عشرة أخطاء تاريخية في مسلسل «الجاسوس» إيلي كوهين

قدم معلومات «متخيلة» عن دور حافظ الأسد وأمين الحافظ وميشيل عفلق

البناء الذي سكن فيه ايلي كوهين في حي ابو رمانة في دمشق (الشرق الاوسط)
البناء الذي سكن فيه ايلي كوهين في حي ابو رمانة في دمشق (الشرق الاوسط)
TT

عشرة أخطاء تاريخية في مسلسل «الجاسوس» إيلي كوهين

البناء الذي سكن فيه ايلي كوهين في حي ابو رمانة في دمشق (الشرق الاوسط)
البناء الذي سكن فيه ايلي كوهين في حي ابو رمانة في دمشق (الشرق الاوسط)

بعيداً من سعي مسلسل «الجاسوس» الذي تعرضه شبكة «نيتفلكس» عن الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين المعروف باسم «كامل ثابت أمين»، إلى تكريس الصورة البطولية لـجهاز الاستخبارات الإسرائيلي (موساد) مقابل صورة نمطية مليئة بالخيانة والفساد والتآمر عن الطبقة السياسية السورية، فإن الحلقات الست للمسلسل تضمنت الكثير من الأخطاء التاريخية والسياسية... وإهانات اجتماعية.
صحيح أن «نيتفلكس» أشارت إلى أن «الجاسوس» ليس وثيقة تاريخية بل استند إلى الكتاب الفرنسي «الجاسوس الذي جاء من إسرائيل» وأخرجه الإسرائيلي جدعون راف من بطولة الممثل الساخر ساشا بارون كوهين الذي اشتهر بسلسلة «بورات»، لكنه تحول إلى «وثيقة تاريخية» عن تجربة كوهين من وجهة نظر إسرائيلية، مقابل غياب الرواية السورية باستثناء بعض المقالات والكتب ومقابلات كان بينها واحدة مع القاضي صلاح الضللي الذي حكم على كوهين بالإعدام في 1965. وبحسب مؤرخين وكتاب سوريين، يمكن الحديث عن عشرة أخطاء تاريخية في «الجاسوس»، هي:
الأول، الرئيس أمين الحافظ: أظهر المسلسل علاقة خاصة بين كوهين والحافظ تعود إلى فترة عمل الأخير ملحقاً عسكرياً في السفارة السورية في بوينس آيرس في الأرجنتين. لكن الحافظ نفسه نفى ذلك في مقابلة تلفزيونية في عام 2001. إذ أنه لم يصل إلى هناك حتى عام 1962. أي بعد سفر كوهين إلى دمشق وأضاف أنه تعرف على كوهين بعد اعتقاله بداية 1965. رواية الصداقة ظهرت في صحف مصرية لانتقاد أمين الحافظ في مشاحنات سياسية. لكنها نقلت في دمشق وتل أبيب لإظهار أهمية كوهين عشية إعدامه، بحسب خبير سوري.
تم عرض لقاءات علنية بينهما في الأرجنتين ثم في دمشق. لكن ليست هناك وثيقة أو صورة تدل على اجتماعات علنية بين كوهين والحافظ الذي كان ذهب إلى العراق ثم عاد بوساطة إلى دمشق قبل أن يتوفى قبل بضع سنوات.
الثاني، حافظ الأسد وأمين الحافظ: حافظ الأسد لم يكن فريقاً كما ظهر في صورته في مكتب الموساد. كان ضابطاً في مصر ثم تحول إلى منصب مدني بعد الانفصال عن مصر.
لم يتسلم أمين الحافظ السلطة بعد 8 مارس (آذار) 1963. بل عُيّن وزيراً للداخلية في حكومة صلاح الدين البيطار. أما رئاسة مجلس قيادة الثورة، فقد ذهبت للفريق لؤي الأتاسي حتى صيف ذلك العام. وبعدها تسلم الحافظ رئاسة المجلس الرئاسي، وليس رئاسة الجمهورية. والحافظ لم يكن موجوداً في دمشق في 8 مارس ولا علاقة له بالمطلق بالسيطرة على مبنى الأركان العامة في دمشق، كما جاء في «الجاسوس».
الثالث، ميشيل عفلق: لم يجتمع كوهين بعفلق، ولم يعطِه قوائم بشخصيات مثل رئيس الحكومة خالد العظم لدعوتها إلى سهرة في 8 مارس. في تلك الليلة، كان خالد العظم موجوداً في منزل الطبيب مدني الخيمي وليس في دار كوهين الذي لم يزره قط في حياته. إضافة إلى أنه لا علم لعفلق بتحركات الجيش في انقلاب 8 مارس، بحسب الخبراء.
الرابع، اللواء عبد الكريم زهر الدين: رئيس الأركان في عهد الانفصال، لم يدخل منزل كوهين. من دخل المنزل هو ابن أخيه، الضابط الاحتياط معذي زهر الدين. كان صديقاً لكوهين، لكنه سُرح من الجيش يوم 8 مارس وتولى منصب في وزارة هامشية. كان يجتمع مع كوهين، إما في دار الأخير أو في مقهى الكمال وسط دمشق، وقد تم اعتقاله والحكم عليه بالسجن خمس سنوات عام 1965.
الخامس، الضابط معذي زهر الدين والجبهة: أخذ الضابط معذي كوهين إلى خطوط الجبهة السورية في عام 1962، وقيل أنه حصل على معلومات عسكرية كان لها تأثير في نكسة 5 يونيو (حزيران) 1967. ولكن الفارق بين زيارة الجبهة وهزيمة الحرب هو خمس سنوات، مما طرح سؤالاً عن أهمية «المعلومات القيمة» التي حصل عليها كوهين نهاية عام 1962 ...في نكسة عام 1967.
يذكر أن جميع ضباط الجبهة نقلوا أو سرحوا، وتغيرت كل الحيثيات العسكرية مراراً، بعد 8 مارس 1963 ولاحقاً بعد حركة 23 فبراير (شباط) 1966. وقال خبير غربي أمس: «مهمة كوهين لم تكن لنقل معلومات عن الجبهة، بل لملاحقة الضباط النازيين المقيمين في دمشق ومتابعة أوضاع يهود دمشق».
السادس، نائب وزير الدفاع: أشار المسلسل إلى أن كوهين رشح لمنصب «نائب وزير دفاع» في الحكومة. أولاً، هذا المنصب لم يكن موجوداً في حينها وقد استحدث بعد عام 1970. ثانياً، لأن هذا المنصب هو حكر على العسكر ولا يمكن لمدني أن يتسلمه.
السابع، اللواء أحمد السويداني. أصبح لاحقاً رئيساً لأركان الجيش السوري. لكن لم يكن مديراً لأمن أمين الحافظ في الأرجنتين، وقصة دخول كوهين إلى مكتب الحافظ وتصويره لمستندات سرية خيالية وبوليسية. وأفاد خبير: «السويداني شكك في كوهين من اليوم الأول، وكان له دور محوري في اعتقاله والكشف عن هويته مطلع عام 1965».
الثامن، الإعدام: ظهر الدمشقي ماجد شيخ الأرض يرفع القبعة لكوهين، حزناً واحتراماً، لحظة إعدامه في ساحة المرجة عام 1965. ويقول مؤرخ: «شيخ الأرض، كما هو معروف جيداً وكما ظهر في العمل، كان أحد ضحايا إيلي كوهين، تعرف عليه على متن باخرة متجهة من أوروبا إلى بيروت عام 1962».
كان كوهين تقرب من شيخ الأرض ودخل معه سوريا عبر لبنان بصفته مستثمراً مغترباً يدعى «كامل أمين ثابت». وخدع شيخ الأرض بهذا الرجل، وقام بمساعدة كوهين على استئجار شقة مفروشة بشارع أبو رمانة بدمشق، تعود ملكيتها لرجل يدعى هيثم قطب، وهو موظف في بنك سوريا المركزي، بحسب معلومات تاريخية. وأضاف الخبير: «العلاقة بين كوهين وشيخ الأرض توقفت عند هذا الحد: أولاً، لأن الأخير كان لا يملك أي معلومات تفيد الجاسوس، كونه بعيداً عن عالم السياسة، وتحديداً بعد 8 مارس عام 1963. ثانياً، تحدث أمام كوهين عن إعجابه بهتلر، مما خلق فتوراً فورياً بينهما منذ عام 1962».
شيخ الأرض لم يحضر الإعدام ولم يرفع قبعته احتراماً للجاسوس، لأنه كان معتقلاً في سجن قلعة دمشق يومها، ومحكوم بالسجن المؤبد. نقل لاحقاً إلى سجن تدمر، وتوفي داخل زنزانته بعد سنوات وقيل إنه انتحر.
كما أن زوجة أمين الحافظ، لم ترتعش حزناً على كوهين يوم إعدامه لأنها لم تكن موجودة في ساحة الإعدام أصلاً، لا هي ولا أمين الحافظ ولا ماجد شيخ الأرض. يضاف إلى ذلك، تلك الصورة المبتذلة التي قدمها المسلسل عن علاقة جنسية بين زوجة الحافظ وكوهين في السفارة السورية في الأرجنتين، أمام أعين زوجها ورضاه.
التاسع، اختراق المجتمع وسهرات المجون: أظهر العمل أن كوهين اخترق المجتمع السوري وصادق شخصيات نافذة. بحسب محاضر التحقيق، التي أذيعت وكان بحضور المحامي الفرنسي جاك مرسييه، فإن أصدقاء كوهين من رجالات الصف الثاني والثالث فقط، لأنه تحاشى شخصيات الصف الأول، خوفاً من فضح هويته.
أحدهم كان الصحافي جورج سيف، الذي أعطاه بطاقة صحافية وعرفه على مساعد ملاح جوي في مطار دمشق يدعى إيلي ألماظ. حكم سيف بعشر سنوات أشغال شاقة، وحكم ألماظ بالسجن ستة أشهر. أما بقية الأصدقاء، فمنهم موظف في وزارة الشؤون البلدية، وآخر موظف في وزارة السياحة، والثالث ابن صحافي، كان يريد أن يزوج كوهين، أو «كامل أمين ثابت»، من شقيقة زوجته، بحسب مؤرخين. واقتربت فتيات من كوهين بهدف الزواج لا أكثر، كونه طرح نفسه على أنه مغترب ثري وأعزب. وجميعهن تمت تبرئتهن أمام المحكمة المخصصة.
كان اللواء صلاح الضللي رئيس المحكمة قال لي في حديث صحافي في 22 مارس 2004. إن كوهين لم يكن سوى «جاسوس عادي». وأضاف: «كان مدفوناً بعد إعدامه في كهف على طريق الديماس لكن بعد فترة أخذت الرفات ودفنت في مكان آخر غير معروف» وأن أغلب من يعرف أين دفن «تسرح من الجيش أو ذهب أو ترك منصبه».
العاشر، حي أبو رمانة والسفارات: أظهر المسلسل «حي أبو رمانة» الدمشقي كأنه ميدان طلعت حرب في القاهرة. كما أشار إلى أن ضابطاً روسياً ساهم في الكشف عنه، لكن هناك أربع روايات عن الكشف عن الجاسوس: ضابط روسي، السفارة الهندية في دمشق التي سجلت ترددات لرسائل مشفرة، الاستخبارات المصرية، اللواء سويداني.



اليمن: سجون الضبة السرية… احتجاز وتعذيب خارج سلطة الدولة

أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
TT

اليمن: سجون الضبة السرية… احتجاز وتعذيب خارج سلطة الدولة

أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)

على جدرانٍ حاويات حديدة داخل سجنٍ غير معلن، كُتبت حكايات لا تُروى حفرها معتقلون بأظافر الخوف وطول الانتظار: «ارحموني... يكفي ظلم»، «فرجك يا رب»، «أمي»، «أنا مظلوم والله شاهدٌ عليّ».

لم تكن هذه الكلمات زينة حائط، بل شهادات إنسانية معلّقة بين اليأس والرجاء، تركها سجناء سجن الضبة غير الشرعي، الذي أدارته القوات الإماراتية سنوات، لتكشف وجهاً خفياً لمعاناة ظلت طويلاً خلف الأسوار.

أكد الإرياني أن الدولة لم تفوّض أي طرف خارجياً كان أو محلياً بإنشاء مراكز احتجاز (الشرق الأوسط)

«الشرق الأوسط» زارت السجن الواقع في ميناء الضبة النفطي بمدينة المكلا (شرق البلاد)، ضمن وفدٍ صحافي وحقوقي، واطّلعت ميدانياً على وجود عدة سجون غير قانونية أنشأتها الإمارات على مدى سنوات، من دون أي تنسيق مع السلطات اليمنية، في مشهدٍ يكشف اتساع شبكة احتجاز خارج إطار القانون، وما رافقها من انتهاكات ظلت طيّ الكتمان.

وبحسب معمر الإرياني وزير الإعلام والسياحة والثقافة اليمني، فإن هذه السجون «لا تندرج ضمن أي منظومة قانونية أو أمنية تابعة للدولة»، موضحاً أنها «معتقلات خارج إطار سلطة الدولة والقانون والدستور اليمني».

وزير الإعلام والثقافة والسياحي اليمني معمر الإرياني من موقع الضبة بالمكلا (الشرق الأوسط)

وأشار الإرياني، في حديثه أمام 12 معتقلاً سرياً في موقع الضبة، إلى أن «هذا المكان يجسّد ممارسات جرت خارج مؤسسات الدولة الشرعية، ومن دون أي رقابة قانونية أو إدارية»، مؤكداً أن «الدولة لم تفوّض أي طرف، خارجياً كان أو محلياً، بإنشاء مراكز احتجاز أو تعذيب خارج إطار القانون».

ووصف الوزير هذه الممارسات بأنها «تمثّل انتهاكاً صريحاً للدستور اليمني الذي يحصر صلاحيات الاعتقال والتحقيق والاحتجاز في مؤسسات الدولة القانونية والأمنية»، مؤكداً أنها «تشكل أيضاً خرقاً للقانون الدولي والقانون الإنساني».

ووثّقت عدسة «الشرق الأوسط» مشاهد صادمة داخل الموقع، حيث تبيّن أن عدداً من السجون عبارة عن حاويات حديدية مغلقة، متفاوتة الأحجام، في حين لا تتجاوز مساحة بعض الزنازين متراً واحداً في خمسين سنتيمتراً. وعلى جدران تلك الحاويات، ازدحمت كتابات المعتقلين التي اختزلت تفاصيل حياتهم اليومية ومعاناتهم خلف القضبان.

كتابات السجناء ركزت على إبراز كلمة (مظلوم) شعوراً منهم بأن هذه السجون غير شرعية (الشرق الأوسط)

وبدا أن بعض المحتجزين حرصوا على تدوين عدد الأيام التي قضوها في الاعتقال ضمن جداول مرتبة، كأنهم يعدّون الزمن يوماً بيوم، بينما لجأ آخرون إلى كتابة أدعية يتضرعون فيها إلى الله بالتعجيل بالفرج. وفي إحدى الزوايا، لم يجد أحدهم سوى كلمة واحدة يختصر بها ألمه وحنينه: «أمي».

كما بدت على جدران الزنازين آثار دماء وعلامات سياط، في مشاهد تعكس ما تعرّض له المحتجزون داخل تلك الغرف الضيقة. وبين الخوف والأمل، كتب أحدهم بيدٍ مرتجفة: «شهر و10 أيام... وبعدها الفرج»، بينما ترك آخر صرخته محفورة على الجدار: «أنا مظلوم والله شاهد عليَّ... ارحموني يكفي ظلم».

بالعودة للوزير معمر الإرياني أكد أن «ما تقوم به الدولة اليوم هو استعادة سيادة القانون، وليس تصفية حسابات سياسية»، موضحاً أن «فتح هذه المواقع أمام الإعلام المحلي والدولي يأتي في إطار الشفافية، ورسالة واضحة بأن الدولة لا تخشى الحقيقة، بل تسعى إلى توثيقها ومعالجتها قانونياً».

أحدهم كتب كلمة «أمي» في تعبير عاطفي عن شوقه لعائلته في أثناء وجوده في السجن (الشرق الأوسط)

وأضاف الإرياني: «نحن لا نطلب تغطية سياسية، بل دعماً لمسار دولة القانون. لا نقدّم رؤية سياسية، وإنما نعرض مواقع ووقائع ومسؤوليات قانونية».

وفي سياق متصل، كشف مصدر عسكري يمني لـ«الشرق الأوسط» أن معسكر الضبة الواقع في أعلى الجبل، المعروف سابقاً بمعسكر الدفاع الجوي، جرى تسليمه بالكامل إلى قوات الدعم الأمني بقيادة أبو علي الحضرمي.

وأوضح المصدر، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، أن «مجرد توجيه اتهام إلى أي شخص، من دون الاستناد إلى أدلة، كان كفيلاً بزجّه في السجن»، لافتاً إلى أن «من يخرج من تلك المعتقلات لا يعود إلى حالته الطبيعية، بل يكون شخصاً مختلفاً تماماً عمّا كان عليه».

وأضاف المصدر أن «الأمر الأكثر خطورة تمثّل في إطلاق سراح بعض السجناء الذين ثبت تورطهم في عدة جرائم، حيث فوجئنا بتحول بعضهم إلى عملاء مزدوجين بعد الإفراج عنهم من الجانب الإماراتي»، مشيراً إلى أن من بين هؤلاء «عناصر ينتمون إلى تنظيم (القاعدة)».


دبلوماسي سوري: سيادة البلاد ووحدتها لا تقبلان المساومة

محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

دبلوماسي سوري: سيادة البلاد ووحدتها لا تقبلان المساومة

محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)

أكد دبلوماسي سوري أن تعامل بلاده مع ملف الشمال والشرق جاء انطلاقاً من مبدأ راسخ لا يقبل المساومة يتمثل في وحدة أراضيها وسيادتها، واحتكارها الشرعي لاستخدام السلاح، ومسؤوليتها الكاملة عن حماية المواطنين ومكافحة الإرهاب، بالتوازي مع التزامها الدائم بالحلول السياسية والحوار الوطني خياراً أول لمعالجة جميع القضايا الداخلية.

وقال محسن مهباش، رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض، إن الحكومة اختارت منذ البداية مسار التهدئة والتفاهم مع «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، ووقّعت عدة اتفاقيات واضحة نصّت على وقف إطلاق النار، وعودة مؤسسات الدولة، وتسليم الموارد والمعابر، ودمج المقاتلين ضمن الجيش. وأردف أن هذه الاتفاقيات قوبلت بالمماطلة والنقض المتكرر من قِبل قيادة «قسد»، رغم التزام الدولة الكامل ببنودها، الأمر الذي فاقم حالة عدم الاستقرار وهدَّد أمن المدنيين.

وأضاف الدبلوماسي السوري، في تصريحات صحافية، أنه «في ظل التصعيد الميداني الذي أقدمت عليه (قسد)، بما في ذلك حشدها العسكري شرق حلب، واستهدافها المدن بالمسيّرات، ورفضها الاستجابة للإنذارات الرسمية؛ اضطرت الدولة، وبعد استنفاد جميع السبل السياسية لممارسة حقها السيادي في الدفاع عن أراضيها وأمن شعبها، عبر عملية عسكرية محدودة هدفت حصراً إلى حماية الاستقرار، ومنع تمدد الفوضى والإرهاب، مع الالتزام الكامل بحماية المدنيين، وعدم تهجير أي مكوّن سوري».

وشدَّد على أن ملف سجناء تنظيم «داعش» جرى توظيفه بشكل خطير من قِبل «قسد» بصفته ورقة ابتزاز سياسي وأمني، وصل إلى حد إطلاق سراح عناصر إرهابية، في انتهاك صارخ لمسؤوليات مكافحة الإرهاب، مؤكداً جاهزية الدولة السورية الكاملة لتسلّم هذا الملف، وتأمين مراكز الاحتجاز وفق المعايير الدولية، مُحمّلة «قسد» المسؤولية الكاملة عن أي خرق أمني أو تهديد ناتج عن هذه الممارسات.

وجدّد مهباش تأكيد أن الدولة السورية كانت ولا تزال في مواجهة مباشرة مع «داعش» منذ أكثر من عقد، وخبرتها في مكافحة الإرهاب ميدانية وحقيقية، وليست إدارة أزمات أو تفاهمات ظرفية، مشدداً على أن الجيش العربي السوري هو الضامن الوحيد لوحدة البلاد وأمنها، وسوريا ستواصل بسط سيادتها على كامل أراضيها، وحماية جميع مواطنيها دون تمييز، بما يرسخ الأمن الوطني والإقليمي والدولي على حد سواء.

وأشار إلى أنه جرى الاتفاق بين الرئيس السوري أحمد الشرع و«قسد» على مهلة أربعة أيام أمام الأخيرة لوضع آلية دمج عملية، وعدم دخول القوات الحكومية مراكز الحسكة والقامشلي أو القرى الكردية، مع اعتماد أمن محلي، ودمج قوات «قسد» عسكرياً وأمنياً ومدنياً ضمن مؤسسات الدولة، وترشيح ممثلين عنها لمناصب رسمية، بالإضافة لتنفيذ المرسوم رقم 13 لضمان حقوق الكرد، وبدء تنفيذ التفاهم في الساعة الثامنة مساءً، منوهاً بأن ذلك جاء «انطلاقاً من حرص الدولة على وحدة البلاد، وكانت استجابة الحكومة لا مثيل لها».


السيسي يلتقي ⁠ترمب في «دافوس» بعد إشارات ودية متبادلة

لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يلتقي ⁠ترمب في «دافوس» بعد إشارات ودية متبادلة

لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)

يلتقي الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في مدينة دافوس السويسرية، بعد «إشارات ودية» متبادلة بين الجانبين بالفترة الأخيرة.

وأعلنت الرئاسة المصرية، الثلاثاء، أن السيسي وترمب سيعقدان جلسة محادثات على هامش أعمال «منتدى دافوس»، للتباحث بشأن آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب «بحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين مصر والولايات المتحدة، بما يخدم مصالح البلدين، ويعزّز الاستقرار الإقليمي والدولي».

وتوجه الرئيس المصري، الثلاثاء، إلى مدينة دافوس، للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يُعقد في الفترة من 19 حتى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، تحت شعار «روح الحوار».

وسيتضمن جدول مشاركة الرئيس المصري، بـ«منتدى دافوس»، لقاءً مع نظيره الأميركي، للتباحث حول آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وفق الرئاسة المصرية.

ويعد هذا اللقاء الثاني لمحادثات مباشرة تجمع السيسي وترمب، منذ عودة الرئيس الأميركي للبيت الأبيض قبل عام، وذلك بعد المحادثات التي جمعتهما في مدينة شرم الشيخ المصرية، في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، على هامش «قمة السلام» بشأن وقف الحرب في غزة.

ويأتي لقاء القمة المرتقب بين الرئيسين المصري والأميركي، بعد إشارات ودية متبادلة في الفترة الأخيرة، حيث بعث ترمب برسالة تقدير إلى السيسي أخيراً، على جهوده الناجحة في الوساطة بين حركة «حماس» وإسرائيل، للوصول لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتضمنت الرسالة رغبة من جانب ترمب لإطلاق وساطة أميركية بين مصر وإثيوبيا «من أجل التوصل إلى حل لأزمة السد الإثيوبي، بما يحقق تسوية عادلة ونهائية لمسألة تقسيم مياه النيل».

وفي المقابل، أشاد الرئيس المصري، برسالة نظيره الأميركي، وقال في تدوينة عبر حسابه الرسمي السبت: «أثمن رسالة الرئيس دونالد ترمب، وجهوده المقدرة في ترسيخ دعائم السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي، وما تضمنته من تقدير لدور مصر المحوري في دعم الأمن والاستقرار بالمنطقة»، كما ثمّن السيسي «اهتمام ترمب بمحورية قضية نهر النيل لمصر».

محادثات السيسي وترمب في شرم الشيخ بشهر أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، أن لقاء السيسي وترمب في «دافوس»، «يأتي في توقيت مهم وضروري، ويعكس الشراكة الاستراتيجية بين البلدين»، وقال إن «المحادثات تتزامن مع بدء تنفيذ المرحلة الثانية من (اتفاق غزة)»، مشيراً إلى أن «هذه المرحلة تعوّل عليها القاهرة، على أساس أن نجاحها، سيفتح الباب للتعامل الإيجابي مع القضية الفلسطينية، وإيجاد حلول عادلة لها».

وهناك تقدير أميركي متواصل للدور الذي تقوم به مصر للتهدئة في الإقليم، وفق تقدير هريدي، مشيراً إلى أن «واشنطن خلال العامين الماضيين، سواء وقت إدارة جو بايدن، أو مع إدارة ترمب الحالية، تدرك مركزية الدور المصري في التعامل مع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وفي تسوية الأزمات الإقليمية».

وفي عدة مناسبات، أطلق ترمب تصريحات ودية تجاه السيسي ومصر التي وصفها بأنها «دولة تسيطر على أمورها جيداً»، واستثناها من زيادة الجمارك التي فرضها على دول أخرى، كما تحدثت تقارير كثيرة موثوقة عن ضغطه على إسرائيل لتمرير صفقة الغاز الأخيرة معها.

وتجاوب ترمب مع رفض مصر تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، دون أن يتخذ موقفاً عدائياً ضد القاهرة، حيث لبى دعوة السيسي للمشاركة في قمة «شرم الشيخ للسلام»، للتوقيع على اتفاق لإنهاء الحرب في غزة.

ويرى السفير حسين هريدي، أن «الولايات المتحدة تعول على السياسة المصرية للتسوية في المنطقة»، مشيراً إلى أن «مصر لا تدعم أي ميليشيا مسلحة تعمل في دول بالمنطقة»، كما أن التحركات المصرية للتهدئة «تمتد إلى منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي أيضاً».

وفي أكثر من مناسبة، تؤكد مصر على استراتيجية علاقاتها مع الولايات المتحدة، وتحصل القاهرة على مساعدات عسكرية أميركية بقيمة 1.3 مليار دولار، منذ توقيع اتفاق السلام بينها وبين إسرائيل، وأعلنت الخارجية الأميركية، في سبتمبر (أيلول) 2024، عن «موافقة واشنطن على تقديم قيمة المساعدات كاملة» إلى القاهرة.

وهذا هو اللقاء الثاني الذي يجمع السيسي وترمب خلال ثلاثة أشهر، وفق أستاذ السياسات الدولية، أشرف سنجر، الذي قال إن «لقاء (دافوس)، سيكون مهماً للتأكيد على أهمية تنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة».

ويرى سنجر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الترتيبات الأمنية والإقليمية التي تقوم بها واشنطن، من الصعب أن تديرها بمفردها، بسبب تعقد المشاكل الإقليمية وتعدد أطرافها»، مشيراً إلى أن «التعاطي مع تلك المشكلات يتطلب تنسيقاً مع أطراف فاعلة في المنطقة مثل مصر».