاث دبابات «ميركافا» في كفرشوبا وتفتيشُ منازل فيها تساؤلاتٍ بشأن أهداف العمليات البرية داخل القرى الجنوبية...

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الانتخابات النيابية في لبنان عام 2022 (أرشيفية - رويترز)

استعدادات لبنانية لانتخابات فرعية في البقاع الغربي

قال عون خلال جلسة مجلس الوزراء، الخميس، إن الانتخابات الفرعية عن المقعد الأرثوذكسي في البقاع الغربي «استحقاق دستوري يجب أن يتم ولا يجب أن يبقى المقعد شاغراً».

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أثناء مراسم توقيع «إطار العمل الثلاثي» بين مستشار الوزارة دانيال هولر والسفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في مقر «الخارجية» بواشنطن (أرشيفية - رويترز)

خلافات مستمرة بين لبنان وإسرائيل تحول دون تنفيذ «اتفاق الإطار»

لم تتوصل اجتماعات تامبا بين الوفدَين العسكريَين اللبناني والإسرائيلي، برعاية أميركية، التي عقدت يومي الثلاثاء والأربعاء إلى أي نتائج.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

آلاف العراقيين يحيون الذكرى السابعة لـ«مظاهرات تشرين»

عراقيون تجمعوا في ساحة التحرير لإحياء الذكرى السابعة لحركة احتجاجات أكتوبر 2019 مطالبين بالقضاء على الفساد وحصر السلاح بيد الدولة (د.ب.أ)
عراقيون تجمعوا في ساحة التحرير لإحياء الذكرى السابعة لحركة احتجاجات أكتوبر 2019 مطالبين بالقضاء على الفساد وحصر السلاح بيد الدولة (د.ب.أ)
TT

آلاف العراقيين يحيون الذكرى السابعة لـ«مظاهرات تشرين»

عراقيون تجمعوا في ساحة التحرير لإحياء الذكرى السابعة لحركة احتجاجات أكتوبر 2019 مطالبين بالقضاء على الفساد وحصر السلاح بيد الدولة (د.ب.أ)
عراقيون تجمعوا في ساحة التحرير لإحياء الذكرى السابعة لحركة احتجاجات أكتوبر 2019 مطالبين بالقضاء على الفساد وحصر السلاح بيد الدولة (د.ب.أ)

أحيا آلاف العراقيين في بغداد وبعض مدن ومحافظات وسط البلاد وجنوبها الذكرى السابعة لاحتجاجات أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وسط إجراءات أمنية مشددة وانتقادات وجهتها هيئة «الحشد الشعبي» للذكرى، ووصفتها بـ«اليوم الأسود».

وتوافد المئات من الشباب والناشطين، منذ ساعات الصباح الأولى، إلى ساحة التحرير وسط بغداد، وهي الساحة التي كانت المعقل الرئيسي للاحتجاجات عام 2019، والتي نجحت في الإطاحة بحكومة رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي، لكن ليس من دون ثمن باهظ من الأرواح، إذ سقط نحو 600 قتيل، وأصيب أكثر من 20 ألف متظاهر آنذاك.

ولا يزال الشعار والمطلب الرئيسي الذي يرفعه الناشطون يتمثل في محاسبة الجماعات المتورطة في قتل المتظاهرين، ولا تزال أصابع الاتهام تُشير إلى بعض الشخصيات والفصائل المسلحة وأجنحة في هيئة «الحشد الشعبي». ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى البيان الذي أصدرته الهيئة، ووصفت فيه الذكرى بـ«اليوم الأسود».

«اليوم الأسود»

وقالت هيئة «الحشد الشعبي»، في بيان الأحد، إنه «في مثل هذا اليوم الأسود، امتدت يد الغدر والخيانة لتغتال القائد في (الحشد الشعبي) الشهيد وسام العلياوي وأخاه، في جريمة وحشية كشفت الوجه الحقيقي للعصابات الهمجية التي تجردت من كل القيم الإنسانية».

وقُتل العلياوي، مسؤول مكتب «عصائب أهل الحق» في مدينة العمارة، مركز محافظة ميسان الجنوبية، بعدما حاصره مجموعة من الغاضبين، يُعتقد على نطاق واسع أنهم ينتمون إلى جماعة دينية سياسية منافسة في المدينة، ولا علاقة لهم بجماعات الحراك المدني.

وفي سبتمبر (أيلول) 2022، أدان القضاء سجاد أسعد علي بجريمة قتل وسام العلياوي وشقيقه، وأصدرت محكمة جنايات ميسان حكماً بالإعدام عليه.

ورغم مرور 7 سنوات على الاحتجاجات، لا تزال حالة التوتر قائمة بين الناشطين من جهة، والفصائل والأحزاب السياسية من جهة أخرى، ولا يفوّت أي من الطرفين فرصة لتوجيه الاتهامات إلى الآخر. ففي حين يتهم الناشطون الفصائل والأحزاب السياسية بالفساد والتبعية لإيران، تتهم تلك الجهات الناشطين بالولاء لأميركا والقوى المرتبطة بها.

ورغم طابعها السلمي، لم تخلُ مظاهرات الأحد من شعارات وهتافات مناهضة لإيران والفصائل والأحزاب المرتبطة بها.

إجراءات أمنية مشددة

قوات الأمن تتابع متظاهرين عراقيين تجمعوا لإحياء الذكرى السابعة للاحتجاجات المناهضة للحكومة في 2019 (أ.ف.ب)

وأعلنت قيادة عمليات بغداد، مساء السبت، الشروع في اتخاذ إجراءات أمنية وتنظيمية لتأمين المظاهرات السلمية في ساحة التحرير.

وذكرت القيادة، في بيان، أنها «شرعت في اتخاذ إجراءات أمنية تنظيمية لتأمين الحماية للمظاهرات السلمية التي ستنطلق صباح الأحد، الموافق 25 أكتوبر 2026 في ساحة التحرير وسط العاصمة، والحفاظ على أمن وسلامة المتظاهرين».

وأضافت أن الإجراءات تضمنت التفتيش الدقيق للأشخاص في الطرق المؤدية إلى ساحة التحرير، بهدف توفير أعلى مستويات الأمن للمتظاهرين والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة، مع مراعاة مبادئ حقوق الإنسان، وعدم الإخلال بالنظام العام.

وأكدت عدم إغلاق الطرق المؤدية إلى الساحة من قبل القطعات الأمنية، مشيرة إلى أن الإغلاق، عند الضرورة، سيكون بموجب أوامر تصدر حصراً من مقر القيادة.

وتابعت أنه «يُمنع منعاً باتاً مرور التكاتك والدراجات النارية بكل أنواعها على (سريع محمد القاسم - سريع قناة الجيش - سريع صلاح الدين/الشعلة) والطرق المؤدية إلى ساحة التحرير، بدءاً من الساعة الثانية عشرة بعد منتصف ليلة السبت».

وأهابت قيادة عمليات بغداد بالمتظاهرين التعاون مع القوات الأمنية والالتزام بالتعليمات حفاظاً على أمنهم وسلامتهم.

في المقابل، تحدّث ناشطون وصلوا إلى ساحة التحرير عن إجراءات وصفوها بـ«التعسفية والمتشددة» ارتكبتها الأجهزة الأمنية، شملت، حسب قولهم، منع الصحافة والقنوات التلفزيونية من تغطية المظاهرة، إلى جانب منع التصوير بالهواتف النقالة ومصادرة الأجهزة الشخصية في بعض الحالات.

ورغم إعلان قيادة العمليات عدم إغلاق الطرق المؤدية إلى ساحة التحرير ومداخلها، شهدت العاصمة بغداد ازدحامات مرورية شديدة منذ ساعات الصباح الأولى، واستمرت لاحقاً.

عودة محتملة لـ«تشرين»

متظاهرون يحيون الذكرى السابعة لاحتجاجات أكتوبر 2019 في مدينة النجف وسط العراق (أ.ف.ب)

ورغم الطابع السلمي للمظاهرات لا تزال المخاوف قائمة من احتمال تفجر الأوضاع بين المتظاهرين والأجهزة الأمنية إذا استمرت الاحتجاجات، على غرار ما حدث في مظاهرات سابقة.

واستبق رئيس الوزراء علي الزيدي المظاهرات بتوجيه رسالة إيجابية إلى المتظاهرين، السبت، في مسعى للحيلولة دون تصاعد التوتر، إذ قال: «التظاهر حق كفله الدستور والقانون، وسأستمع إلى جميع مطالب المتظاهرين، وسنفعل كل ما يمكننا تقديمه. هذا شعبنا، وواجبنا خدمته، لا الاعتراض على المظاهرات».

كما قررت حكومته منح 120 ألف وظيفة دائمة للمتعاقدين مع الوزارات الحكومية، رغم الأزمة المالية، في مسعى لامتصاص الغضب الشعبي الناجم عن نقص فرص العمل.

ولا يُعرف على وجه الدقة ما إذا كانت المظاهرات ستستمر على غرار ما حدث عام 2019، أم ستقتصر على يوم واحد لإحياء الذكرى. لكن بعض المصادر ترجح استمرارها، خصوصاً في ظل الغضب الشعبي من ارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية نتيجة خفض سعر صرف الدينار مقابل الدولار، إلى جانب عدم الرضا العام عن الأداء الحكومي والتشكيلة الوزارية التي تضخمت مناصبها في هذه الدورة، رغم الأزمة المالية الخانقة التي تواجهها البلاد.

وقال الأكاديمي وأستاذ الصحافة كاظم المقدادي، في تدوينة عبر «فيسبوك»، إن «(تشرين) عادت بقوة، قلنا إن الأفكار لم ولن تموت، هي تتجدد باستمرار».

وأضاف أن «انتفاضة (تشرين) التي أسقطت حكومة عادل عبد المهدي وجاءت بمصطفى الكاظمي، وغيّرت بعض القوانين والإجراءات التعسفية، قادرة على أن تغيّر أي حكومة لا تستمد قوتها من الشعب».


إغلاق منفذ «الشيب» العراقي يصعّد التوتر مع إيران

صورة متداولة على المنصات الاجتماعية لمنفذ «الشيب» العراقي على الحدود مع إيران
صورة متداولة على المنصات الاجتماعية لمنفذ «الشيب» العراقي على الحدود مع إيران
TT

إغلاق منفذ «الشيب» العراقي يصعّد التوتر مع إيران

صورة متداولة على المنصات الاجتماعية لمنفذ «الشيب» العراقي على الحدود مع إيران
صورة متداولة على المنصات الاجتماعية لمنفذ «الشيب» العراقي على الحدود مع إيران

أثار قرار الحكومة العراقية إغلاق منفذ الشيب الحدودي مع إيران تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية، بعدما خرج محتجون في محافظة ميسان، جنوب البلاد، للمطالبة بإعادة فتحه، وسط تحذيرات من تصعيد الاحتجاجات، وتعطل حركة الشركات النفطية. وتزامن ذلك مع تصاعد الخلاف بين بغداد وطهران بشأن أسباب الإغلاق، واتهامات أطلقتها فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران للولايات المتحدة بالتدخل في القرارات الحكومية المتعلقة بالمنافذ الحدودية والمطارات، بما يفتح جبهة جديدة من التجاذبات الداخلية والإقليمية.

احتجاجات وتهديدات بالتصعيد

وقطع عشرات العراقيين في محافظة ميسان، الأحد، الطريق الرئيسي المؤدي إلى الشركات النفطية، احتجاجاً على قرار الحكومة الاتحادية إغلاق منفذ الشيب الحدودي مع إيران حتى إشعار آخر.

وذكرت وكالة «شفق نيوز» العراقية أن المحتجين أغلقوا طريق بازركان الحيوي، ورددوا شعارات تطالب الحكومة بالتراجع عن القرار، وسط انتشار أمني مكثف في محيط التظاهرة.

وفي تصعيد سياسي، أمهل رئيس مجلس محافظة ميسان، مصطفى دعير المحمداوي، الحكومة الاتحادية حتى الخميس المقبل لإعادة فتح المنفذ، محذراً من اتخاذ خطوات تصعيدية، بينها العصيان المدني وقطع الطرق، إذا لم تستجب لمطالب المحافظة. وذهب المحمداوي إلى التلويح بفصل ميسان عن العراق إذا استمر الإغلاق، في موقف يعكس حجم الاعتراض المحلي على القرار.

وتكتسب الاحتجاجات أهمية إضافية بالنظر إلى ارتباط منفذ الشيب بالحركة التجارية بين العراق وإيران، فضلاً عن موقعه في محافظة تعتمد قطاعات واسعة من نشاطها الاقتصادي على التجارة والأنشطة النفطية. ووفقاً لما أوردته «شفق نيوز»، شهدت أسواق المحافظة ارتفاعاً حاداً في أسعار الخضراوات والفواكه عقب الإغلاق؛ ما دفع مواطنين إلى المطالبة عبر منصات التواصل الاجتماعي باستئناف حركة التبادل التجاري.

بغداد تبرر القرار وطهران تعترض

وكانت الحكومة العراقية قد قررت، الثلاثاء 20 أكتوبر (تشرين الأول)، إغلاق منفذ الشيب حتى إشعار آخر. وعزا الناطق باسم الحكومة، حيدر العبودي، القرار إلى عدم استكمال المتطلبات الفنية والتقنية والتطويرية اللازمة لتشغيل المنفذ.

وقال العبودي، لوكالة الأنباء العراقية، إن إيقاف العمل يمثل خطوة لرفع مستوى الجاهزية التقنية واللوجستية، مشيراً إلى وجود منافذ حدودية أخرى تشهد انسيابية في التبادل التجاري مع إيران.

لكن القرار أثار استياء طهران، التي قالت وزارة داخليتها إنها لم تتلقَّ إخطاراً مسبقاً من بغداد بشأن الإغلاق. كما دخلت السفارة الإيرانية في بغداد على خط الخلاف، رداً على تصريحات لعبد الأمير تعيبان، مستشار رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي لشؤون العشائر والأهوار، اتهم فيها منفذي الشيب والشلامجة بالتسبب في أضرار لجنوب العراق، وربطهما بتهريب المخدرات والعملة المزيفة من إيران.

ونددت السفارة، في بيان، بما وصفته بـ«الادعاءات الكاذبة»، مطالبة الجهات العراقية المعنية باتخاذ موقف من تصريحات قالت إنها تضر بالعلاقات بين البلدين.

ولم يصدر، وفق المعلومات الواردة، رد حكومي عراقي على بيان السفارة، كما لم تعلن بغداد تراجعها عن قرار الإغلاق. ويأتي ذلك في وقت تزداد فيه حساسية الملفات الحدودية والتجارية بين البلدين، في ظل تداعيات المواجهة الإقليمية والضغوط المرتبطة بأمن الملاحة والتبادل الاقتصادي.

الفصائل تتهم واشنطن بالتدخل

صورة لمبنى السفارة الأميركية في بغداد (وكالة الأنباء العراقية)

بالتوازي مع الاحتجاجات في ميسان، صعّدت فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران خطابها تجاه الولايات المتحدة، متهمة واشنطن بالتأثير على قرار الحكومة العراقية إغلاق المطارات والمنافذ الحدودية مع إيران.

وقالت الفصائل إنها وثقت 171 خرقاً جوياً، قالت إن طائرات حربية واستطلاعية أميركية نفذتها في الأجواء العراقية خلال الفترة الممتدة من 30 سبتمبر (أيلول) إلى 23 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

ورأت أن استمرار هذه الطلعات يمثل انتهاكاً للسيادة العراقية وإخلالاً بالالتزامات والاتفاقيات المبرمة بين بغداد وواشنطن، مطالبة الحكومة بتوضيح موقفها من التحركات الجوية والكشف عن طبيعة التفاهمات القائمة مع الجانب الأميركي.

كما ربطت الفصائل بين ما وصفته بالخروقات الجوية والقرارات الحكومية المتعلقة بالمنافذ والمطارات، معتبرة أن هذه الإجراءات تثير تساؤلات بشأن استقلالية القرار العراقي ومدى قدرة بغداد على ممارسة سيادتها.

ولم يتضمن البيان تفاصيل عن مواقع الخروقات الجوية المعلنة أو طبيعة الطائرات المشاركة فيها، كما لم ترد في المعلومات المتاحة تفاصيل مستقلة تؤكد الاتهامات المتعلقة بالتدخل الأميركي في قرار إغلاق المنفذ.

ويضع هذا التصعيد الحكومة العراقية أمام معادلة معقدة؛ إذ يتعين عليها التعامل مع اعتراضات محلية تتعلق بالتجارة والأسعار، في وقت تواجه فيه ضغوطاً سياسية من فصائل مسلحة تربط قراراتها الحدودية بعلاقات بغداد مع واشنطن وطهران.

الهدنة مع الفصائل أمام اختبار جديد

معبر «الشلامجة» الحدودي مع إيران في محافظة البصرة جنوب العراق (أ.ف.ب)

ويأتي التصعيد في وقت تزداد فيه المخاوف من اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بينما تحاول الحكومة العراقية احتواء التوتر الداخلي ومنع انعكاساته على الأمن والاستقرار.

وكانت بغداد قد أعلنت التوصل، عبر وسطاء من قوى الإطار التنسيقي الشيعي، إلى تفاهمات مع فصائل مسلحة ترفض تسليم سلاحها. وتتضمن هذه التفاهمات، وفق المعلومات الواردة، هدنة أولى تستمر حتى نهاية العام الحالي، تلتزم الفصائل بموجبها عدم استهداف المصالح الأميركية في العراق أو دول الجوار، وأخرى تنتهي في يونيو (حزيران) 2027، وترتبط بترتيبات لسحب السلاح والانخراط في العملية السياسية.

غير أن البيان الأخير للفصائل، إلى جانب إعلان حركة النجباء أنها غير معنية بالمشاركة في العملية السياسية مقابل سحب سلاحها، أثارا تساؤلات بشأن قدرة هذه التفاهمات على الصمود. ولم يصدر تعليق رسمي عراقي على هذه التطورات، بما يوضح ما إذا كانت الهدنة لا تزال قائمة أو دخلت مرحلة التعثر.

وفي هذا السياق، لا يقتصر الخلاف حول منفذ الشيب على مسألة فنية تتعلق بجاهزيته، كما تقول الحكومة، أو على تداعيات اقتصادية محلية، بل يتداخل مع التنافس الإقليمي وضغوط الفصائل المسلحة على القرار الحكومي.

وبين مطالب سكان ميسان بإعادة فتح المنفذ، وتمسك بغداد بمبرراتها الفنية، واعتراض طهران واتهامات الفصائل لواشنطن، تبدو الحكومة العراقية أمام اختبار جديد لقدرتها على إدارة علاقاتها المتشابكة، واحتواء الاحتجاجات، ومنع تحول خلاف حدودي وتجاري إلى أزمة سياسية وأمنية أوسع.


هل تتمكن دمشق من إفشال «استراتيجية الشطرنج» الإسرائيلية بالسويداء؟

دخان يتصاعد خلال مواجهات في السويداء بين مقاتلين دروز وآخرين من عشائر بدوية وعربية وقوات الأمن السورية في يوليو الماضي (رويترز)
دخان يتصاعد خلال مواجهات في السويداء بين مقاتلين دروز وآخرين من عشائر بدوية وعربية وقوات الأمن السورية في يوليو الماضي (رويترز)
TT

هل تتمكن دمشق من إفشال «استراتيجية الشطرنج» الإسرائيلية بالسويداء؟

دخان يتصاعد خلال مواجهات في السويداء بين مقاتلين دروز وآخرين من عشائر بدوية وعربية وقوات الأمن السورية في يوليو الماضي (رويترز)
دخان يتصاعد خلال مواجهات في السويداء بين مقاتلين دروز وآخرين من عشائر بدوية وعربية وقوات الأمن السورية في يوليو الماضي (رويترز)

تبرز إسرائيل مجدداً كعامل رئيسي في احتمال اندلاع مواجهات بين دمشق والسويداء؛ إذ يرى مراقبون أن تل أبيب نجحت في إيهام كل من الحكومة السورية وأهالي السويداء بأن «الطرف الآخر على وشك شن هجوم كبير وحاسم وغير مسبوق»، في مخطط تهدف من خلاله حكومة بنيامين نتنياهو إلى تكرار سيناريو الأحداث الدامية التي شهدتها المحافظة في يوليو (تموز) 2025.

في ظل هذه التطورات، تُطرح أسئلة من بينها: هل ستتمكن إسرائيل مجدداً من إشعال حرب بين الحكومة و«الحرس الوطني»؟ وهل ستنجح دمشق في إفشال مخططها؟ وبحسب الخبير الأمني والعسكري الاستراتيجي السوري عصمت العبسي، فإن الحكومة السورية واعية تماماً لمؤامرات إسرائيل.

يشرح المحلل السياسي رامي نخلة، ابن محافظة السويداء الذي يعمل على الوساطة بين الحكومة والدروز لحل أزمة المحافظة المستمرة منذ أحداث 2025، طبيعة الدور الذي تلعبه إسرائيل منذ وصول الحكومة الجديدة إلى السلطة قبل نحو عامين، مشيراً إلى أن ثمة استراتيجية تُعرف باسم «زوغزفانغ» (Zugzwang) في لعبة الشطرنج، ترجمتها «الإجبار على الحركة»، وتقوم على ترتيب أحجار اللاعب بطريقة لا تترك للخصم أي نقلة دون إيذاء نفسه. وتكمن قسوة هذه الاستراتيجية في أن اللاعب مضطر للمضي قدماً بحركات يعلم يقيناً أنها تقوده إلى التهلكة.

نساء درزيات السبت خلال تشييع قتلى سقطوا في مواجهات بالسويداء جنوب سوريا (أ.ف.ب)

يوضح نخلة لـ«الشرق الأوسط» أنه منذ وصول الحكومة الجديدة إلى السلطة في دمشق بدأت إسرائيل تتبع هذه الاستراتيجية مع سوريا، ورغم أن دمشق تأخرت في فهم اللعبة، فإنها بعد أحداث «تموز الأسود» الدامية أدركت طبيعتها، وتنبهت إلى أن هناك فارقاً جوهرياً بين السياسة والشطرنج. ففي السياسة لست ملزماً بتحريك قطعتك في كل جولة، لافتاً إلى أن «عدم التحرك هذا أو الامتناع عن الرد هو ما تلام عليه دمشق كثيراً في وسائل الإعلام، رغم أنه بحسب تقديري الخيار الأكثر حكمة ضمن الظروف الراهنة».

ما فرص دمشق؟

أحجار الشطرنج التي يمكن لإسرائيل تحريكها تمتد من جيش جرار، إلى بعض «البيادق» في السويداء، وصولاً إلى وزراء في مراكز صنع القرار في واشنطن، وفق نخلة، الذي يذكر أن إسرائيل تضغط اليوم، بشدة، وقد أعادت ترتيب الرقعة بدهاء قد يجبر دمشق مجدداً على اتخاذ حركة تؤذيها في العمق.

ولا شك أن ما يخدم المصلحة الإسرائيلية في هذه المرحلة، بدءاً من المكاسب الانتخابية، إلى إضعاف دمشق دولياً، وصولاً إلى إعادة الالتفاف حول شيخ العقل حكمت الهجري الذي يتبع له «الحرس الوطني»، وإظهار إسرائيل نفسها مجدداً حامية الدروز، هو برأي نخلة، حرب أهلية جديدة تصورها تل أبيب على أنها مجازر يرتكبها «الإسلام المتطرف» ضد أقلية دينية.

وحسب نخلة، فالحقيقة تقول إن إسرائيل نجحت في إيهام كل من الحكومة وأهالي السويداء بأن «الطرف الآخر على وشك شن هجوم كبير وحاسم وغير مسبوق». وقد تمكنت، من تحقيق ذلك فعلياً بعدة خطوات، أهمها الإيعاز بفتح باب التطوع في «الحرس الوطني»، وتكثيف الطلعات الجوية المروحية الإسرائيلية، ونشر أخبار عن عمليات إنزال أسلحة ثقيلة ومسيّرات متطورة ومضادات لـ«الدرونز» في مناطق سيطرة «الحرس الوطني»، وصولاً إلى شائعات توسيع مظلة «القبة الحديدية» لتشمل السويداء.

ورغم أن معظم هذه الأخبار ثبت بطلانها بعد التحري الميداني؛ إذ أكدت مصادر استخباراتية مفتوحة وصور الأقمار الاصطناعية عدم صحتها، بل شكك فيها المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برّاك نفسه، فإن الجهة الوحيدة المراد لها أن تصدق هي دمشق.

ويضيف نخلة: «من خلال محادثاتي مع شخصيات في الحكومة السورية، يبدو أنهم صدقوها بالفعل. وتكمن براعة هذه الحركة في أنه حتى لو لم تصدق دمشق الشائعات بنسبة 100 بالمائة، فإن كل ما تريده إسرائيل هو أن تزرع الشك في احتماليتها فقط، مما لا يترك خياراً أمام دمشق سوى الحشد والتحضيرات الدفاعية، وهذا ما حدث بالفعل».

إسرائيل من جانبها، استغلت هذه التعزيزات الدفاعية واستخدمتها لإقناع السويداء بكاملها (وليس بيادقها فحسب)، بأن «الحكومة السورية تحضّر لذبحكم مجدداً»، وفق نخلة، الذي يؤكد أنه اطلع على عدد لا يستهان به من الرسائل الصوتية المرسلة من جهات إسرائيلية تحرّض الدروز وتقول لهم: «تحضّروا، فإنهم قادمون»، وتحثهم على ما تسميه «تحرير قراهم»، مع تقديم وعود بـ«الدعم والدفاع عنهم»، موضحاً أن «هذه هي ترتيبات رقعة الشطرنج، وهذه الوقائع القائمة على الأرض اليوم».

سيناريو المواجهات القادمة

سيناريو التحركات القادمة لا يمكن البت فيه، ولكنه عبارة عن خيارات تضعها الجهات الإسرائيلية المختصة على الطاولة أمام نتنياهو ليختار منها ما يحلو له. يختارها أو يعزف عنها، بناء على حساباته الخاصة، «ولكن من واجبنا الاستراتيجي التفكير بحذر بكل الحركات القادمة التي يمكن لإسرائيل اتخاذها».

والسؤال في ظل هذه الحال: إذا شاء أصحاب القرار في إسرائيل تفجير حمام دم جديد في سوريا خدمة لمصالحهم الانتخابية أو غيرها، فكيف يمكنهم إجبار الحكومة السورية على القيام بحركة خاطئة لا مفر منها؟

مشيعون يحملون السبت صورة قتيل سقط في مواجهات بين مقاتلين دروز وقوات الحكومة في السويداء (أ.ف.ب)

في هذا الصدد، يذكر نخلة أن الحركة الأولى ستكون من إسرائيل برسالة صوتية على «واتساب» إلى شخص في «المكتب الأمني» التابع لـ«الحرس الوطني» توعز له بخرق اتفاق وقف إطلاق النار. والحركة التالية تكون من الحكومة السورية التي لن يكون أمامها سوى الرد على مصادر النيران، في حين تكون الحركة التالية من السويداء، حيث لن يجد «الحرس الوطني» خياراً سوى المؤازرة والرد، معتقداً أن هذه هي «ساعة الصفر» التي طالما حذرت منها أو وعدت بها إسرائيل لتبدأ الفصائل المسلحة المعبأة والمجهزة باسترجاع قراها.

مسلحون دروز سوريون يشاركون السبت في تشييع قتلى سقطوا خلال مواجهات مع القوات الحكومية السورية بالسويداء (أ.ف.ب)

برأي الباحث نخلة، فإن «هذه حركة لا يمكن لدمشق الامتناع عن لعبها، وإسرائيل تدرك ذلك جيداً؛ إذ لا يمكن للحكومة أن تسمح لعدة فصائل بهزيمتها واستعادة أراضٍ تقع تحت سيطرتها اليوم، والخيار الوحيد الذي تعد دمشق له فعلياً هو الرد بكل قوتها، وفي هذه المرة ستحظى بفرصة مواجهة (الحرس الوطني) في منطقة خالية من المنازل المأهولة بالمدنيين، ونتيجتها حتماً ستكون سفك الكثير من الدماء السورية بغالبية لمصلحة الحكومة نتيجة تفوقها بالعدة والعتاد والتنظيم والخبرة.

بمجرد بدء وصول الجثامين (ستُطلب الفزعة)، ولا يوجد أدنى شك في أن كل شاب قادر حتى على حمل معول سيخرج للتصدي لما يعتقده تكراراً لأحداث يوليو السابقة، وهنا ستشتعل الهواتف نحو إسرائيل طلباً للدعم والحماية الموعودة، في حين أن التدخل الإسرائيلي سيتمثل في شن طلعة جوية أو اثنتين لقصف المواقع الخلفية للقوات الحكومية، بهدف إجبارها على الالتحام المباشر مع الدروز (بغية الحصول على مقاطع فيديو تظهر مشاهد «الذبح»)، في حين لن يتبقى أمام القوات الحكومية أي خيار لحماية قواتها من القصف الإسرائيلي سوى الالتحام بالحرب القريبة مع الدروز، وهنا ربما في مثل هذه الظروف قد تسمح دمشق للقبائل والعشائر بالمؤازرة، إن لم تشجعهم على الانضمام كما فعلت سابقاً. عند هذه النقطة، وحين تشعر إسرائيل بأنها حصلت على شلال الدماء الكافي لتحقيق أهدافها السياسية، المتمثلة في إعادة التفاف الدروز حول الهجري، وتجديد الحقد الطائفي، وكسب أصوات الدروز الإسرائيليين، واستجرار التنديدات الدولية بالحكومة السورية، وزعزعة شرعيتها، والتظاهر بمظهر (المخلّص للأقليات)... حينها فقط ستتصل إسرائيل بأميركا و(الرئيس أحمد) الشرع والأردن) لترتيب اتفاق جديد لوقف إطلاق النار».

ويختم نخلة حديثه قائلاً إن «رقعة اللعب مهيأة تماماً اليوم، وتنتظر إشارة من أصبع نتنياهو، فهل ستتمكن الحكومة السورية من إتقان الشطرنج الثلاثي الأبعاد وإفشال استراتيجية (زوغزفانغ) إذا قررت إسرائيل تحريك بيادقها في هذا الاتجاه؟ لنرَ ما ستؤول إليه الأيام».

استثمار نتنياهو للسويداء

من جهته، يرى الخبير الأمني والعسكري الاستراتيجي السوري عصمت العبسي أن الحكومة السورية واعية تماماً لمؤامرات إسرائيل، وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن المعلومات التي بحوزة دمشق تتضمن تحضيراً وحشوداً على خطوط التماس، إضافة إلى تصريحات علنية لزعامات درزية عن نيتها استعادة القرى قريباً.

صورة نشرها الجيش الإسرائيلي لجنود ينفذون عمليات بالقرب من جبل الشيخ بين سوريا ولبنان في يوليو 2025

وأوضح أن المؤامرة باتت واضحة المعالم. فعشرات الطائرات المروحية الإسرائيلية نقلت رادارات وأنظمة مراقبة وعتاداً إلى قمم استراتيجية في المحافظة، بما يوحي بالتحضير لإقامة قاعدة عسكرية دائمة، في حين أضاف «الحرس الوطني» التابع للهجري عشرة تلال محيطة بالمدينة إلى سيطرته، ودمشق تتهم تل أبيب بتسليح هذه الميليشيا بالسلاح والذخيرة والمال والاستخبارات، وبأن دورها في أحداث يوليو 2025 كان «كبيراً ومخططاً له» بهدف إثارة الفوضى وجر سوريا إلى حرب واسعة.

واللافت أن هذا التصعيد، حسب العبسي، يتزامن مع الانتخابات الإسرائيلية، وقد رفضت الحكومة السورية ما وصفته باستثمار نتنياهو أحداث السويداء في دعايته الانتخابية، مؤكدة أن المكون الدرزي جزء أصيل لا يتجزأ من النسيج الوطني.

وذكر الخبير الأمني والعسكري الاستراتيجي أن الإجراءات المتخذة تتوزع على ثلاثة مسارات؛ الأول عسكري، ويتمثل في إرسال تعزيزات عسكرية إلى خط التماس الغربي خلال أسبوعين، بما يوازن الحشد الإسرائيلي - الميليشياتي دون استفزاز؛ إذ لا يريد أي طرف التضخيم إلى حرب شاملة. في حين أن المسار الثاني دبلوماسي، بمطالبة المجتمع الدولي بالتدخل والضمان لاتفاق فصل القوات لعام 1974 الذي تخرقه طائرات إسرائيل يومياً. أما المسار الثالث فهو مجتمعي عبر محافظ السويداء مصطفى البكور الذي جدد دعوة القوى الأهلية للحوار، محذراً من أن التدخلات الخارجية و«المجموعات الخارجة عن القانون» هي من يعرقل الحل.

ووفق العبسي، تبقى النقطة الحرجة أن الأمم المتحدة قالت في يونيو (حزيران) إن خطة إعادة إدماج السويداء في الدولة لم تحقق تقدماً، وهذا الفراغ هو ما تحاول إسرائيل أن تجعل منه حاضرة عسكرية دائمة.