«فيراري» و«آي بي إم» تُطلقان تجربة رقمية جديدة لعشاق «فورمولا 1»

تطبيق يعيد تعريف التفاعل الرقمي مع الجمهور

«فيراري» و«آي بي إم» تطلقان تطبيقاً جديداً يعزز تجربة مشجعي «فورمولا 1» من خلال الذكاء الاصطناعي (آي بي إم)
«فيراري» و«آي بي إم» تطلقان تطبيقاً جديداً يعزز تجربة مشجعي «فورمولا 1» من خلال الذكاء الاصطناعي (آي بي إم)
TT

«فيراري» و«آي بي إم» تُطلقان تجربة رقمية جديدة لعشاق «فورمولا 1»

«فيراري» و«آي بي إم» تطلقان تطبيقاً جديداً يعزز تجربة مشجعي «فورمولا 1» من خلال الذكاء الاصطناعي (آي بي إم)
«فيراري» و«آي بي إم» تطلقان تطبيقاً جديداً يعزز تجربة مشجعي «فورمولا 1» من خلال الذكاء الاصطناعي (آي بي إم)

تُعَدّ «فورمولا 1» عرضاً مذهلاً للسرعة والدقة والشغف العالمي. ومع وجود نحو 400 مليون مشجع حول العالم لم يعُد التحدي محصوراً فيما يحدث على مضمار السباق، بل أصبح يتمثل في كيفية تقريب هذا الحماس من الجماهير في كل مكان. في خطوة جريئة تهدف إلى إحداث ثورة في تفاعل الجمهور الرقمي، أطلقت «آي بي إم (IBM)»، بالتعاون مع «سكوديريا فيراري» (وهو فريق «فيراري» لسباقات «فورمولا 1») تطبيقاً متطوراً معاداً تصميمه بالكامل، يعد بأن يكون «الوجهة الرقمية الأولى» لعشاق «فيراري» حول العالم.

وقبل أيام فقط من انطلاق جائزة ميامي الكبرى المرتقبة، كشفت العلامتان الأسطورتان عن النسخة الجديدة من تطبيق «سكوديريا فيراري HP»المتاحة الآن باللغتين الإنجليزية و(لأول مرة) الإيطالية. وتمثل هذه الإعادة إطلاق علامة فارقة في شراكة متعددة السنوات بين «IBM» و «فيراري» تهدف إلى تسخير الذكاء الاصطناعي التوليدي وتحليلات البيانات المتقدمة لتقديم تجربة رقمية غير مسبوقة للمشجعين.

ستيفانو باللارد رئيس قسم التفاعل مع المشجعين في «فيراري» متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (فيراري)

من تصفّح سلبي إلى تفاعل يومي

لسنوات، قدّم تطبيق «فيراري» تجربة تحريرية بسيطة، لكنه لم يصل إلى مستوى التفاعل الحقيقي. يوضح ستيفانو باللارد، رئيس قسم التفاعل مع المشجعين في «فيراري»، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، خلال مؤتمر صحافي عبر الإنترنت، أن التحدي الذي يشاركه مع «IBM» يتمثل في تحويل هذا المنتج الجيد إلى منصة تفاعلية وغامرة؛ حيث لا يكتفي المشجعون باستهلاك المحتوى، بل يتفاعلون معه، ومع الفريق، ومع بعضهم. وقد أصبح هذا الطموح واقعاً نتيجة بناء التطبيق باستخدام منصة «واتسون إكس» (watsonx) التابعة لـ«IBM»، وهو يقدّم مجموعة من الميزات الجديدة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، مثل ملخصات السباقات خلال ساعات من انتهائها وتحليلات تاريخية للبيانات ورسوم بيانية بعد السباق واستطلاعات تفاعلية يومية، بالإضافة إلى إمكانية إرسال رسائل مباشرة إلى فريق «فيراري».

تخطط الشراكة لتطويرات مستقبلية تشمل عضويات رقمية وتجارب ثلاثية الأبعاد وتوسيع المحتوى ليشمل فئات جمهور أوسع (آي بي إم)

الذكاء الاصطناعي كراوٍ للقصص

الميزة الأكثر ثورية في التطبيق الجديد هي قدرته على توليد محتوى سردي عالي الجودة باستخدام الذكاء الاصطناعي. فمن خلال معالجة البيانات التليمترية وظروف الطقس ومعطيات السباق وتواصلات الفريق، يستطيع نموذج الذكاء الاصطناعي من «IBM» إنشاء ملخصات للسباقات بنبرة صوت تتماشى مع أسلوب «فيراري».

وأوضح فريد بيكر، رئيس قسم الرياضة والترفيه في «IBM» لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا أن هذه هي المرة الأولى التي يمكن فيها للمشجعين الاستفادة من بيانات فريق «فيراري» الهندسية وبيانات السباق بطريقة سهلة ومثيرة. ويقوم الذكاء الاصطناعي أيضاً بتسليط الضوء على اللحظات التاريخية كتحقيق السائق لأفضل لفّة أو معادلة رقم قياسي سابق ومقارنتها بالسباقات الأسطورية من ماضي «فيراري». هذا الدمج بين الحاضر والماضي يمنح الجماهير تجربة متكاملة ومليئة بالعمق.

فريد بيكر رئيس قسم الرياضة والترفيه في «IBM» لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (IBM)

التخصيص والشمولية

بعيداً عن عطلة نهاية الأسبوع الخاصة بالسباقات، يهدف التطبيق إلى الحفاظ على تفاعل الجمهور يومياً. فمع ميزة الاستطلاعات اليومية والمحتوى المتجدد باستمرار، يمكن للمشجعين التفاعل حتى في أيام الأسبوع العادية.

وينوَّه باللارد إلى السعي لإيجاد توازن بين شمولية الوصول وتميّز العلامة. ويقول إن الهدف هو إبقاء المشجعين متصلين بشكل يومي، وليس فقط خلال السباقات.

وقد تم تصميم التطبيق على بنية سحابية هجينة باستخدام تقنيات «IBM Cloud» و«AWS» لضمان الأمان والقدرة على التوسع. ويذكر بيكر أنه تم تصميم التطبيق ليتناسب مع مختلف الشخصيات، من المتابعين العرضيين إلى عشاق «فيراري» المتحمسين. أما جوناثان أداتشيك، نائب الرئيس الأول للتسويق والاتصالات في «IBM» فيصرح لـ«الشرق الأوسط» بأن هذا ليس مجرد حملة تسويقية، بل هو دراسة حالة حقيقية تُظهر كيف يمكن للبيانات والذكاء الاصطناعي خلق تجارب مخصصة وديناميكية ليس فقط في الرياضة، بل في أي قطاع.

توقيت إطلاق مدروس

جاء توقيت الإطلاق قبل سباق ميامي بشكل مقصود ومدروس. وعلّل باللارد سبب ذلك باعتبار ميامي أول سباق في أميركا هذا الموسم، ومنصة مثالية للتواصل مع جمهورنا الأميركي وإطلاق مشروع تكنولوجي بهذا الحجم. وبالنسبة لـ«IBM»، كانت الأولوية هي الوصول إلى الجمهور في أسرع وقت ممكن.

يستخدم التطبيق منصة «watsonx» لتوليد ملخصات سباقات فورية وتحليلات مرئية وبيانات مقارنة تاريخية (شاترستوك)

ما المستقبل؟

يمثل الإطلاق الحالي مجرد بداية. تخطط «فيراري» و«IBM» لإطلاق مزيد من الميزات خلال عام 2025. بما في ذلك مساعد ذكي يمكنه الإجابة عن الأسئلة بلغة طبيعية حول تاريخ «فيراري» ونتائجها وسائقيها. ويوضح باللارد لـ«الشرق الأوسط» أنه يتم التخطيط أيضاً لإطلاق عضوية رقمية قبل موسم 2026 وتجارب ثلاثية الأبعاد غامرة. يقول: «إنها مجرد بداية رحلة طويلة».

نحو ريادة في تحليلات الرياضة

وبينما يستهدف التطبيق جمهور «فيراري»، فإن آثاره تتعدى الـ«فورمولا 1»؛ إذ ترى «IBM» أن هذه التجربة تشكّل نموذجاً لما يمكن أن يكون عليه تفاعل المشجعين الرقمي في مختلف الرياضات. يقول أداتشيك إن «الناس يرون سباق الـ(فورمولا 1)، ونحن نرى بيانات. وهذه العقلية التي نتّبعها في مختلف القطاعات».

وتُعد مقاييس الأداء الرئيسية للتطبيق في الوقت الحالي هي معدلات التفاعل، خصوصاً عدد المستخدمين النشطين يومياً، حتى خارج فترات السباق. ويشير باللارد إلى أن هدفه الشخصي هو إبقاء المشجعين منخرطين يومياً، حتى عندما لا تكون هناك سباقات.

جوناثان أداتشيك نائب الرئيس الأول للتسويق والاتصالات في «IBM»

دعم الذكاء الاصطناعي

رغم الدور المحوري للذكاء الاصطناعي، يظل المحتوى البشري عنصراً أساسياً. ويوضح باللارد أن غالبية المحتوى لا يزال يتم إنتاجه بواسطة الفرق التحريرية والمرئية، لكن المحتوى الذي يُنتجه الذكاء الاصطناعي ذو جودة عالية، ولا يحتاج إلا إلى مراجعة بسيطة. ويؤكد بيكر أن الهدف من الذكاء الاصطناعي ليس استبدال المحتوى التحريري، بل توسيع إمكانيات إنتاج المحتوى، خصوصاً بلغات متعددة وبأنماط مختلفة تناسب جميع فئات الجمهور.

مع إطلاق التطبيق لملايين المستخدمين حول العالم، تثبت «IBM» «و«فيراري» أن تقاطع التكنولوجيا مع الرياضة لم يعد أمراً مستقبلياً، بل واقع نعيشه الآن. بتحويل البيانات إلى قصص وتفاعلات، أصبح التطبيق بمثابة «محرك تفاعل رقمي» يقوده الذكاء الاصطناعي ويغذّيه الشغف.


مقالات ذات صلة

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

تكنولوجيا نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

باحثو «MIT» يطورون طريقة تمكّن الذكاء الاصطناعي من تفسير قراراته بدقة ووضوح، ما يعزز الشفافية والثقة دون التضحية بالأداء.

تكنولوجيا تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

غوغل تطلق «الذكاء الشخصي» لربط بيانات المستخدم عبر خدماتها بهدف تقديم إجابات مخصصة مع الحفاظ على الخصوصية والتحكم الكامل للمستخدم.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يفتح الابتكار المجال لتطبيقات مستقبلية في التنقل والبيئات الواقعية المعقدة (شاترستوك)

روبوتات الدرّاجة تحقق توازناً ديناميكياً وتتجاوز العقبات

روبوت دراجة يحقق توازناً ديناميكياً ويتجاوز العقبات بسرعة مستفيداً من تصميم بسيط وتحكم متكيف يحاكي مهارات الإنسان في بيئات معقدة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)

تقرير بالأرقام: الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات

الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات معززا الكفاءة والابتكار، لكن تحديات البيانات والتكلفة تعيق التوسع رغم زيادة الاستثمارات الكبيرة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص مع وفرة الذكاء والتحليل عبر الآلة تنتقل القيمة من المعرفة إلى إنتاج المعنى والعمق الإنساني

خاص كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل قدرات الإنسان الذهنية؟

يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف الذكاء وينقل القيمة للمعنى مهدداً الهوية والتفكير النقدي فارضاً إعادة تصور التعليم والاقتصاد ودور الإنسان مستقبلاً

نسيم رمضان (لندن)

دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
TT

دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)

مع ازدياد استخدام روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في المحادثة وتقديم النصائح وحتى الدعم العاطفي، بدأت أبحاث جديدة تدرس تأثير هذه الأنظمة على المستخدمين مع مرور الوقت. وتكشف دراسة حديثة لباحثين مرتبطين بجامعة ستانفورد الأميركية عن خطر أقل وضوحاً، يتمثل في ميل هذه الأنظمة إلى تعزيز بعض المعتقدات بدلاً من تحديها.

تعتمد الدراسة على تحليل واسع لتفاعلات حقيقية، بهدف فهم كيفية استجابة نماذج اللغة في المحادثات الممتدة، وما الذي قد تعنيه هذه الاستجابات على إدراك المستخدم وصحته النفسية.

تحليل واسع النطاق

استندت الدراسة إلى تحليل أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة مع روبوتات الدردشة. ويتيح هذا الحجم الكبير من البيانات رصد أنماط متكررة، بدلاً من الاكتفاء بحالات فردية. وضمن هذه البيانات، حدد الباحثون نسبة من المحادثات التي تضمنت مؤشرات على تفكير وهمي. ووفقاً للدراسة، فإن نحو 15.5في المائة من رسائل المستخدمين أظهرت هذه الخصائص، ما أتاح فرصة لفهم كيفية استجابة الأنظمة لهذه الحالات.

التحدي يكمن في تحقيق توازن بين دعم المستخدم وتعزيز التفكير النقدي دون ترسيخ معلومات مضللة (أدوبي)

أنماط تأكيد متكررة

أحد أبرز النتائج يتمثل في تكرار ميل روبوتات الدردشة إلى تأكيد ما يقوله المستخدم. فقد أظهرت البيانات أن الأنظمة غالباً ما تستجيب بطريقة داعمة أو متوافقة مع طرح المستخدم، بدلاً من التشكيك فيه. ورغم أن هذا الأسلوب قد يكون مفيداً في سياقات الدعم، فإنه يصبح إشكالياً عندما يتعلق الأمر بمعتقدات غير دقيقة أو وهمية، حيث قد يؤدي إلى تعزيز هذه الأفكار بدلاً من تصحيحها.

دوامات وهمية متصاعدة

يصف الباحثون هذه الظاهرة بمصطلح «الدوامات الوهمية»، حيث تؤدي التفاعلات المتكررة بين المستخدم والنظام إلى ترسيخ المعتقدات الخاطئة تدريجياً. ولا يحدث التأثير نتيجة استجابة واحدة، بل يتشكل مع مرور الوقت. فكلما استمر النظام في تأكيد وجهة نظر المستخدم، زادت قوة هذا الاعتقاد. وتتيح طبيعة المحادثة المستمرة لهذا النمط أن يتطور بشكل تدريجي دون انقطاع واضح.

تشير الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يخلق هذه المعتقدات من الصفر، بل يتفاعل مع أفكار موجودة مسبقاً لدى المستخدم.

وتزداد المخاطر في المحادثات الطويلة، حيث تتراكم أنماط التأكيد عبر الزمن. وفي هذه الحالة، يتحول النظام من مجرد أداة استجابة إلى عنصر مؤثر في توجيه مسار الحوار.

نحو 15.5 % من رسائل المستخدمين أظهرت مؤشرات على تفكير وهمي أو معتقدات غير دقيقة (غيتي)

تحديات في التصميم

تعكس هذه النتائج تحدياً أساسياً في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي. إذ يتم تطوير كثير من روبوتات الدردشة لتكون مفيدة ومهذبة وداعمة، ما يدفعها إلى تبني أسلوب قائم على التوافق مع المستخدم. لكن هذه الخصائص نفسها قد تقلل من قدرتها على تصحيح الأخطاء أو تقديم وجهات نظر نقدية. ويظل تحقيق التوازن بين الدعم والتفكير النقدي تحدياً رئيسياً.

تتجاوز دلالات هذه الدراسة الجانب التقني لتصل إلى قضايا تتعلق بالسلامة. فمع استخدام هذه الأنظمة في مجالات تتضمن تقديم نصائح أو دعم شخصي، تصبح طريقة استجابتها أكثر حساسية.

وفي بعض الحالات، قد يؤدي تعزيز المعتقدات غير الدقيقة إلى تأثيرات فعلية على قرارات المستخدم أو حالته النفسية، ما يطرح تساؤلات حول كيفية تصميم هذه الأنظمة ومراقبتها.

نحو استخدام مسؤول

تشير الدراسة إلى ضرورة تطوير آليات أفضل للتقييم والضبط. فبدلاً من التركيز فقط على دقة الإجابات، ينبغي أيضاً فهم كيفية تصرف الأنظمة في المحادثات الطويلة والمعقدة.

ويشمل ذلك تحديد متى يجب على النظام التشكيك في بعض الطروحات أو تقديم توضيحات أو تجنب تأكيد معلومات غير موثوقة. ويعد تحقيق هذا التوازن خطوة أساسية في تطور الذكاء الاصطناعي.

الحاجة لمزيد من البحث

رغم أهمية النتائج، تؤكد الدراسة الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم تأثير هذه التفاعلات على المستخدمين على المدى الطويل.

فمع تحول الذكاء الاصطناعي من أداة تقدم معلومات إلى نظام يشارك في الحوار، يصبح من الضروري ضمان أن هذه التفاعلات تدعم الفهم ولا تعزز أنماطاً ضارة. وفي هذا السياق، لم يعد التحدي مقتصراً على تطوير أنظمة أكثر ذكاءً، بل يشمل أيضاً ضمان أن تكون أكثر وعياً بتأثيرها على الإنسان.


نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
TT

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)

مع تزايد اندماج أنظمة الذكاء الاصطناعي في قطاعات حساسة، مثل الرعاية الصحية والأنظمة ذاتية القيادة، يبرز سؤال أساسي: هل يمكن الوثوق بقراراتها؟

فعلى الرغم من أن النماذج الحديثة تحقق دقة عالية، فإن طريقة تفكيرها تظل في كثير من الأحيان غير واضحة. هذه «الصندوق الأسود» أصبحت واحدة من أبرز التحديات في هذا المجال. يقدّم باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) نهجاً جديداً يهدف إلى معالجة هذه المشكلة، من خلال تمكين أنظمة الذكاء الاصطناعي من تفسير قراراتها بطريقة مفهومة للبشر.

ما وراء الصندوق

في التطبيقات الواقعية، لا تكفي الدقة وحدها. فعندما يحدد نظام ذكاء اصطناعي مرضاً من صورة طبية أو يتخذ قراراً مرتبطاً بالسلامة، يحتاج المستخدم إلى فهم الأسباب التي قادت إلى هذا القرار. ومن دون هذه الشفافية، قد تفشل الأنظمة الدقيقة في كسب الثقة. وقد سعت تقنيات سابقة إلى فتح هذا «الصندوق الأسود»، لكنها غالباً ما قدّمت تفسيرات معقدة أو يصعب فهمها لغير المتخصصين. وهنا يكمن التحدي في تقديم تفسيرات دقيقة وفي الوقت نفسه واضحة.

الطريقة الجديدة تحسن التفسير دون التضحية بدقة الأداء بل قد تعززها (شاترستوك)

تفكير واعد

أحد الاتجاهات الواعدة يُعرف بنماذج «عنق الزجاجة المفاهيمي». في هذا النهج، يُجبر النظام على بناء قراراته على مفاهيم يمكن للبشر فهمها. فبدلاً من الانتقال مباشرة من البيانات الخام إلى النتيجة، يمرّ النموذج بمرحلة وسيطة يحدد فيها خصائص أو مفاهيم محددة قبل الوصول إلى القرار. لكن هذا الأسلوب واجه سابقاً بعض التحديات، إذ إن تحسين قابلية التفسير كان أحياناً يأتي على حساب الدقة، أو يؤدي إلى تفسيرات غير واضحة بما يكفي.

نهج جديد

طوّر فريق «MIT» طريقة محسّنة تهدف إلى تجاوز هذه القيود. يعتمد النظام على مكونين من التعلم الآلي يعملان معاً. الأول يستخرج المعرفة من نموذج موجود، والثاني يحول هذه المعرفة إلى مفاهيم مفهومة للبشر. يتيح هذا الإطار المزدوج «ترجمة آلية» لآلية عمل النماذج المعقدة إلى صيغة قابلة للفهم. والأهم أن هذه التقنية يمكن تطبيقها على نماذج رؤية حاسوبية مدرّبة مسبقاً، ما يجعلها قابلة للتعميم على نطاق واسع.

ومن أبرز ما يميز هذا النهج أنه لا يضحي بالأداء من أجل الشفافية. بل تشير النتائج إلى أنه يمكن أن يحسن دقة التنبؤ وجودة التفسير في الوقت نفسه. وهذا يتحدى افتراضاً شائعاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو أن التفسير يأتي دائماً على حساب الأداء. يمثل الجمع بين الاثنين خطوة مهمة نحو تطبيقات عملية موثوقة.

باحثو جامعة «MIT» يطورون نهجاً جديداً يمكّن النماذج من تفسير تنبؤاتها بطريقة مفهومة (شاترستوك)

تفسيرات أوضح

يتميز النظام بجودة التفسيرات التي يقدمها. فبدلاً من مخرجات تقنية معقدة، ينتج أوصافاً مبنية على مفاهيم واضحة يمكن للمستخدم فهمها بسهولة. وتكتسب هذه الميزة أهمية خاصة في البيئات الحساسة، حيث تحتاج القرارات إلى مراجعة وتقييم. فالتفسير الواضح يتيح للمستخدم التأكد من منطق القرار.

الهدف الأوسع لهذا البحث هو تعزيز الثقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي. فعندما يتمكن المستخدم من فهم كيفية اتخاذ القرار، يصبح أكثر قدرة على تقييم دقته واكتشاف الأخطاء المحتملة. ويبرز هذا الأمر بشكل خاص في مجالات، مثل الرعاية الصحية، حيث قد تكون لأي خطأ عواقب كبيرة. فالتفسير لا يعزز الفهم فقط، بل يدعم الاستخدام المسؤول للتقنية.

أثر عملي واسع

تمتد آثار هذا التطور إلى ما هو أبعد من تطبيق واحد. مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، تتزايد الحاجة إلى الشفافية من قبل المستخدمين والجهات التنظيمية على حد سواء. وقد تلعب هذه التقنيات دوراً محورياً في تلبية هذه المتطلبات، من خلال جعل قرارات الذكاء الاصطناعي أكثر وضوحاً وقابلية للمساءلة.

يعكس هذا النهج خطوة ضمن اتجاه أوسع في أبحاث الذكاء الاصطناعي. فلم يعد التركيز مقتصراً على بناء نماذج عالية الأداء، بل يتجه نحو تطوير أنظمة قادرة على تفسير قراراتها. هذا التحول يعكس فهماً أعمق لدور الذكاء الاصطناعي في الواقع. فالأداء وحده لم يعد كافياً، بل يجب أن تكون الأنظمة مفهومة وموثوقة ومتوافقة مع التوقعات البشرية. وفي هذا السياق، تصبح القدرة على تفسير القرارات ليست مجرد ميزة إضافية، بل شرطاً أساسياً للجيل القادم من أنظمة الذكاء الاصطناعي.


«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
TT

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)

أعلنت شركة «غوغل» عن توسع جديد في قدرات الذكاء الاصطناعي لديها تحت مفهوم أطلقت عليه «الذكاء الشخصي» (Personal Intelligence) في خطوة تهدف إلى جعل أنظمة البحث والمساعدات الرقمية أكثر فهماً للسياق الفردي لكل مستخدم، بدلاً من الاكتفاء بإجابات عامة. هذا التوجه الذي جاء في مدونة رسمية عبر موقع الشركة يمثل تحولاً في طريقة عمل الذكاء الاصطناعي، من تقديم معلومات موحدة إلى تقديم استجابات مخصصة تستند إلى بيانات المستخدم ونشاطه عبر خدمات «غوغل» المختلفة.

تحول في البحث

لطالما اعتمدت محركات البحث على مطابقة الكلمات المفتاحية لتقديم نتائج ذات صلة. إلا أن «غوغل» ترى أن هذا النموذج لم يعد كافياً في ظل تنوع احتياجات المستخدمين. وبحسب ما أوضحته الشركة، فإن «الذكاء الشخصي» يهدف إلى تقديم إجابات تأخذ في الاعتبار السياق الفردي، بحيث يحصل كل مستخدم على نتائج تتناسب مع اهتماماته وتاريخه الرقمي.

يعتمد هذا النهج على ربط المعلومات بين عدد من تطبيقات «غوغل»، مثل «جيميل» و«صور غوغل» و«يوتيوب» وسجل البحث، وذلك في حال موافقة المستخدم على تفعيل هذه الميزة. ويتيح هذا التكامل لأنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل (جيميناي) «Gemini» ووضع الذكاء الاصطناعي في البحث، الاستفادة من هذا السياق لتقديم إجابات أكثر دقة وارتباطاً باحتياجات المستخدم.

«غوغل» تطلق مفهوم «الذكاء الشخصي» لتقديم استجابات تعتمد على السياق الفردي لكل مستخدم (أ.ف.ب)

تجربة أكثر تخصيصاً

وفقاً لـ«غوغل»، يمكن للنظام الجديد «ربط النقاط» بين بيانات المستخدم المختلفة، ما يسمح بتقديم توصيات وملخصات واقتراحات أكثر تخصيصاً. فعلى سبيل المثال، بدلاً من تقديم اقتراحات عامة للسفر، يمكن للنظام الاستناد إلى اهتمامات المستخدم السابقة أو نشاطه الرقمي لتقديم خيارات أكثر ملاءمة. ويمثل ذلك انتقالاً من الذكاء الاصطناعي كأداة عامة إلى ما يشبه المساعد الشخصي الذي يتكيف مع المستخدم بمرور الوقت.

التحكم بيد المستخدم

أكدت «غوغل» أن استخدام هذه الميزة يعتمد على موافقة المستخدم، حيث يمكنه اختيار التطبيقات التي يرغب في ربطها، أو إيقاف الميزة بالكامل. وأوضحت الشركة أن البيانات الشخصية من خدمات مثل «جيميل» و«صور غوغل» لا تُستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تُستعمل لتوفير سياق ضمن التفاعل مع المستخدم فقط.

توازن مع الخصوصية

يبرز هذا التوجه تحدياً معروفاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو تحقيق التوازن بين التخصيص والخصوصية. فكلما زادت قدرة النظام على الوصول إلى البيانات، زادت دقة التوصيات، لكن ذلك يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول حدود استخدام البيانات الشخصية. وتحاول «غوغل» معالجة هذا التحدي من خلال نموذج يعتمد على الشفافية ومنح المستخدم تحكماً أكبر في بياناته.

التحدي الرئيسي يتمثل في تحقيق توازن بين التخصيص العميق وحماية الخصوصية (شاترستوك)

ما بعد الإجابات

يعكس إطلاق «الذكاء الشخصي» توجهاً أوسع في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الهدف مجرد الإجابة عن الأسئلة، بل فهم نية المستخدم والسياق المحيط به. ومن خلال دمج البيانات الشخصية، يمكن للأنظمة الانتقال من تقديم إجابات ثابتة إلى تفاعلات أكثر ديناميكية. من المتوقع أن ينعكس هذا التطور على الاستخدام اليومي للتكنولوجيا، حيث يمكن للأنظمة المخصصة أن تسهم في تسريع إنجاز المهام مثل التخطيط للسفر، أو العثور على معلومات سابقة، أو اتخاذ قرارات مبنية على بيانات شخصية. كما قد تقل الحاجة إلى إدخال نفس المعلومات بشكل متكرر، إذ يصبح النظام قادراً على استنتاج السياق من التفاعلات السابقة.

اتجاه مستقبلي

يمثل «الذكاء الشخصي» خطوة أولى نحو جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تجمع بين البحث والمساعدة الرقمية والتخصيص العميق. ومع ذلك، يبقى نجاح هذا النهج مرتبطاً بمدى ثقة المستخدمين، إذ ستلعب الشفافية والتحكم في البيانات دوراً حاسماً في تبني هذه التقنيات. في المحصلة، لا يتعلق هذا التوجه بجعل الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً فحسب، بل بجعله أكثر ارتباطاً بالمستخدم نفسه، في تحول قد يعيد تعريف كيفية تفاعل الأفراد مع التكنولوجيا في حياتهم اليومية.