ما تعهدات حكومة الشرع لواشنطن لتخفيف العقوبات؟

«رويترز» نشرت مضمون رسالة سورية إلى الإدارة الأميركية

سوريون يحتفلون برفع العلم السوري الجديد في مقر الأمم المتحدة بنيويورك الجمعة (رويترز)
سوريون يحتفلون برفع العلم السوري الجديد في مقر الأمم المتحدة بنيويورك الجمعة (رويترز)
TT

ما تعهدات حكومة الشرع لواشنطن لتخفيف العقوبات؟

سوريون يحتفلون برفع العلم السوري الجديد في مقر الأمم المتحدة بنيويورك الجمعة (رويترز)
سوريون يحتفلون برفع العلم السوري الجديد في مقر الأمم المتحدة بنيويورك الجمعة (رويترز)

ردّت سوريا كتابياً على قائمة شروط أميركية لرفع جزئي محتمل للعقوبات، قائلة إنها طبّقت معظمها؛ لكن البعض الآخر يتطلّب «تفاهمات متبادلة» مع واشنطن، وفقاً لنسخة من رسالة قالت وكالة «رويترز» إنها اطّلعت عليها.

وسلّمت الولايات المتحدة سوريا، خلال الشهر الماضي، قائمة بثمانية شروط تريد من دمشق الوفاء بها، بينها تدمير أي مخزونات متبقية من الأسلحة الكيماوية وضمان عدم منح أجانب مناصب قيادية في الحكم.

وسوريا في أمسّ الحاجة إلى تخفيف العقوبات حتى يتعافى اقتصادها الذي انهار تحت وطأة حرب امتدت 14 عاماً، فرضت خلالها الولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا عقوبات صارمة، في محاولة للضغط على الرئيس السابق بشار الأسد.

جلسة لمجلس الأمن بشأن سوريا في نيويورك الجمعة (أ.ف.ب)

وأصدرت الولايات المتحدة في يناير (كانون الثاني) إعفاء لمدة ستة أشهر من بعض العقوبات لتشجيع المساعدات؛ لكن تأثير هذا الإجراء كان محدوداً.

وأبلغت مصادر «رويترز» في مارس (آذار) أن واشنطن ستمدّد هذا التعليق لمدة عامَيْن، إذا جرت تلبية جميع المطالب الأميركية، وربما تُصدر إعفاء آخر.

وكانت «رويترز» أول من أورد أن المسؤولة الأميركية الكبيرة، ناتاشا فرانشيسكي، سلّمت قائمة الشروط إلى وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، في لقاء جمعهما على هامش «مؤتمر المانحين لسوريا» في بروكسل في 18 مارس.

وسعى الشيباني، في أول كلمة له أمام مجلس الأمن، التابع للأمم المتحدة، أمس الجمعة، إلى إظهار أن بلاده تلبي بالفعل هذه المطالب، بما في ذلك ما يتعلّق بالأسلحة الكيماوية والبحث عن أميركيين مفقودين في سوريا.

وجاءت كلمته متوافقة مع محتوى رسالة سوريا الخاصة إلى الولايات المتحدة، التي اطّلعت «رويترز» على نسخة غير مؤرخة منها. ولم يُنشر محتوى هذه الرسالة سابقاً.

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني خلال جلسة لمجلس الأمن بشأن سوريا الجمعة (أ.ب)

وقال مسؤولان غربيان ومسؤول سوري مُطلع على الرسالة، إنها تتوافق مع النسخة التي اطلعت عليها «رويترز».

في الوثيقة المكونة من أربع صفحات، تتعهد سوريا بإنشاء مكتب اتصال في وزارة الخارجية مهمته البحث عن الصحافي الأميركي المفقود أوستن تايس، كما تورد بالتفصيل إجراءاتها للتعامل مع مخزونات الأسلحة الكيماوية، ومنها تعزيز روابط الاتصال مع منظمة حظر الأسلحة الكيماوية.

لكن الرسالة لم تورد الكثير من التفاصيل عن مطالب رئيسية أخرى، مثل إبعاد المقاتلين الأجانب ومنح الولايات المتحدة الإذن بشن ضربات لمكافحة الإرهاب.

وأكد متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية أن واشنطن تلقّت رداً من السلطات السورية على طلب أميركي باتخاذ «تدابير محددة ومفصلة لبناء الثقة». وقال: «نقيّم الآن الرد، وليس لدينا ما نقوله (عن الأمر) في الوقت الحالي». وأشار إلى أن الولايات المتحدة «لا تعترف بأي كيان بوصفه الحكومة السورية، وأن أي تطبيع للعلاقات في المستقبل سيُحدَّد بناء على الإجراءات التي تتخذها السلطات المؤقتة».

المقاتلون الأجانب

جاء في الرسالة أن المسؤولين السوريين ناقشوا مسألة المقاتلين الأجانب مع المبعوث الأميركي السابق، دانيال روبنستاين، لكن المسألة «تتطلّب جلسة مشاورات أوسع».

المندوبة الأميركية دوروثي شيّا تلقي كلمة خلال جلسة لمجلس الأمن بشأن سوريا الجمعة (رويترز)

كما ذكرت الرسالة أن ما يمكن تأكيده في الوقت الحالي هو أن إصدار الرتب العسكرية تمّ تعليقه بعد إعلان ترقية ستة أفراد في وقت سابق، في إشارة واضحة إلى تعيين مقاتلين أجانب في ديسمبر (كانون الأول)، منهم مقاتلون من الإيغور وأردني وتركي في مناصب بالقوات المسلحة السورية. ولم تذكر الرسالة ما إذا كان قد تمّ تجريد هؤلاء المقاتلين الأجانب من الرتب التي حصلوا عليها، ولم تشر أيضاً إلى الخطوات التي سيتم اتخاذها في المستقبل.

وقال مصدر مطلع على نهج الحكومة السورية بهذا الشأن، إن دمشق ستؤجل التعامل مع هذه القضية قدر الإمكان، نظراً إلى أنها ترى أن المقاتلين الذين ساعدوا في الإطاحة بالأسد من غير السوريين يجب أن يُعاملوا معاملة حسنة.

وحول طلب الولايات المتحدة التنسيق في مسائل مكافحة الإرهاب والقدرة على تنفيذ ضربات على أهداف إرهابية، قالت الرسالة إن «الأمر يتطلّب تفاهمات متبادلة».

وشملت الرسالة تعهداً بأن الحكومة السورية الجديدة لن تتسامح مع أي تهديدات للمصالح الأميركية أو الغربية في البلاد، وتعهداً كذلك باتخاذ «الإجراءات القانونية المناسبة»، دون أن تذكر تفاصيل.

وقال مسؤول سوري مطلع على الرسالة، إن المسؤولين السوريين يفكرون في سبل أخرى لإضعاف المتطرفين من دون منح الولايات المتحدة إذناً صريحاً بتنفيذ ضربات، باعتبار ذلك خطوة مثيرة للجدل بعد أن تعرّضت سوريا لسنوات للقصف من قوات جوية أجنبية خلال الحرب.

غير بيدرسون المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا يتحدث إلى مجلس الأمن عبر تقنية الفيديو خلال جلسة طارئة بشأن سوريا في 3 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

تعهد بعدم تهديد إسرائيل

قال دبلوماسي رفيع المستوى ومصدر آخر مطلع على الرسالة لـ«رويترز» إنهما يعدّان أن الرسالة تناولت خمسة مطالب بالكامل، لكن بقية المطالب ظلّت «معلّقة».

وأشارا إلى أن الرسالة تم توجيهها في 14 نيسان (أبريل)، أي قبل 10 أيام فقط من وصول الشيباني إلى نيويورك للإدلاء بكلمة أمام مجلس الأمن. ولم يتضح ما إذا كانت الولايات المتحدة أرسلت رداً على الرسالة السورية.

وقال مسؤول سوري ومصدر أميركي مطلع على الرسالة إن الشيباني كان من المقرر أن يناقش محتواها مع مسؤولين أميركيين خلال زيارته لنيويورك.

وذكرت سوريا في رسالتها أنها تأمل في أن تؤدي الإجراءات المتخذة، التي وصفتها بأنها «ضمانات»، إلى اجتماع لمناقشة كل نقطة بالتفصيل، بما في ذلك إعادة فتح السفارات ورفع العقوبات.

وحول المسلحين الفلسطينيين في سوريا، قالت الرسالة إن الشرع شكّل لجنة «لمراقبة أنشطة الفصائل الفلسطينية»، وإنه لن يُسمح بوجود فصائل مسلحة خارج سيطرة الدولة.

وجاء إرسال الرسالة قبل أيام فقط من اعتقال سوريا فلسطينيين اثنين من قيادات «حركة الجهاد الإسلامي».

وذكرت الرسالة أنه «في حين يمكن أن تستمر المناقشات حول هذه المسألة، فإن الموقف العام هو أننا لن نسمح بأن تصبح سوريا مصدر تهديد لأي طرف، بما في ذلك إسرائيل».

وأقرت الرسالة أيضاً بوجود «تواصل مستمر» بين سلطات مكافحة الإرهاب السورية وممثلي الولايات المتحدة في العاصمة الأردنية عمّان، بشأن مكافحة تنظيم «داعش»، وقالت إن سوريا تميل إلى توسيع هذا التعاون.

ولم ترد تقارير من قبل عن محادثات مباشرة بين سوريا والولايات المتحدة في عمّان.

بيدرسون - الشيباني

أعلن المبعوث الأممي لسوريا، غير بيدرسون، اليوم (السبت)، إنه أجرى نقاشاً مثمراً في نيويورك مع الشيباني حول عدد من القضايا الرئيسية، وذلك على هامش الإحاطة التي قدمها في مجلس الأمن.

وقال بيدرسون، في حسابه الرسمي على منصة «إكس»: «أكدت لوزير الخارجية السوري أن الشمول والشفافية أساسيان للخطوات التالية من الانتقال السياسي»، مشيراً إلى أنه اتفق مع وزير الخارجية السوري على مواصلة الحوار في دمشق قريباً.

أضاف: «شددت على التوصل إلى حلول وسط وتعميق الحوار لدمج الشمال الشرقي عبر عملية سورية-سورية».

جرى ذلك في اجتماع على هامش الإحاطة التي قدّمها بيدرسون في مجلس الأمن بنيويورك.


مقالات ذات صلة

الأمن السوري ينفّذ عملية في اللاذقية ويقضي على قائد «سرايا الجواد»

المشرق العربي عناصر من قوات الأمن السوري (سانا)

الأمن السوري ينفّذ عملية في اللاذقية ويقضي على قائد «سرايا الجواد»

نفّذ الأمن السوري  السوم الثلاثا في محافظة اللاذقية شمال غرب سوريا، عملية نوعية استهدفت أحد أبرز معاقل ميليشيا ما يُسمّى بـ”سرايا الجواد” في ريف جبلة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عناصر من الجيش السوري (سانا) p-circle

قتيل من الجيش السوري بهجوم في دير الزور... و«داعش» يتبنى

أفادت وسائل إعلام سورية، اليوم، بمقتل أحد عناصر الجيش السوري في دير الزور في هجوم شنه مسلحون مجهولون على مقر ‌للجيش في محيط مدينة الميادين بدير الزور.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله الوزير أسعد الشيباني في الرياض فبراير الحالي (الخارجية السعودية)

فيصل بن فرحان والشيباني يبحثان مستجدات سوريا

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع نظيره السوري أسعد الشيباني، مستجدات الأوضاع في سوريا والمنطقة والجهود المبذولة حيالها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي محافظ الرقة عبد الرحمن سلامة يتوسط القيادي في قوات «الأسايش» محمود خليل وقائد قوى الأمن الداخلي بمحافظة الحسكة العميد مروان العلي (متداولة)

تشكيل لجنة لتأمين عودة النازحين الأكراد إلى منازلهم في الرقة

أُعلن في مدينة الرقة عن تشكيل لجنة لتأمين عودة آمنة للنازحين الأكراد إلى ديارهم في محافظة الرقة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي قوة تابعة للسلطات السورية بمحافظة الرقة 24 يناير 2026 (أ.ب)

هجوم ثانٍ لـ«داعش» على حاجز السباهية في الرقة

اغتال مجهولون أربعة عناصر من الجيش العربي السوري بمحيط مدينة تل أبيض شمالي الرقة، صباح اليوم واستهدف «داعش» حاجز السباهية غرب الرقة لليوم الثاني.

«الشرق الأوسط» (لندن)

وزيرة التربية في جنوب لبنان دعماً للمدارس المتضررة في الحرب

الوزيرة ريما كرامي ومسؤولون دوليون يلتقون تلامذة في جنوب لبنان (اليونيسف)
الوزيرة ريما كرامي ومسؤولون دوليون يلتقون تلامذة في جنوب لبنان (اليونيسف)
TT

وزيرة التربية في جنوب لبنان دعماً للمدارس المتضررة في الحرب

الوزيرة ريما كرامي ومسؤولون دوليون يلتقون تلامذة في جنوب لبنان (اليونيسف)
الوزيرة ريما كرامي ومسؤولون دوليون يلتقون تلامذة في جنوب لبنان (اليونيسف)

تخطت قيمة المساعدات الدولية لقطاع التعليم الرسمي في جنوب لبنان، هذا العام، الـ14 مليون دولار، مع إعلان «اليونيسف» دعم المدارس الرسمية في المنطقة لضمان تمكّن الأطفال من متابعة تعليمهم في بيئة مستقرة وآمنة، وذلك خلال زيارة وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي للمنطقة.

وجالت كرامي مع الشركاء المانحين في الصندوق الائتماني للتربية، وممثلين للاتحاد الأوروبي، و«اليونيسف» في عدد من المدارس الرسمية في جنوب لبنان، تأكيداً للالتزام المشترك لحماية حق الأطفال في التعليم وضمان استمرار التعلم في المناطق الأكثر تأثراً.

وشكلت الزيارة، بحسب بيان صادر عن «اليونيسف»، محطة مهمة تعكس الجهود الوطنية والدولية المتواصلة لصون التعليم، في وقت لا تزال فيه المدارس والأطفال في المناطق الحدودية الجنوبية يواجهون تحديات ومخاطر متواصلة.

الوزيرة ريما كرامي ومسؤولون دوليون خلال زيارتهم جنوب لبنان (اليونيسف)

ومن خلال شراكتها مع وزارة التربية والتعليم العالي، وبدعم من المانحين، لا سيما الاتحاد الأوروبي، وألمانيا عبر «بنك التنمية الألماني» (KfW)، وفرنسا عبر «الوكالة الفرنسية للتنمية» (AFD)، وسويسرا، تم الإعلان عن تمويل إضافي بقيمة 570 ألف دولار أميركي، يُضاف إلى 13.8 مليون دولار أميركي كان قد سبق تخصيصها لدعم التعليم الرسمي وغير الرسمي في محافظتي الجنوب والنبطية خلال العام الدراسي الحالي. ويهدف هذا الدعم إلى استمرار التعلم وتعزيز قدرة المدارس الرسمية على إبقاء أبوابها مفتوحة وجاهزة لاستقبال التلامذة في بيئة آمنة.

وقالت كرامي: «آمنت منذ اليوم الأول لتسلم مهامي في وزارة التربية بضرورة إيلاء قرى الحافة الأمامية (الحدودية) اهتماماً إضافياً، وقد ترجمنا هذا الالتزام بخطوات عملية وواضحة، لأن التعليم لا ينتظر، ولأن أبناء الجنوب يستحقون أن تبقى مدارسهم مفتوحة، وآمالهم محفوظة، ومستقبلهم محمياً».

الوزيرة ريما كرامي ومسؤولون دوليون يتفقدون مدرسة كانت تعرضت لأضرار نتيجة الحرب في جنوب لبنان (اليونيسف)

بدوره، قال القائم بالأعمال بالإنابة لبعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان سامي سعادة: «يؤكّد الاتحاد الأوروبي وقوفه الثابت إلى جانب لبنان وقطاعه التعليمي الرسمي»، وأعلن عن تخصيص مساهمة إضافية بقيمة 570 ألف دولار أميركي لدعم 37 مدرسة متضرّرة من النزاع في جنوب لبنان، موضحاً أنه «تمّ اختيار المدارس استناداً إلى مستوى هشاشتها، وحجم حاجاتها الفعلية، وعدد التلامذة الملتحقين بها».

وقال ممثل «اليونيسف» في لبنان ماركو لويجي كورسي: «يجب أن يستمر التعلّم، حتى في أصعب الظروف». وأضاف: «نعمل في (اليونيسف) على أن تبقى المدارس الرسمية في جنوب لبنان مساحات آمنة تمنح الأطفال الاستقرار والدعم والشعور بالحياة الطبيعية، رغم كل التحديات». وقال إن «هذه الزيارة والدعم الإضافي اليوم يؤكدان التزامنا الثابت بالوقوف إلى جانب الأطفال، وضمان عدم انقطاع تعليمهم، وتعزيز النظام التعليمي الرسمي ليبقى سنداً لكل طفل، في كل وقت».


الانسداد السياسي في العراق يتواصل ويعرقل تشكيل الحكومة الجديدة

أحد اجتماعات قوى «الإطار التنسيقي» (وكالة الأنباء العراقية)
أحد اجتماعات قوى «الإطار التنسيقي» (وكالة الأنباء العراقية)
TT

الانسداد السياسي في العراق يتواصل ويعرقل تشكيل الحكومة الجديدة

أحد اجتماعات قوى «الإطار التنسيقي» (وكالة الأنباء العراقية)
أحد اجتماعات قوى «الإطار التنسيقي» (وكالة الأنباء العراقية)

مضى أكثر من 4 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية العامة في العراق مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وباستثناء حسم ملف رئاسة البرلمان التي ذهبت إلى المكون السني، ما زال المكونان الشيعي والكردي يدوران في حلقة مفرغة من التنافس، والخلافات التي تعرقل حسم ملفي رئاستي الوزراء، والجمهورية، في ظل اتهامات متبادلة بالمسؤولية عن التعطيل.

ورغم انتهاء التوقيتات الدستورية المحددة لتشكيل الحكومة، ورغم الاجتماعات، واللقاءات شبه الدورية التي يجريها الطرفان، الشيعة والكرد، مع بقية المنافسين، والأطراف، إلى جانب الضغوط الدولية والإقليمية التي يتعرضان لها، فإن مؤشرات حسم ملف الكابينة الحكومية الجديدة ما زالت غير واضحة، ويتوقع كثير من المراقبين استمرار حالة الانسداد لأسابيع وأشهر مقبلة.

اجتماع «الإطار»

ومثلما يحدث الأمر في كل أسبوع تقريباً، اتجهت أنظار المراقبين، الاثنين، إلى اجتماع قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لرؤية آخر تطورات موقف هذه القوى بشأن ملف الحكومة، خاصة في ظل إصرار نوري المالكي على التمسك بترشيحه لمنصب رئاسة الوزراء حتى مع التأكيدات الأميركية بشأن عدم القبول بهذا الترشيح. غير أن البيان الذي صدر عقب الاجتماع لم يخالف التوقعات، إذ لم يأتِ بجديد في هذا الاتجاه، لكنه سعى ضمنها إلى رمي الكرة بملعب القوى الكردية، وحثها على حسم ملف رئاسة الجمهورية.

نوري المالكي (أ.ف.ب)

وطبقاً للبيان الصادر عن اجتماع «الإطار»، فقد تصدر ملف حسم رئاسة الجمهورية، والتصعيد الإيراني - الأميركي، لكنه لم يتحدث عن «معضلة» رئاسة الوزراء، خاصة بعد التعقيدات الداخلية والخارجية التي ارتبطت بمرشحه نوري المالكي.

ورداً على ما يتردد على نطاق واسع بشأن الانقسامات داخل صفوفه، أكد «المجتمعون حرصهم الشديد على وحدة (الإطار التنسيقي)، وتماسكه، استمراراً منه بالوفاء للثقة المتكررة التي منحها له المصوتون بالانتخابات».

وطالب «الإطار التنسيقي» من وصفهم بـ«الإخوة في الحزبين الكرديين» ويقصد «الحزب الديمقراطي الكردستاني»، وحزب «الاتحاد الوطني» بـ«حسم رئاسة الجمهورية حفاظاً على الاستحقاقات الوطنية»، في إشارة «إطارية» إلى أن القوى الكردية هي التي تقف وراء عرقلة تشكيل الحكومة لعدم اتفاقها على مرشح واحد لرئاسة الجمهورية الذي يقوم بدوره وبعد التصويت عليه في البرلمان بتكليف مرشح «الكتلة الأكبر» لتشكيل الحكومة.

ومهما قدمت القوى «الإطارية» من ذرائع لتبرير مشكلة تأخير تشكيل الحكومة، فإنها تواجه غالباً اتهامات بالمسؤولية عن هذا التأخير، ذلك أن القوى الكردية لا تملك أكثر من 60 من أصل 329 مقعداً في البرلمان، ويشير معظم المنتقدين لقوى «الإطار» إلى أن بإمكانها انتخاب رئيس للجمهورية حتى من دون موافقة الكرد، باعتبار أنها بحاجة إلى 220 مقعداً برلمانياً لهذا التمرير، وهي قادرة على تحقيق هذا الرقم في حال اتفاقها مع بقية الأحزاب، والقوى السنية العربية.

مع ذلك، باتت الأنباء الخارجة من كواليس قوى «الإطار التنسيقي» تعزو أسباب الانسداد إلى تمسك المالكي بترشيحه لمنصب رئاسة الوزراء.

أسباب تمسك المالكي

وعن الأرضية التي يستند إليها المالكي في إصراره على ترشيحه، يعدد الباحث والمختص بشؤون الأحزاب الإسلامية إبراهيم العبادي «ثلاثة أسباب» حول ذلك.

ويقول العبادي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «أول تلك الأسباب هو المرتبط بترشيح (الإطار التنسيقي) وبالأغلبية، ولم يسحب أو يتراجع عن هذا الترشيح، حيث ما زالت هذه القوى على موقفها، رغم ما يقال من أن بعض الذين وقفوا إلى جانب المالكي في طريقهم إلى تغيير هذا الموقف، لكن إلى الآن لم يتحقق ذلك عملياً».

ويعتقد العبادي أن المناخ السياسي الضاغط في العراق، ثاني الأسباب، إذ إن هذا المناخ «يجعل القوى السياسية تخشى من تبديل مواقفها خشية الاتهام بالجبن، والخوف، وعدم الثبات، والاستقرار على شعاراتها، لا سيما أن من أيد ترشيح المالكي أكثرهم من القوى التي تعلن الدفاع عن السيادة، ورفض التدخل في شؤون العراق الداخلية، لا سيما من الجانب الأميركي». ويرى أن «أي استجابة منهم للضغط الأميركي تعني تناقضاً في الخطاب، وهزيمة لمشروعهم السياسي».

ويشير العبادي إلى عامل ثالث هو «الخصال الذاتية والنفسية للمالكي التي تتميز بالصلابة، وعدم التراجع أمام الضغوط».

رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته محمد شياع السوداني مستقبلاً توم براك مبعوث الرئيس الأميركي الاثنين (رويترز)

ويضيف أن المالكي بصدد انتظار حصول تغيير في مواقف الرافضين له «وهو هنا يعتقد أن الأميركيين سيغيرون رأيهم إذا لمسوا ثباتاً في مواقف (الإطار التنسيقي)، وتمسكاً بالمرشح المعلن، ولذلك يصر المالكي على الثبات على موقفه، مراهناً على عامل الزمن، واحتمالية حصول انعطافة في الموقف الأميركي، عبر تمرير رسائل سرية وعلنية لواشنطن مفادها بأنه مستعد للتوافق معها في تحقيق الأهداف التي تريد تحقيقها، وفي مقدمتها حصر السلاح، وإصلاح القضاء، والاقتصاد».

ويخلص العبادي إلى القول: «ليس لدى (الإطار التنسيقي) القدرة على اجتراح حل لتشكيل الحكومة خلال وقت قصير، إنما تراهن بعض قوى الإطار حالياً على انسحاب المالكي، أو اعتذاره لاختيار شخص آخر بديل له، والمضي في مشوار تشكيل الحكومة».

عوامل تأخير متداخلة

على الجانب الكردي، يرفض مصدر كردي مسؤول تحميل الكرد مسؤولية تشكيل الحكومة، ويؤكد المسؤول الذي يفضل عدم الإشارة إلى اسمه لـ«الشرق الأوسط» أن «القوى الكردية حسمت موقفها من مرشح رئاسة الجمهورية، لكنها تتريث في الإعلان عنه كي لا تتسبب في حرج لقوى (الإطار) الشيعية التي لم تحسم أمرها بعد من مرشح رئاسة الوزراء».

لكن القيادي في حزب «الاتحاد الوطني الكردستاني» سوران الداودي يعتقد أن تأخير تشكيل الحكومة الاتحادية «يرتبط بعوامل متداخلة، ولا يمكن اختزاله في مسار واحد فقط، سواء على مستوى البيت الكردي، أو داخل القوى الشيعية». وقال الداودي لـ«الشرق الأوسط» إنه «على الصعيد الكردي، لا تزال المفاوضات قائمة بين حزبي (الاتحاد الوطني) و(الديمقراطي الكردستاني) حول ملف رئاسة الجمهورية، حيث توجد أجواء تفاهم متقدمة، لكنها لم تصل حتى الآن إلى اتفاق نهائي حاسم، في ظل إصرار (الاتحاد الوطني) على مرشحه باعتبار أن ذلك استحقاق سياسي ودستوري».

وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق كردي داخلي، يرى القيادي في «الاتحاد الوطني» أن حزبه «سيعوّل على الفضاء الوطني داخل البرلمان العراقي، وعلى الإرث السياسي الذي تركه الرئيس الراحل جلال طالباني في ترسيخ العلاقات الوطنية مع بغداد، وهو رصيد ما زال مؤثراً في المشهد السياسي الحالي، إلى جانب الحراك المكثف الذي يقوده بافل جلال طالباني في الأيام الأخيرة لدفع العملية السياسية نحو الحسم».

أما على مستوى رئاسة الوزراء، فيعتقد الداودي أن «الانقسام داخل القوى الشيعية يشكّل عاملاً أساسياً في إطالة أمد المشاورات، وهو لا يقل تأثيراً عن الخلاف الكردي، في ظل ارتباط ملفات الرئاسات الثلاث بتسوية سياسية شاملة».


هل أجرت «حماس» مراجعات لهجوم 7 أكتوبر؟

أرشيفية لزعيم «حماس» في غزة يحيى السنوار وإلى جواره إسماعيل هنية في عام 2017 (رويترز)
أرشيفية لزعيم «حماس» في غزة يحيى السنوار وإلى جواره إسماعيل هنية في عام 2017 (رويترز)
TT

هل أجرت «حماس» مراجعات لهجوم 7 أكتوبر؟

أرشيفية لزعيم «حماس» في غزة يحيى السنوار وإلى جواره إسماعيل هنية في عام 2017 (رويترز)
أرشيفية لزعيم «حماس» في غزة يحيى السنوار وإلى جواره إسماعيل هنية في عام 2017 (رويترز)

في أحد أقسام سجن «عوفر» الإسرائيلي قرب رام الله وسط الضفة الغربية، لم يتوان أحد الوجوه القيادية في «حماس»، عن مهاجمة قيادة الحركة وخاصةً يحيى السنوار، بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وما تسبب فيه من نتائج كارثية على الفلسطينيين عموماً، والأسرى خصوصاً، الذين تعرضوا لتعذيب شديد وسحب كل الامتيازات التي كانت متاحة لهم.

الشخصية القيادية الحاصلة على دكتوراه ومختص بالعلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية، والشأن الإسرائيلي، وغالبيتها شهادات حصل عليها خلال رحلة أسره السابقة التي امتدت لسنوات طويلة بعد أن اعتقل عام 2002 وحُكم عليه بالمؤبد 4 مرات، هو من سكان طمون شمال الضفة. وكان أبعد إلى قطاع غزة خلال صفقة جلعاد شاليط عام 2011، قبل أن يُعتقل من مجمع الشفاء الطبي في شهر مارس (آذار) 2024. وكان الرجل على علاقة جيدة مع السنوار خاصةً بعد تحريرهم من السجون الإسرائيلية، إلى جانب قيادات أخرى من «حماس» بينها علي العامودي الأسير المحرر الذي يقود حالياً «حماس» في غزة.

لم تكتفِ تلك الشخصية بالانتقاد الحاد لسياسة السنوار، بل وجه شتائم للعديد من قيادات «حماس» ولقطاع غزة، حسبما نقل عنه أسرى آخرون في حديث لـ«الشرق الأوسط»، حيث كانوا برفقته في السجن، قبل أن يفرج عنهم وعنه لاحقاً في صفقات التبادل.

وقامت شخصيات من «حماس» بمراجعة الأسير المحرر بما صدر عنه، فقال إنه قام بذلك تحت ضغط التحقيق الإسرائيلي، ليتم لاحقاً استبعاده من مهام كانت موكلة إليه بسبب سلوكه داخل السجن.

أسرى فلسطينيون يلوّحون بأيديهم بعد الإفراج عنهم من سجن «عوفر» الإسرائيلي 13 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

لا مكان للرأي الآخر

اللافت أن هذا الشخص كان أحد أعضاء لجنة «دعم القرار السياسي» التي شكلها السنوار، كما كان مرشحاً عن الحركة في الانتخابات الفلسطينية العامة التي كانت ستُجرى في مايو (أيار) 2021، قبل أن يلغيها الرئيس محمود عباس. كذلك كان مسؤولاً عن مركز دراسات خاص بالشأن العبري يتبع للحركة، وكانت «حماس» تستخدمه لفترات طويلة كوجه إعلامي مهم ينقل رسائلها بشكل أو بآخر عبر مواقع التواصل الاجتماعي للترويج لسياساتها.

وفي «حماس» ثمة رأي غالب بأن تلك «حالة فردية»، ولا تمثل إجماعاً داخل الحركة وفي أطرها المختلفة، وهو ما فتح سؤالاً جديداً، حول ما إذا كانت الحركة تقبل أي مراجعات أو أنها تشعر بالندم لهجومها الذي فتح حرباً إسرائيلية خلّفت أكثر من 72 ألف قتيل.

تقول مصادر في «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، إن بعض المراجعات الطفيفة لما جرى قد حدث بالفعل بين الأطر القيادية، لكن لم يستطع أي قيادي تحمل مسؤولية اتخاذ موقف واضح يعارض ما جرى، لأسباب عدة منها الخشية من كيل الاتهامات له، فيما انتقد البعض فقط عدم إشراك القيادات السياسية بالهجوم.

بينت المصادر أن قيادة «حماس» السياسية لم يكن لديها علم بتفاصيل هجوم السابع من أكتوبر، وكانت أيدت فقط فكرة تنفيذ هجوم استباقي ضد إسرائيل التي كانت تخطط بدورها لعملية استباقية ضد القيادات آنذاك، كما فعلت مع «الجهاد الإسلامي». لكن قيادة الحركة لم تكن على اطلاع بالتفاصيل وعلى حجم الهجوم وتوقيته، مستدلةً بذلك على الزيارة التي كان سيقوم بها وفد كبير برئاسة إسماعيل هنية إلى العراق في ذلك اليوم، قبل أن يتم تأجيل الزيارة بسبب الهجوم.

ولم يُبدِ أي قيادي في «حماس» خلال لقاءات صحافية، أي معارضة أو تعبير عن ندم الحركة إزاء ذلك الهجوم، بل كان هناك دعم إعلامي شامل له واعتبار أنه أعاد القضية الفلسطينية للواجهة مجدداً، ومنع تعمق إسرائيل في اتفاقيات التطبيع مع دول عربية وإسلامية، وأجهض مخططاتها بهذا الشأن.

لافتة تُصوّر زعيم «حماس» الراحل يحيى السنوار خلال مظاهرة احتجاجية ضد إسرائيل في صنعاء (إ.ب.أ)

رواية واحدة لـ«الطوفان»

أصدرت «حماس» في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2025، كتاباً أطلقت عليه «رواية طوفان الأقصى... عامان من الصمود وإرادة التحرير»، باللغتين العربية والإنجليزية، سردت فيه أسباب هجوم السابع من أكتوبر، وما تخلله من أحداث، وما تبعه من نتائج وحرب إسرائيلية استمرت عامين، معتبرةً أن ما جرى في ذلك اليوم «لم يكن حدثاً عسكرياً فحسب، بل لحظة ميلاد مجيد، وانبعاث وعي حر لا خداع فيه ولا تزييف»، مؤكدةً تمسكها بـ«المقاومة»، مضيفةً: «بعد عامين من الإبادة والصمود، تتجلى روايتنا واضحة جلية: شعبٌ لا يُمحى، ومقاومةٌ باقية ولا تُهزم، وذاكرةٌ لا تُنسى».

وأضافت في مقدمة روايتها التي تضمنت 8 فصول أبرزها دوافع وسياقات الهجوم: «إن الدولة الفلسطينية المستقلة، وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين إلى أرضِهم، ليست حُلماً، بل هدف تقره كل المواثيق الدولية والإنسانية، واستحقاقٌ تاريخي وسياسي يفرضه شعب صمد تحت الإبادة ولم ينكسر».

وباستمرار تواظب منصات «حماس» الإعلامية على نشر مقتطفات من تلك الرواية التي لاقت عند نشرها انتقادات كثيرة من معارضي ومنتقدي الحركة، سواء من الكتّاب والمثقفين أو بعض النشطاء المؤثرين على شبكات التواصل الاجتماعي.

خيام وملاجئ في مخيم للنازحين قرب ساحة الجندي المجهول في مدينة غزة (أ.ف.ب)

شعور بالخذلان

ما يمكن تأكيده على الأقل في المرحلة الراهنة، أن قادة «حماس»، وإن كانوا يشعرون بقسوة ما جرى للغزيين، فإنهم لا يستطيعون سوى الظهور مؤيدين لما جرى، باعتبار أنها حركة تمتلك فكرة «المقاومة المسلحة» منذ تأسيسها، كما أنها تشعر بـ«الخذلان» من أطراف ما يسمى «محور المقاومة»، خاصةً في ظل الحديث المتكرر إعلامياً عن «وحدة الساحات». وذلك الشعور ينسحب أيضاً على بعض الفلسطينيين من أهالي الضفة الغربية والقدس وسكان الخط الأخضر، الذين شاركوا بما عرف بمعركة «سيف القدس» عام 2021، التي يبدو أن نتائجها على سكان تلك المناطق كان له وقع خاص منع تحركهم ميدانياً ضد إسرائيل.