المبعوث الأممي للسودان لـ«الشرق الأوسط»: التسليح يُغذي الأوهام العسكرية

لعمامرة قال إن السلام لن يأتي الفرقاء من الخارج... وأكد ضرورة التسوية السياسية

رمطان لعمامرة (الأمم المتحدة)
رمطان لعمامرة (الأمم المتحدة)
TT

المبعوث الأممي للسودان لـ«الشرق الأوسط»: التسليح يُغذي الأوهام العسكرية

رمطان لعمامرة (الأمم المتحدة)
رمطان لعمامرة (الأمم المتحدة)

«السلام لا يُفرَض، بل يُصنَع. وإذا لم يصنعه السودانيون، فلن يأتيهم من الخارج»... بهذه العبارة اختار رمطان لعمامرة، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة للسودان، أن يختتم أول حوار موسع يجري منذ تولي المهمة الأممية. بيد أن العبارة ذاتها تصلح أن تكون مدخلاً لفهم فلسفة الرجل في مقاربة واحدة من أعقد حروب المنطقة المتخمة بالأزمات.

لعمامرة الذي يتكئ على خبرة طويلة؛ وزير خارجية ودبلوماسي جزائري، وسبق أن اضطلع بوساطات صعبة في أفريقيا، لا يرى جدوى من استمرار الرهانات الخاطئة، ولا يقبل بمنطق إدارة الحرب كأنها معركة كسر عظم. وفي رأيه، فإن استمرار تدفق السلاح والمقاتلين يمثل عائقاً كبيراً أمام الحل؛ لأنه ببساطة «يُغذي الأوهام العسكرية ويُطيل أمد المأساة».

في حواره الذي جرى مع «الشرق الأوسط» عبر الفيديو، عقب مشاركته بمؤتمر لندن، وبين رحلاته المكوكية لكل من بورتسودان وأديس أبابا والقاهرة، وجّه لعمامرة رسائل سياسية بدأت من الأطراف السودانية وانتهت بالخارج. من بين تلك الرسائل، تحذيره من مغبة الدعم العسكري الخارجي؛ إذ يرى أنه لا يجلب سوى الوهم، وأن السلام لا يأتي بالتمني، بل بتوافر الإرادة المحلية، وتكامل الجهود الدولية لا تشتتها.

يقول بمرارة: «مرت الذكرى الثانية لاندلاع الحرب، وكنا نتمنى ألا تحل تلك الذكرى دون إنهاء الحرب التي يرزح المدنيون في السودان تحت نيرانها، ولا يمكن القبول أبداً بأن تحل ذكرى ثالثة للحرب».

حين تتحول الأوهام إلى رصاص

في زيارته الأخيرة لبورتسودان، التقى المبعوث رئيس «مجلس السيادة» الفريق أول عبد الفتاح البرهان. خرج لعمامرة من اللقاء بانطباع «مشجع»، لكنه لا يخفي أن الطريق ما زالت طويلة. أما التواصل مع قيادة «قوات الدعم السريع»، فهو مستمر في انتظار ترتيب لقاء قريب.

رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان يستقبل لعمامرة في بورتسودان (المكتب الإعلامي لمجلس السيادة - السودان)

يرى لعمامرة أن واحدة من أخطر الظواهر المرتبطة باستمرار الحرب، ما يصفها بـ«منطق الغلبة»؛ أي الرغبة في الحسم الكامل من دون حساب لتكلفة ذلك على النسيج الوطني. يشير إلى استمرار بعض القوى المحلية بالرهان على عامل الزمن، وتتصرف كما لو أن السلام يمكن تأجيله إلى حين نضوج انتصار كامل، في حين تكمن حقيقة الأمر في أنه «ليس هناك حل عسكري لتلك الحرب» وفقاً للمعطيات.

«السودان يحتاج إلى تسوية سياسية»... يقول لعمامرة: «ما نراه اليوم ليس أكثر من استمرار وهمي لفكرة انتهت منذ زمن، وهي أن الحسم ممكن بالقوة»، فهو يرى أن منطق المصالح يجب أن يتقدم على منطق الثأر، حتى يمكن إنقاذ السودان، ويوضح أن «أكبر التحديات الآن هو الخطر المتزايد بسبب تفاقم الانقسامات في المشهد السوداني، وهو مسار خطير يجب وقفه، وإعادة توجيه الدفة السودانية نحو الوحدة. يجب أن نمضي في طريق الوحدة لا في طرق الانقسام».

وساطة مزدحمة... وهدف مفقود

منذ توليه مهمته الأممية، حرص لعمامرة على التركيز على التنسيق لا التوسع. يتحدث عن «تكدس الوساطات» في الملف السوداني وكأنه أزمة بحد ذاته.

ولهذا أطلق المجموعة التشاورية لتنسيق المبادرات التي ضمت فاعلين من المنظمات الإقليمية، ومن ضمنها الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، والدول التي ترعى مبادرات سلام حول السودان، بهدف خلق توازن دبلوماسي يعيد ترتيب الأولويات، ويحقق وحدة الهدف على درب إنهاء الحرب.

اجتمعت المجموعة في القاهرة، ثم جيبوتي، فموريتانيا، وتحضّر لاجتماع رابع في بروكسل بدعوة من الاتحاد الأوروبي. هناك أيضا «التواصل المستمر مع المسؤولين في مصر والسعودية، وأيضاً الدول الأعضاء في مجلس الأمن، ودول جوار السودان، ودول أخرى كثيرة مهتمة».

ومع ذلك «الأمر ليس بحاجة إلى مزيد من الوسطاء، بل إلى توافق على رؤية واحدة» يقول لعمامرة إن تعدد المسارات سمح لبعض الأطراف السودانية بالرهان على تضارب المواقف الدولية، بل حتى تعطيل بعض المبادرات أملاً في تحقيق مكاسب ظرفية.

هنا، يستحضر قرار مجلس الأمن «2724» الذي كلفه تنسيق الجهود تحت مظلة الأمم المتحدة، ويعتبر أن ترجمة هذا القرار على الأرض تبدأ بتوحيد الصوت الدولي خلف رؤية واقعية للسلام.

حرب لا ينبغي نسيانها

حين يُسأل إن كانت حرب السودان منسية، لا ينكر المبعوث أن الزخم الإعلامي ربما يخفت أحياناً، لكن المأساة مستمرة بكل تفاصيلها: «نتابع كل يوم سقوط الضحايا، خصوصاً في شمال دارفور، والأوضاع المأساوية المتفاقمة في مخيم زمزم، والتي تفطر القلوب».

يتحدث عن ملايين النازحين داخل البلاد واللاجئين خارجها، وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية، ومخيمات لم تعد تقي من الحر أو البرد، والعاملين في مجال الإغاثة الإنسانية الذين يدفعون حياتهم ثمناً لإيصال المساعدات.

ولفت إلى اهتمام وصفه بـ«الخاص» يوليه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش للوضع الخطير في السودان «المستند لمعرفته المتعمقة، خصوصاً حين كان يرأس المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، حيث كان السودان يفتح أبوابه بكل كرم للاجئين على أراضيه».

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال اجتماع مع رمطان لعمامرة وفريقه (الأمم المتحدة)

«إنها أكبر أزمة إنسانية في العصر الحالي من حيث حجم التهجير الداخلي وعدد اللاجئين». يقول لعمامرة: «نحن نتحدث عن بلد يرزح تحت ضغط السلاح والانقسام والصمت الدولي».

لذلك، يضع المبعوث أولوية بديهية: وقف الحرب أولاً. وضمن هذا الإطار، يرى في «إعلان جدة» خطوة لا تزال صالحة للإنعاش، ويشيد بدور السعودية قائلاً إن «اسم مدينة جدة ارتبط بوثيقة إنسانية يمكن لها أن تؤسس لتوافق مهم، خصوصاً بشأن حماية المدنيين».

أما القمة العربية المقبلة في بغداد، فيعتبرها لحظة مناسبة لتوظيف الثقل العربي الجماعي في مساعي وقف الحرب. ويرى أن «السودان بلد محوري، ومكانته في قلب الهوية العربية لا تحتمل الحياد»، مشدداً على أن الحل في السودان يجب أن يُحمى بإرادة عربية جماعية.

السلاح... ومَن يصب الزيت

أكثر رسالة تكراراً في حديث لعمامرة كانت موجهة للتدخلات الخارجية؛ فهو يصرّ على أن تدفق السلاح لا يمكن تبريره بأي منطق. ويقول إن «تغذية الحرب بالسلاح ليست مساعدة على الحسم، بل مساهمة مباشرة في صناعة الوهم والانقسام»، مشيراً إلى أن «الجهود ينبغي أن تصب في ما هو ضروري: سلام يحمي وحدة السودان».

ويعتقد لعمامرة أن بعض الجهات الإقليمية والدولية تتصرف وكأنها تقايض دعم طرف سوداني بالحصول على نفوذ مستقبلي، متناسية أن الحرب لا تبقي شيئاً تُحكَم السيطرة عليه. ويقول: «ليس من مصلحة أحد أن يتفكك السودان. والمطلوب من كل مَن له تأثير أن يكون جزءاً من الحل، لا من تأجيج النزاع».

ويؤكد أن الأمم المتحدة لم تتوقف عن المطالبة بوقف فوري لتدفق الأسلحة، ولا عن الدعوة لتطبيق حازم لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وتجفيف مصادر التمويل العسكري من الخارج. لكنه يضيف: «على الرغم من تكاثر الفاعلين والتدخلات، تبقى المسؤولية التاريخية على عاتق السودانيين قبل غيرهم لوقف الاقتتال، وفتح فصل جديد من الأمل للشعب السوداني».

في تقييمه لمواقف الطرفين، لا يُخفي لعمامرة حذره، لكنه يسجّل مؤشرات إيجابية، لأنه يرى بأن الاختبار الحقيقي لأي نوايا يكون في الأفعال لا الأقوال، مستطرداً: «لا نريد لقاءات شكلية، بل مساراً عملياً يعكس التزاماً حقيقياً بالحل».

لعمامرة خلال مؤتمر لندن بشأن السودان الذي عقد في أبريل 2025 (الأمم المتحدة)

يشدّد المبعوث على وجوب شمولية التسوية لا تجزئتها، وأن تتعامل التسوية المنشودة مع جذور الحرب، وألا تقتصر فقط على مظاهرها. ويطرح فكرة العودة إلى مرجعيات ما قبل الحرب، مع الانفتاح على تطويرها ضمن توافق وطني جديد.

رسالة إلى السودانيين

حرص لعمامرة على توجيه رسالة مباشرة للشعب السوداني عبر «الشرق الأوسط»؛ إذ قال: «يسعدني أن أحيي الشعب السوداني وأترحم على ضحاياه. كنت في بورتسودان قبل أيام، والتقيت مسؤولين كباراً ومواطنين، وكان لافتاً لي حسن الضيافة والإرادة الصلبة لهذا الشعب في السيطرة على مصيره وتجاوز محنته».

وأبدى خلال رسالته تعهداً من الأمم المتحدة بالمزيد من العمل؛ إذ قال: «لاحظت أن هذا الشعب العظيم يتطلع إلى مستقبل واعد يليق بإمكاناته. نحن في الأمم المتحدة ملتزمون ببذل أقصى الجهد لمساعدته على تجاوز الصعوبات رغم جديتها؛ لأن مصير السودان يستحق التضحية ببعض المصالح الفئوية، والتركيز على ما يوحّد الكلمة، ويوجّه التفكير نحو المستقبل».

أزمة إنسانية خانقة وأرقام تقرع الضمير

يرى لعمامرة أن الأزمة الإنسانية خانقة، ويصفها بأنها «أكبر أزمة إنسانية في عصرنا». ويقول «هناك ما لا يقل عن 13 مليون نازح، وملايين اللاجئين في الدول المجاورة. الصعوبات كبيرة، وتشمل الأمن والطبيعة ونقص التمويل، وحتى التنسيق بين المناطق». يكمل بالحديث عن مواجهة الأمم المتحدة رغم جهودها المتواصلة استجابة دولية دون المستوى، مشيراً إلى عدد من المبادرات التي تُطرح لتحسين الوضع وجمع مساعدات أوسع من الجهات المانحة، وهو ما تم حديثاً في إطار مؤتمر لندن.

«المأساة كبيرة جداً، وضحاياها من أطفال ونساء ومواطنين باتوا بلا أدنى مقومات الحياة»... هذه الأزمة وفقاً للمبعوث تتطلب استيقاظ ضمير جماعي، لا من الحكومات فحسب، بل من كل من يسمع ويرى: «السودان بلد عربي وأفريقي، وما يحدث فيه يجب أن يمسنا جميعاً».

ومع أن الوضع الإنساني بحسب المبعوث يسجل تحسناً نسبياً في بعض المناطق بفضل التعاون بين المسؤولين والمنظمات الإنسانية، فإنه يكرر أن هذه الإيجابيات تبقى دون المطلوب: «الحل الوحيد والضروري هو وقف الحرب؛ كون ذلك هو الطريق الأمثل لحماية المدنيين وتحسين الوضع على الأرض»، ويؤكد أن الشعب السوداني «يستحق أن يعيش آمناً في وطن لا بديل عنه».

ما بعد الحرب

بدا لعمامرة كما لو أنه لا يفاوض على تسوية فحسب، بل على منطق مختلف في إدارة الأزمة. يعيد التأكيد بالقول إن «السلام لا يُفرَض، بل يُصنَع. وإذا لم يصنعه السودانيون، فلن يأتيهم من الخارج». لكنه يدرك أيضاً أن هذه الصناعة لن يجري نسجها من دون دعم دولي جاد، فضلاً عن إرادة داخلية تتجاوز الحسابات الضيقة. ولهذا يحذر بشكل مباشر بأن «الوقت لا يعمل لصالح أحد، وكل تأخير يعني مزيداً من التفتت، ومزيداً من الدم».

وبما يشبه النداء الأخير يقول المبعوث إن «السلام ليس حدثاً طارئاً، بل مشروع طويل النفَس... وإذا لم نبدأه الآن، فقد لا نجد بعد أشهر ما يُبنى عليه أصلاً».


مقالات ذات صلة

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

شمال افريقيا أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز) play-circle

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

حذّر برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين الجوع.

«الشرق الأوسط» (بورتسودان)
الخليج الدكتور عبد العزيز الواصل يتحدث خلال جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن في نيويورك الأربعاء (البعثة السعودية)

السعودية تؤكد أهمية تعاون قوى اليمن لتحقيق أمنه واستقراره

شدَّدت السعودية على أهمية التعاون بين جميع القوى والمكونات اليمنية، وبذل الجهود كافة للتوصل إلى حل دائم يفضي لتحقيق الأمن والاستقرار في اليمن.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا فولكر تورك خلال جلسة محادثات مع وفد الحكومة برئاسة وزير الخارجية محيي الدين سالم (وكالة الأنباء السودانية - سونا) play-circle

زيارة تورك إلى السودان تفجر جدلاً وسط تصعيد عسكري

فجّرت زيارة المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى السودان، جدلاً سياسياً واسعاً، في وقت تشهد فيه البلاد تصعيداً عسكرياً خطيراً.

وجدان طلحة (بورتسودان)
الاقتصاد يصطف عاطلون عن العمل في أحد الشوارع بكيب تاون في جنوب أفريقيا (رويترز)

الأمم المتحدة: استقرار البطالة عالمياً في 2026 يخفي أزمة في جودة الوظائف

توقعت الأمم المتحدة، يوم الأربعاء، أن يظل معدل البطالة العالمي مستقراً خلال عام 2026، إلا أنها حذّرت من الاستقرار الظاهري في أسواق العمل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شؤون إقليمية ممثل إيران في الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني (أ.ف.ب)

إيران تتهم ترمب بتشجيع الاضطرابات السياسية بما فيها العنف

اتهمت إيران الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب اليوم الثلاثاء بتشجيع زعزعة الاستقرار السياسي والتحريض على العنف وتهديد سيادة البلاد ‌ووحدة أراضيها وأمنها ‌القومي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)

حذّر برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، الخميس، من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين الجوع الشديد، بعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب.

وأكد البرنامج أنه، بالفعل، جرى «تقليص الحصص الغذائية إلى الحد الأدنى الكافي للبقاء على قيد الحياة»، لكن «بحلول نهاية مارس (آذار) المقبل سنكون استنفدنا مخزوننا الغذائي في السودان».

وأضاف البيان أنه في غياب تمويل إضافي فوري «سيُحرَم ملايين الأشخاص من المساعدات الغذائية الحيوية في غضون أسابيع»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشهد البلاد، منذ نحو ثلاثة أعوام، حرباً بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، ما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف، ونزوح 11 مليوناً، على الأقل، داخل البلاد وخارجها، بينهم مَن يعيش في مراكز إيواء مكتظة تفي، بصعوبة، الاحتياجات الأساسية.

وأكد بيان برنامج الأغذية العالمي احتياجه لـ700 مليون دولار أميركي لاستكمال أنشطته في السودان حتى يونيو (حزيران) المقبل.

واستضافت القاهرة، الأربعاء، اجتماعاً رفيع المستوى جمع الرباعية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي ودولاً أخرى لمناقشة جهود السلام التي لم تحقق كثيراً من التقدم.

وكان تقرير للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي المدعوم من الأمم المتحدة قد أكد، نهاية العام الماضي، انتشار المجاعة في مدينتَي الفاشر بشمال دارفور وكادقلي في جنوب كردفان.

وحذّر التقرير من أن المدنيين في عشرين مدينة سودانية أخرى، بينها الدلنج (130 كيلومتراً شمال كادقلي وكلتاهما محاصَرتان من قِبل «قوات الدعم السريع») يواجهون ظروفاً تشبه المجاعة، غير أنه من الصعب التحقق من البيانات؛ لصعوبة الحركة وانقطاع الاتصالات.

ووفقاً لبرنامج الأغذية، يعاني 21 مليوناً في أنحاء السودان الجوع الشديد.

جهود غير كافية

وتتوقع منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» أنه خلال عام 2026 سيحتاج أكثر من 33 مليون شخص؛ أيْ أكثر من ثلثي عدد السكان، إلى مساعدات إنسانية عاجلة، ونِصفهم من الأطفال.

وقالت المنظمة، في بيان، إن المساعدات المقدَّمة تعمل «على إبقاء الأطفال على قيد الحياة في ظل أصعب الظروف، لكنها لا تزال بعيدة عن أن تكون كافية، في ظل غياب الوصول المستدام والتمويل الكافي والانخفاض الحقيقي في وتيرة الأعمال العدائية».

وفي الآونة الأخيرة، احتدم القتال في منطقة كردفان جنوب السودان مع توسع «قوات الدعم السريع» عقب إحكامها السيطرة على إقليم دارفور المجاور في غرب السودان.

وتوالت الشهادات عن نقص حاد بالمواد الغذائية في دارفور ولجوء المدنيين لجلود الحيوانات وقشور الفول السوداني، مع إغلاق كثير من المطابخ العامة أبوابها بسبب انقطاع الطرق وصعوبة توصيل المساعدات.

وأعلنت السفارة الأميركية في الخرطوم، الخميس، دخول أول قافلة مساعدات إنسانية إلى الفاشر، منذ بدء حصار «قوات الدعم السريع» لها قبل أكثر من 18 شهراً، نظّمها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

من جانبه أكد المبعوث الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس دخول 1.3 طن متري من المساعدات الإنسانية الفاشر.

وتُحذر المنظمات الإنسانية من أن انعدام الأمن واستمرار القتال في دارفور يعرقلان دخول المساعدات الإنسانية التي بات السكان في حاجة ماسة إليها.

آمال دبلوماسية

في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالعمل على إنهاء الحرب في السودان، بعد مناشدة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أثناء زيارة لواشنطن.

زمنذ ذلك الحين واجهت جهود الرباعية الدولية عقبات بعدما وصفها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بعدم الحياد بسبب عضوية الإمارات التي تتهمها الخرطوم بمساندة «قوات الدعم السريع»، وهي تُهم نفتها أبوظبي مراراً.

وبعد اجتماع الأربعاء في القاهرة، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وجود توافق حول الحاجة إلى هدنة إنسانية «ورفض التدخل الخارجي».

وشدد عبد العاطي على أن المساس بوحدة السودان هو «خط أحمر» بالنسبة لمصر، وأن بلاده مستعدة لاتخاذ «الإجراءات الضرورية» لحماية أمن السودان. وتعد القاهرة من أبرز حلفاء الجيش السوداني.


«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)
رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)
TT

«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)
رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)

قال الرئيس الدولي لمنظمة أطباء بلا حدود، الدكتور جافيد عبد المنعم، إن النظام الصحي في السودان يعاني ضعفاً شديداً، ونقصاً حاداً في الكوادر الطبية، والإمدادات، مشيراً إلى تضرر عدد كبير من المستشفيات، أو خروجها عن الخدمة بالكامل، في ظل تفشي الأمراض، بما في ذلك الكوليرا، والحصبة، وهو ما يفرض ضغطاً هائلاً على منظومة صحية هشة أصلاً.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد أشارت في وقت سابق إلى أن ما بين 70 و80 في المائة من المرافق الصحية خرجت عن الخدمة جراء الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، التي اندلعت في منتصف أبريل (نيسان) 2023.

مرضى يتلقون العلاج في مستشفى بمدينة القضارف بشرق السودان (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأوضح عبد المنعم، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن المدنيين يواجهون احتياجات ملحّة في مجالات رعاية الأمومة، والطفولة، وعلاج الإصابات، والرضوض، والأمراض المعدية، وسوء التغذية، إضافة إلى الحاجة إلى مياه شرب آمنة، وخدمات الصرف الصحي، والدعم النفسي، ومساعدة الناجين من العنف الجنسي. وأفاد بأن الوصول إلى تقديم الخدمات الصحية لا يزال مقيّداً بشدة بسبب انعدام الأمن، والعقبات البيروقراطية.

وأضاف أنه رغم أن «أطباء بلا حدود» لا تتأثر مباشرة بهذه القيود، فإن منظمات إنسانية أخرى تواجه عائقاً إضافياً يتمثل في محدودية التمويل، وتقليص المساعدات.

كردفان والفاشر

وأشار إلى أن الاستجابة الدولية للنزاع في السودان تعاني نقصاً حاداً في التمويل، وتراجعاً في الأولويات، وجموداً ناتجاً عن غياب الإرادة السياسية، مؤكداً الحاجة الماسة إلى تمويل عاجل، وضمان وصول آمن إلى الفئات الأكثر تضرراً، بما في ذلك السكان في بؤر النزاع الحالية بولايات كردفان. ونوّه إلى أن العمل الإنساني مقيّد بإجراءات إدارية معقدة، وغير شفافة من أطراف النزاع، ما يبطئ إيصال الإمدادات الأساسية، وحركة الكوادر، ويترك المجتمعات من دون الرعاية العاجلة التي تحتاجها.

مستشفى بشائر بالعاصمة الخرطوم تعرَّض لخسائر جمَّة بسبب المعارك بين الجيش و«الدعم السريع» (أ.ف.ب)

وحول الأوضاع في مدينة الفاشر، أفاد المسؤول الدولي بأن بعض الأشخاص الذين نجوا من حصار «قوات الدعم السريع» للمدينة لمدة 500 يوم، ثم سيطرتها عليها لاحقاً، ووصلوا إلى منطقة طويلة على بُعد نحو 60 كيلومتراً، تلقوا الرعاية من فرق «أطباء بلا حدود»، وكانوا في حالة إنهاك شديد، ويعانون من سوء التغذية، والجفاف، فيما أصيب كثيرون بجروح خطيرة، من بينها طلقات نارية متقيّحة. وأضاف أن الناجين أفادوا بأنه خلال رحلات فرارهم شاهدوا جثثاً، وتعرضوا للتعذيب، وعمليات خطف مقابل فدية، والعنف الجنسي، والإهانات، وسُرقت جميع ممتلكاتهم. أما الذين بقوا داخل الفاشر حتى ما قبل 26 أكتوبر (تشرين الأول)، ولم يتمكنوا من الانتقال إلى مناطق أكثر أماناً، فقد واجهوا عنفاً مفرطاً شمل مجازر، وعمليات تطهير عرقي داخل المدينة، وعلى طرق الفرار منها.

100 حادثة عنف

وأشار عبد المنعم إلى القصف الذي تعرضت له المرافق الصحية، ومقتل مدنيين داخلها، مؤكداً أن أي هجوم، أو عرقلة تستهدف العاملين الصحيين، أو المنشآت الطبية، أو المساعدات الإنسانية تعرّض الأرواح للخطر، وتحرم المجتمعات من الرعاية التي تعتمد عليها. وأوضح أنه منذ أبريل 2023 وثّقت «أطباء بلا حدود» 100 حادثة عنف استهدفت كوادرها ومنشآتها ومركباتها وإمداداتها، شملت نهب وتدمير عيادات، وسرقة أدوية، واعتداءات، وتهديدات للعاملين الصحيين. كما أن تأخير منح التأشيرات، وطول إجراءات التصاريح أو منعها، والتغيّر المستمر في المتطلبات، كلها عوامل تعرقل إيصال الإمدادات الأساسية، وحركة الكوادر، وتقوّض الاستجابة الطبية في الوقت المناسب. وقال: «نحن لا نرصد خسائر المقاتلين، لكن منذ اندلاع النزاع وثّقت منظمة الصحة العالمية 198 هجوماً على مرافق الرعاية الصحية، أسفرت عن مقتل أكثر من 170 من العاملين الصحيين، والمرضى، وإصابة أكثر من 400 آخرين». وكان وزير الصحة السوداني، هيثم محمد، قد أشار إلى أن خسائر القطاع الصحي بلغت نحو 11 مليار دولار، مؤكداً أنه مع عودة المواطنين إلى الخرطوم بعد النزوح بسبب الاشتباكات العنيفة، بدأ القطاع الصحي يتعافى تدريجياً من آثار الحرب.


«مقبرة أجدابيا» الليبية تعيد ملف الانتهاكات ضد «المهاجرين» إلى الواجهة

جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)
جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)
TT

«مقبرة أجدابيا» الليبية تعيد ملف الانتهاكات ضد «المهاجرين» إلى الواجهة

جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)
جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)

أعادت جريمة العثور على «مقبرة جماعية» تضم جثامين 21 مهاجراً من جنسيات أفريقية، إلى أذهان الليبيين ملف الانتهاكات الجسيمة التي طالت «مهاجرين غير نظاميين»، خلال السنوات الماضية.

وتمكّن جهاز الأمن الداخلي، بالتعاون مع أجهزة أمنية أخرى في بنغازي بشرق ليبيا، من اكتشاف «مقبرة جماعية»، الثلاثاء الماضي، والعمل على انتشال الجثث التي تبيَّن أنها «قُتلت بعد تعرضها للاحتجاز والتعذيب داخل مزرعة يستخدمها مهرِّبو البشر سجناً غير شرعي».

ليبيتان تنتحبان بجوار حفرة يقول «اللواء 444 قتال» إنها تضم «مقبرة جماعية» في مقر مملوك للككلي مايو 2025 (من مقطع فيديو بثّه «اللواء»)

وعرفت ليبيا ظاهرة «المقابر الجماعية» على مستويات مختلفة تتعلق أحياناً بالمعارضين على خلفيات سياسية، أو المهاجرين غير النظاميين.

وحفل العام الماضي بالكشف عن عدد من «المقابر الجماعية» التي كانت تضم رفات مهاجرين غير نظاميين. فقد صُدم الليبيون بإعلان العثور على 19 جثة في فبراير (شباط) 2025، كانت مدفونة في «3 مقابر جماعية» داخل مزرعة بمنطقة إجخرة، الواقعة جنوب شرقي ليبيا، والخاضعة لنفوذ بعض مهربي البشر.

وكشفت مديرية أمن الواحات بجنوب شرقي ليبيا، حينها، عن العملية التي وصفتها بأنها «شديدة القسوة وتخلو من الإنسانية»، بحضور عناصر من النيابة العامة.

وعقب مقتل عبد الغني الككلي، المعروف بـ«غنيوة»، داخل معسكر التكبالي في مايو (أيار) 2025، في عملية وصفتها «حكومة الوحدة» المؤقتة بـ«الأمنية المعقدة»، أعلنت الحكومة العثور على «مقبرة جماعية» داخل مقر تابع لنجل الككلي في منطقة أبو سليم بطرابلس، استخرجت منها 10 جثث لرجال ونساء.

وقال الحقوقي الليبي طارق لملوم إن «هذه الجريمة الخطيرة التي ارتُكبت في أجدابيا شرق ليبيا ترقى إلى الجرائم ضد الإنسانية، وتندرج ضمن القضايا ذات الاهتمام لدى المحكمة الجنائية الدولية»، مستغرباً «عدم صدور أي بيان رسمي أو تعليق من حكومة شرق ليبيا أو وزارة داخليتها».

كان جهاز الأمن الداخلي في بنغازي قد قال إنه بعد جمع المعلومات والتأكد من تورط أحد الأشخاص من ذوي السوابق الجنائية، والذي يأوي مهاجرين غير قانونيين، داهمت قوات الأمن المزرعة الخاصة به وقبضت عليه.

وأشار إلى أنه جرى «العثور على عدد من المحتجَزين لديه، وقد تعرضوا لإطلاق نار وهم في حالة صحية سيئة، وجرى نقلهم إلى مستشفى الشهيد أمحمد المقريف المركزي التعليمي في أجدابيا».

وكانت سلطات شرق ليبيا قد تمكنت من القبض على تشكيل عصابي بتهمة «الاتجار بالبشر»، وقالت إنها نجحت في إنقاذ 47 مهاجراً مصرياً كانوا مخطوفين ويتعرضون للتعذيب والابتزاز المادي؛ في حين كشفت تقارير محلية ودولية عن «تدفق واسع» لأعداد المهاجرين غير النظاميين إلى أوروبا عبر ليبيا.

وعمليات خطف المهاجرين غير النظاميين والاتجار بهم متكررة في ليبيا؛ ومن وقت إلى آخر تعلن الأجهزة الأمنية في شرق البلاد وغربها ضبط تشكيلات عصابية و«تحرير» عشرات الضحايا من براثنها.

سوريون عائدون من طرابلس إلى بلادهم (وزارة الداخلية في حكومة «الوحدة» المؤقتة)

في غضون ذلك، أعلنت وزارة الداخلية بحكومة «الوحدة» المؤقتة في طرابلس، مساء الأربعاء، ترحيل مجموعة من اللاجئين السوريين إلى بلادهم من خلال رحلة عبر مطار معيتيقة الدولي، بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بعد استكمال جميع الإجراءات القانونية المعمول بها.

غير أن الحقوقي الليبي لملوم قال إن «رحلة السوريين الذين عادوا طوعاً إلى ديارهم شملت أكثر من 100 شخص، جُلّهم كانوا مقيمين في ليبيا منذ سنوات ومسجّلين لدى مفوضية اللاجئين، التي تكفلت بنفقات وتنظيم الرحلة».

وأشارت الوزارة إلى أنها تُواصل تنفيذ برنامجها الوطني بوتيرة منتظمة، كما ستستمر في هذه الرحلات الطوعية للسوريين خلال هذه السنة، بما يضمن معالجة هذا الملف بصورة منهجية وفعّالة، ووفقاً للإطار القانوني والإنساني المعتمد.