كنوز غزة.... قصة القطع الأثرية التي نجت من الدمار

الجيش الإسرائيلي دمّر أكثر من 94 موقعاً أثرياً

تدمير المسجد العمري
تدمير المسجد العمري
TT

كنوز غزة.... قصة القطع الأثرية التي نجت من الدمار

تدمير المسجد العمري
تدمير المسجد العمري

قبل أن تشرح السيدة إلودي بوفار، المشرفة على معرض «كنوز غزة التي أنقذت، 5000 سنة من التاريخ»، أهمية هذا الحدث الثقافي الذي يحتضنه معهد العالم العربي في باريس إلى غاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، بدأت بالتذكير بأن «الأولوية هي لإنقاذ الأرواح البشرية قبل القطع الأثرية، لكن مساعينا انطلقت من الرغبة في إعادة الاعتبار لتراث غزة الذي طوته المأساة، نريد أن يرى العالم الوجه الآخر لغزة، المدينة الحضارية الغنية بتراث عمره أكثر من خمسة آلاف عام».

هذا الحدث الذي يسعى إلى إحياء الذاكرة الثقافية للمنطقة وإبراز عمقها الحضاري الذي طمرته الحرب هو الأول من نوعه في فرنسا بشهادة رئيسه جاك لانغ، وهو يعرض أكثر من 130 قطعة أثرية تشهد على تاريخ غزة الطويل الممتد على مدى ثماني حضارات مختلفة. المجموعات المعروضة مستمدة من التنقيبات الأثرية لفرق فرنسية وفلسطينية عملت معاً في غزة منذ 1995 بإشراف عالم الآثار الفرنسي القس الدوميناكي جان باتيست همبير (84 سنة). أقدمها تعود إلى العهد البرونزي، أي 3200 سنة قبل الميلاد، وأحدثها من العهد العثماني في نهاية القرن التاسع عشر: منها التماثيل والأحجار والجرار والقطع النقدية، ومنها ما يحمل قيمة تاريخية كبيرة كوعاء فخاري يعود إلى أربعة آلاف عام وفسيفساء بيزنطية تعود إلى القرن السادس وتمثال لأفروديت كشاهد على التأثيرات الهلنستية في المنطقة.

المعرض رفع النقاب أيضاً عن القصة المذهلة لهذه القطع الأثرية التي حلّت في باريس قادمة من سويسرا، حيث ظلّت عالقة في منطقة جنيف الحرة لمدة تناهز 17 سنة في انتظار عودتها إلى موطنها الأصلي بعد أن عُرضت في متحف جنيف في 2006. القطع التي لم يعرض منها في باريس سوى 150 من أصل 529 لم تتمكن من العودة إلى غزة بسبب الحصار وعرقلة السلطات الإسرائيلية، يومية «لوتون» السويسرية كانت قد وصفتها بـ«الكنوز التي أصبحت عبئاً»، وكان مصممو المعرض قد اختاروا عرضها في قواعد معدنية مثبتة على عجلات وكأنها مستعدة للرجوع إلى الوطن في أي لحظة في مفارقة محزنة بين النفي القسري الذي تعرضت له هذه الكنوز الأثرية التي تنتظر في المنفى منذ 17 سنة.

تضمن المعرض أيضاً جولة افتراضية ثلاثية الأبعاد داخل دير القديس هيلاريون، الذي شُيّد عام 329 ميلادياً، ويُعد من أقدم الأديرة في الشرق الأوسط، وقد أُدرج على قائمة الممتلكات الثقافية المحمية دولياً من قبل «اليونيسكو» في يوليو (تموز) 2024. وإن كان من الصعب إجراء جرد دقيق لكل المعالم الأثرية التي تعرضت للدمار منذ بداية الحرب على غزة إلا أن منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (اليونيسكو) رصدت استناداً إلى صور الأقمار الاصطناعية الأضرار التي لحقت بأكثر من 94 موقعا أثريا في القطاع.

من هذه المعالم المسجد العمري الكبير، الذي شُيّد عام 700 ميلاديا على أنقاض كنيسة بيزنطية، وتحول لاحقاً إلى كنيسة في عهد الصليبيين ثم أعيد مسجداً في زمن المماليك، قبل أن يتوسع في الحقبة العثمانية، حيث تعرض للقصف مراراً، وكان آخرها في نوفمبر عام 2023، حيث تعرضت مئذنته لأضرار جسيمة، إضافة إلى متحف قصر الباشا الذي يضم قطعاً من العهود اليوناني والروماني والبيزنطي والإسلامي، وتعود بنيته إلى القصر المملوكي في زمن الظاهر بيبرس، ويعرف أيضا باسم «قلعة نابليون» لأن نابليون بونابرت أقام فيه ثلاثة أيام خلال رحلته لمصر. وقصفته قوات الاحتلال الإسرائيلي ودمرت أجزاء كبيرة منه في ديسمبر (كانون الأول) 2023، إضافة إلى تدمير الكنيسة البيزنطية وكنيسة القديس برفيريوس ثالث أقدم كنيسة في العالم.

وإن كانت الأولوية منذ بداية الحرب هي لإنقاذ الأرواح البشرية إلا أن كثيرا من المبادرات عرفت النور في محاولة لإنقاذ التراث أيضاً. فقد تم نقل مجموعات من متحفين إلى مناطق آمنة داخل قطاع غزة بدعم مالي من التحالف الدولي لحماية التراث (Aliph) الذي خصّص لها مبلغ 602 ألف يورو، كما تم أيضاً تدريب حوالي ستين محترفاً (عبر الإنترنت) من أجل التدخل الطارئ لحماية القطع أو استخراجها من الأنقاض. تشرح السيدة الودي بوفار المشرفة على معرض «كنوز غزة»: «لا نستطيع التدخل قبل وقف التدخل العسكري وترتيب الوضع الإنساني، وأول ما يمكن القيام به هو تأمين المواقع من أخطار الألغام ثم تفقّد حجم الأضرار والبدء في عمليات الجرد والتوثيق لإعادة بناء المواقع وترميمها».

وقد لاحظ رينيه إيلتر عالم الآثار في جمعية الطوارئ الدولية ومدير برنامج الحفاظ على دير سانت هيلاريون أن سكان غزة واعون بقيمة تراثهم وضرورة حمايته وهو مصدر فخر كبير، حيث أقيم مخيم للاجئين في محيط موقع دير سانت هيلاريون لكن السّكان لم يسعوا أبدا إلى دخوله، متهماً في نفس الوقت الجيش الإسرائيلي بسرقة المجموعات التي كان يحتويها متحف الباشا، حيث أردف: «أفضل القطع كانت في هذا المتحف، بعد القصف ذهب بعض زملائنا الفلسطينيين لتفقد الوضع فاكتشفوا أن الجنود الإسرائيليون قد فتحوا الصناديق وأخذوا منها بعض المقتنيات».

وكان مدير الآثار الإسرائيلي ايلي اسكوسيدو قد نشر تسجيلاً يظهر جنودا إسرائيليين محاطين بأوان فخارية قديمة من مستودع المدرسة الفرنسية للكتاب المقدّس والآثار بعد اقتحامه، مما أثار ردود أفعال منددة بسرقة التراث الفلسطيني.

إن قصة اكتشاف التراث التاريخي لغزة تعود إلى السنوات التسعين من القرن الماضي، فبعد إمضاء معاهدة أوسلو قامت السلطات الفلسطينية بإنشاء دائرة الآثار التي كانت تعمل بالتعاون مع المدرسة الفرنسية للكتاب المقدّس والآثار في التنقيب عن الآثار، وأسفرت الأبحاث عن العثور على الكثير من القطع الأثرية الثمينة، هذه الجهود لقيت أيضاً مساندة من قبل رجل الأعمال والمجمع الفلسطيني جودت الخضري الذي قام بشراء آلاف القطع الأثرية لحمايتها من التهريب والتجارة، بعضها كان معروضاً في «فندق المتحف» الذي أسّسه في 2008 وكان يضم قطعا نادرة من العصور الكنعاني والروماني والإسلامي قبل أن يدمره الاحتلال الإسرائيلي بالكامل في الـ3 من نوفمبر 2023.


مقالات ذات صلة

رسائل ت. س. إليوت في زمن الحرب العالمية الثانية

ثقافة وفنون رسائل ت. س. إليوت في زمن الحرب العالمية الثانية

رسائل ت. س. إليوت في زمن الحرب العالمية الثانية

كيفَ، في قلب مشاغله العديدة، وجدَ الوقت للجلوس إلى آلته الكاتبة أو إملاء سكرتيرة مكتبه هذه المئات من الرسائل الشخصية والمهنية؟ أو ما كانت إدارة قرص التليفون

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون 
د.غازي القصيبي

كيف يسهم الأدب في بناء ثقافة نزاهة مجتمعية؟

يشكّل الأدب أحد أكثر الحقول الثقافية قدرة على مساءلة الواقع وصياغة الوعي، فهو ليس فعلاً جمالياً معزولاً، بل ممارسة إنسانية ذات أثر معرفي وأخلاقي.

د. فهد توفيق الهندال
ثقافة وفنون تفتيت الزمن في رواية مصرية

تفتيت الزمن في رواية مصرية

عن دار صفصافة للنشر بالقاهرة صدرت أخيراً رواية «سر الهوى» للروائي المصري صبحي موسى. تدور الرواية حول سيرة رجل عجوز مسن يدعى الشهايبي،

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق ينظم المهرجان بنسخته الثالثة في مدينة الطائف (هيئة الأدب)

الطائف تحتفي بالرحلة الاستثنائية للشاعر محمد الثبيتي

تحتفي مدينة الطائف بالشاعر محمد الثبيتي وبرحلته الاستثنائية التي انطلقت من مسقط رأسه ووصل إشعاعها الآفاق من خلال النسخة الثالثة لمهرجان الكتّاب والقراء 2026.

عمر البدوي (الرياض)
ثقافة وفنون وليد علاء الدين

قراءات المثقفين المصريين... الرواية والتراث الشعري وأدب البيئة

تنوعت قراءات الأدباء والمثقفين المصريين على مدار عام 2025 ما بين الرواية وسرديات الأدب الأخضر بخاصة في علاقته بالبيئة والطبيعة،

رشا أحمد (القاهرة)

رسائل ت. س. إليوت في زمن الحرب العالمية الثانية

رسائل ت. س. إليوت في زمن الحرب العالمية الثانية
TT

رسائل ت. س. إليوت في زمن الحرب العالمية الثانية

رسائل ت. س. إليوت في زمن الحرب العالمية الثانية

كيفَ، في قلب مشاغله العديدة، وجدَ الوقت للجلوس إلى آلته الكاتبة أو إملاء سكرتيرة مكتبه هذه المئات من الرسائل الشخصية والمهنية؟ أو ما كانت إدارة قرص التليفون خليقة أن تغني عن هذا الجهد؟

أسئلة لا بد أن تتبادر إلى ذهن القارئ وهو يتناول هذا المجلد الضخم الصادر في 2025 عن دار «فيبر وفيبر» للنشر بلندن في 1080 صفحة. إنه الجزء العاشر من رسائل ت. س. إليوت التي تصدر تباعاً، ومن المنتظر أن تصل إلى 20 جزءاً.

The Letters of T. S. Eliot، Volume 10 (1942- 1944)

وقد أشرف على إصدار الكتاب وزوده بهوامش ضافية جون هافندن John Haffenden أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة شفيلد البريطانية، وذلك بالاشتراك مع فاليري إليوت Valerie Eliot أرملة الشاعر الراحلة وزوجته الثانية.

تغطي رسائل هذا الجزء أعوام 1942 - 1944 ويخيم عليها شبح الحرب العالمية الثانية التي مست شتى مناحي الحياة في بريطانيا. فنحن نجد هنا ذكراً لغارات الطيران الألماني على لندن وكوفنتري وغيرهما من المدن، وتوزيع الطعام بالبطاقات، وإطفاء الأنوار، وصعوبات الاتصال مع العالم الخارجي، وتعطل الأنشطة الفنية من مسارح ودور سينما ومعارض ومهرجانات. كذلك شحت كمية الورق اللازم لطباعة الكتب والمجلات والصحف. وانعكس ذلك على دار النشر التى كان إليوت أحد مديريها فاضطرت إلى الإقلال من إصداراتها وتأجيل الكثير مما سبق التعاقد عليه. ومن هنا كانت العديد من هذه الرسائل تحمل اعتذار إليوت عن قبول عشرات المخطوطات التي كانت تفد على الدار ما بين دواوين شعر وروايات ومجموعات قصصية ومسرحيات ودراسات نقدية، مما لا بد أنه سبب إحباطاً شديداً للأدباء والنقاد الذين كانوا يطمحون إلى أن ترى أعمالهم النور وأن تحظى بمباركة أشهر شاعر أنجلو-أميركى في القرن العشرين.

رسائل إليوت موجهة إلى أفراد من أسرته مثل شقيقه الأكبر هنري الذي كان باحثاً متخصصاً في دراسة آثار أشور وإيران والشرق الأدنى، وإميلي هيل محبوبة إليوت في شبابه قبل أن يهاجر من الولايات المتحدة الأميركية إلى بريطانيا، وجون هيوارد الذي شارك إليوت السكن في لندن زمناً، ومترجمي أعماله إلى لغات أجنبية، والشعراء سان جون بيرس وو. ه. أودن وستفن سبندر، والروائيين إ. م. فورستر وجورج أورويل ولورنس دريل، والكتاب المسرحيين شون أوكيزي ورونالد دنكان، والمخرج السينمائي جورج هولرنغ الذي حول مسرحية إليوت «جريمة قتل في الكاتدرائية» إلى فيلم سينمائي نال رضا إليوت، والنقاد ا. ا. رتشاردز وف. ر. ليفيس وآلن تيت وكثيرين غيرهم.

تحفل هذه الرسائل بتعليقات إليوت على الأعمال الأدبية المقدمة للدار وتكشف عن بصيرته النقدية النافذة وفطنته إلى مواضع القوة ونقاط الضعف في أدب عصرنا. وقبل ذلك تكشف عن التزامه الأخلاقي وضميره المهني اليقظ فهو يقرأ كل كلمة من النص المقدم إليه قبل أن يصدر عليه حكماً، ولا يعرف المجاملة وإنما يقبل ما يستحق النشر ويرفض ما لا يستحق، ويطلب من الكاتب أن يلتزم بأعلى معايير الدقة وألا يبخل بجهد في سبيل إزالة الشوائب ودعم النواحي الإيجابية في نصه.

ومن الأحداث التي تسجلها الرسائل عمل إليوت في الدفاع المدني أثناء الحرائق الناجمة عن غارات الطيران الألماني على لندن، وخمسة أسابيع قضاها في السويد، ورحلة قام بها إلى ويلز في 1944، ومشروعات رحلات (لم تتم) إلى آيسلندا وشمال أفريقيا، واعتذاره عن قبول عرض بالعمل مستشاراً للشعر في مكتبة الكونجرس بواشنطن دي سي، ومحاضرات ألقاها وندوات شارك فيها، وأحاديث إذاعية سجلها، ومسرحيات شاهدها مثل مسرحية «جوستاف» للكاتب السويدي سترندبرغ، وأوبرا «كريستان وأيزولده» لفاجنر، وأعمال المثال هنري مور، وأعمال موسيقية كان يحبها مثل رباعيات بتهوفن الوترية.

وتنتثر في تضاعيف الرسائل آراء نقدية مهمة لإليوت كقوله مردداً كلمات الشاعر الرمزي الفرنسي مالارميه: «إن الشعر يصنع من كلمات لا من أفكار»، مضيفاً: «إن القصيدة في المحل الأول شكل ونفخ للحياة في الكلمات». والشعر «يتطلب اختياراً حريصاً واستخدام حد أدنى من الاستعارات والصور ومنح كل منها الحد الأقصى من التأثير»، فـ«الإسراف في الزخرفة عدو الشكل».

ويرى أن على الشاعر أن يكتب «أقل» قدر ممكن من الشعر، فالمهم هو الكيف لا الكم. ولدى أغلب الشعراء نجد خَبثَاً (بفتح الخاء والباء) كثيراَ وعروقاً نضاراً قليلة. والنظم «يجب أن يكون على الأقل صنعة قبل أن يكون فناً». وتلقي الرسائل أضواء على ما كان إليوت يحب ويكره. فهو يفضل مثلاً الشاعر البرتغالي لويس دي كاموش (من القرن السادس عشر) على الشاعر الإنجليزي ميلتون. ويسخر إليوت من الصورة التي رسمها ميلتون للجحيم في قصيدته «الفردوس المفقود».

وفي إطار تفضيله لشعر الماضي على شعر الحاضر يقول: «أشك في أنني أجد متعة كبيرة في أي شعر معاصر ـ سواء لمعاصريي أو لمن يصغرونني سناً». بل يذهب إلى حد القول (لا يجب أن نحمله على محمل الجد بطبيعة الحال): «إني أكره الشعر» راسماً كلمة «أكره» (HATE) بحروف التاج الكبيرة إمعاناً في التوكيد!

ومن الطريف أن نجده يخطئ أحياناً في هجاء بعض الكلمات أو رسم أسماء الأعلام أو قواعد النحو (صوّب له المحرر جون هافندن هذه الأخطاء). ولكن من الواضح أن ذلك كان من قبيل السهو لا الجهل. فما كان لمثل إليوت، وهو إلى جانب جويس من أعظم من استخدموا اللغة الإنجليزية في عصرنا، أن يجهل الصواب. وينطبق عليه في هذا الصدد قول أبي فراس الحمداني عن نفسه:

وأغفو ولا أعطي الهوى فضل مقودي

وأهفو ولا يخفى عليّ صواب

والكتاب محلى بصور فوتوغرافية لإليوت بين سن الثالثة والخمسين والسادسة الخمسين (فترة كتابة الرسائل)، وأغلفة الطبعات الأولى من كتبه، وصور من راسلهم، وصورة له وهو يسجل حديثاً من استوديو محطة الإذاعة البريطانية في لندن مع الروائي جورج أورويل والناقد وليم إمبسون والقاص الهندي مولك راج أناند وآخرين، وصورة له في أبريل (نيسان) 1943 وهو يقرأ قسماً من قصيدة «الأرض الخراب» في حضور الملكة الأم (زوجة الملك جورج السادس ووالدة الملكة إليزابيث الثانية)، والأميرات إليزابيث (الملكة فيما بعد) وشقيقتها مرجريت، وصورة له منهمكاً فى العمل مع زملائه من مديري دار «فيبر وفيبر» للنشر قبل أن تصيب الدار قنبلة من طائرة ألمانية، وبهذا الاجتماع للكلمة والصورة تتكون لدى القارئ فكرة جلية عن حياة شاعر «الأرض الخراب» وأفكاره وعلاقاته الإنسانية في لحظة زمنية فارقة من عمره ومن تاريخ القرن العشرين.


كيف يسهم الأدب في بناء ثقافة نزاهة مجتمعية؟


د.غازي القصيبي
د.غازي القصيبي
TT

كيف يسهم الأدب في بناء ثقافة نزاهة مجتمعية؟


د.غازي القصيبي
د.غازي القصيبي

يشكّل الأدب أحد أكثر الحقول الثقافية قدرة على مساءلة الواقع وصياغة الوعي، فهو ليس فعلاً جمالياً معزولاً، بل ممارسة إنسانية ذات أثر معرفي وأخلاقي. فالكاتب، في لحظات التحوّل الكبرى، لا يُختبر بقدرته على السرد فقط، بل بمدى نزاهته في تمثيل الحقيقة، ومسؤوليته في التعامل مع القيم التي يضخّها في الوعي الجمعي. ومن هنا تبرز النزاهة لا بوصفها قيمة أخلاقية خارج النص، بل بوصفها عنصراً بنيوياً في الكتابة نفسها، يربط بين صدق الرؤية، وعمق التجربة، واحترام القارئ.

الأدب، في جوهره، تعبير لغوي جمالي يعكس التجربة الإنسانية ويقدّم رؤية للعالم، لكنه في الوقت ذاته يحمل وظيفة ثقافية تتجاوز المتعة إلى بناء الوعي، وحفظ الذاكرة، ونقد الاختلالات الاجتماعية والسياسية. وحين ينجح الأدب في أداء هذه الوظائف دون تزييف أو ادعاء أو خطابية مباشرة، فإنه يسهم تلقائياً في ترسيخ ثقافة النزاهة، لأن النزاهة هنا ليست شعاراً أخلاقياً، بل ممارسة معرفية تحترم العقل والواقع والإنسان.

وتتجلى النزاهة في الكتابة والبحث من خلال جملة من القيم المتداخلة، في مقدمتها الصدق في الرؤية والتعبير، أي قدرة الكاتب على مواجهة الواقع كما هو، دون تجميل مضلل أو شيطنة مجانية. وقد جسّد تشارلز ديكنز هذا المعنى حين قدّم صورة قاسية للفقر والظلم في المجتمع الإنجليزي، كما فعل نجيب محفوظ وفواز حدّاد في فضح اختلالات السلطة والمجتمع العربي دون الوقوع في فخ الدعاية أو التبسيط الآيديولوجي. ويُضاف إلى ذلك مبدأ الشفافية، الذي يفرض على الكاتب والباحث احترام الحقيقة والمصدر، وعدم توظيف المعرفة بوصفها أداة إغواء أو تلاعب، وهو ما نجده واضحاً في أعمال كبار الروائيين، حيث تقوم الرواية على معرفة دقيقة تحترم ذكاء القارئ بدل استدراجه.

غير أن النزاهة لا تكتمل دون شعور عميق بالمسؤولية، فالكلمة ليست بريئة من آثارها، والكاتب مسؤول عن الأثر الاجتماعي والمعرفي لنصّه. ولعل تجربة غازي القصيبي في كتابه (حياة في الإدارة) تمثل مثالاً واضحاً لتحوّل الكتابة إلى ممارسة أخلاقية تسائل البيروقراطية، وتدعو إلى تحديث القيم المهنية بلغة أدبية قريبة من القارئ. كما أن النزاهة تفترض أمانة معرفية ترفض الانتحال والتلفيق، وتقوم على نقد الذات قبل نقد الآخر، وهو ما ميّز مشاريع فكرية كبرى عند طه حسين ومحمد عابد الجابري، حيث تحوّل النقد إلى فعل تحرير للثقافة لا إلى محاكمة لها.

ولا يمكن الحديث عن نزاهة الكاتب بمعزل عن نزاهة الثقافة نفسها، إذ إن الثقافة ليست مجرد إنتاج نصوص، بل منظومة مؤسسية وقيمية تحدد ما يُكتب، وكيف يُستقبل، وما يُكافأ أو يُقصى. فنزاهة الثقافة تقاس بمدى استقلال مؤسساتها، وشفافية أنشطتها، وعدالة مسابقاتها، ووضوح معايير التحكيم فيها. وعندما تتحول الجوائز والفعاليات الثقافية إلى دوائر مغلقة أو أدوات مجاملة أو نفوذ، فإنها تُفرغ الإبداع من معناه، وتدفع الكاتب والباحث إلى التكيّف بدل الابتكار، وإلى التماهي بدل النقد.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية تفعيل ثقافة النزاهة داخل المؤسسات الثقافية، لا عبر الشعارات، بل من خلال ممارسات واضحة تحترم الجهد البحثي والإبداعي، وتضمن تكافؤ الفرص، وتمنع تضارب المصالح، وتفصل بين الإدارة والتحكيم. فالثقافة النزيهة هي التي تسمح بالاختلاف، وتحمي حق السؤال، وتدرك أن النقد ليس تهديداً بل ضرورة حيوية لتجددها.

ويظل التحدي الأكبر أمام الكاتب والباحث هو تحقيق التوازن بين حرية الإبداع والمسؤولية الأخلاقية، فالإبداع لا ينمو في بيئة فوضوية، لكنه أيضاً لا يبرر التحريض أو الكراهية أو التسطيح. وقد نجح الأدب في تحقيق هذا التوازن عبر الانحياز إلى الإنسان بوصفه قيمة عليا، كما فعل غازي القصيبي بالفكاهة والرمز، وفواز حدّاد عبر السرد الكاشف، وأورويل وهوغو وآتوود عبر مقاومة الهيمنة دون الوقوع في خطاب مباشر أو تبسيطي، في زمن تتزايد فيه ضغوط السوق، وإغراء الشهرة، وتسييس الجوائز وتحوّلها من وسيلة تشجيع إلى تنفيع، ولعل أبسط علامات النزاهة في الجوائز التزامها بالمعايير المعلنة والمواعيد المحددة لكونها عقداً أخلاقياً بين المؤسسة والمبدعين، لتصبح النزاهة فعل مقاومة ثقافية بامتياز. فالكاتب النزيه هو من يحافظ على صوته الخاص، ويرفض أن يتحول إلى مروّج، أو أن يختزل الأدب في سلعة أو موقف عابر. ومن هنا فإن تعزيز النزاهة ليس مسؤولية فردية فحسب، بل مشروع ثقافي متكامل يبدأ من الكاتب والباحث، ويمتد إلى المؤسسة، ويكتمل في وعي المجتمع.

إن الأدب، حين يُكتب بنزاهة ويُحتضن في بيئة ثقافية شفافة، يتحول من فعل جمالي إلى قوة أخلاقية ناعمة، قادرة على بناء وعي نقدي، وترسيخ قيم العدالة، وصيانة كرامة الإنسان، وذلك هو الدور الأعمق الذي كُتب للأدب أن يؤديه عبر التاريخ.

*إعلامي وناقد كويتي


تفتيت الزمن في رواية مصرية

تفتيت الزمن في رواية مصرية
TT

تفتيت الزمن في رواية مصرية

تفتيت الزمن في رواية مصرية

عن دار صفصافة للنشر بالقاهرة صدرت أخيراً رواية «سر الهوى» للروائي المصري صبحي موسى. تدور الرواية حول سيرة رجل عجوز مسن يدعى الشهايبي، لا أحد يعرف الزمن الذي ولد فيه، ويكاد يكون متأبياً على الموت، فكلما تعرض لحادث أيقن الناس أنه لن ينجو منه وسيموت فيه، لكنه يفاجئهم بنهوضه، وكأنه استمد روحاً جديدة من أرواحه العديدة.

تنطلق الرواية من إحدى المرات التي يواجه فيها الشهايبي الموت، واعتقاد الجميع أنه مات، لكنه سرعان ما استفاق، كي يحكي لهم عن الأهوال التي عاشها طيلة الليل، بينما هم نائمون في أحضان زوجاتهم.

تعتمد الرواية على تقنية تفتيت الزمن وتشظيه، بين الماضي الذي يرويه الشهايبي بصيغ عديدة ومتباينة، والحاضر الذي يرويه ابنه عمر، الذي يعمل صحافياً في المدينة، ويعود إلى القرية بمجرد معرفته بمرض أبيه، ليتم نسج أحداث الرواية وصراعات الشهايبي مع أبنائه، الراغبين في الحجر عليه وتوزيع تركته عليهم. وبينما هو يفكر في طريقة لحرمانهم من أملاكه، فإنهم يفكرون في طريقة للخلاص منه، ويستقرون على تزويجه من سيدة صغيرة السن، تزوجت ثلاث مرات من قبل، ومات أزواجها الثلاثة بعد أشهر من زواجها بهم، فيفكرون في تزويجه منها للخلاص منه، لكن ابنه عمر يكتشف تلك الحيلة، ويستدعي الزوجة المنتظرة زبيدة كي تذيب الجليد الذي تراكم على قلبه وأعضائه، لكن الأب ينهض فجأة من موته، ويختفي من غرفته، بينما يبحث أبناؤه عنه في كل مكان فلا يجدوه.

وبرغم أن الشهايبي عرف عدداً كبيراً من النساء، فإنه رفض أن يتزوج بأي منهن طيلة حياة زوجته فاطمة، بعد أن قطع لها على نفسه عهداً بألا يتزوج عليها، حين طالبه والده بأن يبني لها بيتاً واسعاً قبل أن يتزوج بها، لكن فاطمة قررت أن تذهب مع الشهايبي إلى غرفته على أرض طرح النهر، في ذلك الخلاء الواسع المظلم الذي أطلق عليه الناس اسم «المجهول» لكثرة ما يجتاحه من كائنات غريبة، بدءاً من اللصوص وقطاع طرق أو الجن والعفاريت.

كان من بين النساء اللائي عرفهن الشهايبي «نجمة» الجميلة التي كانت تعاني من صداع نصفي لا يهدأ إلا بممارسة الحب العنيف، و«الكاوية» التي عالجت ابنه حمدان باستخدام كي رأسه بالمسامير الحمراء، و«المليحة» صاحبة البيت الذي تتردد عليه نجمة، و«زبيدة» التي طلبت من الشهايبي أن يتزوجها بعد وفاة زوجها، لكنه رفض، مصراً على أن يفي بوعده لفاطمة وألا يتزوج عليها.

بموت فاطمة حاول أن يفي بوعده لزبيدة، فطلب من بناته أن يذهبن لخطبتها له، لكنهن أبلغن أبناءه الذكور، واتفقوا جميعاً على منعه من الزواج، بل تهديد زبيدة في بيتها بالموت حال قبولها بالزواج من أبيهم. فقرر الشهايبي أن يتحدى أبناءه ويتزوجها، لكنها رفضت قائلة إنها لا تريد أن تخسر معاش زوجها.