خوسيه موخيكا... رحيل الثوري الهادئ «أفقر رئيس في العالم»

الرئيس الأسبق للأوروغواي هزمه السرطان بعد أن «انتصر في كل المعارك التي خاضها»

الرئيس الأسبق للأوروغواي خوسيه موخيكا في كولومبيا عام 2012 (إ.ب.أ)
الرئيس الأسبق للأوروغواي خوسيه موخيكا في كولومبيا عام 2012 (إ.ب.أ)
TT

خوسيه موخيكا... رحيل الثوري الهادئ «أفقر رئيس في العالم»

الرئيس الأسبق للأوروغواي خوسيه موخيكا في كولومبيا عام 2012 (إ.ب.أ)
الرئيس الأسبق للأوروغواي خوسيه موخيكا في كولومبيا عام 2012 (إ.ب.أ)

عندما دخل عليه الطبيب، مطالع العام الحالي، ليبلغه أن الفحوصات المخبرية أظهرت عدم تجاوبه مع العلاج الأخير للسرطان الذي كان يعاني منه منذ سنوات، قال الرئيس الأسبق للأوروغواي خوسيه موخيكا: «أزف وقت الرحيل، واني أرمي سلاحي راضياً».

وبعد أشهر من الاحتضار البطيء والهادئ في بيته المتواضع خارج مونتيفيديو، انطفأ الرجل الذي كان يحمل لقب «أفقر رئيس في العالم»، ورمزاً لليسار الأميركي اللاتيني المناضل جسّد الزهد والبساطة في الحياة العامة.

الناس أمام بيت خوسيه موخيكا «أفقر رئيس في العالم» الذي جسّد الزهد والبساطة في الحياة العامة (أ.ب)

لكن لم يكن سهلاً بالنسبة لموخيكا أن يرحل ويترك وراءه هذا العدد من اليتامى، مثلما حصل معه منذ خمسين عاماً عندما استقرت في صدره ست رصاصات، وخلال السنوات العشر التي أمضاها معتقلاً في قبضة النظام العسكري داخل بئر لا تزيد مساحتها على متر واحد مربع. في المرة الأولى نجا بفضل اثني عشر ليتراً من الدم تبرّع بها رفاقه في جبهة «توبامارو» الذين كانوا يقاتلون إلى جانبه في الأدغال. وفي المرة الثانية كان يدجّن الضفادع ويطعم الجرذان كي لا يفقد توازنه العقلي. وقد روى بعد ذلك أنه خرج من تلك البئر أكثر حكمة، وعاد إلى السياسة التي كرّس لها حياته.

في عام 1994 خاض الانتخابات النيابية وفاز بمقعد في البرلمان، ثم بمقعد في مجلس الشيوخ عام 1999، وفي عام 2010 أصبح رئيساً لجمهورية الأوروغواي بأغلبية ساحقة، وأدهش العالم بتقشفه وعزوفه عن البهرجة التي تحيط بالمنصب.

رئيس الأوروغواي الحالي يماندو أورسي قدم إلى بيت الراحل لتقديم العزاء (أ.ب)

هزمه السرطان بعد أن انتصر في كل المعارك التي خاضها، وكانت أولاها تلك المظاهرات الصغيرة التي كان يقودها في شوارع بلدته عندما كان لا يزال دون الخامسة عشرة من عمره للمطالبة بأجور عادلة للعمال. في عام 1964 انضمّ إلى حركة التحرير الوطني «توبامارو». دخل السجن أربع مرات، وهرب منه مرتين، ثم أعيد اعتقاله وأصبح واحداً من «الرهائن التسع» الذين هدد النظام العسكري بإعدامهم في السجن إذا عادت المنظمة الثورية إلى حمل السلاح.

عن الفترة الأخيرة التي أمضاها في السجن روى موخيكا: «الهدف من ذلك الاعتقال كان أن نفقد عقولنا، لكني خرجت عاقداً العزم على مواصلة النضال وتغيير العالم. لم أغيّر شيئاً، لكني تعلمت الكثير وأعرف أني سأموت سعيداً رغم كل ما حصل». وإلى الذين انتقدوه لعدم ملاحقته رموز النظام العسكري عندما تولّى الرئاسة كان يقول: «قررت ألا أستوفي الدَّيْن الذي كان لي في رقاب السجّانين. ثمة جراح في الحياة لا تندمل أبداً، ويجب أن نتعلم العيش ناظرين إلى الأمام».

أفراد من عامة الناس أمام بيت الرئيس الذي جسّد الزهد والبساطة في الحياة العامة (أ.ب)

منذ أن خرج من السجن بعد العفو الذي صدر عنه عام 1985، حتى وفاته مطلع هذا الأسبوع، وخلال توليه الرئاسة، لم يغادر منزله المتواضع في أرباض مونتيفيديو، محاطاً بكلبته «مانويلا» وبعض الحيوانات الداجنة التي كان يربّيها بين مزروعات الخضار التي كان يقتات منها. لم يترجل عن جرّاره الزراعي ولا عن سيارته الفولسفاكن طراز عام 1987 التي رافق فيها الرئيس البرازيلي لولا في جولة ريفية عندما زاره. وعندما ذهب العاهل الإسباني السابق خوان كارلوس الأول إلى زيارته في منزله الريفي، قال له: «يقال عني أني رئيس فقير. الفقراء هم الذين يحتاجون للكثير. أنا تعلمّت العيش خفيف الأحمال، لكن أنت لست قادراً على ذلك لأن من سوء حظك أنك ملك».

خوسيه موخيكا مع الرئيس الراحل البوليفي إيفو موراليس (أ.ف.ب)

«السرّ، كل السرّ، في الأخلاق» كان يردد، ويقول: «هذا هو عالمي، ليس أفضل أو أسوأ من غيره. المشكلة هي أننا نعيش في عصر استهلاكي، ونعتقد أن النجاح يكمن في اقتناء الجديد والثمين، وبالتالي نساهم في بناء مجتمع يستغل ذاته بذاته، ونخصص الوقت كي نعمل وليس لنعيش».

كان يقول إن أجمل ذكرياته هي عندما تسلّم وشاح رئاسة الجمهورية من رفيقة دربه لوسيّا توبولانسكي التي تعرّف عليها خلال إحدى العمليات الثورية السرية قبل أن يفترقا لسنوات ويلتقيا مجدداً بعد الإفراج عنه. وقد سلّمته هي الوشاح الرئاسي بوصفها يومها الأكبر سناً بين أعضاء مجلس الشيوخ. وعن علاقته بلوسيّا قال يوماً: «للحب أعماره. الحب في الصبا نيران مشتعلة. أما في الشيخوخة فهو عادة لذيذة. وإن كنت ما زال على قيد الحياة، فبفضلها».

جارة الرئيس الأسبق للأوروغواي خوسيه موخيكا فاليريا غونزاليس أمام بيته المتواضع خارج مونتيفيديو (أ.ب)

أول خطاب سياسي ألقاه عندما دخل مجلس الشيوخ كان حول الأبقار، وبعد سنوات تولّى وزارة الثروة الحيوانية. وعندما وصل إلى الرئاسة أطلق مجموعة من المبادرات الرائدة والطليعية في المنطقة، وبدأ العالم يوجه أنظاره إلى الأوروغواي. كان يكنّ تقديراً عالياً للرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما الذي قال عنه إنه حاد الذكاء ويتمتع ببصيرة ثاقبة، وكان يعتزّ بشكل خاص بصداقته بالرئيس البرازيلي لولا الذي كان يعدّه شخصية عالمية.

وعندما دنت ساعة الرحيل، طلب أن يوارى تحت الشجرة الباسقة التي تظلّل بيته الصغير، بالقرب من المكان الذي منذ سبع سنوات دفن فيه «مانويلا»، فيما يتساءل كثيرون: لماذا كنا نحبّه، ونصدّق ما يقوله؟ ولماذا كنا نقدّره في عالم اعتاد تحقير السياسيين؟


مقالات ذات صلة

صحة أسنانك قد تحميك من الموت المبكر

صحتك حالة الأسنان قد تتنبأ باحتمالية الوفاة المبكرة (رويترز)

صحة أسنانك قد تحميك من الموت المبكر

لفتت دراسة جديدة إلى أن حالة الأسنان قد تتنبأ باحتمالية الوفاة المبكرة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
المشرق العربي فلسطينيون نازحون يقفون بجوار بركة من مياه الأمطار وسط ملاجئ مؤقتة في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة في ظل ظروف شتوية باردة تشهدها المنطقة في 29 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

وفاة 25 فلسطينياً في غزة جراء سوء الأحوال الجوية منذ بداية ديسمبر

قال تلفزيون «فلسطين»، الاثنين، إن 25 مواطناً في قطاع غزة لقوا حتفهم جراء سوء الأحوال الجوية منذ بداية ديسمبر الجاري.

«الشرق الأوسط» (غزة)
يوميات الشرق الضريح الذي دُفن فيه أحمد شوقي يخص عائلة زوجته (صفحة «جبانات مصر» على «فيسبوك»)

«مقابر الخالدين» تفشل في ابتلاع انتقادات هدم ضريح «أمير الشعراء»

أعلنت محافظة القاهرة نقل رفات أمير الشعراء أحمد شوقي (1868 - 1932) إلى مقابر الخالدين التي تضم رفات رموز المجتمع المصري من ساسة ومبدعين وعلماء وأمراء.

حمدي عابدين (القاهرة )
يوميات الشرق فينس زامبيلا (إ.ب.أ)

مصرع فينس زامبيلا أحد مبتكري لعبة «كول أوف ديوتي» بحادث سيارة

قتل فينس زامبيلا، أحد مبتكري لعبة الفيديو الشهيرة «كول أوف ديوتي»، في حادث سيارة، وفق ما أفادت وسائل إعلام أميركية الاثنين.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
صحتك الاختبار يقيس مستويات بروتينات معينة في الدم تتنبأ بخطر الوفاة (رويترز)

اختبار دم بسيط قد يكشف عن احتمالية الوفاة خلال العقد القادم

توصلت مجموعة من الباحثين إلى اختبار دم بسيط يقيس مستويات بروتينات معينة يمكن أن يكشف لك عن احتمالية وفاتك خلال العقد القادم.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مدير «وكالة المخابرات المركزية» الأميركية التقى رئيسة فنزويلا المؤقتة في كاراكاس

رئيسة فنزويلا المؤقتة ديلسي رودريغيز تلقي كلمة في البرلمان في كاراكاس، فنزويلا 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)
رئيسة فنزويلا المؤقتة ديلسي رودريغيز تلقي كلمة في البرلمان في كاراكاس، فنزويلا 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)
TT

مدير «وكالة المخابرات المركزية» الأميركية التقى رئيسة فنزويلا المؤقتة في كاراكاس

رئيسة فنزويلا المؤقتة ديلسي رودريغيز تلقي كلمة في البرلمان في كاراكاس، فنزويلا 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)
رئيسة فنزويلا المؤقتة ديلسي رودريغيز تلقي كلمة في البرلمان في كاراكاس، فنزويلا 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)

قالت صحيفة «نيويورك تايمز»، اليوم (الجمعة)، إن مدير «وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه)»، جون راتكليف، التقى رئيسة فنزويلا المؤقتة، ديلسي رودريغيز، في كاراكاس، أمس (الخميس)، بعد نحو أسبوعين من اعتقال الجيش الأميركي للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول أميركي القول إن راتكليف اجتمع مع رودريغيز بتوجيه من الرئيس الأميركي دونالد ترمب «لإيصال رسالة مفادها أن الولايات المتحدة تتطلع إلى تحسين علاقات العمل».

مدير «وكالة المخابرات المركزية» الأميركية جون راتكليف خلال مراسم أداء اليمين الدستورية في واشنطن، 23 يناير 2025 (رويترز)

وأضاف المسؤول، الذي تحدّث شريطة عدم الكشف عن اسمه نظراً لحساسية المسألة، أن الجانبَين ناقشا التعاون الاستخباراتي والاستقرار الاقتصادي، فضلاً عن ضرورة ضمان ألا تبقى فنزويلا «ملاذاً آمناً لأعداء الولايات المتحدة، لا سيما تجار المخدرات».

كان الرئيس الأميركي تحدث هاتفياً إلى رودريغيز يوم الأربعاء الماضي، ووصف كل منهما المكالمة بأنها إيجابية.

وتولت رودريغيز الرئاسة مؤقتاً في وقت سابق هذا الشهر بعد أن اعتقلت القوات الأميركية مادورو ونقلته جواً إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهم تتعلق بالمخدرات.


رئيسة فنزويلا المؤقتة: لسنا خائفين من المواجهة الدبلوماسية مع الولايات المتحدة

الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز خلال مؤتمر صحافي في مارس 2019 (أرشيفية - د.ب.أ)
الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز خلال مؤتمر صحافي في مارس 2019 (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

رئيسة فنزويلا المؤقتة: لسنا خائفين من المواجهة الدبلوماسية مع الولايات المتحدة

الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز خلال مؤتمر صحافي في مارس 2019 (أرشيفية - د.ب.أ)
الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز خلال مؤتمر صحافي في مارس 2019 (أرشيفية - د.ب.أ)

أكّدت رئيسة فنزويلا المؤقتة، ديلسي رودريغيز، الخميس، في خطابها أمام البرلمان، أن بلادها لا تخشى «مواجهة الولايات المتحدة دبلوماسياً»، وذلك بعد أقل من أسبوعين من اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو بعملية عسكرية أميركية في كراكاس.

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)

وقالت رودريغيز، في خطابها عن حال الأمة: «نحن نعرف أن الولايات المتحدة قوية جداً. نحن لسنا خائفين من أن نواجهها دبلوماسياً، عبر الحوار السياسي»، ما أثار موجة تصفيق حار في البرلمان.


تشييع جماعي نادر في كوبا... إعادة جثامين 32 ضابطاً قُتلوا في الضربة الأميركية على فنزويلا

موكب سيارات ينقل جراراً جنائزية تحتوي على رفات ضباط كوبيين قُتلوا خلال العملية الأميركية في فنزويلا التي أسفرت عن القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو... في العاصمة الكوبية هافانا 15 يناير 2026 (أ.ب)
موكب سيارات ينقل جراراً جنائزية تحتوي على رفات ضباط كوبيين قُتلوا خلال العملية الأميركية في فنزويلا التي أسفرت عن القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو... في العاصمة الكوبية هافانا 15 يناير 2026 (أ.ب)
TT

تشييع جماعي نادر في كوبا... إعادة جثامين 32 ضابطاً قُتلوا في الضربة الأميركية على فنزويلا

موكب سيارات ينقل جراراً جنائزية تحتوي على رفات ضباط كوبيين قُتلوا خلال العملية الأميركية في فنزويلا التي أسفرت عن القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو... في العاصمة الكوبية هافانا 15 يناير 2026 (أ.ب)
موكب سيارات ينقل جراراً جنائزية تحتوي على رفات ضباط كوبيين قُتلوا خلال العملية الأميركية في فنزويلا التي أسفرت عن القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو... في العاصمة الكوبية هافانا 15 يناير 2026 (أ.ب)

خرج جنود كوبيون يرتدون قفازات بيضاء من طائرة، يوم الخميس، وهم يحملون أوعية جنائزية تحتوي على رفات 32 ضابطاً كوبياً قُتلوا خلال هجوم أميركي مفاجئ على فنزويلا، بينما كانت الأبواق والطبول تعزف ألحاناً جنائزية في مطار هافانا، وفق تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

وفي مكان قريب، اصطف آلاف الكوبيين على أحد أشهر شوارع العاصمة بانتظار وصول جثامين الضباط من رتب مختلفة - من عقداء وملازمين ورواد ونقباء - في وقت لا تزال فيه الجزيرة تحت تهديد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

جنود يحملون جراراً جنائزية تحتوي على رفات ضباط كوبيين قُتلوا خلال العملية الأميركية في فنزويلا... هافانا 15 يناير 2026 (أ.ب)

وكانت خطوات الجنود تُسمع بوضوح وهم يسيرون بصرامة نحو مقر وزارة القوات المسلحة قرب ساحة الثورة، حاملين الأوعية الجنائزية، قبل أن يضعوها على طاولة طويلة بجانب صور القتلى، ليتمكن المواطنون من إلقاء نظرة الوداع.

ويُعد هذا التشييع الجماعي، الذي جرى الخميس، واحداً من عدد محدود من الجنازات الجماعية التي نظمتها الحكومة الكوبية خلال ما يقرب من نصف قرن.

وفي وقت سابق من اليوم، عرض التلفزيون الرسمي صوراً لأكثر من 12 جريحاً وُصفوا بـ«المقاتلين»، كانوا برفقة وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز عند وصولهم من فنزويلا مساء الأربعاء. وكان بعضهم على كراسٍ متحركة.

وجاء وصول الجرحى والجثامين في ظل تصاعد التوتر بين كوبا والولايات المتحدة، بعدما طالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤخراً الدولة الكاريبية بعقد صفقة معه «قبل فوات الأوان»، دون أن يوضح طبيعة هذه الصفقة.

كما قال ترمب إن كوبا لن تعيش بعد الآن على أموال ونفط فنزويلا، محذّراً خبراء من أن الانقطاع المفاجئ لشحنات النفط قد يكون كارثياً على الجزيرة التي تعاني أصلاً من انقطاعات كهرباء حادة وانهيار في شبكة الطاقة.

أشخاص مصطفون على جانبي شوارع العاصمة الكوبية هافانا في 15 يناير 2026 لمشاهدة موكب السيارات الذي يحمل جراراً جنائزية تحتوي على رفات ضباط كوبيين قُتلوا خلال العملية الأميركية في فنزويلا (أ.ب)

«هذا ما سيوحدنا دائماً»

ورفع مسؤولون علماً ضخماً في مطار هافانا، بينما وقف الرئيس ميغيل دياز - كانيل، مرتدياً الزي العسكري بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، صامتاً إلى جانب الرئيس السابق راؤول كاسترو، وبالقرب منهم ما بدا أنهم أقارب القتلى.

وقال وزير الداخلية الكوبي لازارو ألبرتو ألفاريز كاسا إن فنزويلا لم تكن أرضاً بعيدة عن الضحايا، بل كانت «امتداداً طبيعياً لوطنهم».

وأضاف: «العدو يتحدث بلغة العمليات فائقة الدقة، والنخب، والتفوق. أما نحن، فنحن نتحدث عن الوجوه، وعن العائلات التي فقدت أباً أو ابناً أو زوجاً أو أخاً»؛ في إشارة واضحة إلى الولايات المتحدة.

ووصف ألفاريز القتلى بـ«الأبطال»، معتبراً أنهم نموذج للشرف و«درس لمن يترددون».

إحدى سيارات الجيب التابعة لموكب الجنازة تصل إلى مراسم تأبين الجنود الكوبيين الـ32 الذين لقوا حتفهم خلال التوغل الأميركي للقبض على الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو في وزارة القوات المسلحة الثورية في هافانا يوم 15 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وتابع: «نؤكد من جديد أنه إذا كان هذا الفصل المؤلم من التاريخ قد أثبت شيئاً، فهو أن الإمبريالية قد تمتلك أسلحة أكثر تطوراً، وثروات هائلة، وقد تشتري عقول المترددين، لكنها لن تستطيع شراء شيء واحد أبداً: كرامة الشعب الكوبي».

واصطف آلاف الكوبيين على طول شارع مرت منه دراجات نارية ومركبات عسكرية تقل رفات القتلى.

وقالت كارمن غوميز، وهي مصممة صناعية تبلغ من العمر 58 عاماً: «هؤلاء أشخاص مستعدون للدفاع عن مبادئهم وقيمهم، ويجب أن نكرمهم»، مضيفة أنها تأمل ألا يحدث أي غزو في ظل التهديدات المستمرة.

وعن سبب حضورها رغم الصعوبات التي يواجهها الكوبيون، قالت: «إنه الشعور بالوطنية الذي يمتلكه الكوبيون، وهذا ما سيوحدنا دائماً».

حراس الكتيبة الاحتفالية يحملون رفات الجنود الكوبيين الـ32 الذين لقوا حتفهم خلال التوغل الأميركي للقبض على الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو في مقر وزارة القوات المسلحة الثورية في هافانا 15 يناير 2026 (أ.ف.ب)

«الناس غاضبون ومجروحون»

وكانت كوبا قد نشرت مؤخراً أسماء ورتب 32 عسكرياً - تتراوح أعمارهم بين 26 و60 عاماً - كانوا ضمن الطاقم الأمني للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال الهجوم على مقر إقامته في 3 يناير الذي أدى إلى احتجازه ونقله إلى الولايات المتحدة. وينتمي هؤلاء إلى القوات المسلحة الثورية ووزارة الداخلية، وهما الجهازان الأمنيان الرئيسيان في الجزيرة.

وأكدت السلطات الكوبية والفنزويلية أن هؤلاء الجنود كانوا جزءاً من اتفاقيات حماية متبادلة بين البلدين.

ومن المقرر تنظيم مظاهرة ضخمة يوم الجمعة أمام السفارة الأميركية في منتدى مفتوح يُعرف باسم «منصة مناهضة الإمبريالية».

وقال المحلل والدبلوماسي السابق كارلوس ألزغاراي لوكالة «أسوشييتد برس»: «الناس غاضبون ومجروحون. هناك الكثير من الحديث على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن كثيرين يعتقدون أن القتلى شهداء في صراع تاريخي ضد الولايات المتحدة».

جنود كوبيون ينتظرون في شارع بويروس لتوديع موكب الجنازة الذي يحمل رفات 32 جندياً كوبياً لقوا حتفهم خلال التوغل الأميركي للقبض على الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو في هافانا 15 يناير 2026 (أ.ف.ب)

أول جنازة جماعية منذ عقود

في أكتوبر (تشرين الأول) 1976، قاد الرئيس الكوبي الراحل فيدل كاسترو مظاهرة ضخمة لتوديع 73 شخصاً قُتلوا في تفجير طائرة مدنية تابعة لشركة «كوبانا دي أفياسيون»، مولته جماعات مناهضة للثورة في الولايات المتحدة. وكان معظم الضحايا من الرياضيين الكوبيين.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 1989، نظّمت الحكومة عملية «التكريم» لتأبين أكثر من 2000 مقاتل كوبي قُتلوا في أنغولا خلال مشاركة كوبا في الحرب التي هزمت الجيش الجنوب أفريقي وأسهمت في إنهاء نظام الفصل العنصري. كما أُقيمت مراسم تأبين في أكتوبر 1997 عقب وصول رفات القائد الثوري إرنستو «تشي» غيفارا وستة من رفاقه.

وقال الطبيب خوسيه لويس بينييرو (60 عاماً)، الذي عاش أربع سنوات في فنزويلا، إن هذا الدفن الجماعي ضروري لتكريم القتلى.

وأضاف: «لا أعتقد أن ترمب مجنون إلى درجة أن يهاجم بلداً مثل بلدنا، وإذا فعل، فسيحتاج إلى مسكن لتفادي الصداع الذي سيصيبه. هؤلاء كانوا 32 بطلاً قاتلوه. تخيل أمة كاملة. سيخسر».

جرار تحتوي على رفات ضباط كوبيين قتلوا خلال العملية الأميركية في فنزويلا التي أسفرت عن القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في وزارة القوات المسلحة الثورية في هافانا بكوبا يوم 15 يناير 2026 (أ.ب)

غضب رسمي كوبي من المساعدات الأميركية

قبل يوم واحد من وصول الجثامين إلى كوبا، أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عن تقديم 3 ملايين دولار مساعدات لمساعدة الجزيرة على التعافي من إعصار «ميليسا» المدمر الذي ضربها أواخر أكتوبر.

وأقلعت أول رحلة مساعدات من فلوريدا الأربعاء، فيما تقرر تسيير رحلة ثانية الجمعة، كما ستنقل سفينة تجارية مواد غذائية وإمدادات أخرى.

وقال روبيو: «اتخذنا إجراءات استثنائية لضمان وصول هذه المساعدات مباشرة إلى الشعب الكوبي دون تدخل أو تحويل من قبل النظام غير الشرعي»، مضيفاً أن الحكومة الأميركية تعمل مع الكنيسة الكاثوليكية في كوبا.

لكن هذا الإعلان أثار غضب وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز، الذي قال في بيان: «تستغل الحكومة الأميركية ما يبدو بادرة إنسانية لأغراض انتهازية وتلاعب سياسي. ومن حيث المبدأ، لا تعارض كوبا المساعدات من الحكومات أو المنظمات، شرط أن تفيد الشعب وألا تُستخدم معاناة المتضررين لتحقيق مكاسب سياسية تحت غطاء العمل الإنساني».