«الخزين المائي الأقل في التاريخ»... صيف قاسٍ ينتظر العراقيين

مسؤول لـ«الشرق الأوسط»: تركيا تبني السدود وإيران تحرف مسار الأنهر

شاب يغوص في شط العرب المائي هرباً من الحر في البصرة جنوب العراق (أ.ب)
شاب يغوص في شط العرب المائي هرباً من الحر في البصرة جنوب العراق (أ.ب)
TT

«الخزين المائي الأقل في التاريخ»... صيف قاسٍ ينتظر العراقيين

شاب يغوص في شط العرب المائي هرباً من الحر في البصرة جنوب العراق (أ.ب)
شاب يغوص في شط العرب المائي هرباً من الحر في البصرة جنوب العراق (أ.ب)

شتاء 2022، رسم تقرير لـ«مجموعة البنك الدولي» صورة قاتمة للأوضاع المناخية في العراق، بالنظر لـ«استنفاد المياه بسرعة»، وتوقع أن «تصل فجوة العرض والطلب على المياه الآخذة في الاتساع إلى ما بين 5 و11 مليار متر مكعب بحلول عام 2035»، ويبدو أن البلاد مقبلة هذا العام على صيف قاسٍ بخزين مائي هو الأقل عبر تاريخها.

وحذر التقرير حينها من أن «تغير المناخ يهدد العقد الاجتماعي في العراق»، مشيراً إلى أن «أزمة مناخية وتنموية متعددة الأبعاد تختمر في العراق».

ويُعدّ العراق، طبقاً لتقرير المجموعة وتقارير أممية أخرى، من بين أكثر البلدان ضعفاً أمام التغيُّرات المناخية من الناحيتين: المادية المتعلقة بـ«ارتفاع درجات الحرارة وندرة المياه والحوادث المتطرفة»، والمالية بالنظر إلى اقتصاده الريعي الذي يعتمد على مداخيل النفط بنسبة تتجاوز الـ90 في المائة.

ومع مرور أكثر من سنتين على تقرير مجموعة البنك، ما زالت أزمة المياه والتغيرات المناخية تلقي بظلالها القاسية على البلاد، بل وتفاقمت خلال السنتين الأخيرتين نتيجة انحسار هطول الأمطار في فصول الشتاء ولأسباب داخلية وخارجية عديدة.

مزارع يتفقد نظام حفر الآبار في حقل قمح بقلب صحراء النجف جنوب العراق (أ.ب)

صيف «أكثرة قسوة»

لا ينكر أو يقلل معظم المسؤولين والمعنيين بملف المياه والمناخ في العراق من المخاطر الراهنة والمستقبلية التي تهدد البلاد جراء مواسم الشح وقلة الموارد المائية. ويؤكد المتحدث باسم وزارة الموارد المائية، خالد شمال، أن «صيف عام 2025 سيكون الأكثر قسوة وإرباكاً وتعباً للبلاد، بسبب أن خزين المياه هو الأقل بتاريخ الدولة العراقية»، رافضاً الكشف عن كميات هذا الخزين لأسباب تتعلق «بالأمن القومي المائي».

ويبدو أن الحالة المائية التي يصفها المسؤول الحكومي تكاد تقترب من «الرمق الأخير»؛ إذ يقول شمال لـ«الشرق الأوسط» إن العراق يتلقى المياه من تركيا وسوريا وإيران، ما يعني أن «أكثر من 70 في المائة من إيرادات البلاد خارجية، لكنها لا تتسلَّم منها إلا أقل من 40 في المائة».

ويشير المتحدث الحكومي الذي يشغل، أيضاً، منصب مدير الهيئة مشاريع الري والاستصلاح، إلى «مجموعة معقدة» من الأسباب التي وضعت البلاد على حافة حرجة بالنسبة لقضية المياه، وضمنها «الاحتباس الحراري وقلة الإيرادات المائية وهطول الأمطار في تركيا وسوريا وإيران»، إلى جانب قيام تركيا بـ«ببناء السدود وإيران بعمليات استصلاح للأراضي الكبرى وحرف مسار الأنهر التي تصب في العراق، كل ذلك ساهم بشكل كبير في قلة الإيرادات المائية».

ويتحدث أيضاً عن الأسباب الداخلية التي فاقمت مشكلة المياه، ومنها: «مشاريع الاستصلاح العراقية وأساليب الري البدائية والتجاوزات التي تحدث على الحصص المائية وبحيرات الأسماك المتجاوزة، إلى جانب الملوثات التي أثرت على نوعية المياه».

المياه «ملف سيادي»

وعن الأجندة التي حملها رئيس الوزراء محمد السوداني إلى تركيا، خلال زيارته الأخيرة، أشار المتحدث الحكومي إلى مجموعة كبيرة من التفاهمات مع الجانب التركي، ومن بين أبرزها «قيام رئيس الوزراء بتحويل ملف المياه إلى شأن سيادي بعد أن كان ملفّاً فنياً ودبلوماسياً».

وأشار شمال إلى توقيع بغداد مع أنقرة «الاتفاقية الإطارية» التي سيتم من خلالها «التفاهم على حقوق العراق المائية للسنوات العشر المقبلة، وقد تضمنت الاتفاقية مفهوم تقاسم الضرر وتبادل المنفعة، فضلاً عن مشاريع استثمارية في مجال الموارد المائية تنفذها شركات تركية، بما يضمن بعض الإيرادات والإطلاقات المائية من الجانب التركي».

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)

تدابير حكومية

أزمة المياه الخطيرة والضاغطة تدفع السلطات الحكومية إلى اتخاذ مجموعة من التدابير والإجراءات التي من شأنها التقليل من تداعياتها، ومن بين تلك التدابير، كما يقول المتحدث شمال: «تعزيز ملف التفاوض الخارجي مع دول الجوار حول المياه لضمان حصول العراق على إيرادات مائية منصفة وعادلة».

أما على المستوى الداخلي، فتقوم السلطات بعمليات تنظيم نظام الري والمراشنة بـ«طريقة صارمة وقاسية»، وإلى جانب ذلك «إعداد الخطط الزراعية التي تتناسب مع الواقع المائي في البلاد».

ويشير شمال إلى «عمليات إزالة التجاوزات على الأنهر وردم المئات من بحيرات الأسماك غير المجازة». وهناك أيضاً سعي من وزارة الموارد المائية للحصول على التخصيصات المالية اللازمة من أجل التعامل مع مشكلة المياه، إلى جانب تشكيل خلية لإدارة الأزمة ولجنة عليا لإدارة المياه.

وأقر اجتماع اللجنة العليا لإدارة المياه الذي ترأسه السوداني، الأسبوع الماضي، جملة تدابير لمواجهة أزمة المياه والتغير المناخي وانعكاساته السلبية على البلاد. وضمن تلك التدابير الاهتمام بالمشروعات الاستراتيجية الكبرى من حيث التخطيط والتمويل، ومشروعات الاستصلاح، ومشروعات التحول إلى الرّي المغلق ونقل المياه بالأنابيب؛ للتكيف مع النقص في الإيرادات المائية.

في السياق ذاته، أكدت وزارة الموارد المائية، السبت، أن مؤتمر بغداد الدولي الخامس للمياه سيشهد توقيع مذكرات تفاهم مع جهات فنية. وقال رئيس اللجنة العلمية والفنية لمؤتمر بغداد الدولي الخامس للمياه، حاتم حميد حسين، لـ«وكالة الأنباء العراقية»، إن «وزارة الموارد ستقيم، من 24 إلى 26 مايو (أيار) الحالي، مؤتمر بغداد الدولي الخامس للمياه، وتستضيف مؤتمر الري الدقيق الحادي عشر لمنظمة الري والبزل الدولي، بمشاركة منظمات دولية في إدارة الموارد المائية لمناقشة الحلول للتحديات التي تواجه قطاع المياه».

ويهدف المؤتمر كذلك، طبقاً للمسؤول الحكومي، إلى «التواصل مع المنظمات الدولية في تنفيذ عدد آخر من المشاريع المهمة، وأيضاً لإيجاد الحلول الذكية لإدارة الموارد المائية في العراق».


مقالات ذات صلة

العراق يرجح حسم ملف القوات التركية خلال 3 أشهر

المشرق العربي جنود أتراك في قاعدة «زليكان» شمالي العراق (واع)

العراق يرجح حسم ملف القوات التركية خلال 3 أشهر

رجح صباح النعمان، الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية، حسم ملف القوات التركية الموجودة شمالي البلاد خلال 3 أشهر.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي الجيش العراقي خلال عملياته ضد «داعش» (وزارة الدفاع)

مقتل عميد وجندي بالجيش العراقي إثر انفجار قرب كركوك

أفاد مصدر أمني عراقي، الأربعاء، بمقتل ضابط برتبة عميد وجندي بانفجار عبوة ناسفة استهدفت قوة عسكرية جنوبي محافظة كركوك.

حمزة مصطفى (بغداد)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى لقائه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في الرياض الأربعاء (واس)

نقاشات سعودية ـ عراقية في الرياض حول أمن المنطقة

ناقش ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، تطورات الأحداث الإقليمية، وتنسيق الجهود بشأنها، بما يعزز أمن واستقرار المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي المبعوث الأميركي إلى العراق توم براك يتحدث إلى وسائل الإعلام في مقر الأمم المتحدة بنيويورك يوم 24 سبتمبر 2026 (رويترز)

براك والزيدي يبحثان «الطريق الصعب نحو الاستقرار»

رجحت مصادر عراقية أن يكون سلاح الفصائل ضمن نقاشات أجريت في بغداد بين المبعوث الأميركي توم براك ورئيسي الحكومة والقضاء العراقيين.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي أحد عناصر الأمن العراقيين في البصرة (أ.ف.ب)

عبر فخ الديون... العراق يفكك شبكة إجرامية تجبر ضحاياها على بيع أعضائهم

أعلنت وكالة الاستخبارات والتحقيقات العراقية أمس (الأحد)، الإطاحة بشبكة تجبر المواطنين على بيع أعضاء أجسادهم بسبب الديون.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
TT

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)

صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، تهديداته، أمس، متوعداً بتوجيه ضربة قاسية إلى «حزب الله» وتوسيع نطاق السيطرة العسكرية في الجنوب، فضلاً عن إخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت وتهجير أكثر من مليون لبناني من الطائفة الشيعية، في حال انضم الحزب إلى أي هجوم إيراني محتمل على إسرائيل، قائلاً إن «أكثر من مليون شيعي سيتحولون إلى نازحين داخل لبنان».

وفي موازاة ذلك، أثار إعلان «حزب الله» عن تقديم مساعدات مالية للنازحين والمتضرّرين، تساؤلات حول مصادر الأموال وآليات وصولها وتوزيعها، فيما شكّك متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية للمرة الثانية في غضون أيام، في وجودها أصلاً.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن «الأموال المزعوم وصولها من إيران غير موجودة أساساً». وأضاف أنه «حتى لو امتلك الحزب الأموال، فسيستخدمها لشراء الأسلحة لتهديد إسرائيل وترهيب خصومه... أسلحته لم تجلب للبنان سوى البؤس والدمار».


لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)

حث وكيل أمين عام الأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، اليوم الأربعاء، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على بدء مفاوضات حول مستقبل قوات حفظ السلام المنتشرة في لبنان، في الوقت الذي تسعى فيه بيروت إلى تمديد تفويضها المقرر أن ينتهي في نهاية هذا العام، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتنتشر قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، المعروفة باسم «يونيفيل»، في جنوب لبنان منذ 1978، لكن مجلس الأمن أمر البعثة العام الماضي بالبدء في الانسحاب في نهاية 2026.

ومنذ اندلاع حرب جديدة في مارس (آذار) بين إسرائيل وجماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران، تحشد الحكومة اللبنانية الجهود من أجل تمديد تفويض «يونيفيل»، مشيرة إلى دورها في مراقبة الأعمال القتالية وتسهيل إيصال المساعدات إلى القرى الواقعة في المناطق التي تحتلها إسرائيل.

وقدّم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذا العام مقترحات لاستمرار وجود قوات الأمم المتحدة في لبنان، لكن لاكروا قال لوكالة «رويترز» في بيروت إنه لم يتم اتخاذ أي إجراء حتى الآن.

وأضاف: «هذه المقترحات معروضة على طاولة مجلس الأمن. لم تحدث أي تحركات في مجلس الأمن حتى الآن، لكنني أعتقد أن المفاوضات ستبدأ... قريباً وبجدية».

وتابع: «أعتقد أنه من الأفضل اتخاذ قرار قريباً بدلاً من تأجيله، أليس كذلك؟ لأن ذلك سيوضح لنا الرؤية المستقبلية أيضاً، وبالتأكيد من وجهة نظر أكثر محدودية تتعلق بتخطيطنا».


رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
TT

رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)

نفى رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، ما تداولته بعض المواقع عن إنجاز قانون العدالة الانتقالية ورفعه إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، لافتاً إلى أن «المشروع لا يزال قيد التداول والمناقشات، ولم يصل إلى صيغته النهائية».

وأوضح الويس لـ«الشرق الأوسط» أن الهيئة تتبنى «مساراً ديناميكياً في تطوير مسودات قانون العدالة الانتقالية المقترحة، عبر لقاءات تشاورية مستمرة مع المؤسسات المعنية التي تتقاطع معها، مثل وزارات الداخلية والعدل و(هيئة المفقودين)، بهدف تحديث وتجديد بنوده، قبل إحالته رسمياً للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية ومجلس الشعب».

تصريحات الويس جاءت بعد تداول الحديث عن إنجاز الهيئة لمشروع قانون العدالة الانتقالية ووصوله إلى البرلمان، بعد ما أثارته مسودة المشروع الأخيرة من ردود فعل داخل الأوساط الحقوقية التي وضعت بنوده تحت مجهر التحليل، لتفتح أبواب النقاش والتحذير من وجود ثغرات بنيوية تمس جوهر القانون.

وركزت الانتقادات حول «عمومية النصوص»، خاصة المتعلقة بمساري «الإصلاح المؤسسي وكشف الحقيقة»، الواردة ضمن المسودات السابقة، إلى جانب حفظ الذاكرة الوطنية، ونطاق ملاحقة الانتهاكات الجسيمة، إلى جانب آليات المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب وحصرها بين الفترة من 1970 حتى سقوط نظام بشار الأسد 2024، واستقلال الهيئات القضائية المختصة، وتداخل البنود المتعلقة بالعزل السياسي.

جلسة تشاورية في محافظة درعا بمشاركة عائلات المفقودين والناجين والمتضررين ومنظمات المجتمع المدني (الهيئة الوطنية للمفقودين)

الباحث في مجال القانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، يرى من جهته أن الإبقاء على مفاهيم أساسية مثل كشف الحقيقة والإصلاح المؤسسي، بصياغة عامة دون تحديد مضمونها القانوني وآليات تنفيذها، يشكل خطراً على فاعلية القانون وقدرته على تحقيق أهدافه، «فالمشكلة لا تكمن في استخدام هذه المفاهيم، وإنما في غياب الالتزامات القانونية الواضحة المترتبة، وترك تفسيرها وتطبيقها للسلطة التقديرية»، معتبراً أن التحدي الأساسي أمام أي قانون شامل للعدالة الانتقالية في سوريا، لا يتمثل فقط بالاعتراف بالانتهاكات الماضية، إنما في بناء منظومة قانونية قادرة على منع تكرارها، وضمان خضوع جميع المسؤولين عن الجرائم للمساءلة وفق القانون، وإعادة الاعتبار للضحايا، واستعادة الثقة بالمؤسسات العامة.

ويوضح الكيلاني أن «النصوص العامة لا توفر حماية كافية للضحايا، ولا تمنع إساءة استخدام السلطة، ولهذا يجب تحويل المبادئ العامة إلى حقوق قابلة للإنفاذ والتقاضي والتزامات محددة على المؤسسات، وإجراءات واضحة للمساءلة والرقابة».

لجنتا «ضحايا الثورة السورية» و«هيئة العدالة الانتقالية» تبحثان مشروع قانون العدالة الانتقالية بحضور عبد الباسط الويس (الهيئة)

الإصلاح والعزل السياسي

ويرى الكيلاني أن كشف الحقيقة ليس مجرد جمع للشهادات أو إعداد تقارير توثيقية، بل هو حق للضحايا وذويهم وللمجتمع في معرفة الوقائع المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة، وظروف ارتكابها، والجهات المسؤولة عنها، ومصير المفقودين والمختفين قسرياً، وإذا لم يتضمن القانون ضمانات واضحة للوصول إلى الوثائق والأرشيفات الرسمية، وحماية الشهود، وإلزام المؤسسات بالتعاون، وتحديد العلاقة بين نتائج لجان الحقيقة والإجراءات القضائية، «فقد يتحول كشف الحقيقة إلى عملية توثيق رمزية لا تنتج آثاراً قانونية فعلية».

أما بالنسبة إلى الإصلاح المؤسسي فإن «ترك (المصطلح) دون تعريف ومعايير محددة قد يعيد إنتاج مؤسسات ساهمت بارتكاب الانتهاكات، أو استخدام الإصلاح وسيلة للإقصاء السياسي والإداري، ولذلك ينبغي أن يرتكز الإصلاح على تقييم فردي للمسؤوليات، ومعايير شفافة للنزاهة والكفاءة، وضمانات الاعتراض والطعن، مع إخضاع المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية لرقابة قانونية مستقلة».

«الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» تبحث مع أهالي جسر الشغور بمحافظة إدلب سبل تعزيز السلم الأهلي (الهيئة)

يستند الكيلاني في حديثه إلى الفقرات التي أشارت في نص المسودة إلى المادة الـ20 من إجراءات وتبعات فحص السجلات والمواد 19 و18 و17، من باب التقييم وضمان عدم التكرار التي تنص على إحداث لجنة ثلاثية لتقصي الحقائق لفحص جهازي أمني أو إداري، دون أن يمنح حق الطعن أو المراجعة للموظف الذي يعزل أو يطرد، إضافة إلى المادتين 21 و22 مدخل العزل السياسي التي تمنح لجنة تقصي الحقائق صلاحيات واسعة، وتفرض عقوبات دون وجود مستند قضائي.

قبل سقوط النظام وبعده

إلى جانب هذه البنود، فقد أثارت المدة الزمنية المحددة بفترة حكم نظام الأسدين، وربطها حصرياً بجهة سياسية أو أمنية معينة، إشكالية حقوقية تتعلق بمبدأ المساواة أمام القانون، وحق جميع الضحايا في الوصول إلى العدالة والإنصاف.

ولا يعني ذلك، بحسب الباحث، التقليل من حجم الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، وإنما بترسيخ مبدأ العدالة فوق الجميع، وفق معيار قانوني واضح يكون بطبيعة الانتهاك وجسامته والمسؤولية الفردية عن ارتكابه، وبالتالي يجب أن يتوسع نطاق المساءلة ليشمل جميع الانتهاكات، بما فيها التي قد تكون ارتكبت بعد سقوط النظام السابق.

ويوضح أن معالجة هذه الإشكالية تشريعياً يكون من خلال اعتماد تعريف شامل للانتهاكات الجسيمة، وتحديد اختصاصات واضحة للتحقيق والملاحقة، بحيث لا يؤدي النطاق الزمني للعدالة الانتقالية إلى تعطيل اختصاص القضاء في الجرائم الواقعة خارجه، ويجب أن يتم ذلك مع احترام مبدأ الشرعية الجنائية، وعدم رجعية التجريم والعقوبة، وضمانات المحاكمة العادلة.

بدوره، يؤكد رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، أن «ورقة المشروع لا تزال حية وقابلة للتعديل، وقد جرى عليها الكثير من التطوير والتحديث، حتى المسودة الأخيرة التي طرحت مؤخراً لا تزال المناقشات حول بنودها والتحسينات مستمرة».

ورغم الانتقادات المتزايدة حول المماطلة في تشريع قانون عدالة انتقالية شامل في سوريا، يجد حقوقيون وخبراء قانون أن تأخر صدور القانون ليس خطراً حقيقياً، بقدر ما يكون عليه وجود قانون يكرّس عدالة جزئية، أو يؤسس لمؤسسات تفتقر إلى الاستقلال، أو يمنح الضحايا اعترافاً رمزياً دون حقوق قابلة للإنفاذ.