إسرائيل تقرأ استهداف «بن غوريون» كرسالة تهديد إيرانية

نتنياهو تعهد بـ«ضربات» رداً على إصابة المطار الرئيسي لبلاده

TT

إسرائيل تقرأ استهداف «بن غوريون» كرسالة تهديد إيرانية

فرق الطوارئ الإسرائيلية تعمل قرب مطار بن غوريون بعد سقوط صاروخ أُطلق من اليمن يوم الأحد (أ.ف.ب)
فرق الطوارئ الإسرائيلية تعمل قرب مطار بن غوريون بعد سقوط صاروخ أُطلق من اليمن يوم الأحد (أ.ف.ب)

على الرغم من محاولة أوّلية للتقليل من أهمية الصاروخ الذي أطلقته جماعة الحوثي اليمنية وأصاب مطار بن غوريون (الرئيسي والحيوي) الإسرائيلي، الأحد؛ فإن الأوساط السياسية (الحكومية والمعارضة) وكذلك العسكرية قرأت الاستهداف كـ«رسالة تهديد» إيرانية.

وبثت السلطات الإسرائيلية أولاً رسالة داخلية تقول فيها إنها «تمكنت خلال الأسابيع الأخيرة من إجهاض 26 صاروخاً تم تفجيرها في الجو» لكنها في الآن نفسه «تعد الصاروخ 27 الذي وصل المطار عملية خطيرة».

وذكر مصدر أمني إسرائيلي رفيع المستوى، في حديث مع صحيفة «معاريف»، الأحد، أن «الصاروخ الحوثي هو في الأصل صاروخ إيراني تم تطويره من صاروخ (شهاب 3)، وتم بناء رأس له، يتمتع بقدرات إضافية، تمكنه من التهرب من مطاردة صاروخ (حيتس 2) و(حيتس 3) الإسرائيليين وصاروخ (تيد) الأميركي».

وتوعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتوجيه «ضربات» جديدة للحوثيين، بينما أكد الجيش الإسرائيلي أن الصاروخ سقط في منطقة المطار الدولي الرئيسي رغم «عدة محاولات اعتراض».

قوات أمن إسرائيلية تفحص موقع سقوط صاروخ في مطار بن غوريون أُطلق من اليمن يوم الأحد (أ.ف.ب)

وقال نتنياهو في مقطع فيديو عبر قناته على تطبيق «تلغرام»: «تحركنا ضدهم (الحوثيون) في الماضي، وسنواصل التحرك ضدهم في المستقبل». وأضاف: «الأمر ليس ضربة واحدة وتنتهي، ستكون هناك ضربات».

ووفق تقييمات إسرائيلية فإن استهداف المطار رسالة غير مباشرة من إيران، تُهدد فيها إسرائيل بأنها «في حال قصف المنشآت النووية، فإنها ستتعرض لحصار جوي شبيه بالحصار البحري الذي ينفذه ذراعها الحوثي منذ بداية الحرب على غزة».

ويعتقد رسميون ومحللون إسرائيليون أن الإيرانيين يريدون «التوضيح لتل أبيب أن أي هجوم لها على إيران سيكلفها ثمناً باهظاً، لا يقل عن الحصار الجو».

وكان الصاروخ الذي أطلق من اليمن قد سقط في مطار بن غوريون، صباح الأحد، بعدما فشلت الدفاعات الجوية الإسرائيلية والأميركية في اعتراضه.

ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مصادر أمنية أن التقديرات الأولية تشير إلى تمكن الرادارات من اكتشافه «لكن منظومتي الدفاع الجوي (حيتس 3)، و(ثاد) فشلتا في اعتراض الصاروخ قبل وصوله إلى محيط المطار وسط البلاد».

«ليس اليمن... بل إيران»

ودعا السياسي الإسرائيلي، بيني غانتس، إلى محاسبة إيران على الصاروخ الذي أطلقه الحوثيون. وكتب غانتس، عبر منصة «إكس»، «هذا ليس اليمن، بل إيران. إنها إيران التي تطلق صواريخ باليستية على دولة إسرائيل، وعليها أن تتحمل المسؤولية».

وأضاف: «يجب على الحكومة الإسرائيلية أن تستيقظ»، واعتبر أن إطلاق الصواريخ على إسرائيل «يجب أن يؤدي إلى رد فعل شديد في طهران».

ودوت صافرات الإنذار في مناطق واسعة، شملت تل أبيب والقدس الكبرى وعدداً من مستوطنات الضفة الغربية، ما أدى إلى تعليق حركة الملاحة الجوية بشكل مؤقت في مطار بن غوريون.

وأحدث الصاروخ حفرة ضخمة في قلب المطار، على بُعد أمتار من الشارع الرئيسي داخل المطار، وعلى بُعد بضع مئات من الأمتار عن الطائرات.

وأعلنت إدارة مطار بن غوريون عن استئناف حركة الطيران بعد أن توقفت مؤقتاً، فيما أعلنت الشرطة أن مداخل المطار لا تزال مغلقة مؤقتاً، إلى حين الانتهاء من «معالجة» موقع سقوط الصاروخ الذي أطلقه الحوثيون داخل المطار.

حفرة ضخمة أحدثها انفجار صاروخ أطلقه الحوثيون بمحيط «مطار بن غوريون» الإسرائيلي (أ.ف.ب)

وأفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي بأن التقديرات الأولية تشير إلى أن أنظمة الدفاع الجوي أخفقت في اعتراض الصاروخ، ما يعني أن الانفجار في محيط مطار بن غوريون ناتج عن إصابة مباشرة للصاروخ، وليس عن شظايا ناجمة عن عملية اعتراض.

وأفادت خدمة الإسعاف الإسرائيلية بوقوع ثماني إصابات، واحدة منها متوسطة والبقية طفيفة جراء تساقط شظايا في محيط مطار بن غوريون.

وأضافت أن فرق الإسعاف هرعت إلى الموقع وقدمت العلاج للمصابين في المكان، فيما تستمر السلطات الأمنية في التحقيق وتقييم الأضرار الناتجة عن الحادث.

يشار إلى أن هذا الهجوم ليس الأول من نوعه، إذ سبق وأن أُطلقت عدة صواريخ باليستية من اليمن باتجاه إسرائيل، خصوصاً منذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، حيث أعلنت جماعة «أنصار الله» (الحوثيون) مراراً استهدافها مواقع إسرائيلية «رداً على العدوان على الشعب الفلسطيني»، بحسب بياناتهم.

كما حاول «حزب الله» استهداف المطار وتسبب في شل حركة الطيران فيه عدة مرات، لعدة ساعات في كل مرة. ومنذ استئناف الحرب على غزة قبل نحو شهرين، أطلق الحوثيون 27 صاروخاً باليستياً، وعدة مسيَّرات تجاه إسرائيل.

«فشل طبيعي»

وقال العميد ران كوخافي، قائد الدفاعات الجوية الأسبق في الجيش الإسرائيلي، إن «الهلع في المجتمع الإسرائيلي عموماً ولدى الحكومة بشكل خاص، يأتي في غير مكانه». مضيفاً أن «إسرائيل ومعها التحالف الغربي في المنطقة تمكنوا حتى الآن من تدمير كل الصواريخ التي يرسلها الحوثيون، ولكن لا يوجد شيء اسمه نجاح كامل بنسبة مائة في المائة».

وتابع خلال حديث لإذاعة «103- FM» في تل أبيب: «نحن نُعتبر قصة نجاح في تدمير الصواريخ الباليستية. ولا يجوز أن نخشى من فشل تدمير صاروخ واحد من مجموع 27 صاروخاً».

لكن الجنرال في الاحتياط يسرائيل زيف، الرئيس الأسبق لقسم العمليات في الجيش الإسرائيلي، قال للإذاعة الرسمية، إن «هذا الفشل طبيعي لكن السياسة التي تمارسها الحكومة ليست طبيعية. فإسرائيل تتعرض لقصف مطارها بسبب حرب سخيفة لم يعد لها أي ضرورة. ووقف الحرب في غزة ينهي هذا الموضوع»

وتابع: «علينا أن نقول الحقيقة، الولايات المتحدة أخذت على عاتقها معالجة الموضوع الإيراني والموضوع الحوثي، ونحن لسنا بحاجة إلى التدخل. لكن يمكننا أن نسحب البساط من تحت أقدام كليهما الإيراني والحوثي».

وشرح زيف: «الحرب في غزة تكلفنا ثمناً باهظاً؛ فأولاً: تمنعنا من تحرير المحتجزين، وثانياً: تورطنا في حروب أخرى، وثالثاً وهو الأهم: تهدد حياة رهائننا وجنودنا بلا أي حاجة».

واتهم زيف نتنياهو بأنه «لا يُجري حسابات استراتيجية؛ بل حساباته شخصية وحزبية ونحن ندفع الثمن. وفقط بأعجوبة لم تقع لدينا كارثة اليوم، يموت فيها مئات الإسرائيليين والسياح».

يًذكر أن نحو 30 شركة طيران أعلنت، الأحد، عن وقف رحلاتها إلى إسرائيل، وبينها شركة الطيران الهندية التي أعادت طائرة متجهة إلى إسرائيل بعد أن قطعت مئات الأميال في الجو، وشركة الطيران البريطانية التي حجزت المسافرين عدة ساعات في الطائرة، وشركات الطيران الإيطالية والفرنسية والألمانية.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
تحليل إخباري سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال زيارته السابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري كيف وصلت علاقة الأمم المتحدة مع الحوثيين إلى طريق مسدود؟

إيقاف برنامج الأغذية العالمي أنشطته بصنعاء بعد اعتقالات ومصادرة أصوله يعمِّق الأزمة الإنسانية، ويهدد ملايين اليمنيين بالمجاعة، وسط تعنّت حوثي وتجاهل دولي.

محمد ناصر (تعز)
الخليج عنصر حوثي يسير خارج مجمع للأمم المتحدة اقتحمته الجماعة في صنعاء (رويترز)

الحكومة اليمنية تدين نهب الحوثيين للمكاتب الأممية بصنعاء

الحكومة اليمنية تدين اقتحام الحوثيين مكاتب الأمم المتحدة، ونهب أصولها ومنع الرحلات الإنسانية، وتحمّلهم مسؤولية تقويض العمل الإغاثي، وتعريض ملايين اليمنيين للخطر

«الشرق الأوسط» (عدن)
خاص أكد العقيد أسامة الأسد أن التنسيق مع الجانب السعودي في أعلى مستوياته لحفظ أمن الحدود (الشرق الأوسط)

خاص العقيد أسامة الأسد لـ«الشرق الأوسط»: شبكات لتهريب المخدرات ترتبط بالأمن الوقائي الحوثي

حسب العقيد أسامة الأسد، قائد كتيبة حماية منفذ الوديعة، فإن غالبية شبكات تهريب المخدرات ترتبط بشكل مباشر بجهاز الأمن الوقائي التابع للحوثي.

عبد الهادي حبتور (الوديعة (اليمن))

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
TT

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)

قال المرشد الإيراني علي خامنئي إن الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها البلاد كانت محاولة انقلابية من تدبير الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأضاف خامنئي، في خطاب تلفزيوني، أن ما جرى «لم يكن احتجاجات عفوية، بل مخطط أميركي - صهيوني»، معتبراً أن الهدف كان استهداف مفاصل حساسة في إدارة البلاد.

وتزامن خطاب خامنئي مع حملة اعتقالات طالت شخصيات إصلاحية بارزة، ضمنها آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات»، وبرلمانيون ومسؤولون سابقون، على خلفية مواقفهم من احتجاجات يناير (كانون الثاني).

وفي يريفان عاصمة أرمينيا، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن الرئيس دونالد ترمب هو «الجهة الوحيدة» التي ستحدد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران.


طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
TT

طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)

أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا، أطلعهم خلالها على أحدث التطورات المتعلقة بالمفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة التي استضافتها مسقط.

وأفادت وزارة الخارجية الإيرانية، في بيان، بأن عراقجي وصف محادثات مسقط بأنها «بداية جيدة»، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة معالجة حالة انعدام الثقة حيال نيات وأهداف الجانب الأميركي.

وبحسب البيان، رحّب وزراء خارجية الدول الثلاث بانطلاق المفاوضات، مؤكدين أهمية استمرارها للتوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي، وتجنب أي تصعيد، ومشيرين إلى أن نجاح هذه المحادثات يمثل عاملاً مهماً لاستقرار وأمن المنطقة.

في سياق متصل، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في مقابلة متلفزة، الاثنين، إنه لا يبدو أن هناك تهديداً وشيكاً بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن الباب قد «فُتح قليلاً» أمام إمكانية التوصل إلى اتفاق.

ونقلت وكالة أنباء «الأناضول» عن الوزير قوله رداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن أياً من الطرفين يحاول كسب الوقت: «كلاهما، هذا جزء من الاستراتيجية». وأضاف فيدان: «عند الدخول في مثل هذا النوع من المحادثات، يكون هناك استعداد وتحضير للسيناريو الآخر»، مشيراً إلى أن إيران لديها تجربة؛ فقد تعرضت للهجوم سابقاً أثناء إجرائها محادثات، في إشارة إلى الضربة التي وجهتها الولايات المتحدة لإيران في يونيو (حزيران) الماضي، والتي استهدفت المواقع النووية الإيرانية. لكن الوزير التركي قال إن الشيء الإيجابي بشأن المفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران قبل عدة أيام هو أن الأطراف أبدت إرادة للاستمرار في التفاوض.

وتابع: «كان قرار بدء (المفاوضات) من الملف النووي قراراً مهماً؛ فالملف النووي هو (القضية الأهم)»، محذّراً من أن المنطقة لا تحتمل اندلاع حرب جديدة، وقال فيدان: «نريد استخدام جميع الإمكانات لمنع أي حرب محتملة».

واستضافت العاصمة العُمانية مسقط يوم الجمعة جولة مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، واتفق الطرفان على استئناف المحادثات، على أن يتم تحديد الموعد والمكان في وقت لاحق.


فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
TT

فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن قرار تحديد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران يعود حصراً إلى الرئيس دونالد ترمب، في وقت تتصاعد فيه التصريحات الأميركية بشأن اقتراب طهران من امتلاك قدرات نووية، ما يعيد الجدل داخل واشنطن حول مسار التعامل مع الملف الإيراني.

وكان ترمب قد قال، مساء الأحد، إن إيران كانت على وشك امتلاك سلاح نووي «في غضون شهر» قبل الضربة الأميركية التي استهدفت منشآتها النووية في يونيو (حزيران) الماضي، وهو ما أعاد إثارة النقاش حول كيفية إدارة هذا الملف، الذي يُعد أحد أبرز التحديات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وحين سُئل فانس عمّا إذا كانت الولايات المتحدة ستقبل بأي مستوى محدود من تخصيب اليورانيوم الإيراني في إطار المفاوضات، أم أن ذلك يُعد «خطاً أحمر»، قال: «أعتقد أن الرئيس سيتخذ القرار النهائي بشأن تحديد الخطوط الحمراء في المفاوضات». وأضاف، في تصريحات للصحافيين خلال زيارته أرمينيا يوم الاثنين: «سأترك للرئيس أن يوضح بدقة النقطة التي سيحددها كخط فاصل في المفاوضات».

وينقسم الفريق داخل البيت الأبيض إلى معسكرين رئيسيين: «الصقور» الذين يدعون إلى توجيه ضربات عسكرية حاسمة لتقويض القدرات النووية والصاروخية لطهران، و«الحمائم» الذين يفضلون مسار التفاوض الدبلوماسي للتوصل إلى اتفاق يمنع التصعيد الإقليمي.

ويضاف إلى هذا الانقسام ضغط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يدفع باتجاه شروط صارمة، ملوّحاً بضربات أحادية إذا لم تلبِّ المفاوضات مطالبه.

قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط الأدميرال براد كوبر إلى جانب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر ومستشار الرئيس الأميركي على متن حاملة طائرات «أبراهام لينكولن» (البحرية الأميركية_أ.ف.ب)

ومع اقتراب لقاء ترمب ونتنياهو في واشنطن، الأربعاء المقبل، يترقب مراقبون الاتجاه الذي قد يسلكه «رجل الصفقات»، في ظل تحذيرات محللين أميركيين بارزين من مخاطر التصعيد، مقابل دعوات أخرى لتغليب المسار الدبلوماسي.

فريق الصقور

يتكون فريق دعاة الضربات العسكرية من معسكر «الصقور» داخل الإدارة الأميركية والجناح الأكثر تشدداً، الذين يعدون الضغط العسكري السبيل الوحيد لكبح جماح إيران. ويتصدر هذا التيار وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي أكد في تصريحات حديثة أن البنتاغون «مستعد تماماً» للتحرك إذا رفضت طهران المفاوضات، مشيراً إلى خيارات عسكرية تشمل ضرب قوات الأمن والقيادة، ومنشآت الصواريخ الباليستية، أو برنامج التخصيب النووي.

وينضم إليه مستشارون متشددون في القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، قدموا للرئيس ترمب خيارات «حاسمة» تتضمن ضربات وقائية وأهدافاً من شأنها شل القدرات الصاروخية الإيرانية. كما يشاركهم هذا التوجه وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يشكك في جدوى أي مفاوضات لا تتناول ملف الصواريخ والوكلاء الإقليميين، معتبراً أن الضغط العسكري أداة أساسية. ويؤكد هذا الفريق أن الدبلوماسية وحدها قد تفضي إلى «شرعنة» النظام الإيراني، لا سيما في أعقاب قمع الاحتجاجات الذي أودى بحياة أكثر من 6400 متظاهر منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025.

سيناريوهات للضربات

وضع فريق «الصقور» في الإدارة الأميركية سيناريوهات متعددة للضربات، تقوم أساساً على توجيه هجمات من مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، إضافة إلى قاذفات قنابل استراتيجية تنطلق من قواعدها أو من قواعد أوروبية. وتشمل حزم الضربات الأميركية استخدام طائرات شبحية وذخائر موجهة بدقة، إلى جانب قصف منسّق يهدف إلى إرباك الدفاعات الجوية الإيرانية مع تقليص خسائر الطائرات الأميركية إلى أدنى حد.

ويقول مسؤولون في البنتاغون إن التطورات التكنولوجية في الأسلحة فرط الصوتية، إلى جانب التقدم في مجالات الحرب الإلكترونية والسيبرانية، من شأنها أن تمنح الولايات المتحدة مزايا كبيرة. ومع ذلك، يعتقد هؤلاء المسؤولون أن إيران استعدت لمثل هذا السيناريو عبر تحصين وتوزيع أصولها الحيوية، وبناء هياكل قيادة احتياطية، وتطوير منشآت واسعة تحت الأرض قادرة على الصمود أمام الضربات الأولية.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

فريق الحمائم

في المقابل، يدافع فريق «الحمائم» عن مسار دبلوماسي يقوم على مبدأ «السلام من خلال القوة»، مستخدمين التهديدات العسكرية أداةَ ضغط لا خياراً أولياً. ويقود هذا التوجه المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، الذي وصف جولة المفاوضات غير المباشرة في مسقط، يوم الجمعة الماضي، بأنها «بداية جيدة».

وانضم جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترمب، إلى ويتكوف في زيارة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» في بحر العرب، في رسالة تؤكد أن المفاوضات تُدار تحت مظلة القوة العسكرية، مع تركيزها على التوصل إلى اتفاق يقتصر على الملف النووي. كما يدعم نائب الرئيس جي دي فانس هذا النهج، محذّراً من أن الضربات المتسرعة قد تفضي إلى نتائج عكسية.

ويؤكد فريق «الحمائم» أن المطالب الأميركية تشمل وقف التخصيب، والحد من برنامج الصواريخ، وإنهاء دعم الحلفاء الإقليميين، في حين تصرّ إيران على أن الصواريخ والقضايا الإقليمية «غير قابلة للتفاوض».

ويحذّر الفريق من أن توجيه ضربات عسكرية قد يدفع إيران إلى استخدام إحدى أقوى أوراقها، وهو إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 21 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب 21 في المائة من الإمدادات العالمية، وهو ما قد ينعكس بارتفاع حاد في أسعار النفط إلى مستويات قد تبلغ 200 دولار أو أكثر للبرميل، بما يخلّف أضراراً اقتصادية جسيمة. ورغم إيمان «الحمائم» بتفوّق القدرات العسكرية الأميركية وعدم قدرة إيران على تحقيق نصر عسكري، فإنهم يشيرون إلى قدرة طهران على جعل أي انتصار أميركي مكلفاً للغاية.

وتنقل مصادر في البيت الأبيض أن فريق ويتكوف يشدّد على إمكانية اتخاذ قرارات عقلانية عبر المفاوضات، ويرى أن إيران لن تخاطر بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز لما ينطوي عليه ذلك من أضرار بالغة بالاقتصاد الإيراني تفوق الأضرار التي قد تلحق باقتصادات خصومها. كما عرض ويتكوف مقترحات طرحها دبلوماسيون كبار من مصر وتركيا وقطر، تقضي بأن توقف إيران تخصيب اليورانيوم لمدة ثلاث سنوات، وتنقل مخزونها المخصّب إلى خارج البلاد، وتتعهد «بعدم البدء» باستخدام الصواريخ الباليستية.

وفي السياق نفسه، شكّكت صحيفة «نيويورك تايمز» في صبر ترمب على خوض مفاوضات طويلة، لكنها أشارت إلى حاجته لوقت من أجل تعزيز القوات الأميركية في المنطقة والاستعداد لمختلف سيناريوهات الرد الإيراني، مرجّحة منحه فرصة للدبلوماسية، وإن كانت مع شكوك حول مدتها.

جدوى المفاوضات

أشار الجنرال جاك كين، المحلل في شؤون الأمن القومي لدى شبكة «فوكس نيوز»، صباح الاثنين، إلى أن فتح باب المفاوضات مع إيران مرحلة تكررت سابقاً قبل بدء عملية «مطرقة منتصف الليل»، معرباً عن تشككه في جدواها. وقال: «أعتقد أن دوافع إيران في هذا المسار مزدوجة؛ أولاً إطالة أمد المفاوضات قدر الإمكان لتأجيل أي عملية عسكرية أميركية، بما يتيح لطهران الاستعداد بشكل أفضل للدفاع، وثانياً السعي إلى إبرام نوع من الاتفاق مع الأميركيين يمنحها تخفيفاً للعقوبات، وهو هدفها الواضح، لأن اقتصادها في حالة يرثى لها، ولا أمل في تعافيه».

صورة مجمعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

وشدّد الجنرال السابق، الذي شغل منصب رئيس أركان الجيش الأميركي بين عامي 1999 و2003، على أن الخيار المفضّل هو الخيار العسكري، معتبراً أنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين «فإنهم سيغشّون ولن يتوقفوا عن زعزعة استقرار الشرق الأوسط»، وأن تمديد عمر النظام لسنوات أخرى «أمر غير منطقي».

وأضاف أن الخيار الأفضل، من وجهة نظره، هو تهيئة الظروف لانهيار النظام الإيراني، مرجّحاً تنفيذ عملية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، مع الاستمرار في نقل الموارد العسكرية إلى المنطقة تحسباً لأي ردّ انتقامي إيراني، والتأكد من أن العملية العسكرية لن تكون محدودة أو قصيرة الأمد، بل حملة شاملة ذات هدف معلن يتمثل في تهيئة ظروف انهيار النظام الإيراني بكل مكوّناته وداعميه، وتدمير قدراته العسكرية، ولا سيما الصاروخية.