إيلي كوهين... ماذا نعرف عن أشهر جاسوس إسرائيلي؟

نتنياهو أعلن استعادة ملفاته وصوره من سوريا بعد 60 عاماً على وفاته

TT

إيلي كوهين... ماذا نعرف عن أشهر جاسوس إسرائيلي؟

ملف الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين لدى أجهزة الأمن السورية قبل نقله لإسرائيل (لقطة من فيديو)
ملف الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين لدى أجهزة الأمن السورية قبل نقله لإسرائيل (لقطة من فيديو)

يعد إيلي كوهين أحد أهم وأبرز جواسيس إسرائيل في العالم العربي منذ تأسيس الدولة العبرية عام 1948، حيث استطاع نسج علاقات وثيقة مع شخصيات سياسية وعسكرية رفيعة المستوى في سوريا، قبل اكتشاف أمره وإعدامه في ستينيات القرن الماضي.

وأعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأحد، استرجاع نحو 2500 وثيقة وصورة ومقتنيات شخصية كانت ضمن «الأرشيف السوري الرسمي» الخاص بإيلي كوهين.

وجاء في بيان صادر عن مكتب نتنياهو «في عملية سرية معقدة نفّذها جهاز (الموساد) بالتعاون مع جهة استخباراتية شريكة، تمّ إحضار الأرشيف السوري الرسمي الخاص بإيلي كوهين إلى إسرائيل»، مضيفاً أنه يحوي «آلاف المواد التي احتفظت بها الاستخبارات السورية لعقود تحت حراسة مشددة».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يطلع نادية كوهين على صور ووثائق تخص إيلي كوهين استعادتها إسرائيل من سوريا (مكتب نتنياهو)

ولد إيلي كوهين في الإسكندرية بمصر عام 1924، وعندما بلغ العشرين من العمر، انضم إلى «منظمة الشباب اليهودي الصهيوني» في مصر. وبعد حرب 1948، أخذ يدعو مع غيره من أعضاء المنظمة لهجرة اليهود المصريين إلى فلسطين.

وفي عام 1949‏ هاجر والداه وثلاثة من أشقائه إلى إسرائيل بينما تخلّف هو في الإسكندرية‏. ‏وقبل أن يهاجر إلى إسرائيل، عمل لصالح إسرائيل وساعد شبكةً للمخابرات الإسرائيلية بمصر نفذت سلسلة من التفجيرات ببعض المنشآت الأميركية في القاهرة والإسكندرية‏ بهدف إفساد العلاقة بين مصر والولايات المتحدة الأميركية.

وفي عام 1954، تم إلقاء القبض على أفراد الشبكة في فضيحة كبرى عُرفت حينها بـ«فضيحة لافون». وبعد انتهاء عمليات التحقيق، كان إيلي كوهين قد تمكن من إقناع المحققين ببراءته، لكنه أصبح شخصاً مثيراً للشك لدى أجهزة الأمن، ثم خرج من مصر‏ بعد عام 1956‏.

صورة متداولة لإيلي كوهين فوق سطح منزله في دمشق

ملف نادية كوهين

عمل إيلي كوهين مترجماً ومحللاً لدى الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وحاول الالتحاق بجهاز «الموساد» ثم فشل، ما دفعه للاستقالة من المخابرات العسكرية والعمل كمحاسب لدى بعض الشركات الخاصة في تل أبيب. وتزوج من إسرائيلية من أصل عراقي تدعى نادية.

والتقى نتنياهو وديفيد برنياع مدير الموساد، نادية كوهين، أمس الأحد، وشاركا معها الأرشيف الذي حصلا عليه، بحسب ما أفاد بيان مكتب نتنياهو.

وكان من بين الوثائق التي استعادتها إسرائيل من سوريا وأعلنت عنها، الأحد، ملف يحمل اسم «نادية كوهين» يتضمن تفاصيل مراقبة أجهزة الأمن السورية للحملة التي قادتها زوجته للمطالبة بالإفراج عنه في الستينيات قبل تنفيذ الحكم بإعدامه.

بعد رفض جهاز «الموساد» لإيلي كوهين، عاد للتواصل معه في بداية الستينيات حيث كان يبحث عن شخص لإرساله للتجسس في سوريا. رتبت له المخابرات الإسرائيلية قصة ملفقة أو ما يسمى قصة تغطية؛ يبدو فيها رجل أعمال سوري يحمل اسم كامل أمين ثابت يمتلك الكثير من الأموال ويعمل في الأرجنتين، وهناك انخرط وسط المجتمع العربي وكوّن العديد من العلاقات والصداقات.

وفي سوريا عمل طوال 4 سنوات لصالح «الموساد»، وكوّن صداقات وعلاقات قوية مع شخصيات سياسية وعسكرية رفيعة المستوى في سوريا وكان يرسل المعلومات إلى تل أبيب عن طريق الراديو والرسائل المشفرة. وفي عام 1965، افتضح أمر كوهين وألقي القبض عليه متلبساً ثم حكم بإعدامه، ونفذ الحكم يوم 18 مايو (أيار) 1965.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ونادية كوهين وديفيد برنياع مدير «الموساد» خلال إطلاعها على وثائق إيلي كوهين (مكتب نتنياهو)

وشملت المواد التي استعادتها إسرائيل من سوريا، وأعلنت عنها الأحد، وصية أصلية كتبها كوهين بخط يده قبل ساعات من إعدامه، وتسجيلات صوتية وملفات من استجوابه واستجواب من كانوا على اتصال به، ورسائل كتبها لعائلته في إسرائيل وصور من مهمته في سوريا.

كما تتضمن مقتنيات شخصية نُقلت من منزله بعد اعتقاله، منها جوازات سفر مزورة وصور له مع مسؤولين عسكريين وحكوميين سوريين رفيعي المستوى، إضافة إلى دفاتر لتدوين الملاحظات ويوميات تسرد مهام «الموساد».

نفذ حكم الإعدام في إيلي كوهين يوم 18 مايو 1965

ومنذ إعدام كوهين، لم تتوقف إسرائيل عن محاولة استعادة جثمانه من سوريا، حيث ظل مكان دفنه سراً، ويعتقد أن جثمانه نقل عدة مرات لأماكن مختلفة.

رفاته

كشفت عائلة الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين، في عام 2019، أن جهاز «الموساد» حاول في عملية معقدة داخل سوريا أن يهتدي إلى مكان دفنه، ونقل رفاته إلى إسرائيل، إلا أن العملية فشلت.

وروت صوفي كوهين، ابنة الجاسوس، أنها عرفت بأمر هذه العملية من الإفادة الصوتية التي سجلها عمها موريس، شقيق والدها، الذي عمل هو أيضاً في «الموساد». فقبل وفاته، قرر ترك رسالة صوتية يتحدث فيها عن شقيقه الجاسوس إيلي كوهين، و«بطولاته في اختراق مؤسسة الحكم السورية ووصوله إلى أعلى شرائح السلطة، وتمكنه من جمع معلومات خطيرة تخدم الجيش الإسرائيلي مثل الاستعدادات للحرب وغيرها».

صورة من فيلم بثته «روسيا اليوم» لجثمان إيلي كوهين في كفن بعد إعدامه في دمشق 1965

وكان الغرض من هذه الإفادة هو طمأنة أفراد العائلة بأن «الموساد» لم يهمل قضية إيلي كوهين، بل حاول تنفيذ عمليات كثيرة مغامرة للعثور على جثمانه، ولكن الظروف كانت أقوى منه.

ولم يكشف موريس كوهين كيف تمت عمليات البحث، وفي أي وقت، وإن كانوا قد تلقوا معلومات عن مكان دفن الجثة. لكنه روى في هذه الإفادة أن تحقيقات «الموساد» بيّنت أن الرئيس السوري في ذلك الوقت، أمين الحافظ، أمر بدفن الجثة داخل معسكر جيش قرب دمشق، وأن فرقة مدرعات تولت أمر حراسة القبر ليل نهار.

ويضيف موريس أنه عندما تولى الحكم حافظ الأسد، عام 1971، أمر بنقل رفات شقيقه إيلي إلى قبر آخر فوضعوه في برميل، ودفنوه، وصبوا فوقه كمية كبيرة من الباطون.

صورة للجاسوس الإسرائيلي لإيلي كوهين ضمن وثائق استعادتها إسرائيل من سوريا (لقطة من فيديو)

وأشار موريس، في التسجيل، إلى أن محققي «الموساد» سمعوا رواية أخرى تقول إن بعض الجنود أحرقوا جثة إيلي كوهين، لكن المخابرات الإسرائيلية لم تقتنع بهذه الرواية، باعتبار أن هذه الجثة هي كنز ثمين يمكن استخدامه في المساومات والمقايضات بين دمشق وتل أبيب.

ويضيف موريس كوهين أن القناعة السائدة لدى «الموساد»، آنذاك، هي أن نظام الأسد ما زال يحتفظ برفات إيلي كوهين في مكان سري لا يعرفه إلا قلة قليلة من كبار رجالاته. ويعتقد بأن القبر يقع في منطقة سرية قرب الحدود السورية اللبنانية.

صورة هوية للجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين (لقطة من فيديو)

وادعت مصادر سياسية في تل أبيب، الجمعة، أنه خلال لقاء مباشر بين مسؤولين أمنيين إسرائيليين وصفوا بأنهم «رفيعو المستوى»، ونظرائهم من السلطة السورية الجديدة، خلال الأشهر الأخيرة، أبلغ السوريون نظراءهم الإسرائيليين أنهم يسعون للعثور على رفات الجاسوس إيلي كوهين، الذي نُفذ فيه حكم بالإعدام في دمشق، في أواسط ستينيات القرن الماضي.

«أسطورة»

واعتبر مكتب نتنياهو، في بيان، الأحد، أن كوهين «أسطورة، مع مرور الزمن ها هو يظهر كأعظم عميل في تاريخ الدولة».

وأضاف أن استعادة الأرشيف الخاص به يعكس «التزام إسرائيل الثابت بإعادة جميع مفقودينا وأسرانا ورهائننا» في إشارة ضمنية إلى الرهائن الذين ما زالوا محتجزين في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

صورة من وثائق باللغة العربية تخص قضية الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين استعادتها إسرائيل من سوريا (لقطة من فيديو)

وأشار بيان رئاسة الوزراء إلى أن الحصول على هذه المتعلقات هو تتويج لـ«عقود من الجهد الاستخباراتي والعملي والتقني من قبل (الموساد) للعثور على أي معلومة تتعلق بإيلي كوهين بهدف كشف مصيره ومكان دفنه».

وأوضح أن محاولات عديدة جرت على مر السنين بينها تلك التي نفذت «داخل دول معادية» لمعرفة ما حصل لكوهين.

وفي صيف 2018، أعلنت الدولة العبرية أنّها استعادت ساعة يد كوهين التي كانت جزءاً من «هويته العربية الزائفة»، وذلك بفضل «عملية خاصّة نفّذها (الموساد) في دولة عدوّة».

مسلسل على «نتفليكس»

وحولت شبكة «نتفليكس»، قصة حياة إيلي كوهين لمسلسل مثير من 6 حلقات بعنوان «الجاسوس... قصة حياة إيلي كوهين».

مجموعة من الصور للجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين كانت في ملفه بسوريا (لقطة من فيديو)

ولعب الممثل البريطاني ساشا بارون كوهين دور الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين (لا صلة تربط بينهما رغم الشبه الكبير)، في المسلسل الذي عرض عام 2019.

ساشا بارون كوهين في لقطة من مسلسل «الجاسوس» (نيويورك تايمز)

قال ساشا بارون كوهين، في لقاء أجري معه عام 2019، «تعرفت على إيلي كوهين من واقع وصف الشخصية المكتوبة في سيناريو المسلسل، وأحسست أنه يمثل الجانب المتطرف للغاية الذي لا أعرفه من شخصيتي. وكانت المخاطر عالية جداً بالنسبة لطبيعة عمله؛ ذلك لأن مقابل الفشل لديه كان إما السجن أو الإعدام. وكان إيلي كوهين يشكّل أعظم (ممثل واقعي في الحياة) شهدته سنوات القرن العشرين».


مقالات ذات صلة

إسرائيل تسحب جنسية فلسطينيَّين - إسرائيليَين وتأمر بإبعادهما

شؤون إقليمية عناصر من الشرطة الإسرائيلية الخيالة يحرسون خلال مظاهرة للعرب الإسرائيليين في مدينة حيفا 10 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إسرائيل تسحب جنسية فلسطينيَّين - إسرائيليَين وتأمر بإبعادهما

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، أنه وقّع أمراً بترحيل فلسطينيَّين إسرائيليين من سكان القدس الشرقية أدينا بتنفيذ هجمات ضد إسرائيليين.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
أوروبا علم ألمانيا (رويترز)

رئيسة البرلمان الألماني تؤكد الطبيعة الفريدة لعلاقات بلادها مع إسرائيل

قبيل بدء زيارتها الرسمية الأولى لإسرائيل، أكّدت رئيسة البرلمان الألماني يوليا كلوكنر على الطبيعة الفريدة للعلاقات الألمانية الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (القدس)
تحليل إخباري الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)

تحليل إخباري الحضور العسكري المصري في الصومال يثير قلقاً إسرائيلياً

عبَّرت وسائل إعلام عبرية عن قلق إسرائيلي من التحركات العسكرية المصرية في الصومال ومنطقة القرن الأفريقي.

هشام المياني (القاهرة)
شؤون إقليمية وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين (رويترز)

وزير إسرائيلي يصف إجراءات الضفة الغربية بأنها «سيادة واقعية»

قال وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين إن الإجراءات التي تبنتها الحكومة والتي تعزز السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة ترقى لمستوى تنفيذ «سيادة واقعية».

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي دبابة إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

5 قتلى بنيران إسرائيلية في غزة

كشف مسؤولون بقطاع الصحة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا في قطاع غزة، اليوم الثلاثاء، جراء غارات جوية وإطلاق نار من جانب القوات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».


«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تتصاعد المطالب بسرعة نشر قوات الاستقرار في قطاع غزة التزاماً باستحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع، بالتزامن مع إعلان إندونيسيا بدء تدريب عناصر من جيشها في هذا الصدد.

تلك التحركات والمطالب، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنها ستكون دافعاً للتعجيل بالمرحلة الثانية التي لا تزال تراوح مكانها منذ إعلان بدئها منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، متوقعين حدوث ضغوط أميركية لإنجاز هذا الأمر، خاصة مع الاجتماع المقبل لمجلس السلام في 19 فبراير (شباط) الحالي ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه، الثلاثاء، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية بدولة روسيا الاتحادية، سيرغي ناريشكين، على «محورية تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتنفيذ بنود المرحلة الثانية منه، لا سيما إدخال المساعدات، وسرعة البدء في عملية التعافي المبكر وإعادة الإعمار بالقطاع، وذلك لحفظ الأمن والاستقرار الدوليين».

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الثلاثاء، أهمية سرعة نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، واستمرار تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية، والتمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وذلك خلال اتصال هاتفي مع وزير خارجية البرازيل ماورو فييرا.

جاء ذلك غداة إعلان الجيش الإندونيسي بدء الاستعدادات لنشر محتمل لقواته في قطاع غزة، ضمن مهمة «مجلس السلام» الذي أعلن عنه في وقت سابق الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد خلال استقباله رئيس الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين محورية تثبيت وقف إطلاق النار بقطاع غزة (الرئاسة المصرية)

وقال رئيس أركان الجيش مارولي سيمانجونتاك، الاثنين، إن الجيش بدأ تدريب أفراد يمكن تكليفهم بمهمة حفظ السلام، حسب تصريحات نشرتها صحف محلية، مشيراً إلى أن عدد الأفراد الذين سيتم نشرهم لم يحدد بعد، الواحد يتألف عادة من 5 آلاف إلى 8 آلاف جندي.

وأضاف أن الجيش يركز حالياً على تجهيز الأفراد، بانتظار مزيد من التنسيق بشأن الوضع في القطاع المدمر.

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء سمير فرج، أن بدء تدريبات إندونيسيا يزيد الزخم لبدء عمل قوات الاستقرار الدولية قريباً، ويدفع بالمرحلة الثانية التي تقف في مرحلة جمود، مشيراً إلى أن هناك ترتيبات لم تتم حتى الآن لبدء نشر قوات الاستقرار الدولية، وهو ما يؤخر وصولها حتى الآن، والعقبة حتى الآن في عدم حسم انسحاب إسرائيل من قطاع أو نزع سلاح «حماس».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن هناك تحركات تضغط من أجل الدفع بهذه القوات الدولية للوجود على الأرض، لا سيما من مصر ودول عدة، لكن غير واضح أن هناك حسماً للأمر حتى الآن، مشيراً إلى أن هناك تخوفاً من الدول، لا سيما إندونيسيا، من الصدام مع الجانب الفلسطيني، وحذراً كبيراً وتردداً متكرراً، في ظل عدم حسم صلاحيات القوات بعد، مستدركاً: «لكن هي خطوة يعول عليها في الدفع بها خلال اجتماع مجلس السلام المقبل لبدء فعلي للمرحلة الثانية».

وقوات استقرار غزة، أحد أبرز البنود الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، منتصف الشهر الماضي، التي لم تر النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ويعقد «مجلس السلام» الذي دشن منتصف يناير الماضي، أول اجتماع له يوم 19 فبراير الحالي، وقدم ترمب دعوات في هذا الصدد لعدة دول، ومن المتوقع أن يدفع الاجتماع بالمرحلة الثانية من «اتفاق غزة»، وفق موقع «أكسيوس» الأميركي.

وقال مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في بيان، قبل أيام، إنه من المتوقع أن يجتمع مع ترمب، في واشنطن، الأربعاء، لبحث ملف المفاوضات مع إيران.

ويعتقد فرج أن ترمب سيضغط خلال الاجتماع الوشيك للمجلس أو مع نتنياهو لتنفيذ خطته بشأن غزة، سواء على إسرائيل أو «حماس»، حتى لا يبدو أن مجلسه فشل أو تعثر، وربما تكون قوات الاستقرار أحد البنود الرابحة من هذا الاجتماع.

ولا يراهن نزار نزال كثيراً على الاجتماع الوشيك أو لقاء نتنياهو بترمب، الأربعاء، موضحاً «أن هناك قضايا ذات أولوية لإسرائيل هي إيران الآن، وربما الرئيس الأميركي يضغط لحسم موقف القوات الدولية التي ترفض حكومة نتنياهو مشاركة تركيا فيها، وقد نرى انفراجة في ضوء تحركات واتصالات القاهرة ومواقف أخرى كاستعدادات إندونيسيا».