«الفيدرالي»... ما المتوقع في المستقبل بعد تثبيت الفائدة شبه المحسوم اليوم؟

مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
TT

«الفيدرالي»... ما المتوقع في المستقبل بعد تثبيت الفائدة شبه المحسوم اليوم؟

مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

يقول مسؤولو مجلس الاحتياطي الفيدرالي إنهم يريدون صورة أوضح لاتجاه الاقتصاد الأميركي قبل اتخاذ قرارهم التالي بشأن سعر الفائدة، لكن البيانات منذ الاجتماع الأخير للبنك المركزي جعلت التوقعات أكثر إرباكاً، حيث لا تزال السياسات التجارية وغيرها من السياسات غير مستقرة.

وفي نوع من اختبار الحبر حول المستقبل، قد يستشهد صانعو السياسة في الاجتماع الذي يستمر ليومين وينتهي اليوم الأربعاء بتراجع الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول من العام، وتراجع ثقة الأعمال والمستهلكين لإثبات أن خفض أسعار الفائدة قد يكون ضرورياً عاجلاً وليس آجلاً. أو يمكن أن يستشهدوا ببيانات التوظيف التي لا تزال قوية، والإنفاق الاستهلاكي الصحي، والقفزة المتوقعة في التضخم بسبب الرسوم الجمركية، وعدّ ذلك سبباً للانتظار. وكلا الخيارين محفوف بالمخاطر إلى أن تصبح سياسات الرئيس دونالد ترمب أكثر وضوحاً، مما يجعل من المرجح أن تترك اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة التي تضع السياسة النقدية أسعار الفائدة دون تغيير عندما تعلن عن قرارها الأخير بشأن السياسة النقدية في الساعة الثانية ظهراً بتوقيت شرق الولايات المتحدة (18:00 بتوقيت غرينيتش)، مع الاستمرار في الاعتراف بحدود ما يمكن أن تقوله بشأن المستقبل، وفق «رويترز».

ويتوقع المستثمرون حالياً أن يظل سعر الفائدة في نطاق 4.25 في المائة - 4.50 في المائة حتى اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في 29 - 30 يوليو (تموز).

وكتب ستيف إنغلاندر، رئيس الاستراتيجية الكلية لأميركا الشمالية في بنك «ستاندرد تشارترد»: «البيانات الواردة ليست جيدة ولا سيئة بما يكفي لإجبار اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة على الكشف عن نياتها. ربما يكون عدم القيام بأي شيء والإفصاح عن القليل هو خيار مرحب به... عندما يكون هناك كثير من عدم اليقين بشأن السياسات المالية والتعريفية وعواقبها الاقتصادية النهائية وعواقبها على سوق الأصول».

إشارات تضخم متضاربة مثل الكثير عن تعريفات ترمب الجمركية على الواردات، قد لا يُعرف تأثيرها على التضخم لعدة أشهر. لن يكون ذلك قبل شهر يوليو عندما يقرر الرئيس ما إذا كان سيفرض الرسوم الأكثر صرامة على السلع من عشرات البلدان، كما أن الرسوم النهائية على السيارات المستوردة وغيرها من السلع الأخرى لا تزال معلقة.

وقد تحول الطعون أمام المحاكم دون تنفيذ بعض أوامر ترمب حتى لو قرر المضي قدماً في فرضها. في غضون ذلك، على الرغم من ذلك، تباطأ التضخم الذي يُقاس بمؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الذي يستخدمه الاحتياطي الفيدرالي لتحديد هدفه للتضخم بنسبة 2 في المائة في مارس (آذار) إلى 2.3 في المائة، وهو أدنى معدل في نحو نصف عام. وقد أدى هذا التخفيف من ضغوط الأسعار إلى دعوات من ترمب للاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة، لكنه لا يروي القصة الكاملة. فقد ظلت مقاييس التضخم الأساسي، باستثناء أسعار المواد الغذائية والطاقة المتقلبة، أعلى بكثير عند أعلى من 2.6 في المائة خلال مارس. بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن تضيف التعريفات الجمركية إلى التضخم مع تقدم العام، مما يتطلب من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الحكم على ما إذا كانت الأسعار المرتفعة حديثاً ستثبت أنها تعديلات لمرة واحدة أو أكثر ثباتاً. لقد أخطأوا في ذلك في عام 2021 عندما اعتقدوا أن التضخم سيتلاشى، ولا يريدون أن يتم القبض عليهم مرة أخرى.

وكتبت ديان سونك، كبيرة الاقتصاديين في شركة «كي بي إم جي»، هذا الأسبوع، أن رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول «كان واضحاً أنه إذا اقتضى الأمر ذلك، فإنه سيضمن ترويض التضخم قبل خفض أسعار الفائدة».

ومن المقرر أن يعقد باول مؤتمراً صحافياً بعد نصف ساعة من صدور بيان سياسة الاحتياطي الفيدرالي يوم الأربعاء.

رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول (رويترز)

نمو التوظيف قد يتباطأ

يقول مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي وغيرهم ممن يراقبون سوق العمل عن كثب إنهم يتوقعون تباطؤ التوظيف قريباً، وارتفاع معدل البطالة. ومع ذلك، لا تزال المفاجآت تتوالى، حيث أظهرت بيانات الأسبوع الماضي أن أرباب العمل أضافوا 177 ألف وظيفة في أبريل (نيسان)، وهو ما يفوق توقعات الاقتصاديين.

وظل معدل البطالة ثابتاً عند 4.2 في المائة، وهو رقم يُعد قريباً من معدل التوظيف الكامل على الرغم من أنه أعلى من المستويات المنخفضة تاريخياً التي شهدها النصف الأخير من إدارة بايدن.

وعلى الرغم من أن الشركات أصبحت متشككة بشأن التوقعات المستقبلية، فإنه ما دام استمر التوظيف، فإن الاحتياطي الفيدرالي سيكون لديه سبب أقل للنظر في خفض أسعار الفائدة حتى يتضح أن مخاطر التضخم قد زالت.

موظف من شركة «يلو لايت» لتركيب الألواح الشمسية يحمل لوحاً من شاحنته إلى سطح منزل في ليكوود بأوهايو (أ.ب)

اتجاه الناتج المحلي الإجمالي

كان مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي يعتقدون أن النمو الاقتصادي يتباطأ بعد عدة أرباع فوق الاتجاه، وقد يكون ذلك مفيداً في الكفاح من أجل الوصول بالتضخم إلى 2 في المائة. ولكن في الواقع، انكمش الاقتصاد منذ عودة ترمب إلى منصبه. في حين أن الانكماش في الربع الأول كان بسبب زيادة الواردات التي ربما كانت تهدف إلى التغلب على التعريفات الجديدة التي دفعت العجز التجاري إلى مستوى قياسي في مارس، إلا أنها تطرح أيضاً أسئلة صعبة للأشهر المقبلة.

إذا كانت المخزونات متدفقة، فهل ستحاول الشركات بيع السلع بسرعة وبأسعار رخيصة، مع احتمال حدوث نقص في المستقبل مع تضاؤل الواردات المفروضة بشدة من الصين؟ أم هل سترفع الشركات الأسعار بما يتناسب مع تكلفة جلب السلع في ظل الرسوم الجمركية بوصفها وسيلة لتقنين العرض؟

عندما يتأثر الناتج المحلي الإجمالي لربع واحد من الناتج المحلي الإجمالي بعنصر معين، فغالباً ما يتم تعويض ذلك في وقت لاحق: قد تنخفض الواردات في الأشهر المقبلة، مما يوفر دفعة سلبية للنمو، حيث يتم طرح الواردات من الصادرات في قياس الناتج الأميركي.

ولكن إذا تباطأ الاستهلاك أيضاً، كما يتوقع الكثيرون أنه بدأ يحدث بسبب عدم اليقين والزيادات المتوقعة في التكلفة، فقد يكون ذلك عائقاً معوضاً أكبر.

سيكون من الصعب فهم كيف تتوافق جميع الأجزاء معاً في سرد النمو البطيء أو النمو الأفضل من المتوقع أو الركود.

البيانات «الناعمة»

يُصرح مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي بأنهم يعتمدون على البيانات، ويعتمدون على توجيه الإحصاءات الاقتصادية الثابتة في نماذجهم التنبؤية لتوجيه قرارات أسعار الفائدة. ولكن في اللحظات التي يتأثر فيها الاقتصاد بالسياسة أو غيرها من الصدمات التي لا يمكن التنبؤ بها، فإنهم يتجهون أيضاً إلى أماكن أخرى.

في الأشهر الأخيرة، وضعوا وزناً خاصاً على البيانات «غير المادية»، المستمدة من الاستطلاعات أو المقابلات الفردية مع مسؤولي الشركات وغيرهم من صانعي القرار الاقتصادي، للمساعدة في ترسيخ وجهات نظر السياسة.

على هذه الجبهة، أصبح المشهد متقلباً، بل يبدو قبيحاً.

أحد مقاييس عدم اليقين التي يتم الاستشهاد بها على نطاق واسع، والتي تم استخلاصها من تحليل التقارير الإخبارية، تنافس حالياً المستويات التي كانت سائدة في بداية جائحة «كوفيد - 19»، وأشارت أحدث مجموعة من «الكتاب البيج» التي أصدرها الاحتياطي الفيدرالي للتقارير السردية من مقاطعاته الإقليمية الاثنتي عشرة إلى «عدم اليقين» 80 مرة ووُصف بأنه «منتشر». وكان التقرير حافلاً بالإشارات إلى ارتفاع الأسعار، وبدء تسريح العمال في بعض الصناعات، وقول الشركات إنها تعثرت في قرارات التوظيف والاستثمار بسبب السياسة التجارية.

وكتب جان هاتزيوس، كبير الاقتصاديين في «غولدمان ساكس»، هذا الأسبوع: «ليس من غير المعتاد أن تتخلف البيانات الثابتة بشكل كبير في فترات الانكماش التي تحركها الأحداث... ومن الملاحظ أن البيانات اللينة... قد انخفضت بالفعل أكثر من الركود النموذجي المدفوع بالأحداث».

جاءت هذه الملاحظة في أعقاب طاولة مستديرة عُقدت مؤخراً مع المراسلين في واشنطن قال خلالها هاتزيوس: «لقد كنا في بيئة... ولّدت قدراً كبيراً من عدم اليقين، وحتى الآن لم يتضاءل هذا الأمر».


مقالات ذات صلة

رغم مساعي ترمب... المحكمة العليا تميل للإبقاء على كوك في «الفيدرالي»

الاقتصاد ليزا كوك لدى خروجها برفقة المحامي آبي لويل، من المحكمة العليا الأميركية (رويترز)

رغم مساعي ترمب... المحكمة العليا تميل للإبقاء على كوك في «الفيدرالي»

بدت المحكمة العليا الأميركية، يوم الأربعاء، مائلة نحو الإبقاء على محافظة الاحتياطي الفيدرالي، ليزا كوك، في منصبها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ترمب يشير إلى قائمة تكاليف تأهيل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أثناء حديثه مع باول خلال تفقده الأعمال في يوليو (رويترز)

صراع ترمب مع «الفيدرالي» يضع الاقتصاد العالمي في مرمى النيران

لم تعد المعركة بين الرئيس دونالد ترمب ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول تقتصر على التصريحات، بل تحولت إلى مواجهة قضائية مفتوحة تهدد أسس الاقتصاد العالمي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ترمب وباول خلال زيارة الأول مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يونيو الماضي للاطلاع على أعمال التأهيل (رويترز)

ترمب: لا خطط حالية لإقالة باول رغم التحقيقات الجنائية

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه لا ينوي حالياً إقالة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، من منصبه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ديمون متحدثاً خلال منتدى ريغان للدفاع الوطني في مكتبة رونالد ريغان الرئاسية (رويترز)

رئيس «جي بي مورغان» يحذر: التدخل السياسي في عمل «الفيدرالي» يرفع الفائدة

دافع الرئيس التنفيذي لشركة «جي بي مورغان تشيس»، جيمي ديمون، عن الاحتياطي الفيدرالي ورئيسه ضد محاولات التدخل السياسي منذ أشهر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد باول ينظر إلى ترمب وهو يحمل وثيقة خلال جولة للأخير بمبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في يوليو (رويترز)

ترمب يهاجم باول مجدداً: أرقام التضخم منخفضة... وحان وقت خفض الفائدة «بشكل ملموس»

شن الرئيس الأميركي دونالد ترمب هجوماً لاذعاً على رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، واصفاً إياه بـ«المتأخر دائماً»، وذلك فور صدور بيانات التضخم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

السعودية تفتح باب التملك العقاري للأجانب


جانب من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
جانب من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
TT

السعودية تفتح باب التملك العقاري للأجانب


جانب من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
جانب من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

دخلت السعودية، أمس (الخميس)، حقبة اقتصادية تاريخية بدخول نظام تملك غير السعوديين للعقار حيز التنفيذ، مُحوّلة سوقها المحلية إلى منصة استثمارية عالمية.

ويمثل هذا الحدث حجر زاوية في منظومة التشريعات العقارية الهادفة إلى إعادة صياغة ملامح السوق العقارية السعودية.

ويستهدف النظام، المنسجم مع «رؤية 2030»، تعزيز الاستثمار الأجنبي المباشر ورفع جودة الحياة، من خلال تمكين الأفراد والشركات من التملك عبر رحلة رقمية ميسرة من بوابة «عقارات السعودية». ويمنح النظام مرونة واسعة في مختلف المدن كالرياض وجدة، مع وضع ضوابط سيادية خاصة لمكة المكرمة والمدينة المنورة، تحصر التملك فيهما على المسلمين والشركات السعودية.

ومن المتوقع أن يساهم هذا التحوّل في تنشيط القطاعات الرديفة، مع ضمان أعلى مستويات الموثوقية القانونية عبر الربط بنظام التسجيل العيني، ترسيخاً لبيئة استثمارية شفافة وآمنة.


دافوس... «هندسة الأثر» تضع السعودية في قلب الاقتصاد العالمي الجديد

جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)
جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)
TT

دافوس... «هندسة الأثر» تضع السعودية في قلب الاقتصاد العالمي الجديد

جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)
جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)

في وقتٍ يبحث فيه العالم عن بوصلة وسط «ضبابية» المشهد الاقتصادي، قدمت السعودية من فوق جبال دافوس السويسرية نموذجاً فريداً في «هندسة الأثر» الاقتصادي. ومن المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، رسم وزراء ومسؤولون خريطة طريق لمرحلة قوامها «الذكاء التشغيلي»، حيث لم يعد الطموح مجرد تحقيق النمو، بل جودة هذا النمو وتكلفته المستدامة. وبينما كان العالم يترقب صدمات جديدة، كانت الرياض تعلن انتقالها من مرحلة «التخطيط الهيكلي» إلى مرحلة «تعظيم النتائج»، محولةً الاستقرار من مجرد حالة سياسية إلى «فرصة تنافسية» نادرة تجذب رؤوس الأموال العالمية في زمن التجزؤ.

وقد عُقدت جلسة حوارية خاصة في المنتدى تحت عنوان «نظرة على الاقتصاد السعودي»، بمشاركة وزير المالية محمد الجدعان، ووزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا، وعدد من المسؤولين.

الجدعان و«ضريبة الغموض»

أطلق وزير المالية، محمد الجدعان، مصطلحاً جوهرياً بوصفه «ضريبة الغموض» كأكبر تحدٍّ يواجه المستثمرين عالمياً. وأكد أن دور المملكة يتجاوز صياغة التشريعات إلى استئصال آفة هذا الغموض.

وشدد الجدعان على أن «المالية العامة هي مرساة الاقتصاد»، معلناً بوضوح: «لا نساوم على استدامة المالية من أجل الاقتصاد»، في إشارة إلى الموازنة الدقيقة بين تسريع المشاريع والحفاظ على متانة المركز المالي للدولة.

وأوضح أن «إبطاء» بعض المشاريع أحياناً ليس تراجعاً، بل هو إجراء ضروري لمنع «سخونة الاقتصاد» وضمان قدرة القطاع الخاص على المواكبة، وصولاً إلى جعل فلسفة الإصلاح «سلوكاً مؤسسياً» يتجاوز لغة الأرقام والمستهدفات.

البيئة الاستثمارية

وأكد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن المشهد الاقتصادي العالمي بات محكوماً بقاعدة «عدم اليقين»، وهو الواقع الذي ترفضه قطاعات الأعمال وتتحاشاه الشركات الكبرى.

وشرح الجدعان فلسفة المملكة في إدارة البيئة الاستثمارية، مشيراً إلى أن الشركات تمتلك القدرة والخبرة لتحديد أسعار تجارتها بناءً على التعريفات الجمركية الواضحة أو الضرائب الإضافية المعلنة، إلا أنها تقف عاجزة أمام غياب الرؤية والتقلبات غير المتوقعة. ومن هنا، شدد على أن الدور الجوهري لصنّاع السياسات يكمن في استئصال شأفة هذا الغموض، وضمان توفير «ملاذ آمن»، وبيئة مستقرة تتيح للأعمال النمو دون مفاجآت تشريعية أو إجرائية.

الجدعان يتحدث خلال جلسة خاصة في منتدى دافوس عن الاقتصاد السعودي (الشرق الأوسط)

القطاع الخاص

وفي سياق تعزيز جاذبية السوق السعودية، أكد الوزير أن المملكة تعمل جاهدةً على بناء «المرونة» في مفاصل اقتصادها الوطني، ومنح القطاع الخاص أهم أداة يحتاج إليها للنجاح، وهي «القدرة على التنبؤ».

وأوضح أن استقرار عملية صنع القرار ووضوح مساراتها يمثلان التزاماً سعودياً لضمان أن تكون العوائد الاستثمارية متسقة ومجزية، ومناسبة لحجم المخاطر التي يتحملها المستثمر، بما يعزز من ثقة الشركاء الدوليين في استدامة النهضة الاقتصادية التي تشهدها المملكة.

وشدد الجدعان على أن مرساة الاقتصاد هي المالية العامة، قائلاً: «لا نساوم عليها من أجل الاقتصاد». وأضاف: «نوازن بين نمو الاقتصاد والتنوع ونحافظ على هذا التوازن بدقة».

العجز والدين

بدوره، قال وزير الاقتصاد والتخطيط، فيصل الإبراهيم، إن الاقتصاد السعودي انتقل إلى مرحلة «التوظيف الأمثل لرأس المال»، موضحاً أن المنظومة الاقتصادية اليوم تمتلك «ذكاءً تشغيلياً» يُمكّنها من التمييز بدقة بين توقيت تسريع النمو وتوقيت ضبط الإيقاع.

وأشار إلى ارتفاع العجز أو الدين وأنه لم يعد مجرد أرقام حسابية، بل أصبح «إنفاقاً استراتيجياً» موجهاً إلى قطاعات ذات قيمة مضافة وعوائد اقتصادية واضحة ومستدامة.

وحسب الإبراهيم، فإن الزخم الاقتصادي قوي في عدد كبير من القطاعات، وإن الأنشطة غير النفطية تمثل اليوم 56 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي وذلك للمرة الأولى، وبيَّن أن هذا التحول لم يحدث بشكل مفاجئ، بل جاء نتيجة نمو تدريجي خلال السنوات الماضية، حيث يبلغ معدل نمو الأنشطة غير النفطية نحو 5 في المائة.

وأضاف أن التوقعات تشير إلى نمو الأنشطة غير النفطية خلال السنوات الثلاث المقبلة بمعدل يتراوح بين 4.5 و5.5 في المائة مع وجود حوكمة واضحة لإقرار هذه التقديرات، وذكر أن 74 نشاطاً غير نفطي شهدت نمواً سنوياً بنسبة 5 في المائة أو أكثر خلال السنوات الخمس الماضية، فيما سجل 38 نشاطاً نمواً تجاوز 10 في المائة، مؤكداً أن هذا يعكس جودةً وتنوعاً في الأداء الاقتصادي.

وزير الاقتصاد والتخطيط يتحدث خلال جلسة خاصة عن الاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)

الإصلاحات الهيكلية

ولفت إلى أن المؤشرات الداعمة لهذا التوجه تشمل نمو الصادرات غير النفطية، وزيادة عدد المصانع قيد التأسيس أو التشغيل، واتساع مشاريع قطاع السياحة، إضافةً إلى تحول ميزان تجارة الخدمات إلى فائض خلال فترة زمنية قصيرة، مما يعكس فاعلية السياسات الاقتصادية المتبعة.

وواصل الوزير أن السؤال لم يعد مرتبطاً بجدوى النمو أو زخمه بل بتكلفته، مؤكداً أهمية ضمان استمرار الزخم الاقتصادي بأثر أمثل وتكلفة مناسبة، وأن المرحلة السابقة استلزمت إنفاقاً مرتفعاً لتعويض عقود من الإمكانات غير المستغلة، غير أن المرحلة المقبلة ستركز على: لماذا يتم الإنفاق مقروناً بإصلاحات هيكلية مدروسة تحقق النتائج المطلوبة مع ضبط مستويات الصرف؟

وفيما يتعلق بالقطاعات، أوضح الوزير أن مجالات مثل الطاقة بمفهومها الواسع بما في ذلك حلول التحول الطاقي والرعاية الصحية وتقنيات الدفاع والذكاء الاصطناعي والتعدين ستواصل لعب دور محوري في النمو، مشيراً إلى أن الطلب على الرعاية الصحية يزداد، في ظل أن 70 في المائة من السكان دون سن 35 عاماً، مع توقعات ببدء مرحلة الشيخوخة بعد نحو 18 إلى 20 عاماً.

في سياق آخر، أشار الوزير إلى أن العالم يشهد حالة متزايدة من التجزؤ، معتبراً أن الوفاء بالالتزامات أصبح عملة نادرة، وأن الثقة باتت عنصراً أساسياً في استمرارية التجارة وكفاءة الأسواق، وأكد أن الاستقرار في هذا السياق أصبح قيمة نادرة وفرصة تنافسية.

وبيَّن أن السعودية تتعامل مع الاستقرار بوصفه نهجاً مؤسسياً يشمل السياسات والتنظيم والتنفيذ، مشيراً إلى أنه في عام 2024 وبينما انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً بنسبة 11 في المائة، ارتفع في المملكة بنحو 24 في المائة.

سوق العمل

من جانبه، قدّم رئيس مجموعة البنك الدولي، أجاي بانغا، خلال الجلسة نفسها، خريطة طريق للفصل بين التقلبات العابرة والأزمات الهيكلية الجسيمة. وبينما أبدى بانغا تفاؤلاً حذراً بقدرة القوى الكبرى على الصمود، أطلق صرخة تحذير تجاه «قنبلة موقوتة» تتعلق بسوق العمل في الدول الناشئة، معتبراً أن العالم اليوم يقف أمام مفترق طرق: إما صناعة الأمل وإما مواجهة عدم الاستقرار العالمي.

رئيس البنك الدولي يتحدث في جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)

وأبدى بانغا دهشته من مرونة الاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة والصين والهند حققت معدلات نمو تجاوزت التوقعات. وعزا هذا التفوق إلى الاستثمارات الضخمة في قطاعات الذكاء الاصطناعي، والبيانات، والبنية التحتية، مؤكداً أن هذه الاقتصادات تمتلك أنظمة مؤسسية مكَّنتها من تجاوز الظروف الصعبة؛ إذ سجلت الصين نمواً بنحو 5 في المائة، فيما لامست الهند حاجز الـ8 في المائة.

في المقابل، لفت بانغا إلى واقع مؤلم يواجه ربع الاقتصادات الناشئة، إذ لا يزال نصيب الفرد من الناتج المحلي أقل بنسبة 10 في المائة ممّا كان عليه قبل «كوفيد-19». وأرجع هذا التعثر إلى مشكلات متراكمة تتعلق بالديون والسيولة وسوء الإدارة المالية، منتقداً الإفراط في الاقتراض خلال حقبة الفائدة المنخفضة التي جعلت الاستدانة تبدو خياراً سهلاً ومغرياً لكنها أصبحت اليوم عبئاً ثقيلاً.

وسلَّط بانغا الضوء على تحدٍّ بشريّ هائل يواجه العالم في السنوات الـ15 المقبلة، إذ سيصل نحو 1.2 مليار شاب في الأسواق الناشئة إلى سن العمل. وحذر من فجوة مرعبة في الفرص، إذ تشير التقديرات إلى توفر 400 مليون وظيفة فقط، مما يترك 800 مليون شاب دون مسار مهني واضح، وهو تحدٍّ يراه بانغا أكثر إلحاحاً من النقاشات الدائرة حول الذكاء الاصطناعي.

وختم رئيس البنك الدولي تصريحاته بتحذير من أن الفشل في خلق فرص عمل لهؤلاء الشباب سيقود العالم إلى دفع ثمن باهظ يشمل الهجرة غير الشرعية، والانقلابات العسكرية، والاضطرابات الاجتماعية، مبيناً أنه في حال إحسان التعامل مع هذا الملف، سيتحول هؤلاء الشباب إلى محرك نمو عالمي يمتد لأربعين عاماً، أما الإخفاق فيعني تقويض الاستقرار العالمي لعقود قادمة.

التكنولوجيا والتعدين

وفي جلسة أخرى من المنتدى، كشف وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، بندر الخريف، عن وجود «علاقة تكافلية» بين التكنولوجيا والتعدين؛ ففي حين يقود الذكاء الاصطناعي الطلب على المعادن، توفر التكنولوجيا الحلول لتأمين هذا الإمداد.

ووفق الخريف، فإن التكنولوجيا تقدم للقطاع التعديني الكفاءة والسلامة، من خلال المساعدة في تسريع استكشاف المعادن، وفهم أنواعها، ومكامن تركيزها، فضلاً عن معالجتها والمساهمة في تصنيع منتجاتها النهائية بطرق كالطباعة ثلاثية الأبعاد.

في المقابل، لفت إلى أن التوسع الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يمثل المحرك الأكبر للطلب على المعادن الحرجة.

الخريّف يتحدث خلال جلسة خاصة في دافوس (الشرق الأوسط)

الذكاء الاصطناعي

من ناحية أخرى، أكد وزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودي، المهندس عبد الله السواحه، أن بلاده تتبنى طموحات عالمية لقيادة عصر الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن «الاستراتيجية الوطنية لا تستنسخ تجارب الآخرين، وتهدف إلى المساهمة في إضافة 100 تريليون دولار للقيمة الاقتصادية العالمية المقبلة».

السواحه يتحدث في إحدى الجلسات في دافوس (الشرق الأوسط)

وفي رده على تساؤلات بشأن طبيعة التوجه السعودي مقارنةً بالنموذجين الأميركي والصيني، أوضح السواحه، خلال جلسة حوارية في «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس، أن توجيهات الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، «تدفع دائماً نحو مضاعفة الأهداف 3 مرات سنوياً».


وزير الصناعة السعودي من دافوس: علاقة التكنولوجيا والتعدين «تكافلية»

الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)
الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)
TT

وزير الصناعة السعودي من دافوس: علاقة التكنولوجيا والتعدين «تكافلية»

الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)
الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)

شدد وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، بندر الخريّف، على وجود «علاقة تكافلية» بين التكنولوجيا والتعدين؛ قائلاً إنه في حين يقود الذكاء الاصطناعي الطلب على المعادن، توفر التكنولوجيا الحلول لتأمين هذا الإمداد.

وأوضح الخريّف، خلال جلسة في المنتدى الاقتصادي العالمي، أن التكنولوجيا تقدم للقطاع التعديني الكفاءة والسلامة، من خلال المساعدة في تسريع استكشاف المعادن، وفهم أنواعها، ومكامن تركيزها، فضلاً عن معالجتها والمساهمة في تصنيع منتجاتها النهائية بطرق كالطباعة ثلاثية الأبعاد.

وفي المقابل، أشار إلى أن التوسع الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يمثل المحرك الأكبر للطلب على المعادن الحرجة.

وقال الوزير إن عائد التكنولوجيا في الكفاءة والسلامة شجع السعودية للجوء إليها، مضيفاً: «نحن جريئون جداً في السعودية بشكل عام تجاه التكنولوجيا، ليس فقط في التعدين بل في كل شيء».

وأكد الخريّف أنها قدمت إمكانية رؤية مستقبل المناجم، خاصة المناجم تحت الأرض، مما عزز السلامة، وقلل التكلفة، ووفر استهلاك الطاقة، ومكّن من إدارة المناجم عن بُعد.

وعلى صعيد الاستثمار، أكد الخريّف أن نقص الاستثمار يمثل عائقاً رئيسياً أمام نمو القطاع، مشدداً على ضرورة تغيير «المفاهيم القديمة» لدى شركات الاستثمار والمصرفيين حول تخصيص الأصول في التعدين.

وفي هذا الإطار، أوضح الوزير أن «منتدى مستقبل المعادن»، الذي انطلق من الرياض قبل خمس سنوات، تحول إلى آلية دولية لفهم قيود شركات الاستثمار والمصرفيين، سعياً لتعزيز الاستثمار والابتكار في القطاع.