أحمد الرحبي: الترجمة عرس فني بين لغتين

الكاتب العماني المقيم في موسكو يقول إن الروس لا يعرفون الكثير عن الأدب العربي

أحمد الرحبي: الترجمة عرس فني بين لغتين
TT

أحمد الرحبي: الترجمة عرس فني بين لغتين

أحمد الرحبي: الترجمة عرس فني بين لغتين

بين الترجمة والتأليف، تتشكل ملامح التجربة الأدبية للكاتب العماني أحمد الرحبي، فحبه للترحال والسفر قاده لاكتشاف ثقافات وعوالم أخرى. وبدافع من هذا الحب أقام في روسيا، درس اللغة الروسية وآدابها في جامعة موسكو وحصل منها على الدكتوراه في الترجمة عام 2010... من أبرز ترجماته عن الروسية «الطفولة»، «بين الناس»، «جامعاتي»، «كيف تعلمت الكتابة » لمكسيم جوركي، «زواج الطاهية» لأنطون تشيخوف، «انتقام تشيك الرهيب» وهو مختارات قصصية لمجموعة من الأدباء الروس المعاصرين، «رحلة أخي أليكسي في يوتوبيا الفلاحين» لإكسندر تشايانوف. وعلى المستوى الإبداعي، صدرت له المجموعة القصصية «أقفال» وروايات «الوافد»، «أنا والجدة نينا»، و«بوصلة السراب». هنا حوار معه حول هذه الرحلة، وقضايا الترجمة وهموم الكتابة.

غلاف الكتاب

> كيف بدأت علاقتك باللغة الروسية؟

- بمحض المصادفة، في البداية كنت مهتماً بدراسة اللغة الفرنسية التي تابعتها في عُمان ثم في فرنسا والمغرب ومصر، وتدرجتُ في تعلمها حتى بدأت في التمرن على الترجمة عنها، فتعلم لغة ما بالنسبة لي يعني بالضرورة الترجمة عنها. لكن المصادفة محكومة بظروفي المادية التي حتمت عليّ أن أدير دفتي عن فرنسا وتوجيهها إلى روسيا؛ ولو أن ريح المصادفات قادتني إلى الصين أو باكستان أو فنزويلا مثلاً، لكنت اليوم مترجماً من لغات هذه البلدان. كنت معلقاً بالسفر، وكانت الترجمة وغيرها من مشاريع الحياة وأحلامها محمولة على جناحي رغبتي الجامحة، بل المجنونة، بالسفر.

أتذكر حين كنت محلقاً أوّل مرّة على متن خطوط «آير فلوت» الروسية، طفت باللوحات الإرشادية الملصقة على مخارج الطائرة وتأملت الكلمات الروسية الطويلة جداً، فأصابني القلق والإحباط مما أنا مُقبلٌ عليه، وظننتني لن أبقى في موسكو طويلاً، وبأنها ستكون محطة أخرى من محطاتي المعتادة، ولكن ما حدث أن ربع قرن مضى وما زلت هنا.

> متى قررت خوض تجربة ترجمة الأدب الروسي إلى العربية... وهل انتويت الاحتراف أم الاكتفاء بروح الهاوي؟

- قررت ذلك عندما بدأت أتذوق اللغة الروسية مباشرة. كان عليّ أن أعمل لتأمين سبل معيشتي. الغريب أنني بدأت من الأصعب وقمت بترجمة الشعر. وقعت في يدي قصيدة للشاعر سيرغي يسينين لم تُترجم ولم تظهر في الترجمة البديعة التي وضعها الشاعر العراقي حسب الشيخ جعفر في مختاراته من الشعر الروسي.

لعلني تسرعت في التصدي للشعر من أول جولة، لكن الأدهى من ذلك أن القصيدة، وعنوانها «الرجل الأسود»، كانت مختلفة عن الشعر الغنائي الذي تميّز به يسينين «شحرور الريف الروسي» كما يوصف. كانت قصيدة معقدة، قاتمة، كتبها قبل أيام قليلة من انتحاره، وبث فيها هواجسه العميقة عن الموت، أو «الرجل الأسود»، الذي ظلّ يصارعه في القصيدة الطويلة نسبياً.

أعجبني صنيعي، فدبجت مقدمة وافية عن الشاعر وظروف كتابته لهذه القصيدة نُشرت في مجلة «نزوى». لست محترف ترجمة بمعنى العمل الدائم عليها. شغلي منصب على التأليف، بينما تأتي الترجمة استراحة بين عملين، وهي استراحة عميقة، تتداخل بالكتابة ويثري كل منهما الآخر.

> ما الذي أردت إضافته لجهود جيل الرواد في هذا السياق مثل د. أبو بكر يوسف وغيره ممن ساهموا في تقديم الإبداعات الروسية إلى العرب؟

- لم أكن في وارد التحاور مع الرعيل الذي سبقني وتجذر في الترجمة من الروسية. طبعاً قرأت مثل كثيرين غيري ترجمات الرواد العرب قبل انتقالي إلى روسيا، وفي موسكو تعرفت على بعضهم ومنهم المرحوم أبو بكر يوسف الذي أجريت معه لقاءً متلفزاً. وعندما ترجمت للكاتب أنطون تشيخوف، الذي عرفناه أساساً عبر ترجمات أبو بكر يوسف، اخترت ما لم يترجمه يوسف له أو غيره من المترجمين. في زمن الاتحاد السوفياتي كانت هناك تقاليد ومؤسسات ترعى الترجمة وتنظم جهود المترجمين العرب، أمّا أنا فوصلت موسكو عام 2000، أي بعد ضمور الحاضنة المؤسساتية للترجمة تماماً.

> هناك انتقاد تقليدي للمترجمين العرب عن الروسية بأنهم توقفوا عند حقبة الكلاسيكيات ولم يتجاوزا، إلا فيما ندر، جيل دستويفسكي وتولستوى إلى الأجيال التالية، كيف ترى هذا؟

- بعد الجيل الذهبي الذي ذكرتِه تُرجِمتْ الكثير من أعمال الجيل الذي يُعرف في المدونة الأدبية الروسية بـ«الجيل الفضي» مثل بولغاكوف وزمياتين وشولوخوف وباسترناك وسولجنتسين، ومن تبعهم مثل راسبوتين وآيتماتوف وغيرهما. لكن هذه الصيغة الرصينة من الترجمة توقفت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ودخول البلاد عالم السوق الحرّة. المترجمون لا يمكنهم إدارة مشروع قومي للترجمة، هي مسؤولية دول، حتى في الزمن الأموي ازدهرت الترجمة تحت مظلة الخلافة.

الحاصل أن مجرى الترجمة الذي كان مؤسساتياً في العهد السوفياتي، انتقل بعدها، وحتى اليوم، إلى عهدة دور النشر العربية. وبرغم ما تحققه هذه الدور من فائدة لصالح الترجمة من الروسية، فإنه لا يوجد ناظم لعملها، فجودتها في الدار الواحدة متقلبة ومتفاوتة وأحياناً كارثية. فيما يخصني فقد ترجمت قصصاً من الأدب الروسي الحديث نُشرت في الصحافة العربية، كما أصدرت كتاباً ضمّ مجموعة قصص روسية حديثة.

غلاف الكتاب

> الأدب الروسي الراهن، ما أبرز همومه وقضاياه وهل لا يزال يحمل شفرة العظمة التي اشتهرت بها أجيال الرواد؟

- الذرى الكلاسيكية التي سبق وأفرزها الأدب والموسيقى والفن التشكيلي والمسرح والسينما في روسيا لم تعد موجودة بالمستوى الذي يجعلها مؤثرة على الفنون العالمية كما كانت، لكن «شفرة العظمة» التي تتحدثين عنها لا تزال حية وموجودة هنا وهناك. كل الإبداعات والفنون القديمة لا تزال تتفاعل وتعيش ضمن جدليتها وأسئلتها الراهنة. ومثل كلّ مكان، لا تخلو الساحة هنا من التقليعات الرائجة لما يسمى بـ«روايات المراهقين» وما يرافقها من زخم إعلامي وطوابير لشرائها.

> كيف نرى جهود زوجتك البروفسور فكتوريا زاريِتوفسكيا في تقديم الأدب العربي إلى الطلاب الروس؟

- أقسام اللغة العربية ما زالت نابضة وتواصل بقدر المستطاع الحفاظ على حيويتها وصلاتها الثقافية بالمجال العربي. فيكتوريا بصفتها مترجمة وأستاذة اللغة العربية في الجامعة الروسية، تصدر على الدوام كتباً وكراسات منهجية لتدريس اللغة العربية كان آخرها كتاباً ضمّ أعمالاً لقاصين عربيين. تتأسف دائماً على قلّة إنتاجها في الترجمة فتعوض ذلك بتأليف المقالات والكتب التعليمية.

> من خلال متابعتك، ما هو حضور وتأثير الأدب العربي على الساحة الثقافية الروسية؟

- باستثناء أقسام اللغة العربية في الجامعات، لا نجد حضوراً للأدب العربي في روسيا، وفيما عدا القاموس، تخلو المكتبات تقريباً من الكتاب العربي المترجم. قمت ذات مرّة بإجراء تحقيق صحافي ميداني وسألت مرتادي قسم الآداب الأجنبية في مكتبة كبيرة بموسكو عن معرفتهم بنجيب محفوظ؛ وجدت أنهم يعرفونه لكنهم لا يقرأون له؛ لماذا؟ لأن كتبه غير موجودة.

هنا تترجم رواية عربية واحدة كل خمس سنوات. بالمقابل تقوم شركة «سامسونغ» الكورية منذ فترة بدعم وإدارة ضيعة تولستوي الشهيرة «ياسنايا بوليانا»، وهي قرية شاسعة يشقها نهر وفيها اصطبلات تولستوي ومتحفه الذي كان بيته وقبره وكل ما يخصه، كما تجرى فيها فعاليات ثقافية منها أهم مسابقة للترجمة في البلاد. اليوم يترجم الكوريون 50 كتاباً من لغتهم إلى الروسية في كل عام. باختصار العادة ما زالت نفسها: هناك من يعمل ويحقق ما يريد وهناك من يحلم ويجني الأصفار.

> هل عطلتك الترجمة عن استكمال مشروعك الأدبي؟

- لا، فحتى لو اقتطعت الترجمة وقتاً معتبراً من وقتي، فهي بالمقابل تمنحني فرصة ثمينة للخوض في أعماق النص الأجنبي وملامسة بطانته الداخلية وكامل خامته؛ فنقل الكلام من لغة إلى أخرى، عملية تفكيك وبناء مصحوبة بشتى أنواع الأصوات والإيقاعات والتراكيب. إنه عرس بين لغتين، عملية خلق جديد، وبصفتي كاتباً فهي عملية تخلّق كذلك.

> كيف أثرت الإقامة في روسيا على ملامح تجربتك الأدبية؟

- الحياة تجربة بينما الكتابة أثر. لا شكّ أن إقامة طويلة ومستمرة في المكان الأجنبي تترك بصمتها في سوية الشخص، أيّ شخص، فما بالك وأنه كاتب، مجبول بالفضول ومفتون بالأسئلة... مع ذلك فالعيش خارج البيئة الأم، برغم إملاءات هذه البيئة وقيودها، وما يقابله من شعور بالتخفف والانعتاق في الخارج، برغم كل هذا فإن الأمر لا يخلو من مخاطرة، وأحياناً مخاطرة جسيمة.

لقد شهدت كيف أغرت حرية الغربة هذه أقراني من الغرباء حتى أودتهم الهلاك. كما عرفت آخرين أفزعتهم الغربة فنكصوا على أعقابهم. إنها حرية غريبة، غير عادية، تذكرني بـ«الندّاهة» في الأسطورة المصرية. بالنسبة لي، لم يكن أمامي سوى المضي قدماً وعميقاً؛ فلا العودة كانت مستساغة، ولا الحالة المادية والنفسية سمحت بالسياحة والترفه؛ أمّا الأساس الذي بنيته ووقفت عليه، فترويض اللغة الروسية وتكوين أسرة تجذرني في المكان وثقافته.

> هل هذا هو السبب في أن «ثيمة» الاغتراب تهيمن على كثير من نصوصك، بشكل أو بآخر؟

- بينما كانت تجربة السفر تتطلب وقتاً وصبراً، كانت كتابتي تتجذر أيضاً وتتشرب من تجربتي. وجدتني مشدوداً إلى موضوع الاغتراب، لا بصفته حالة انفصال عن الأصل «الوطن»، بل كسؤال ملّح، مثله مثل سؤال الوطن نفسه، فضلاً عن أنه مختبر حيويّ للممارسة الفنية. اخترت لكتابتي منذ البداية مقاربة نفسية وفنية تراوح بين المُغترَب والوطن؛ حتى حين أكتب عن قرية عمانية صميمة، فإن نبرة «غريبة» تفلت بين السطور. شيء هنا يذكرني بهناك، وشيء من هناك يلوح لي هنا. ولكن الحنين الذي قد يرشح من كلامي هذا، يتعدى أن يكون حنيناً لمكان وزمان معينين، ليلامس الإنسان والإنسانية الغاربة؛ أو كما وصفه صديقي حمود سعود في مقال عن روايتي «بوصلة السراب» بأنه «حنين مستوحش».


مقالات ذات صلة

هل توجد حياة في هوليوود؟

ثقافة وفنون لورين روثري

هل توجد حياة في هوليوود؟

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

إلكسندرا جاكوبس
ثقافة وفنون المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون اقرأ كي تعيش

اقرأ كي تعيش

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء...

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون كانط

الحرب بين كانط وهيغل

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه.

خالد الغنامي
ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».