المعارضة التركية تتمسك بانتخابات مبكرة... وإردوغان يبحث عن «الإنقاذ بالدستور»

الاحتجاجات على اعتقال إمام أوغلو ستستمر وسيلةً للضغط

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مصافحاً حليفه دولت بهشلي الذي زاره بمنزله في أنقرة الثلاثاء بعد تعافيه من أزمة صحية (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مصافحاً حليفه دولت بهشلي الذي زاره بمنزله في أنقرة الثلاثاء بعد تعافيه من أزمة صحية (الرئاسة التركية)
TT

المعارضة التركية تتمسك بانتخابات مبكرة... وإردوغان يبحث عن «الإنقاذ بالدستور»

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مصافحاً حليفه دولت بهشلي الذي زاره بمنزله في أنقرة الثلاثاء بعد تعافيه من أزمة صحية (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مصافحاً حليفه دولت بهشلي الذي زاره بمنزله في أنقرة الثلاثاء بعد تعافيه من أزمة صحية (الرئاسة التركية)

بينما تتصاعد الضغوط من جانب المعارضة التركية للتوجه إلى الانتخابات المبكرة، يدور في أروقة حزب «العدالة والتنمية» الحاكم حديث بشأن الدستور الجديد وتغيير قاعدة الفوز بانتخابات الرئاسة.

وجعل حزب المعارضة الرئيسي؛ «حزب الشعب الجمهوري»، المطالَبة بإجراء انتخابات مبكرة جزءاً من استراتيجيته بعد اعتقال مرشحه الرئاسي رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، في 19 مارس (آذار) الماضي، ضمن تحقيقات في مزاعم فساد بالبلدية.

وكشفت مصادر عن أن الحزب يبحث صيغة جديدة لإجبار الحكومة على إجراء انتخابات مبكرة، إذا لم يقرر الرئيس رجب طيب إردوغان الدعوة إليها بحلول نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وهي إجراء انتخابات برلمانية فرعية، بسبب خلوّ 5 في المائة من مقاعد البرلمان (30 مقعداً من أصل 600).

صيغة الانتخابات الفرعية

ويوجد حالياً 8 مقاعد شاغرة بسبب وفاة أو استقالة أصحابها، وتقوم الخطة على دفع 22 نائباً، بالدوائر التي يتمتع فيها «الشعب الجمهوري» بتأييد قوي، إلى الاستقالة؛ من أجل اتخاذ قرار بإجراء انتخابات فرعية.

البرلمان التركي (الموقع الرسمي)

ويمكن للبرلمان التركي، بموجب «المادة 78» من الدستور، اتخاذ قرار بإجراء انتخابات فرعية مرة واحدة خلال الدورة البرلمانية شريطة مرور 30 شهراً على الانتخابات التي تشكل على أساسها البرلمان، ويتعين إجراء الانتخابات خلال 3 أشهر من خلو هذه المقاعد. وبالنظر إلى أن الانتخابات أُجريت في 14 مايو (أيار) 2023، فإنه يمكن إجراء انتخابات فرعية في نوفمبر المقبل.

وعلى الرغم من أن الانتخابات الفرعية حق دستوري، فإنه هناك صعوبات فنية تعترضها، وقد تصطدم الخطة برفض البرلمان طلبات الاستقالة اعتماداً على الأغلبية التي يتمتع بها «تحالف الشعب»؛ المكون من حزبَي «العدالة والتنمية» و«الحركة القومية»، اللذين قد يرفضان طلبات الاستقالة، أو يقبلان فقط الطلبات الخاصة بالنواب الذين لا يريدونهم في البرلمان.

خيارات أخرى

ويمكن لإردوغان الدعوة إلى الانتخابات المبكرة، لكن ذلك يقتضي موافقة 360 من نواب البرلمان على الطلب، وهو عدد لا يملكه حزبا «العدالة والتنمية» و«الحركة القومية» معاً. أو قد تُجرى الانتخابات مبكراً بسبب تعديل الدستور أو تغييره.

ولا يرغب حزب «العدالة والتنمية» وحليفه «الحركة القومية» إجراء انتخابات مبكرة أو فرعية قبل نوفمبر 2027، بينما الموعد الطبيعي لإجراء الانتخابات هو يونيو (حزيران) 2028.

«حزب الشعب الجمهوري» يخطط لمواصلة الضغط على إردوغان للتوجه إلى الانتخابات المبكرة عبر تصعيد الاحتجاجات على اعتقال إمام أوغلو (أ.ب)

ووفق مصادر «حزب الشعب الجمهوري»، فإن إدارة الحزب ترى أن الحكومة لا يمكنها أن تهرب من الانتخابات، وأن هناك خيارات عدة أخرى لإجبار إردوغان على الدعوة لانتخابات مبكرة، منها مواصلة المظاهرات والتجمعات الاحتجاجية على اعتقال إمام أوغلو في معاقل الحزب الحاكم، وتسريع حملة جمع التوقيعات للمطالبة بإطلاق سراح إمام أوغلو والتوجه إلى الانتخابات المبكرة.

ودعا رئيس الحزب، أوزغور أوزيل، في أحد هذه التجمعات المستمرة منذ اعتقال إمام أوغلو، الحكومة إلى الإعلان عن إجراء انتخابات مبكرة في نوفمبر المقبل، قائلاً: «إذا لم يتخذوا القرار، فسنحاول بكل الطرق وضع صندوق اقتراع أمام هذه الأمة».

لقاء بين إردوغان وبهشلي

والتقى الرئيسُ رجب طيب إردوغان حليفَه رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي، في منزله بأنقرة الثلاثاء، بعد تعافيه عقب جراحة دقيقة في القلب.

وفق وسائل إعلام قريبة من الحكومة... بحث إردوغان مشروع دستور جديد لتركيا مع بهشلي خلال زيارته بمنزله الثلاثاء (الرئاسة التركية)

وكشفت وسائل إعلام قريبة من الحكومة أن إردوغان ناقش مع بهشلي تحضيرات مشروع الدستوري الجديد، والاقتراح الخاص بأن يتضمن الدستور مادة تسمح لإردوغان بالترشح للرئاسة مجدداً بعدما استنفد مرات ترشحه بموجب الدستور الحالي.

وأضافت أنه أيضاً نوقشت قضية اعتقال إمام أوغلو والتطورات التي تشهدها البلاد بسببها، والحوار مع زعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين، عبد الله أوجلان، الهادف إلى حل «الحزب» وإلقائه أسلحته.

جاء اللقاء وسط تقارير تحدثت عن مناقشات داخل حزب «العدالة والتنمية» الحاكم بشأن إجراء تغيير ضمن الدستور الجديد في قاعدة الفوز بالرئاسة التي تشترط حصول أحد المرشحين على «50 في المائة+1» من الأصوات، في ظل ما تظهره استطلاعات الرأي المتعاقبة من عدم قدرة إردوغان على حيازة هذه النسبة في الانتخابات المقبلة سواء من الجولة الأولى وحال خوض انتخابات الإعادة.

محاكمة نائبة كردية

على صعيد آخر، قررت محكمة في أنقرة استمرار حبس النائبة السابقة عن مدينة ديار بكر (جنوب شرقي تركيا) من «حزب الشعوب الديمقراطية»، المؤيد للأكراد، سمرا جوزال، الموقوفة بتهمة «الانتماء إلى منظمة إرهابية مسلحة (حزب العمال الكردستاني)» مع طلب بالحكم عليها بالسجن لمدة تصل إلى 15 عاماً، بعد رفع الحصانة عنها.

نائبة «حزب الشعوب الديمقراطية» السابقة سمرا جوزال (إعلام تركي)

وخلال جلسة استماع عُقدت في إطار قضيتها، الأربعاء، قالت جوزال، التي شاركت في الجلسة من محبسها عبر دائرة تلفزيونية مغلقة، إنها محتجزة منذ سنوات بأدلة «لا تزيد على أنها أكاذيب»، وإنها محتجزة رهينةً، مطالبة بإطلاق سراحها.

ورفضت المحكمة الطلب وقررت استمرار محاكمتها وهي رهن الحبس الاحتياطي؛ نظراً إلى طبيعة الجريمة المنسوبة إليها والاشتباه في إمكانية هروبها، وقررت عقد جلستها المقبلة في 11 يوليو (تموز) المقبل.

وألقي القبض على جوزال في 3 سبتمبر (أيلول) 2022، في عملية نفذتها المخابرات وقوات الأمن بولاية أدرنه الحدودية مع اليونان وبلغاريا شمال غربي تركيا، خلال محاولتها الهروب بجواز سفر مزور، رفقة أحد المهربين وشخص آخر متهم بالترويج لـ«حزب العمال الكردستاني».

كان البرلمان التركي رفع الحصانة عن جوزال في مارس (آذار) 2022 بطلب من حزب «العدالة والتنمية» بعد اتهامها بدعم الإرهاب، عقب انتشار صورة لها في أحد معسكرات «حزب العمال الكردستاني» بجبال قنديل شمال العراق، مع فولكان بورا، الذي قُتل في عملية جوية نفذها الجيش التركي ضد «الحزب» بريف أديامان (جنوب تركيا) عام 2017، والذي اعترفت جوزال بأن هناك علاقة غرامية ربطت بينهما قبل أن تصبح نائبة بالبرلمان.


مقالات ذات صلة

تركيا: السلام مع الأكراد يدخل مرحلة حاسمة

شؤون إقليمية تصاعدت المطالبات بإطلاق سراح زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان بعد دعوته في فبراير 2025 إلى حل الحزب (أ.ف.ب)

تركيا: السلام مع الأكراد يدخل مرحلة حاسمة

باتت عملية «السلام» في تركيا التي تمر عبر حل «حزب (العمال الكردستاني)، ونزع أسلحته» على أعتاب مرحلة حاسمة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال زيارة لحزب «الرفاه من جديد» بزعامة فاتح أربكان عام 2023 لطلب دعمه في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية (الرئاسة التركية)

أربكان يعلن منافسة إردوغان على الرئاسة ويسعى إلى «تحالف محافظ»

يسعى حزب «الرفاه من جديد» إلى تشكيل تحالف من أحزاب محسوبة على التيار المحافظ، بعدما أعلن نيته خوض الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2028.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية متظاهرون مؤيدون للمعارضة في مدينة تشوروم وسط البلاد في 1 فبراير الحالي يطالبون بالانتخابات المبكرة (حزب الشعب الجمهوري - إكس)

تركيا: جدل ونقاش حاد حول الانتخابات المبكرة

أشعلت دعوات المعارضة التركية المتكررة للانتخابات المبكرة جدلاً واسعاً في ظل رفض الحكومة وحلفائها التوجه إليها وتأييد غالبية الأتراك لإجرائها

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي بروين بولدان (حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب - «إكس»)

نائبة حزب كردي في تركيا: اتفاق «قسد» ودمشق نتيجة تدخل أوجلان

أرجع حزب كردي في تركيا الاتفاق بين «قسد» والحكومة السورية إلى الاستجابة لدعوة زعيم حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان متحدثاً خلال فعالية في إسطنبول الجمعة (الرئاسة التركية)

إردوغان يؤكد استمرار «عملية السلام» مع الأكراد دون انتكاسات

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، أن عملية السلام مع الأكراد ستستمر، بينما تواجه حكومته انتقادات؛ بسبب التباطؤ في اتخاذ الإجراءات اللازمة لإتمامها.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
TT

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)

قال المرشد الإيراني علي خامنئي إن الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها البلاد كانت محاولة انقلابية من تدبير الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأضاف خامنئي، في خطاب تلفزيوني، أن ما جرى «لم يكن احتجاجات عفوية، بل مخطط أميركي - صهيوني»، معتبراً أن الهدف كان استهداف مفاصل حساسة في إدارة البلاد.

وتزامن خطاب خامنئي مع حملة اعتقالات طالت شخصيات إصلاحية بارزة، ضمنها آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات»، وبرلمانيون ومسؤولون سابقون، على خلفية مواقفهم من احتجاجات يناير (كانون الثاني).

وفي يريفان عاصمة أرمينيا، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن الرئيس دونالد ترمب هو «الجهة الوحيدة» التي ستحدد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران.


طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
TT

طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)

أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا، أطلعهم خلالها على أحدث التطورات المتعلقة بالمفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة التي استضافتها مسقط.

وأفادت وزارة الخارجية الإيرانية، في بيان، بأن عراقجي وصف محادثات مسقط بأنها «بداية جيدة»، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة معالجة حالة انعدام الثقة حيال نيات وأهداف الجانب الأميركي.

وبحسب البيان، رحّب وزراء خارجية الدول الثلاث بانطلاق المفاوضات، مؤكدين أهمية استمرارها للتوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي، وتجنب أي تصعيد، ومشيرين إلى أن نجاح هذه المحادثات يمثل عاملاً مهماً لاستقرار وأمن المنطقة.

في سياق متصل، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في مقابلة متلفزة، الاثنين، إنه لا يبدو أن هناك تهديداً وشيكاً بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن الباب قد «فُتح قليلاً» أمام إمكانية التوصل إلى اتفاق.

ونقلت وكالة أنباء «الأناضول» عن الوزير قوله رداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن أياً من الطرفين يحاول كسب الوقت: «كلاهما، هذا جزء من الاستراتيجية». وأضاف فيدان: «عند الدخول في مثل هذا النوع من المحادثات، يكون هناك استعداد وتحضير للسيناريو الآخر»، مشيراً إلى أن إيران لديها تجربة؛ فقد تعرضت للهجوم سابقاً أثناء إجرائها محادثات، في إشارة إلى الضربة التي وجهتها الولايات المتحدة لإيران في يونيو (حزيران) الماضي، والتي استهدفت المواقع النووية الإيرانية. لكن الوزير التركي قال إن الشيء الإيجابي بشأن المفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران قبل عدة أيام هو أن الأطراف أبدت إرادة للاستمرار في التفاوض.

وتابع: «كان قرار بدء (المفاوضات) من الملف النووي قراراً مهماً؛ فالملف النووي هو (القضية الأهم)»، محذّراً من أن المنطقة لا تحتمل اندلاع حرب جديدة، وقال فيدان: «نريد استخدام جميع الإمكانات لمنع أي حرب محتملة».

واستضافت العاصمة العُمانية مسقط يوم الجمعة جولة مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، واتفق الطرفان على استئناف المحادثات، على أن يتم تحديد الموعد والمكان في وقت لاحق.


فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
TT

فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن قرار تحديد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران يعود حصراً إلى الرئيس دونالد ترمب، في وقت تتصاعد فيه التصريحات الأميركية بشأن اقتراب طهران من امتلاك قدرات نووية، ما يعيد الجدل داخل واشنطن حول مسار التعامل مع الملف الإيراني.

وكان ترمب قد قال، مساء الأحد، إن إيران كانت على وشك امتلاك سلاح نووي «في غضون شهر» قبل الضربة الأميركية التي استهدفت منشآتها النووية في يونيو (حزيران) الماضي، وهو ما أعاد إثارة النقاش حول كيفية إدارة هذا الملف، الذي يُعد أحد أبرز التحديات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وحين سُئل فانس عمّا إذا كانت الولايات المتحدة ستقبل بأي مستوى محدود من تخصيب اليورانيوم الإيراني في إطار المفاوضات، أم أن ذلك يُعد «خطاً أحمر»، قال: «أعتقد أن الرئيس سيتخذ القرار النهائي بشأن تحديد الخطوط الحمراء في المفاوضات». وأضاف، في تصريحات للصحافيين خلال زيارته أرمينيا يوم الاثنين: «سأترك للرئيس أن يوضح بدقة النقطة التي سيحددها كخط فاصل في المفاوضات».

وينقسم الفريق داخل البيت الأبيض إلى معسكرين رئيسيين: «الصقور» الذين يدعون إلى توجيه ضربات عسكرية حاسمة لتقويض القدرات النووية والصاروخية لطهران، و«الحمائم» الذين يفضلون مسار التفاوض الدبلوماسي للتوصل إلى اتفاق يمنع التصعيد الإقليمي.

ويضاف إلى هذا الانقسام ضغط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يدفع باتجاه شروط صارمة، ملوّحاً بضربات أحادية إذا لم تلبِّ المفاوضات مطالبه.

قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط الأدميرال براد كوبر إلى جانب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر ومستشار الرئيس الأميركي على متن حاملة طائرات «أبراهام لينكولن» (البحرية الأميركية_أ.ف.ب)

ومع اقتراب لقاء ترمب ونتنياهو في واشنطن، الأربعاء المقبل، يترقب مراقبون الاتجاه الذي قد يسلكه «رجل الصفقات»، في ظل تحذيرات محللين أميركيين بارزين من مخاطر التصعيد، مقابل دعوات أخرى لتغليب المسار الدبلوماسي.

فريق الصقور

يتكون فريق دعاة الضربات العسكرية من معسكر «الصقور» داخل الإدارة الأميركية والجناح الأكثر تشدداً، الذين يعدون الضغط العسكري السبيل الوحيد لكبح جماح إيران. ويتصدر هذا التيار وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي أكد في تصريحات حديثة أن البنتاغون «مستعد تماماً» للتحرك إذا رفضت طهران المفاوضات، مشيراً إلى خيارات عسكرية تشمل ضرب قوات الأمن والقيادة، ومنشآت الصواريخ الباليستية، أو برنامج التخصيب النووي.

وينضم إليه مستشارون متشددون في القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، قدموا للرئيس ترمب خيارات «حاسمة» تتضمن ضربات وقائية وأهدافاً من شأنها شل القدرات الصاروخية الإيرانية. كما يشاركهم هذا التوجه وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يشكك في جدوى أي مفاوضات لا تتناول ملف الصواريخ والوكلاء الإقليميين، معتبراً أن الضغط العسكري أداة أساسية. ويؤكد هذا الفريق أن الدبلوماسية وحدها قد تفضي إلى «شرعنة» النظام الإيراني، لا سيما في أعقاب قمع الاحتجاجات الذي أودى بحياة أكثر من 6400 متظاهر منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025.

سيناريوهات للضربات

وضع فريق «الصقور» في الإدارة الأميركية سيناريوهات متعددة للضربات، تقوم أساساً على توجيه هجمات من مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، إضافة إلى قاذفات قنابل استراتيجية تنطلق من قواعدها أو من قواعد أوروبية. وتشمل حزم الضربات الأميركية استخدام طائرات شبحية وذخائر موجهة بدقة، إلى جانب قصف منسّق يهدف إلى إرباك الدفاعات الجوية الإيرانية مع تقليص خسائر الطائرات الأميركية إلى أدنى حد.

ويقول مسؤولون في البنتاغون إن التطورات التكنولوجية في الأسلحة فرط الصوتية، إلى جانب التقدم في مجالات الحرب الإلكترونية والسيبرانية، من شأنها أن تمنح الولايات المتحدة مزايا كبيرة. ومع ذلك، يعتقد هؤلاء المسؤولون أن إيران استعدت لمثل هذا السيناريو عبر تحصين وتوزيع أصولها الحيوية، وبناء هياكل قيادة احتياطية، وتطوير منشآت واسعة تحت الأرض قادرة على الصمود أمام الضربات الأولية.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

فريق الحمائم

في المقابل، يدافع فريق «الحمائم» عن مسار دبلوماسي يقوم على مبدأ «السلام من خلال القوة»، مستخدمين التهديدات العسكرية أداةَ ضغط لا خياراً أولياً. ويقود هذا التوجه المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، الذي وصف جولة المفاوضات غير المباشرة في مسقط، يوم الجمعة الماضي، بأنها «بداية جيدة».

وانضم جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترمب، إلى ويتكوف في زيارة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» في بحر العرب، في رسالة تؤكد أن المفاوضات تُدار تحت مظلة القوة العسكرية، مع تركيزها على التوصل إلى اتفاق يقتصر على الملف النووي. كما يدعم نائب الرئيس جي دي فانس هذا النهج، محذّراً من أن الضربات المتسرعة قد تفضي إلى نتائج عكسية.

ويؤكد فريق «الحمائم» أن المطالب الأميركية تشمل وقف التخصيب، والحد من برنامج الصواريخ، وإنهاء دعم الحلفاء الإقليميين، في حين تصرّ إيران على أن الصواريخ والقضايا الإقليمية «غير قابلة للتفاوض».

ويحذّر الفريق من أن توجيه ضربات عسكرية قد يدفع إيران إلى استخدام إحدى أقوى أوراقها، وهو إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 21 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب 21 في المائة من الإمدادات العالمية، وهو ما قد ينعكس بارتفاع حاد في أسعار النفط إلى مستويات قد تبلغ 200 دولار أو أكثر للبرميل، بما يخلّف أضراراً اقتصادية جسيمة. ورغم إيمان «الحمائم» بتفوّق القدرات العسكرية الأميركية وعدم قدرة إيران على تحقيق نصر عسكري، فإنهم يشيرون إلى قدرة طهران على جعل أي انتصار أميركي مكلفاً للغاية.

وتنقل مصادر في البيت الأبيض أن فريق ويتكوف يشدّد على إمكانية اتخاذ قرارات عقلانية عبر المفاوضات، ويرى أن إيران لن تخاطر بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز لما ينطوي عليه ذلك من أضرار بالغة بالاقتصاد الإيراني تفوق الأضرار التي قد تلحق باقتصادات خصومها. كما عرض ويتكوف مقترحات طرحها دبلوماسيون كبار من مصر وتركيا وقطر، تقضي بأن توقف إيران تخصيب اليورانيوم لمدة ثلاث سنوات، وتنقل مخزونها المخصّب إلى خارج البلاد، وتتعهد «بعدم البدء» باستخدام الصواريخ الباليستية.

وفي السياق نفسه، شكّكت صحيفة «نيويورك تايمز» في صبر ترمب على خوض مفاوضات طويلة، لكنها أشارت إلى حاجته لوقت من أجل تعزيز القوات الأميركية في المنطقة والاستعداد لمختلف سيناريوهات الرد الإيراني، مرجّحة منحه فرصة للدبلوماسية، وإن كانت مع شكوك حول مدتها.

جدوى المفاوضات

أشار الجنرال جاك كين، المحلل في شؤون الأمن القومي لدى شبكة «فوكس نيوز»، صباح الاثنين، إلى أن فتح باب المفاوضات مع إيران مرحلة تكررت سابقاً قبل بدء عملية «مطرقة منتصف الليل»، معرباً عن تشككه في جدواها. وقال: «أعتقد أن دوافع إيران في هذا المسار مزدوجة؛ أولاً إطالة أمد المفاوضات قدر الإمكان لتأجيل أي عملية عسكرية أميركية، بما يتيح لطهران الاستعداد بشكل أفضل للدفاع، وثانياً السعي إلى إبرام نوع من الاتفاق مع الأميركيين يمنحها تخفيفاً للعقوبات، وهو هدفها الواضح، لأن اقتصادها في حالة يرثى لها، ولا أمل في تعافيه».

صورة مجمعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

وشدّد الجنرال السابق، الذي شغل منصب رئيس أركان الجيش الأميركي بين عامي 1999 و2003، على أن الخيار المفضّل هو الخيار العسكري، معتبراً أنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين «فإنهم سيغشّون ولن يتوقفوا عن زعزعة استقرار الشرق الأوسط»، وأن تمديد عمر النظام لسنوات أخرى «أمر غير منطقي».

وأضاف أن الخيار الأفضل، من وجهة نظره، هو تهيئة الظروف لانهيار النظام الإيراني، مرجّحاً تنفيذ عملية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، مع الاستمرار في نقل الموارد العسكرية إلى المنطقة تحسباً لأي ردّ انتقامي إيراني، والتأكد من أن العملية العسكرية لن تكون محدودة أو قصيرة الأمد، بل حملة شاملة ذات هدف معلن يتمثل في تهيئة ظروف انهيار النظام الإيراني بكل مكوّناته وداعميه، وتدمير قدراته العسكرية، ولا سيما الصاروخية.