«جيم جنيف»... من رغبة في التحدي ورد الاعتبار إلى العالمية

في نسخته التاسعة يحتفل بفن الآرت ديكو ومفهوم التوريث

قطع تاريخية من حقبة الآرت ديكو ولا تزال تُلهم لحد الآن (خاص)
قطع تاريخية من حقبة الآرت ديكو ولا تزال تُلهم لحد الآن (خاص)
TT

«جيم جنيف»... من رغبة في التحدي ورد الاعتبار إلى العالمية

قطع تاريخية من حقبة الآرت ديكو ولا تزال تُلهم لحد الآن (خاص)
قطع تاريخية من حقبة الآرت ديكو ولا تزال تُلهم لحد الآن (خاص)

كانت فكرة إنشاء معرض يجمع صُنّاع المجوهرات وتجار الأحجار الكريمة والفنانين تحت سقف واحد مغامرة جريئة من قبل روني توتا وتوماس فيربر. صديقان جمعهما حب المجوهرات والرغبة في رد الاعتبار للأسماء المستقلة من الصاغة والمصممين والحرفيين على حد سواء.

يروي روني توتا في حديث جانبي مع «الشرق الأوسط» أن ولادة معرض «GemGenève» في عام 2018 لم تكن مجرد فكرة طموح، بل كانت ردة فعل على معاناة وعدم رضا. يقول: «كنت من المشاركين في معرض بازل للساعات والمجوهرات، لكنني كنت دائماً أشعر بأن كوننا متخصصي مجوهرات ومصممين وتجاراً مستقلين، مهمشون فيه، لأنه بصفته معرضاً دولياً ضخماً كان يُركز على الأسماء الكبيرة من بيوت المجوهرات، وللأسف كان ذلك على حسابنا».

ظل الإحباط يتراكم، حتى تحوَّل إلى فكرة، ثم إلى إصرار لتنفيذها. ومع أفول أهمية معرض بازل، وجد روني وتوماس الفرصة سانحة لصياغة رؤيتهما. تصوراه منصة يلتقي فيه التجار مع المصممين لعقد صفقاتهم فيما يخص شراء الأحجار بكل أشكالها وأنواعها، وفي الوقت ذاته يفتح أبوابه للعامة لكي يغوصوا في عالم المجوهرات وتاريخه عبر الزمن.

المؤسسان روني توتا وتوماس فيربرفي افتتاح النسخة التاسعة من «GemGenève» (خاص)

احتفل مؤخراً بنسخته التاسعة، واستقطب نحو 250 عارضاً من جنسيات وتخصصات مختلفة، في حين لم يكن المؤسسان يأملان عند تأسيسه في أكثر من 50 عارضاً.

ما يُحسب له أنه، ومنذ نسخته الأولى، اختار أن يكون ديمقراطياً في روحه ونهجه، محتضناً مختلف الفئات، من صاغة مستقلين إلى هواة اقتناء مبتدئين يسعون للتعمق في هذا العالم وفهم خصائص أحجاره، من الألماس والياقوت والزمرد إلى الأحجار العضوية ذات الأصول النباتية أو الحيوانية، مثل الكهرمان والكوبال والمليت والمرجان وعرق اللؤلؤ، وهي أحجار لا تقل قيمة، لكنها تتطلب دقة ومهارة عاليتين في التعامل معها. وهنا يبرز دور الصاغة والحرفيين الذين يحتضنهم المعرض ليعرضوا فنيّتهم ومهاراتهم في فنون الزخرفة، والنقش، والرسم، والتلوين، والتقطيع وغيرها.

يفتح المعرض الباب للحرفيين والمتخصصين لاستعراض مهاراتهم (خاص)

المجوهرات الـ«فينتاج» والتاريخية

وإذا كانت الأحجار العضوية تحكي قصص الطبيعة، فإن المجوهرات العتيقة، أو ما تُعرف بالـ«فينتاج» أو الـ«ريترو» تحكي قصص الزمن والبشر. تقول ناداج توتا، ابنة المؤسس روني إن «هذه القطع لا تزال مطلوبة، بل في بعض الأحيان تفوق قيمتها ما كانت عليه عند صنعها عندما تكون من خزائن ملكية وتاريخية».

وعلى الرغم من أنها صُممت في حقب قديمة وبتقنيات تقليدية، فإن الزمن لم ينل من بريقها أو جمالها، بل بالعكس لا تزال تُلهم الحاضر والمستقبل، لا سيما في عالم يُعيد فيه الاقتصاد الدائري تعريف الاستهلاك بمفهوم «توريث هذه القطع»، وهو الشعار الذي رفعه مدير المعرض، ماثيو ديكويكلير بقوله إن «الفخامة الحقيقية هي التي تورَّث». وأضاف أن «المجوهرات ليست مجرد زينة، بل ذاكرة، وحكاية، وتاريخ يُمنح حياة جديدة».

قطع تتكلم عن الزمن

قطع تاريخية صُممت في حقب قديمة بتقنيات تقليدية لكن الزمن لم ينل من جمالها (خاص)

وهذا ما يلفت انتباه زائر المعرض بعد دقائق قليلة من بدء جولته؛ أن سحر المجوهرات الـ«فينتاج» لا يشمل جمالها وفنيتها فحسب بل تلك القصص التي تتجسد في تفاصيلها الدقيقة. فكل جوهرة ترتبط بتاريخ، وكل قطعة تسرد حكاية امرأة ألهمت شكلها، أو صانع محترف جرَّب تقنيات وخامات جديدة ليضع بصمته الخاصة عليها. هذا الإبداع هو ما ينعش هذه السوق، ويسهم في نموها منذ بداية الألفية. فهواة اقتناء قطع الـ«فينتاج»، لا يحصلون هنا على مجرد قطعة مجوهرات نفيسة بل على لوحات فنية تزيد قيمتها عندما تكون نتاج مدرسة فنية تجعلها من المجموعات التاريخية. لا تُنكر إيدا فيربر، ابنة المؤسس توماس فيربر، أن شريحة مهمة من الشباب لا تزال تُفضِّل مجوهرات من بيوت عالمية، إلا أن استلهام هذه البيوت من حقبة الآرت ديكو، فتح عيون العديد منهم على جماليات قطع «ريترو»، ومن ثم أسهم في زيادة الاهتمام بها في كل من أوروبا وأميركا وأيضاً في دول آسيوية مثل تايلاند وسنغافورة وإندونيسيا. السوق الصينية في المقابل، لم تبلغ نضجها بعد، وفق رأيها.

عالم الآرت ديكو... حيث تلتقي الحداثة بالتاريخ

ساعة طاولة تاريخية من أرشيف دار «شوميه» (خاص)

هذا الاهتمام بمجوهرات وقطع فنية بطراز الآرت ديكو لم يمر مرور الكرام على منظمي المعرض هذا العام، فالنسخة التاسعة تتزامن مع مرور مائة عام على المعرض الدولي للفنون الزخرفية والصناعية، الذي أطلقت شرارته لأول مرة في باريس عام 1925. خصصوا له معرضاً مُصغَراً، كان بمثابة نافذة على زمن تجرأت فيه الفنون في كل مجالات التصميم على التمرد على القوالب التقليدية.

يقول روبرت لي-بيمبرتون، من شركة «همفري بتلر» المحدودة، ومقرها لندن، إن هذا «الفن نبع إبداعي لا ينضب، فضلاً عن أنه يُسجل تفاصيل حقبة شهدت تحرراً اجتماعياً جمع الابتكار الفني بالتكنولوجيا. في مجال صياغة المجوهرات مثلاً سجّل بداية استخدام البلاتين في التصميم والتصنيع، ما منح الصاغة زخماً وأدوات جديدة».

سوار من طراز الآرت ديكو من مجموعة فيربر (خاص)

هكذا، وتحت عنوان: «الآرت ديكو: إرث الأناقة الخالدة»، جرى عرض قطع نادرة تبرز كيف اندمج الفن مع الصناعات الحديثة في شتى المجالات، سواء كانت على شكل كرسي من الخشب، أو ساعة جيب، أو ساعة طاولة أو فستان من الساتان أو حقيبة يد من المخمل مرصعة بالأحجار أو قطعة مجوهرات نفيسة. كلها قطع نادرة أعارها شركاء ومؤسسات مرموقة، من بينها: متحف جنيف للفنون والتاريخ، ودار «شوميه» للمجوهرات الرفيعة، والمتحف الدولي للساعات، ومؤسسة «عز الدين علايا»، ومؤسسة «بوغوصيان»، ومتحف وحدائق فان بويرن، ومشاغل «ليزون دو كون»، وآخرون.

تقنيات جريئة... مواد غير تقليدية

شهدت العشرينات والثلاثينات تطور التقنيات لتصبح للقطعة الواحدة عدة استخدامات (خاص)

وفي حين تلفتك في هذه القطع الألوان والأشكال والمواد، مثل القش، وقشور البيض، والمينا، واللكر، والبلاتين، تلفتك في المجوهرات التقنيات التي تطوَّرت لتُشكل قفزة نوعية خلال عشرينات وثلاثينات القرن الماضي. تميّزت بمرونة استثنائية، تجعلها تتكيّف مع أكثر من استخدام: مثلاً هناك مشابك يمكن جمعها لتشكّل بروشاً، و«سوتوار» طويلاً يتحوّل إلى سوار، أو عقد قصير، وحتى التيجان باتت تُرتدى مثل القلائد والعكس.

بدورها تعكس الأزياء التي صممت في تلك الحقبة التحول الاجتماعي الذي شهدته المرأة والموضة عموماً، إذ تخففت التصاميم من قيود الماضي، وأصبحت تُعبِّر عن واقع جديد تُجسِّده في كلاسيكية لم يؤثر عليها الزمن، تنسدل على الجسم بانسيابية مريحة وحقائب السهرة تُحمل باليد أو بسلاسل تحرر يدي المرأة.

تُظهر التصاميم في معرض الآرت ديكو التحرر الاجتماعي والفني الذي شهدته العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي (خاص)

لم تستثنِ هذه الإبداعات الرجل، فهناك كم لا يستهان به من ساعات جيب وعلب سجائر ولوحات فنية، استوحت تصاميمها من حضارات الهند وآسيا ومصر. القاسم المشترك بينها دائماً هو جرأتها الفنية في استخدام خامات لم تكن مألوفة في صناعة المجوهرات والفنون الزخرفية من قبل، ورغبة صناعها ومبدعيها في التميز. ذهبت الرغبة في التجريب والخروج على القوالب التقليدية ببعضهم في تلك الحقبة إلى خوض مجالات جديدة عليهم، مثل الصائغ لاكلوش الذي انتقل من تصميم المجوهرات إلى ابتكار قطع أثاث مميزة.

قطع تاريخية من حقبة الآرت ديكو ولا تزال تُلهم لحد الآن (خاص)

يوضح المعرض أن ما ميّز هذه الحقبة، وجعلها أكثر خصوبة فنياً، أنها امتدت من عام 1910 وحتى أواخر الثلاثينات، ما أتاح ظهور أكثر من طراز واحد لهذا الفن، وتداخل تأثيرات متنوعة، أهمها اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922 التي كان لها تأثير بالغ على أعمال العديد من الفنانين والمعماريين والمصممين. ورغم أن الأمر كان أكثر وضوحاً في بريطانيا، فإنه أثَّر على أسلوب مصممين من فرنسا وسويسرا وفنانين من أوروبا الشرقية، حسب ما تؤكده المعروضات. غنيٌّ عن القول إن آسيا كان لها حضور قوي في المعرض. وهي الأخرى لعبت دوراً لا يُستهان به في تشكيل هذه الحقبة، حسب الرسمات المنقوشة بخامات تتضمن كثيراً من الحكايات المثيرة.


مقالات ذات صلة

سرقة قلادة الملكة نازلي تنكأ جراح كنوز الأسرة العلوية «المنهوبة»

يوميات الشرق قلادة الملكة نازلي قبل سرقتها من متحف بفيينا (إكس)

سرقة قلادة الملكة نازلي تنكأ جراح كنوز الأسرة العلوية «المنهوبة»

بيعت بعض مقتنيات الأسرة العلوية في مزادات رسمية عام 1954، في حين أُودعت مقتنيات أخرى في صناديق حكومية بوصفها «أحرازاً».

منى أبو النصر (القاهرة)
لمسات الموضة اختيار الإسكندرية لتصوير الحملة ليس صدفة أو اعتباطياً (عزة فهمي)

«ثُريا» عزة فهمي... حوار النجوم والمجوهرات

قد يقود اسم المجموعة، للوهلة الأولى، إلى صورة «الثريا» المعلقة في سقوف البيوت، لكنه يحيل في الواقع إلى كوكبة «الثريا»، التي اهتدى بها البحارة قديماً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة «لحظة» العمل الذي فاز به آرثر شوكيه بالجائزة الأولى (كارتييه)

«كارتييه» تراهن على الجيل المقبل لصناعة المستقبل

مرّت صناعة الساعات السويسرية، كما هو حال كثير من الحِرف التقليدية، بفترة من القلق حول مستقبلها. لم يكن هذا القلق مرتبطاً فقط بتقلبات السوق أو بانتشار حركة…

«الشرق الأوسط» (لندن)
أميركا اللاتينية السفير المكسيكي في لندن أليخاندرو غيرتز مانيرو (أ.ف.ب)

سفير المكسيك في لندن يثير الجدل بثروة ضخمة تناقض شعار «حزب الفقراء» الحاكم

أثار سفير المكسيك الجديد في لندن الجدل بعد كشف ثروة ضخمة تتناقض مع خطاب التقشف الذي يتبناه حزب الرئيسة كلوديا شينباوم.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو سيتي)
لمسات الموضة «شانيل» تُعيِن ماري لور سيريد مديرة لاستوديو المجوهرات

«شانيل» تُعيِن ماري لور سيريد مديرة لاستوديو المجوهرات

هذه النقلة ليست بسيطة في عالم المجوهرات.

«الشرق الأوسط» (لندن)

كريستينا ليون... بعد المتحف المصري الكبير عيناها نحو العُلا

لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)
لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)
TT

كريستينا ليون... بعد المتحف المصري الكبير عيناها نحو العُلا

لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)
لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)

في شهر يونيو (حزيران) الماضي وصل فريق «غالا دو دانزا» Gala De Danza إلى القاهرة، في زيارة تُمهد لحفلها المرتقب في المتحف المصري الكبير، والمقرر إقامته في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

تقول كريستينا ليون، مؤسسة مشروع «غالا دو دانزا» لـ«الشرق الأوسط» إنها في «غاية السعادة، لأن المتحف المصري الكبير -بكل ما يحمله من ثقل ومكانة- سيتحول إلى مسرح لرقص الباليه في أول حضور للمشروع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا».

لقطة تجمع مجموعة من الراقصين المشاركين في المتحف المصري الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

وسيُقدِم الحفل برنامجاً يمزج بين الباليه الكلاسيكي، والرقص المعاصر، والموسيقى، والفنون، في عرض يراهن على خصوصية المكان، وأهميته التاريخية. ويشارك في هذه الفعالية أكثر من 150 فناناً، من بينهم نجوم دوليون، ومؤدون مصريون شباب اختيروا من بين مئات المتقدمين. فمع وصول فريق «غالا دو دانزا» في شهر يونيو الماضي، فُتحت اختبارات أداء أمام المواهب المصرية من مختلف الأعمار، ومن أكاديميات، ومدارس باليه محلية. وتقول كريستينا إن أكثر من 500 موهبة تقدمت للاختبارات، بينما سيحظى 50 منهم فقط بمشاركة راقصين من فرق عالمية، مثل «رويال باليه»، و«داتش ناشيونال باليه»، وفرق ومؤسسات فنية أخرى.

سيلفي وين سيندلار وتدريبات تستبق الحفل الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

وبما أنه سيكون للموسيقى نصيب في هذا الحفل، فإن من بين المشاركين ستكون سوسن البهيتي، أول مغنية أوبرا سعودية.

لكن ما يبدو للوهلة الأولى حفلاً عالمياً ذا طابع ترفيهي، هو بالنسبة لكريستينا ليون أبعد من ذلك بكثير، لما يحمله من جانب إنساني يطمح لمنح فنان مغمور -لم تسعفه الجغرافيا والظروف للوصول إلى المنصات العالمة- فرصة التحول إلى نجم ساطع.

فإتاحة الفرص أمام المواهب الجديدة ليست تفصيلاً عابراً في مشروعها، بل إنها جوهر تجربتها الشخصية، والمهنية، بوصفها راقصة باليه سابقة، عرفت عن قرب معنى أن تصنع الموهبة طريقها إلى الضوء. ولفهم هذه الرؤية، لا بد أن نعود إلى البداية.

من هي كريستينا ليون؟

كريستينا ليون مؤسسة «غالا دو دانزا» (تصوير: فريدي كوه)

بدأت الرقص في الثانية عشرة من عمرها بعد أن كانت تمارس التزلج على المنحدرات. في الثالثة عشرة لفتت أنظار صوفيا غولوفكينا، مديرة أكاديمية البولشوي المعروفة، خلال ورشة أقيمت في الولايات المتحدة. سافرت بعدها إلى موسكو لتتدرَب، وتكون من أوائل الفتيات الأميركيات اللواتي تلقَين التدريب في الأكاديمية الروسية.

وفي السادسة عشرة من عمرها، انضمت إلى «مسرح الباليه الأميركي». هنا عاشت حلم كل راقصة باليه: عروض، وسفر حول العالم، واحتكاك بأسماء كبيرة، مثل الراحلة جاكلين كينيدي أوناسيس، التي كانت حينها رئيس مجلس إدارة المسرح.

تأثرها بجاكلين كينيدي

تروي ليون أنها تعرَفت عليها عن قُرب، وتعاملت معها بشكل مباشر. فمنها تعلَمت أصول إنتاج الحفلات، والتعامل مع الرعاة، والعمل الخيري. والأهم من ذلك كله، كيف يمكن أن تُحوِل أمسية فنية إلى حوار بين الفنان والجمهور. تعترف بأن هذه الدروس كانت مختلفة تماماً عما تعلَمته في مدارس الباليه. ففي حين ينصب تركيز الراقص على إتقان الحركة فوق الخشبة، يتسع تفكير منتج العروض ليشمل الخشبة، والجمهور، والتمويل، والمكان، وكل ما يحدث قبل العرض، وبعده.

لوقا عبد النور المصري المولد من فرقة «Dutch National Ballet» سيشارك في هذا المشروع الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

ومع الوقت، أصبحت هذه المعرفة الأداة التي ساهمت في ولادة «غالا دو دانزا». مشروع فني بنكهة إنسانية أطلقته في عام 2013 في المكسيك، بعد لقاء عابر بفتاة تُدعى ماريانا كاريلو في مدرسة محلية للرقص في لوس كابوس المسكيكية. كانت الفتاة موهوبة لحد أدهش ليون، لا سيما أنها لم تكن قد احتكت بشكل مباشر بعالم الفنون الأدائية الحية. من هنا بدأ سؤال كريستينا: كيف يمكن إحضار الفرصة إلى حيث توجد موهبة لا تملك طريقاً إلى المنصات العالمية؟

من هذه الفكرة ولد المشروع كما نعرفه اليوم: «لم يكن الهدف منه إنشاء فرقة باليه أخرى، أو مهرجان تقليدي له موسم ثابت، وبرنامج مألوف، وإنما جمع أسماء عالمية تمتلك خبرة طويلة مع مواهب شابة، حتى يتمكن جمهور جاء من أجل نجم معروف من اكتشاف اسم جديد»، وفق تعبيرها.

الراقص سيزار كوراليس يتدرب بين جدران المتحف المصري الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

تستشهد هنا بقصة الراقص أندريس زونيغا الذي حضر إحدى حفلاتها في المكسيك، وأصر على لقائها في الكواليس بعد الحفل ليُعبِر لها عن أمنيته أن يرقص يوماً ما في حفل مماثل. كان عمره لا يتعدى الثالثة عشرة، لكن إصراره أثار فضولها، فطلبت منه الحضور في اليوم التالي لاختباره. وهنا اكتشفت موهبة لافتة جعلتها لا تتردد في الاتصال بجهات لكي يحصل على منحة تساعده على تحقيق حلمه.

من مكسيكو إلى لندن

ظلت ليون تطور مشروعها في المكسيك منذ عام 2013، وفقط في 2025 قررت أن تخرج به إلى العالم.

كانت لندن أول اختبار حقيقي للمشروع خارج المكسيك. ولم تكن اختياراً اعتباطياً. كانت المحطة الأولى، فمنذ أن زارتها كراقصة وهي في الخامسة عشرة من عمرها وهي تتطلع للعيش فيها. وبعد عقد عادت إليها ليست كراقصة تبحث عن مستقبلها، وإنما كصاحبة مشروع له مكانة دولية، واستقطب راقصين من مؤسسات عالمية كان لديهم استعداد لدعم مواهب شابة. ففي عروضها اجتمعت أسماء من «رويال باليه» و«باريس أوبرا باليه» و«نيويورك سيتي باليه» مع موسيقيين، ومغنين، وراقصين معاصرين، جمعتهم أماكن ثقافية وفنية مهمة.

من لندن إلى القاهرة

سيلفي وين سيندلار وتدريبات تستبق الحفل الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

لكن رحلة «غالا دو دانزا» خارج المكسيك لم تتوقف عند لندن. ففي نوفمبر المقبل ستنتقل التجربة إلى القاهرة، حيث تضع ليون مشروعها للمرة الأولى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أمام أحد أكثر الأماكن رمزية في المنطقة: المتحف المصري الكبير.

لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)

تقول ليون إنها لا ترى المتحف المصري الكبير بوصفه مجرد مبنى يمكن استئجاره لإقامة حفل عالمي، بل إنه مؤسسة تختزن آلاف السنين من التاريخ، ولذلك يخلق وضع راقصين معاصرين في هذا المعلمة نوعاً من الحوار بين زمنين: حضارة تركت آثاراً صامدة، وفن يعتمد على الحركة، ليتغير المفهوم التقليدي لأي عرض يتم تقديمه. فهو يتحوَل إلى جزء من التجربة التاريخية نفسها، وذلك بتماهيه مع المكان.

سيلفي وين سيندلار واحدة من الراقصات اللواتي سيشاركن في الحفل الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

هل ستكتفي كريستينا بالقاهرة بعد تجربة المتحف المصري الكبير؟ وهل العُلا السعودية يمكن أن تكون محطة أخرى؟ تردَ بحماس: «كأنك قرأت أفكاري، ففكرة التوسع حول العالم جزء من طبيعة المشروع، وإحضار (غالا دو دانزا) إلى العُلا حلم شخصي يراودني منذ فترة، لا سيما أن السعودية أصبحت تغلي بالحراك الثقافي، والفني». وتُضيف أن العُلا، إلى جانب كونها موقعاً استثنائياً لإقامة حفل من أي نوع، تتيح فرصة للوصول إلى جيل جديد، وتعريفه بمختلف أشكال الفنون، من خلال تجربة فنية مباشرة، وغامرة، «فأنا أعرف من خلال تجاربي كيف يمكن لفرصة واحدة، أو صُدفة، أن تُغير مسيرة فنان».

الراقص المصري لوقا عبد النور وتدريبات استباقية (تصوير ميلودي باتونتييه)

ثم تضحك، وتتابع: «في نوفمبر سنضع أقدامنا للمرة الأولى في المتحف المصري الكبير، وهذه خطوة عظيمة. أما العُلا فهي الآن حلم نأمل أن يتحقق قريباً».


لماذا أُلغي معرضه في متحف الميتروبوليتان؟

ما يُحسب لغاليانو أنه انسحب بأناقة ولم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه (أ.ب)
ما يُحسب لغاليانو أنه انسحب بأناقة ولم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه (أ.ب)
TT

لماذا أُلغي معرضه في متحف الميتروبوليتان؟

ما يُحسب لغاليانو أنه انسحب بأناقة ولم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه (أ.ب)
ما يُحسب لغاليانو أنه انسحب بأناقة ولم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه (أ.ب)

كان من المفترض أن معرض الميتروبوليتان السنوي لعام 2027 لحظة تتويج لجون غاليانو، تضيف فيها آنا وينتور، عرابة الموضة، فصلاً لواحدة من أكثر القصص نجاحاً في تاريخ الموضة المعاصرة. لكن فجأة انهار كل شيء. ما كان مقرراً أن يكون احتفاءً بأحد أهم مصممي جيله، تطوّر إلى أزمة تمس متحف الميتروبوليتان، ومعهد الأزياء وحفل الميت. والأهم صورة مصمم لا يرحمه ماضيه، ومكانة امرأة ارتبط اسمها بهذه المنظومة وكانت إلى الأمس القريب تُلقب بالمرأة الحديدية وأحياناً الجليدية: آنا وينتور.

جون غاليانو عام 1997 محاطاً بمجموعة من العارضات السوبر (غيتي)

في 31 يوليو (تموز) الماضي، أعلن متحف الميتروبوليتان أن غاليانو سيكون محور معرض بعنوان «John Galliano: Horizons» المرتقب في مايو (أيار) 2027. وفي 31 أغسطس (آب)، أعلن أن المعرض لن يمضي قُدماً.

اصطدام الموهبة بالذاكرة

فاجأ الخبر أوساط الموضة لأنه جاء بعد شهر فقط من الإعلان عن المشروع، وبعد أن اعتقد الجميع أن الاعتراضات الواسعة، التي شنّها البعض عليه خفّت نوعاً ما. لكن برهن منتقدوه أنهم أكثر قوة وتأثيراً من آنا وينتور، داعمته الأولى. هؤلاء لم ينسوا تصريحات المصمم المعادية للسامية في تلك الليلة المشؤومة من عام 2011، التي أدّت إلى إقالته من منصبه في دار «ديور» وإدانته قضائياً في فرنسا.

لم يشفع له اعتذاره لكل المجتمعات المعنية، ودخوله مصحة للتعافي من الإدمان. بقيت تلك الواقعة جزءاً لا يمكن فصله من إرثه.

وفي بيان أصدره المتحف، قال ماكس هولين، المدير التنفيذي للمتحف: «بعد نقاشات متأنية مع جون غاليانو، قررنا معاً عدم المضي قدماً في إقامة المعرض».

المصمم جون غاليانو في إحدى الفعاليات التي تثبت أنه لا يزال حاضراً في وجدان الموضة رغم حملات إلغائه (أ.ف.ب)

كما نشر المصمم بياناً، قال فيه: «بعد كثير من التفكير والنقاش مع متحف متروبوليتان وجميع الأطراف المعنية، قررت، بحزن شديد، أنه من الأفضل ألا يقام المعرض في الوقت الحالي. لا أزال أتحمل المسؤولية الكاملة عن الألم الذي سببته كلماتي في الماضي، ولا سيما الأذى الذي ألحقته بالمجتمعين اليهودي والآسيوي، وأنا أكرر أسفي العميق لذلك».

المتحف كان يدرك حساسية المسألة وحاول استيعاب تبعاتها، حيث أجرى، بحسب التقارير، مشاورات مع شخصيات وحاخامات من المجتمع اليهودي، لتمهيد الطريق للمعرض. بل تم الاتفاق أن تناول مسيرته وعبقريته الفنية لن يتجاهل ماضيه، أو بالأحرى تلك النقطة السوداء التي أثارت غضبهم عليه.

تصميم من إبداعه معروض في متحف اللوفر بباريس (رويترز)

لكن بموازاة جمعيات رأت أنه يستحق العودة بعد أن اعترف بأخطائه، انتقدت شخصيات سياسية ومجتمعية أخرى في نيويورك، مثل رئيسة مجلس المدينة جولي مينين، ومانحون وشخصيات من المجتمع اليهودي قرار تكريمه بهذا الحجم. ومما زاد من حساسية الأمر وجعل القرار أكثر إيلاماً واستفزازاً لهذه الفئة، توقيت المناسبة. فموعد الحفل المقرر في 3 مايو 2027 يتزامن مع بداية ذكرى المحرقة، وفي وقت تشهد فيه قضية معاداة السامية نقاشات كثيرة هذا العام. ومن هناك تحولت القضية من نقاش حول مصمم إلى اختبار لمؤسسة ثقافية تحتاج إلى ممولين ورعاة، وليست لديها الإمكانات الكافية لتجاهل تأثيرهم.

تأثير آنا وينتور تحت المجهر

ما يُحسب لغاليانو أنه لم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه. أقرّ في بيانه بمسؤوليته عن الألم الذي سبّبته كلماته، قائلاً إنه لا يريد للجدل المحيط به أن يضع المتحف في موقف صعب، أو أن يصرف الانتباه عن عمل معهد الأزياء والجهود التي يقوم بها.

أما آنا وينتور، فبقيت إلى النهاية في صفّه. وصفت انسحابه بأنه قرار شجاع، وأكدت دعمها له وللمتحف، مشيدة بموهبته الاستثنائية وحرفيته وتأثيره الممتد على أجيال من المصممين.

أحد تصاميمه في مجموعته لخريف 2024 (ميزون مارجيلا)

حتى الآن لم يتم الإعلان عن تفاصيل معرض الربيع المقبل، ومن سيحل محل جون غاليانو. لكن هناك إجماعاً أن ملء الفراغ سيكون معقداً وصعباً، لأن المعرض لم يكن مجرد حدث عادي، بل هو مشروع كبير لمعهد الأزياء، كما كان سيمنح حفل الميت قصة واضحة ومحوراً ثقافياً يلتف حوله عالم الموضة. الآن على المتحف أن يجد معرضاً بديلاً بفكرة قوية تُساعده على تجاوز الأزمة في وقت قصير نسبياً.

ويبقى سؤال مُلحّ، لكن لا يُعبر عنه بصوت عالٍ؛ هل ما زالت آنا وينتور قادرة على فرض القرارات الصعبة، أم أن العالم الذي بنته بدأ يتغيَر؟!


«الإسكافي»... علامة مصرية ترد الاعتبار لحرفة تقليدية

تمر عملية التصنيع بعدة مراحل قبل شحنها أو عرضها للبيع
تمر عملية التصنيع بعدة مراحل قبل شحنها أو عرضها للبيع
TT

«الإسكافي»... علامة مصرية ترد الاعتبار لحرفة تقليدية

تمر عملية التصنيع بعدة مراحل قبل شحنها أو عرضها للبيع
تمر عملية التصنيع بعدة مراحل قبل شحنها أو عرضها للبيع

يعد الحذاء الجلد بتصميمه الكلاسيكي قطعة لا غنى عنها في خزانة كل رجل أنيق؛ فهو ليس مجرد «تفصيلة» بقدر ما هو قطعة أساسية تعكس ذوقه، وشخصيته، ومدى اهتمامه بجودة ما يرتديه.

وبينما تفرض الموضة إيقاعها المتسارع على ألوان الحذاء، وخاماته، وأشكاله، تظل الأحذية الجلدية المصنوعة يدوياً محتفظة بمكانتها، بوصفها رمزاً للحرفية الراقية، والفخامة الهادئة. فهي تكون أكثر متانة، وتبقى مدة أطول مع صاحبها، لا سيما إذا جمعت بين الكلاسيكية والأناقة المعاصرة.

التوأم زياد ونادين فتح الله (الشرق الأوسط)

إيماناً بهذه المفاهيم، وأهمية الحرف اليدوية، أطلق التوأم المصري زياد ونادين فتح الله في عام 2017 علامتهما المتخصصة في هذا النوع من الأحذية تحت اسم «الإسكافي». انطلقا من فكرة واضحة تستهدف إحياء مهنة «صانع الأحذية الشعبية» التي كانت على وشك الاندثار بسبب وسائل التصنيع الحديثة التي تعتمد على الآلات، شأنها شأن كثير من الحرف اليدوية المصرية.

تحافظ على تقاليد صناعة الأحذية اليدوية الراقية (الشرق الأوسط)

دخول نادين وزياد هذا المجال بالتحديد لم يأتِ من فراغ. ففي بعض الحكايات لا تبدأ المهنة باختيار، أو صدفة، وهذا ما يمكن قوله عليهما. فهذا الإرث تسلل إلى وجدانهما منذ الطفولة عندما كان جدهما ووالدهما يصطحبانهما إلى الورش الحرفية لتصنيع احتياجات الأسرة. هناك اكتشفا هذا العالم، وكيف تتحول الخامات البسيطة إلى قطع تحمل بصمة صانعها.

الصنعة وراثة

يقول زياد فتح الله لـ«الشرق الأوسط»: إن «الشغف بكل ما هو مصنوع يدوياً انتقل إلينا كإرث عائلي؛ فترسخت لدينا قناعة بأن الحرفة مهارة، وثقافة، وهوية تستحق الحفاظ عليها، وتطويرها».

حذاء أكسفورد المدبب كما تصوره الثنائي ونفذه الحرفيون (الشرق الأوسط)

لم تكن بداية الثنائي فتح الله في مجال الإكسسوارات، بل في تصنيع الملابس، وتطور الأمر إلى تصنيع الأحذية. فكرة أن تتخصص في تصنيع أحذية كلاسيكية يدوية فاخرة ربما تبدو غريبة وجريئة في مصر، وأن تتحول إليها من قطاع الملابس، فإن ذلك يعني الخروج من «منطقة الأمان» إلى حد كبير، لكنهما قررا خوض المغامرة، والعودة بالرجل المصري إلى أناقة أيام زمان بإحياء فكرة الإسكافي، على أن تكون هذه المرة في معرض فاخر، أو متجر إلكتروني بدلاً من الدكاكين العتيقة في الحارات الشعبية المصرية.

تعتمد العلامة على مجموعة من أمهر الحرفيين (الشرق الأوسط)

تقول نادين: «قبل أن تتحول صناعة الأحذية إلى خطوط إنتاج ضخمة تعتمد على السرعة، والكميات الكبيرة، كان الإسكافي يمثل أحد أبرز رموز الحرفة اليدوية. يعتمد على مهارته، وخبرته، من دون الاستعانة بالآلات الحديثة؛ ولذلك كان الإسكافي في الأحياء والأسواق التقليدية مقصداً لمن يرغب في ترميم حذائه المفضل، أو اقتناء تصميم ينفذ خصيصاً وفق احتياجاته».

من الدكاكين إلى المعارض

في المرحلة الأولى كان التصنيع لدى حرفيين في ورشهم، ثم افتتحا استوديو خاصاً متخصصاً بالكامل في صناعة الأحذية حسب الطلب في حي روكسي بالقاهرة. وسرعان ما توسَّع نشاطهما، فتم إنشاء مصنع بمنطقة العباسية. في هذه المرحلة زادت خبرتهما، وقناعتهما بأن الجودة تعني التفاني، والدقة. فصنع حذاء واحد قد يستغرق عدة أسابيع، حيث يخضع فيها لخطوات تصنيعية متنوعة يقوم بها عدة حرفيين ماهرين، وكل منهم خبير في مجاله قبل اكتمال القطعة، ثم وصولها إلى صاحبها.

العراقة والحداثة تجتمعان في حذاء من الجلد الطبيعي (الشرق الأوسط)

أكثر ما شجعهما في مسيرتهما أن هيمنة صناعة الأحذية آلياً لم تمنع شريحة من الرجال الشغوفين بالجودة والتفرد من البحث عن الحذاء اليدوي المصنوع من الجلد الطبيعي الخالص الذي كان يقدمه الإسكافي قبل سنوات. هذه الشريحة هي التي يستهدفانها بتصاميم مستوحاة من أحذية أكسفورد، وديربي، ولوفر، مع إعادة تقديمها بروح معاصرة من خلال لمسات خفيفة، وألوان تتناغم مع اتجاهات الموضة في كل موسم. ويضيف زياد موضحاً: «أن نجاح العلامة يقوم أيضاً على خبرات الحرفيين الذين يشكلون قلبها النابض، فهم فريق متكامل من الصناع، وينتمي بعضهم إلى أجيال تجاوزت الستين والثمانين عاماً، ورثوا المهنة، وينتمي بعضهم إلى جيل جديد من الشباب جرى تدريبهم، لضمان انتقال الخبرة، واستمرارها».

تصميم على المقاس

ويؤكد المؤسسان أن الأحذية المصنوعة يدوياً لا تنافس المنتجات الجاهزة من حيث الشكل فحسب، بل تقدم حلولاً عملية يصعب أن توفرها الصناعة التجارية؛ فالتفصيل حسب الطلب يلبي احتياجات أشخاص يعانون من مقاسات غير متوفرة في الأسواق، سواء كانت كبيرة جداً، مثل المقاسات التي تتجاوز 46، وتتجاوز الـ49، أو صغيرة بالنسبة للأحذية الرجالية، مثل 36 أو 38، وهي فئات كثيراً ما تواجه صعوبة في العثور على حذاء مناسب، بل يشعر بعض أصحابها بالحرج من تجربة الشراء التقليدية.

يحرص المؤسسان على أن يكون حتى الرباط من الجلد الطبيعي (الشرق الأوسط)

ولا تقتصر الخدمة على اختلاف المقاسات؛ إذ تستقبل الورشة أيضاً عملاء يعانون مشكلات في القدم، مثل القدم المسطحة، أو ارتفاع مشط القدم، أو اختلاف قياس القدمين. ويجري تصميم كل حذاء وفق القياسات الدقيقة لكل عميل؛ بما يحقق الراحة والدعم اللازمين، ويحول الحذاء إلى قطعة مصممة خصيصاً لصاحبها، وفق زياد فتح الله.

أما عشاق الأناقة الكلاسيكية، فإنهم يجدون في الأحذية اليدوية فرصة لامتلاك تصميمات تحمل بصمتهم الشخصية، من خلال اختيار نوع الجلد، ولونه، وطريقة الخياطة، والتفاصيل الدقيقة، ليكتسب الحذاء في آخر مرحلة تفرده، عكس الإنتاج المتشابه الذي تفرضه المصانع الكبرى.

لكل المناسبات بما فيها المساء والسهرة (الشرق الأوسط)

نقل الحرفة للمستقبل

وعن سر الحفاظ على مستوى الجودة، يؤكد التوأم أن تطوير الحرفة لم يعتمد على الدراسة الأكاديمية وحدها، بل جاء من سنوات طويلة من الممارسة اليومية، والاطلاع المستمر على أحدث تقنيات الصناعة في هذا المجال، وذلك عبر السفر، ومتابعة المدارس الأوروبية الرائدة -ولا سيما في إيطاليا، وبريطانيا، وإسبانيا- التي لا تزال تحافظ على تقاليد صناعة الأحذية اليدوية الراقية، إلى جانب الكتب المتخصصة، والدورات التدريبية.

حذاء ذا سولاس من الإسكافي بلمسة حديثة (الشرق الأوسط)

كما أطلقا أخيراً خطاً جديداً من الأحذية اليومية (Active)، حيث لا يندرج ضمن الأحذية الرياضية التقليدية، بل يعتمد على الجلد الطبيعي بالكامل مع نعل مسطح، وخفيف الوزن، ليمنح مرتديه راحة طوال اليوم، فيما يناسب شكله الملابس الكاجوال.

ويكشف التوأم أن موسم خريف وشتاء 2026 سيشهد إطلاق أول مجموعة نسائية متكاملة، وبالمواصفات التي تميز العلامة، وتُلبِي طموح التوأم. فحلمهما لن يكتمل إلا بإنشاء أكاديمية مصرية متخصصة لتعليم صناعة الأحذية اليدوية وفق تصريحهما، حيث تعيد الاعتبار لحرفة الإسكافي، وتُغري شريحة شابة من الحرفيين بحملها إلى المستقبل.