يركضن وسط الغابات الكثيفة كالغزلان، يواجهن الفهود، ويصارعن الثعابين الضخمة، ويتسلقن الجبال أسرع من القردة، ويساعدن التماسيح العالقة في الطين، ويداوين جراح الأسود التي انتهت للتو من عراك بعضها البعض.
هؤلاء هن ملكات الغابة، أو حارساتها، بمحمية «غير» التي تعد إحدى أكبر المحميات الطبيعية في الهند، والموطن الوحيد في العالم لعدد ضخم من الأسود الآسيوية حيث تأوي 523 أسدا. يأوي المتنزه كذلك نحو 400 فهد، وأكثر من ألف تمساح، وقطعان كبيرة من الغزلان، والقردة، والثعابين، والضباع، والقطط البرية، ولذلك فالمتنزه يعتبر موطنا لأعداد ضخمة من الحيوانات البرية. وربما كانت تلك الكتيبة من الفتيات هي الوحيدة في العالم التي تدير بشكل مباشر متنزها للحياة البرية.
التقت «الشرق الأوسط» مع الفريق النسائي بالمتنزه للتعرف عن كثب على تجربتهن التي لا تخلو من المخاطر وسط الحياة البرية لتسمع الكثير عن جرأتهن غير العادية في التعامل مع الحيوانات، إذ إن التجول وسط غابة تعج بالأسود وغيرها من الحيوانات المفترسة في حد ذاته مهمة جسورة.
تتجول كيران باثيجا بدراجتها النارية وسط الغابة بحثا عن آثار أقدام أو جثث لحيوانات تشير لوجود أسد، فمن المعتاد أن ترصد كيران وجود أسد بالمكان، وتقوم بإبلاغ الفريق في حال كان الأسد جريحا.
كثيرا ما مرت الحارسة الشابة بفترات عصيبة، فمثلا حدث أن كُلفت بالخروج في مهمة لإنقاذ ثعلب صغير سقط في حفرة عميقة في الظلام.
«وجدتُ الثعلب وأديت المطلوب، وعندما هممت بالعودة بدراجتي النارية فوجئت بلبؤة خلفي مباشرة، شعرت بأنفاسها، كانت ضخمة، وبمجرد أن بدأت تتقدم نحوي أخذت في الصياح بأعلى صوتي لأخيفها. فحسب ما تعلمناه في فترة التدريب، هناك أصوات محددة لإخافة الأسود، وقد طبقت ذلك في الوقت المناسب، وبالفعل تراجعت اللبؤة بعد 15 دقيقة من الرعب مرت وكأنها دهر». وكانت تلك الحادثة سببا في أن تجعل كيران تحظى باحترام رؤسائها في العمل.
ومؤخرا قامت قناة «ديسكوفري» بتسجيل حلقات من أربعة أجزاء عن بطولة هؤلاء الحارسات كنوع من التكريم لهن نظرا لجهودهن في الحفاظ على الأسود وعلى الحياة البرية بصفة عامة.
بدأت فكرة «ملكات الغابة» ربما بالصدفة عام 2007، عندما قرر رئيس وزراء ولاية جارجات الغربية في الهند آنذاك توظيف عدد من الفتيات فيما تعتبر إحدى أقسى الإدارات الحكومية وهي الغابات. اعتقد الجميع في البداية أن الفتيات سوف يقبلن على الأعمال المكتبية «البسيطة» فقط، لكنهم كانوا مخطئين، إذ تضم الغابة اليوم 48 امرأة يعملن جميعا كحارسات في الخطوط الأمامية. جرى توظيف 43 امرأة أخرى للعمل في الغابة هذا العام ويخضعن حليا لبرنامج تدريبي مكثف.
وتتولى حاليا راسيلا فالدر (31 عاما)، مصممة موضة سابقة، إدارة فريق حارسات الحياة البرية، وتعتبر أكثرهن جرأة على الإطلاق حيث تشعر الحيوانات بألفة تجاهها دون غيرها. فالأسود مثلا لا تسمح لأحد بلمس صغارها، لكن في حال كان ذلك راسيلا، فليس هناك اعتراض.
غير أن من أجمل الأوقات التي تقضيها الحارسات في تلك المهنة تلك التي يطعمن فيها الأسود الرضيعة اليتيمة وصغار الثعالب. فدائما ما تستمتع فالدر مثلا برؤية صغار الثعالب يركضون خلفها أو تجاهها عندما تصيح لها.
«يسمحون لي أن أعتني بصغارهم والتعامل معهم وقت الضرورة وأستطيع حتى إحضارهم للمركز الطبي. فشأن أي أم، تحتاج اللبؤة للتأكد من أن صغيرها لن يصيبه ضرر، بل سيلقى الرعاية، يتحتم عليك أن تجعل الأم تدرك أن صغيرها سوف يعود إليها خلال وقت قصير، فالطريقة التي تؤدي بها ذلك تعتبر مهمة في الغاية. بعض الحارسات يستخدمن لغة الإشارة، في حين يستخدم البعض الآخر، لغة العيون وإظهار الاهتمام، كما أفعل أنا مثلا»، وفق تعبير فالدر التي هي أم أيضا في الواقع.
وتضيف فالدر أنه في اللحظة التي تفقد فيها التركيز أو تعامل فيها الحيوان من دون اكتراث، فسوف تفقد القدرة على التواصل معه، فهي مخلوقات ذكية بمقدورها الإحساس بحسن نيات الآخرين.
إذن ما هي أفضل فترة يمكن لسائح فيها زيارة المكان لرؤية الأسد في تلك الغابة؟
أجابت راسيلا، «لا تأتي أبدا في فترة التزاوج لأن مزاجها يكون معتلا في تلك الأثناء ونفضل تركها بمفردها، والليل هو أفضل الأوقات لرؤيتها».
ما يدهش الزوار ليس مشاهدة الأسود، بل رؤية هؤلاء الفتيات الجسورات اللاتي يمشين وسط قطيع من الأسود المتوحشة في غابة «غير». حتى رئيس وزراء الهند، نارندر، مودي نفسه قال ذات مرة إن الناس لا تأتي إلى «غير» كي تشاهد الأسود بل «لرؤية هؤلاء الحارسات الجسورات».
وأفاد ميدفاندرا سنغ المتحمس للحياة البرية، أنه مندهش إلى درجة كبيرة بالهيئة التي تبدو عليها الحيوانات المفترسة وكيف تتصرف كحيوانات أليفة في وجود هؤلاء الحارسات.
وأفادت شابنام رينبلوش، إحدى المسلمات القلائل في فريق الحارسات، أنها عندما تتحرك بدراجتها البخارية وسط الغابة فإنها تشعر بطاقة كبيرة. وأضافت أنها نظرا لأصولها القبلية المسلمة وعائلتها التي ترفض عمل المرأة خارج البيت، فلم يكن من السهل أبدا عليها أن تقنع والديها بالعمل في هذا المكان. وأضافت «فوفق تقاليد مجتمعنا، تناسب طبيعة العمل هنا الرجال، فليس من المعقول أن تعمل المرأة في مكان يتطلب العناية بالحيوانات المفترسة والجري في الغابة بدراجة نارية». لكن شابنام الآن أصبحت رائدة في عملها ونموذجا لغيرها من النساء في قريتها، وبالفعل تبعها ثلاث فتيات أخريات للعمل هنا.
وحسب شابنام، «الحفاظ على الغابة عمل جاد»، فقد تعقبت بمفردها عصابة من تسعة لصوص على دراجاتهم النارية وألقت القبض عليهم خلال محاولتهم سرقة جلود الظباء.
وتتجول الحارسات اليقظات في الغابة مسلحات ببنادق ذات فوهتين وأجهزة لاسلكي غير عابئين بالثعابين السامة، ولا التماسيح القابعة في المستنقعات، أو الفهود، والأسود الغاضبة التي تحمي صغارها. تقطع كل حارسة في المعتاد مسافة 25 كيلومتر يوميا على دراجتها النارية حتى في ذروة شهور الصيف حيث تصل درجات الحرارة داخل المحمية إلى 45 درجة مئوية.
وحسب راتادايا، فكان حلمها دوما منذ الطفولة أن تصبح حارسة للغابة.
أضافت «ولدت في محمية غير، فجدي ووالدي كانا حارسين للغابة».
وعلى اختلاف فادر وكغادا اللتين لم تريا في حياتهما أسدا قط حتى التحقا بالعمل كحارسين في المحمية، تقول رتاديا إن أول خبراتها في التعامل مع القطط الكبيرة كان في سن الرابعة.
غير أنها اليوم تصطحب ابنتها التي لا يتعدى عمرها العامين إلى العمل، فدائما «تلح ابنتي كل صباح في طلب المجيء معي إلى هنا، فهي تحب مشاهدة الأسود وغيرها من الحيوانات. أتمنى لها أن تعمل هنا لكن بعد أن تحصل على رتبة ضابط».
تقع محمية «غير» على مقربة من مناطق الازدحام السكاني مما يسهل من فرصة دخول بعض الحيوانات للمناطق التي يسكنها البشر. وتتذكر فادر عندما هرب فهد من المحمية ليختبئ في أحد البيوت غير مكتملة البناء، مما تسبب في حالة من الذعر بين أهل القرية.
خرجت هؤلاء الحارسات عن المألوف سواء في الغابة أو في مجتمعهن. غير أن الآثار الجانبية لهذه الوظيفة كثيرة، فهن يصبن بالأمراض، ويتعرضن لإصابات وجروح كثيرة، ناهيك بعنصر الخطر المحدق بهن دائما.
كتذكار من الحرب، تحمل أجساد هؤلاء النساء ندوبا وآثار جراح قديمة نتيجة لهجوم الحيوانات، فساعد فادلر الأيسر ما زال يحمل ندبة كبيرة نتيجة لهجوم فهد عندما حاولت تثبيت شريحة رقيقة في جسده، وهي الندبة التي تعتبرها مصدر فخر لها.
هل هناك فرق بين التمرين ومواقف الحياة الحقيقية؟ لا يوجد تمرين يجعلك قادرا على مواجهة المخاطر، حيث يتحتم عليك تقدير الموقف، فالمكان المحيط وطبيعة الموقف تتغير في كل مرة، وعليك أن تتعلم في كل مرة. فنحن نقول إن عملية الإنقاذ ناجحة عندما لا يُجرح الحيوان أو أي من فريق العمل في موقف معين. بالطبع فإن فهم سلوك الحيوان يمثل جانبا كبيرا من الخبرة، فالأسود، والفهود، والثعابين الكبيرة تتصرف بشكل مختلف عن بعضها. فالأسود، على سبيل المثال، تعتبر كائنات اجتماعية، في حين أن الفهود ليست كذلك، فهم لا يبالون بك أو بي، وفق تعبير كاغدا. أضافت «لا يهاجم الأسود البشر إلا عندما يقتحمون مناطقهم، أو في حال شعروا أنك تهدد صغارهم، أو أنك تقترب منهم وقت التزاوج».
وأضافت كاغادا التي تعرضت لهجوم من فهد من دون سبب، أن الفهود، على الطرف الآخر، كائنات تعيش في عزلة ولا يمكن توقع سلوكها، وليسوا في حاجة لسبب للهجوم عليك.
وبجعبة هؤلاء النساء المزيد من القصص والمواقف عن الحيوانات، لكن ليست كلها بالضرورة رعبا وخوفا، فبعضها طرائف ونكات متداولة بين مجتمع الحارسات.
وتحكي درشانا أول مواقفها مع الأسود في الأسبوع الأول لتسلمها لعملها الجديد، فقد خرجت في مهمة لمراقبة لبؤة في الليل، وجلست الحارسة أعلى شجرة على ارتفاع 17 قدما، وكانت تبحث عن اللبؤة بعدما تأخرت في المجيء للحصول على الطعام والماء، وكان هذا الأمر مقلقا لها نظرا لحداثة عهدها بالعمل.
«أخذت أنتظر على الشجرة على أمل أن تحضر اللبؤة لعرينها، لكن بعد ساعتين لم أستطع خلالها تحديد مكانها، هممت بالنزول للبحث عن اللبؤة سيرا على الأقدام، إلا أن الرعب تملكني عندما وجدتها تترقبني أسفل الشجرة، وفكرت في الوقت الذي مر في انتظارها وفى البحث عنها بعيناي في حين كانت هي تترقبني أسفل الشجرة، وكانت تلك الحادثة نكته في محيط عملنا». ووفق سنديب كومار، نائب مدير محمية غير، «هؤلاء الحارسات مصدر إلهام لكل نساء الهند».
حارسات غابة «غير» بالهند.. يتسلقن الجبال ويداوين جراح الأسود
شابنام رينبلوش أصبحت قدوة لغيرها من المسلمات وهي تتحرك بدراجتها البخارية وسط الغابة
الآثار الجانبية لهذه الوظيفة كثيرة فهم يصابون بالأمراض ويتعرضون لإصابات وجروح كثيرة، فمن المعتاد أن ترصد العاملات وجود أسد بالمكان وتقوم بإبلاغ الفريق في حال كان الأسد جريحا.
حارسات غابة «غير» بالهند.. يتسلقن الجبال ويداوين جراح الأسود
الآثار الجانبية لهذه الوظيفة كثيرة فهم يصابون بالأمراض ويتعرضون لإصابات وجروح كثيرة، فمن المعتاد أن ترصد العاملات وجود أسد بالمكان وتقوم بإبلاغ الفريق في حال كان الأسد جريحا.
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

