إيران: لا تراجع عن المبادئ... والتخصيب قابل للتقييد المشروط

بزشكيان تعهّد بتنسيق المفاوضات مع المرشد... وعدم ربط المعيشة بالاتفاق

رئيس «الذرية الإيرانية» محمد إسلامي يشرح لبزشكيان أمام نماذج من أجهزة الطرد المركزي في معرض للبرنامج النووي أبريل الماضي (الرئاسة الإيرانية)
رئيس «الذرية الإيرانية» محمد إسلامي يشرح لبزشكيان أمام نماذج من أجهزة الطرد المركزي في معرض للبرنامج النووي أبريل الماضي (الرئاسة الإيرانية)
TT

إيران: لا تراجع عن المبادئ... والتخصيب قابل للتقييد المشروط

رئيس «الذرية الإيرانية» محمد إسلامي يشرح لبزشكيان أمام نماذج من أجهزة الطرد المركزي في معرض للبرنامج النووي أبريل الماضي (الرئاسة الإيرانية)
رئيس «الذرية الإيرانية» محمد إسلامي يشرح لبزشكيان أمام نماذج من أجهزة الطرد المركزي في معرض للبرنامج النووي أبريل الماضي (الرئاسة الإيرانية)

أعلنت طهران مجدَّداً أنها «منفتحة» على قبول فرض قيود مؤقتة على تخصيب اليورانيوم، بينما تعهّد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بـ«عدم التراجع عن المبادئ» في المفاوضات النووية الجارية مع الولايات المتحدة، مبدياً في الوقت نفسه رغبة بلاده في تجنب التصعيد.

ونقل موقع الرئاسة الإيرانية عن بزشكيان قوله، لأعضاء الكتلة المستقلة في البرلمان، إن المفاوضات بين وزير الخارجية عباس عراقجي، ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف «ستجري بتنسيق كامل مع المرشد (علي خامنئي)».

وقال بزشكيان إن توصيات المرشد «ستكون مرجعاً أساسياً» في هذا المسار الدبلوماسي الذي بدأ في 12 أبريل (نيسان) الماضي، بوساطة سلطنة عمان، وانتُقدت جولته الرابعة، الأحد الماضي في مسقط، بعدما تأجَّلت لفترة أسبوع.

وأشار بزشكيان ضمناً إلى انتقادات مشرِّعين لنهج حكومته في إدارة المفاوضات. وقال: «لم نربط حياة المعيشة للأمة بالمفاوضات، ولن نفعل ذلك». وأضاف: «نحن لن نتراجع بأي شكل عن مبادئنا في المفاوضات، وفي الوقت نفسه لا نريد التصعيد».

ويأتي لقاء بزشكيان مع زملائه السابقين في البرلمان، بعدما انقسم المشرعون بين مؤيد للفريق المفاوض، ومنتقد لنهج المفاوضات خلال الأيام الأخيرة.

واختتمت إيران والولايات المتحدة محادثات نووية في عُمان، الأحد، دون تحقيق اختراق واضح، مع اشتعال مواجهة علنية بشأن تخصيب اليورانيوم، لكن الطرفين أبديا رضاهما بعد الجولة الرابعة من المفاوضات.

إفادة دبلوماسية للبرلمان

في وقت لاحق، قدم كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية في الشؤون القانونية، إفادة لأعضاء لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية بشأن آخر جولة من المفاوضات.

ونقل المتحدث باسم اللجنة، النائب إبراهيم رضائي عن غريب آبادي قوله إن «هذه الجولة تناولت المبادئ العامة والأسس، حيث طُرحت مجموعة من القضايا، وكانت المفاوضات غير مباشرة».

وقال غريب آبادي إن «خطوط إيران الحمراء طُرحت بوضوح، وعلى رأسها أن تخصيب اليورانيوم خط أحمر لا يمكن التفاوض حوله، كما لا تُجرى أي مفاوضات بشأن القضايا الإقليمية أو القدرات الدفاعية والصاروخية»، مشدداً على أن «التوصل إلى اتفاق مرهون بالتزام خطوط إيران الحمراء».

وقال رضائي إن النواب «انتقدوا بشدة تناقضات الإدارة الأميركية، وتهديداتها، وعقوباتها، مؤكدين ضرورة الرد الحازم على هذه السياسات»، ورداً على ذلك، قال غريب آبادي إن «المواقف المتناقضة ناتجة من شؤون الداخلية الأميركية لا علاقة لإيران بها».

وحسب رضائي، اقترح بعض النواب الانسحاب من المفاوضات «حتى يتم الاعتراف العلني بحق إيران في التخصيب، ووقف العقوبات والتهديدات».

«خط أحمر»

بدأ الطرفان مباحثات في 12 أبريل بوساطة من عُمان، التي أدت دور الوسيط أيضاً في مفاوضات سابقة أثمرت في عام 2015، عن التوصُّل إلى اتفاق دولي بين طهران والقوى الكبرى بشأن الملف النووي.

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال المحادثات الأخيرة، إن حق تخصيب اليورانيوم «غير قابل للتفاوض»، بينما وصفه المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف بأنه «خط أحمر» لواشنطن. وهذا يعني «التفكيك وعدم التسليح»، الأمر الذي يتطلب تفكيك المنشآت النووية الإيرانية في نطنز وفوردو وأصفهان بالكامل.

وقال عراقجي إن المحادثات كانت «أكثر جدية ووضوحاً عن الجولات الثلاث السابقة». وأضاف للتلفزيون الرسمي: «بات أحدنا يفهم الآخر على نحو أفضل الآن، ونأمل في إحراز مزيد من التقدم في المستقبل... يجب أن تستمر إيران في تخصيب اليورانيوم، مع أن نطاقه ومستواه قد يتغيران».

وأضاف بعد المحادثات: «أبعاد (هذا التخصيب) أو نطاقه أو مستواه أو كميته قد تخضع لبعض القيود لغرض بناء الثقة، كما حدث في الماضي على سبيل المثال، لكن مبدأ التخصيب في حد ذاته غير قابل للتفاوض على الإطلاق».

وبعد ساعات من المحادثات الأخيرة، حذَّر عراقجي القوى الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) من أن قرار تفعيل آلية للأمم المتحدة لمعاودة فرض العقوبات على طهران قد يؤدي إلى تصعيد للتوتر لا رجعة فيه.

وبموجب شروط قرار الأمم المتحدة الذي صادق على الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، بإمكان القوى الأوروبية الثلاث معاودة فرض عقوبات المنظمة الدولية على طهران قبل 18 أكتوبر (تشرين الأول)، وهي ما تُعرَف في الأوساط الدبلوماسية باسم «آلية معاودة فرض العقوبات».

تقييد التخصيب

في الأثناء، أعلن مجيد تخت روانجي، نائب وزير الخارجية الإيراني مرة أخرى، استعداد طهران لتقييد برنامج تخصيب اليورانيوم دون التخلي عن البرنامج مثلما تطالب الإدارة الأميركية.

وقال تخت روانجي، مساء أمس (الاثنين)، للصحافيين إن التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية عباس عراقجي، الأحد الماضي، بشأن انفتاح إيران على قبول فرض قيود مؤقتة على تخصيب اليورانيوم، كانت في سياق إطار عام، دون الخوض في أي تفاصيل محدَّدة بشأن احتمال تقييد عملية التخصيب في إيران، حسبما أوردت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري».

وذكرت الوكالة أن تخت روانجي كان يتحدَّث على هامش مشاركته في معرض طهران الدولي للكتاب، ضمن فعالية «الكتاب والدبلوماسية».

وقال تخت روانجي إن طهران تدير هذه العملية «بعيون مفتوحة، وبمنتهى الدقة والحذر»، وفقاً لوكالة «إيسنا» الحكومية.

تخت روانجي يتحدث على هامش حضوره «معرض طهران للكتاب»... مساء الاثنين (جماران)

وأوضح تخت روانجي أنه «لم تبدأ بعد مناقشة التفاصيل المتعلقة بمستوى ونسبة التخصيب»، مضيفاً: «أوضحنا كإطار عام أننا، ولأجل فترة زمنية محددة، قد نقبل بفرض بعض القيود على مستوى التخصيب وقدرته، وغيرها من الأنشطة النووية، في سياق إجراءات بناء الثقة».

وأشار إلى أن استعداد إيران لقبول مثل هذه التدابير «يأتي في إطار معادلة متوازنة»، قائلاً: «هذه الخطوات ليست من طرف واحد، بل تندرج ضمن إجراءات متبادلة لبناء الثقة، تهدف إلى تأكيد سلمية البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل».

وأضاف تخت روانجي أن «تحقيق هذا المسار يستلزم اتخاذ خطوات مقابلة من جانب الأطراف الأخرى، وفي مقدمتها رفع العقوبات المفروضة».

وقال تخت روانجي: «نسمع كثيراً من التصريحات المتناقضة من جانبهم (الأميركيين)، ما يُصعِّب الأمور»، وأضاف: «لم يُحدَّد بعد زمان ومكان الجولة المقبلة من المفاوضات». وقال: «نواجه تحديات كثيرة. هناك أعداء لا يريدون لهذا المسار أن يُحقِّق أي نتيجة».

وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال، الاثنين، إن إيران هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا تمتلك أسلحةً نوويةً وتخصِّب اليورانيوم إلى هذا المستوى.

وانسحب الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، من الاتفاق النووي في 2018، بعدما دأب على انتقاد خلوه من معالجة الأنشطة الإقليمية، وكذلك برنامج الصواريخ الباليستية، ويتولى «الحرس الثوري» كليهما. وردَّت طهران على انسحاب ترمب بالتخلي التدريجي عن بعض التزامات الاتفاق النووي.

منذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني)، أعاد ترمب فرض سياسة «الضغوط القصوى» التي اعتمدها خلال ولايته الأولى عبر تغليظ العقوبات. حتى إنه لوّح بقصف إيران في حال عدم التوصُّل إلى اتفاق معها.

وفي بداية عهد الرئيس الأميركي جو بايدن، شهد مسار تخلي طهران عن التزاماتها النووية قفزة كبيرة، إذ رفعت تخصيب اليورانيوم إلى 20 في المائة، ومن ثم 60 في المائة، بمنشأة نطنز. كما عادت طهران لتخصيب اليورانيوم في منشأة فوردو الواقعة تحت الجبال. وأقدمت على تشغيل أجهزة طرد مركزي متقدمة في المنشأتين الحساستين.

وأوقفت طهران البروتوكول الإضافي لمعاهدة حظر الانتشار النووي في فبراير (شباط) 2021. ومع ذلك حاولت إدارة بايدن، دون جدوى، إحياء الاتفاق النووي، لكن المفاوضات تعثَّرت لأسباب عدة.

وأرسلت إيران أخيراً إشارات متباينة بشأن استعدادها لنقل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب إلى الخارج، لكنها رفضت التخلي عن عملية التخصيب بشكل نهائي.

ومن المرجح أن تعرض طهران وقف عملية تخصيب اليورانيوم في منشأة فوردو، مع إزالة أجهزة الطرد المركزي هناك، كما قد تعرض إزالة أجهزة الطرد المركزي المتقدمة في نطنز، على أن تبقيها تحت أختام «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» دون إزالتها بالكامل.


مقالات ذات صلة

بوتين يبحث مع نتنياهو وبزشكيان الوضع في الشرق الأوسط وإيران

شؤون إقليمية صورة ملتقطة في 15 يناير 2026 بموسكو تُظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مراسم تسلُّم أوراق اعتماد السفراء المعينين حديثاً لدى روسيا (د.ب.أ)

بوتين يبحث مع نتنياهو وبزشكيان الوضع في الشرق الأوسط وإيران

بحث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اليوم (الجمعة)، الوضع في الشرق الأوسط وإيران، في اتصالين هاتفيين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو والرئيس الإيراني ​بزشكيان.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
شؤون إقليمية سيارات تعبر على طول أحد شوارع طهران 15 يناير الحالي (أ.ف.ب)

نيوزيلندا تعلن إغلاق سفارتها في إيران وإجلاء دبلوماسييها

أعلنت نيوزيلندا يوم الجمعة إغلاق سفارتها في طهران مؤقتاً، وإجلاء دبلوماسييها بسبب تدهور الوضع الأمني ​​في إيران.

«الشرق الأوسط» (ولنغتون)
شؤون إقليمية لاريجاني يلتقي مستشار الأمن القومي ونائب وزير الخارجية السويسري غابرييل لوشينغر بطهران في أغسطس الماضي (جماران)

سويسرا تعرض الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران

عرضت سويسرا القيام بدور وساطة دبلوماسية بين واشنطن وطهران، في وقت يتصاعد فيه التوتر على خلفية الاحتجاجات في إيران وتلويح أميركي بخيارات تصعيدية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب) play-circle

استجواب رئيس القضاء الإيراني لمحتجين يثير مخاوف من «اعترافات قسرية»

ظهر رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي وهو يستجوب بشكل مباشر موقوفين على هامش الاحتجاجات الأخيرة في إيران، ما يعزّز مخاوف من استخدام «الاعترافات القسرية»

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية صورة نشرها حساب عراقجي على شبكة «تلغرام» من حضوره في مراسم تشييع عناصر قوات الأمن في طهران الأربعاء

عراقجي يقود تحركاً دبلوماسياً متعدد المسارات في مواجهة الضغوط الغربية

واصل وزير الخارجية الإيراني تحركاته الدبلوماسية على أكثر من مسار، مكثفاً الاتصالات مع نظرائه الإقليميين والدوليين لشرح موقف طهران من التطورات الداخلية.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)

بوتين يبحث مع نتنياهو وبزشكيان الوضع في الشرق الأوسط وإيران

صورة ملتقطة في 15 يناير 2026 بموسكو تُظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مراسم تسلُّم أوراق اعتماد السفراء المعينين حديثاً لدى روسيا (د.ب.أ)
صورة ملتقطة في 15 يناير 2026 بموسكو تُظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مراسم تسلُّم أوراق اعتماد السفراء المعينين حديثاً لدى روسيا (د.ب.أ)
TT

بوتين يبحث مع نتنياهو وبزشكيان الوضع في الشرق الأوسط وإيران

صورة ملتقطة في 15 يناير 2026 بموسكو تُظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مراسم تسلُّم أوراق اعتماد السفراء المعينين حديثاً لدى روسيا (د.ب.أ)
صورة ملتقطة في 15 يناير 2026 بموسكو تُظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مراسم تسلُّم أوراق اعتماد السفراء المعينين حديثاً لدى روسيا (د.ب.أ)

بحث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اليوم (الجمعة)، الوضع في الشرق الأوسط وإيران، في اتصالين هاتفيين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الإيراني ​مسعود ‌بزشكيان.

وجاء في بيان صادر عن الكرملين: «أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتصالاً هاتفياً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لبحث الوضع في الشرق الأوسط وإيران»، وفقاً لوكالة أنباء «سبوتنيك» الروسية.

وحسب الكرملين، فقد أوضح بوتين لرئيس الوزراء الإسرائيلي رؤيته الأساسية لتكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية الرامية إلى ضمان الاستقرار في الشرق الأوسط.

وأكد الجانب الروسي استعداده لمواصلة جهود الوساطة المناسبة وتيسير الحوار البناء بمشاركة جميع الدول المعنية.

وأوضح الكرملين كذلك أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أجرى اتصالاً ‌هاتفياً ‌مع ⁠الرئيس الإيراني ​مسعود ‌بزشكيان في وقت سابق اليوم (الجمعة). وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف للصحافيين ⁠إن بوتين سيواصل ‌جهوده لتهدئة الوضع في المنطقة.

يأتي الاتصالان فيما تشهد إيران منذ أواخر الشهر الماضي احتجاجات على تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد، أسفرت حسب نشطاء عن مقتل ما لا يقل عن 3428 متظاهراً واعتقال أكثر من 10 آلاف، حسبما أفادت منظمة «إيران لحقوق الإنسان» ومقرها أوسلو أول أمس الأربعاء.

وهدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً بالتدخل الأميركي في البلاد.

وأفادت وسائل إعلام أميركية، أمس (الخميس)، بأن الولايات المتحدة تعمل على تعزيز وجودها العسكري في الشرق الأوسط في أعقاب التهديدات الموجهة ضد إيران.


حالات الانتحار تزداد في صفوف الجيش الإسرائيلي

جنود إسرائيليون يقفون على دبابات قرب حدود إسرائيل مع غزة... جنوب إسرائيل 1 يناير 2024 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون على دبابات قرب حدود إسرائيل مع غزة... جنوب إسرائيل 1 يناير 2024 (رويترز)
TT

حالات الانتحار تزداد في صفوف الجيش الإسرائيلي

جنود إسرائيليون يقفون على دبابات قرب حدود إسرائيل مع غزة... جنوب إسرائيل 1 يناير 2024 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون على دبابات قرب حدود إسرائيل مع غزة... جنوب إسرائيل 1 يناير 2024 (رويترز)

تعاني إسرائيل من زيادة كبيرة في حالات الانتحار واضطراب ما بعد الصدمة في صفوف الجيش بعد حملتها العسكرية التي استمرت عامين على قطاع غزة رداً على هجوم حركة «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وتناولت تقارير حديثة من ​وزارة الدفاع الإسرائيلية ومقدمي الخدمات الصحية بالتفصيل أزمة الاضطرابات النفسية التي يعاني منها الجنود مع استمرار القتال في غزة ولبنان وتصاعد التوتر مع إيران، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وسرعان ما اتسع نطاق الحرب في غزة وامتد إلى لبنان مع تبادل إسرائيل وجماعة «حزب الله» إطلاق النار عبر الحدود. ونشرت إسرائيل مئات الآلاف من الجنود وقوات الاحتياط على الجبهتين في بعض من أعنف المعارك منذ قيامها.

وقال مسؤولون من غزة ولبنان، إن القوات الإسرائيلية قتلت أكثر من 71 ألف فلسطيني في غزة و4400 في جنوب لبنان. وذكرت إسرائيل أن أكثر من 1100 جندي قُتلوا منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023.

وأدت الحرب إلى تدمير معظم قطاع غزة الذي يعاني سكانه البالغ عددهم نحو مليونين من نقص حاد في المأوى والغذاء والرعاية الصحية.

وقال متخصصون فلسطينيون في الصحة النفسية، إن سكان غزة يعانون من «بركان» من الصدمات النفسية، وتسعى أعداد كبيرة منهم الآن للعلاج، وإن الأطفال يعانون من أعراض مثل نوبات الفزع الليلية وعدم القدرة على التركيز.

جنود إسرائيليون يتمركزون خلال العملية البرية للجيش الإسرائيلي في قطاع غزة... 13 نوفمبر 2023 (رويترز)

ارتفاع حالات اضطراب ما بعد الصدمة

تظهر دراسات إسرائيلية أن ‌الحرب أثّرت على الصحة النفسية للجنود الذين ينفّذون أهداف الحرب الإسرائيلية المعلنة، وهي القضاء على «حماس» في غزة واستعادة الرهائن ونزع ‌سلاح «⁠حزب ​الله».

ويعاني أيضاً بعض ‌الجنود الذين تعرّضوا للهجوم عندما اجتاحت «حماس» قواعدهم العسكرية في هجوم السابع من أكتوبر من اضطرابات نفسية.

وذكرت وزارة الدفاع الإسرائيلية أنها سجلت زيادة بنسبة 40 في المائة تقريباً في حالات اضطراب ما بعد الصدمة بين الجنود منذ سبتمبر (أيلول) 2023، وتتوقع أن ترتفع النسبة إلى 180 في المائة بحلول عام 2028.

وأضافت الوزارة أن 60 في المائة من بين 22 ألفاً و300 من الجنود والعسكريين يتلقون العلاج من إصابات خلال الحرب يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة.

ووسّعت الوزارة الرعاية الصحية المقدمة لمن يعانون من مشاكل نفسية وزادت المخصصات المالية لهذا الغرض، وقالت إن هناك زيادة بنحو 50 في المائة في استخدام العلاجات البديلة.

وقالت شركة مكابي، ثاني أكبر مزود للرعاية الصحية في إسرائيل، في تقريرها السنوي لعام 2025، إن 39 في المائة من العسكريين الإسرائيليين الذين يتلقون العلاج لديها طلبوا دعما نفسيا بينما عبّر 26 في المائة منهم عن مخاوف تتعلق بالاكتئاب.

واستقبلت عدة منظمات إسرائيلية، مثل هاغال شيلي غير الحكومية التي تستخدم ركوب ⁠الأمواج أسلوباً علاجياً، مئات الجنود النظاميين والاحتياط الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة. ويقتني بعض الجنود السابقين أيضا كلاباً مدربة تدريباً خاصاً للمساعدة في الدعم النفسي والعاطفي.

صورة نُشرت في 2 يناير 2024 تظهر جنوداً إسرائيليين خلال العملية في قطاع غزة (رويترز)

الشعور بالذنب

قال الطبيب النفسي رونين ‌سيدي، الذي يشرف على أبحاث المحاربين القدامى في مركز هعيمك الطبي بشمال إسرائيل، إن الجنود يعانون ‍بشكل عام من مصدرين مختلفين للصدمة.

يرتبط المصدر الأول «بتجارب خوف شديد» و«الخوف ‍من الموت» في غزة ولبنان أو حتى داخل إسرائيل. فقد عايش العديد من الجنود هجوم «حماس»، الذي اقتادت فيه الحركة الفلسطينية أيضاً حوالي 250 رهينة إلى القطاع، وتداعياته بشكل مباشر.

وذكر سيدي أن المصدر الثاني هو الأضرار المعنوية، أو الشعور بالذنب الذي يعاني منه الشخص بسبب شيء ما فعله، أو بسبب مقتل أبرياء في القطاع.

وقال بول (28 عاماً)، وهو جندي احتياط وأب لثلاثة أطفال، إنه اضطر إلى ترك وظيفته كمدير مشروع في شركة عالمية لأن «صوت الرصاص» فوق رأسه ظل ​يلازمه حتى بعد عودته من القتال.

وذكر بول، الذي رفض الكشف عن اسمه بالكامل بسبب مخاوف تتعلق بالخصوصية، أنه شارك في مهام قتالية في غزة ولبنان وسوريا.

وأضاف أنه يعيش في حالة تأهب دائم رغم تراجع حدة القتال في الشهور القليلة الماضية.

وأردف يقول: «أعيش ⁠هكذا كل يوم».

مركبة عسكرية إسرائيلية على طريق في جنوب إسرائيل بالتزامن مع إطلاق صواريخ من قطاع غزة... خارج مدينة سديروت 7 أكتوبر 2023 (رويترز)

صدمات بلا علاج

يتعين على الجندي الذي يسعى للحصول على دعم حكومي لصحته النفسية أن يمثل أمام لجنة تقييم تابعة لوزارة الدفاع لتحديد مدى خطورة حالته ومنحه موافقة رسمية. وقال بعض المتخصصين في علاج الصدمات النفسية إن هذه العملية قد تستغرق شهورا ويمكن أن تثني الجنود عن طلب المساعدة.

وقالت وزارة الدفاع الإسرائيلية إنها تقدّم بعض أشكال المساعدة الفورية للجنود بمجرد بدء عملية التقييم، وإنها كثفت هذه الجهود منذ اندلاع الحرب.

وخلصت لجنة في الكنيست الإسرائيلي في أكتوبر، إلى أن 279 جندياً حاولوا الانتحار في الفترة من يناير (كانون الثاني) 2024 إلى يوليو (تموز) 2025، وهي زيادة حادة مقارنة بالسنوات السابقة. وجاء في تقرير اللجنة أن الجنود المقاتلين شكلوا 78 في المائة من مجمل حالات الانتحار في إسرائيل عام 2024.

وذكر الطبيب النفسي سيدي أن خطر الانتحار أو إيذاء النفس يزيد إذا لم يتم العلاج من الصدمة.

وأضاف: «بعد السابع من أكتوبر والحرب، أصبحت مؤسسات الصحة النفسية في إسرائيل مكتظة تماماً، والكثير من الناس إما لا يستطيعون الحصول على العلاج أو حتى لا يعلمون أن الضيق الذي يشعرون به له علاقة بما مروا به».

ولا تزال احتمالات مشاركة الجنود في القتال عالية. ولا يزال الجيش الإسرائيلي منتشراً في أكثر من نصف قطاع غزة ومستمراً في القتال هناك رغم الهدنة التي دعمتها الولايات المتحدة في أكتوبر وقُتل خلالها أكثر من 440 فلسطينياً وثلاثة جنود إسرائيليين.

ولا يزال الجيش الإسرائيلي يحتل أجزاء من جنوب لبنان، في الوقت الذي يواصل فيه الجيش اللبناني ‌عملية نزع سلاح «حزب الله» بموجب اتفاق منفصل توسطت فيه الولايات المتحدة.

وفي سوريا، احتلت القوات الإسرائيلية جزءاً كبيراً من جنوب البلاد منذ الإطاحة ببشار الأسد.

ومع احتدام التوتر مع إيران وتهديد واشنطن بالتدخل لحماية المحتجين هناك، تجد إسرائيل نفسها أيضا في مواجهة عنيفة أخرى مع طهران بعد حرب دامت بينهما 12 يوماً في يونيو (حزيران) 2025.


نيوزيلندا تعلن إغلاق سفارتها في إيران وإجلاء دبلوماسييها

سيارات تعبر على طول أحد شوارع طهران 15 يناير الحالي (أ.ف.ب)
سيارات تعبر على طول أحد شوارع طهران 15 يناير الحالي (أ.ف.ب)
TT

نيوزيلندا تعلن إغلاق سفارتها في إيران وإجلاء دبلوماسييها

سيارات تعبر على طول أحد شوارع طهران 15 يناير الحالي (أ.ف.ب)
سيارات تعبر على طول أحد شوارع طهران 15 يناير الحالي (أ.ف.ب)

أعلنت نيوزيلندا يوم الجمعة إغلاق سفارتها في طهران مؤقتاً، وإجلاء دبلوماسييها بسبب تدهور الوضع الأمني ​​في إيران.

وصرَّح متحدث باسم وزارة الخارجية، بأن الطاقم الدبلوماسي غادر إيران بسلام على متن رحلات تجارية خلال الليل. ونُقلت عمليات سفارة طهران إلى أنقرة في تركيا نظراً لتدهور الوضع الأمني ​​في إيران، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأضاف المتحدث: «نواصل نصيحتنا بعدم السفر إلى إيران. على جميع النيوزيلنديين الموجودين حالياً في البلاد المغادرة فوراً».

وأوضحت وزارة الخارجية أن قدرتها على تقديم المساعدة القنصلية للنيوزيلنديين في إيران «محدودة للغاية».

وأشار المتحدث باسم الوزارة إلى أن صعوبات التواصل الشديدة تعيق تواصل النيوزيلنديين مع عائلاتهم وأصدقائهم في إيران، ناصحاً إياهم بالتواصل مع أقاربهم متى أمكنهم ذلك.