الشباب العربي يريد قائداً قوياً ودوراً أكبر للدين

دراسة ألمانية بمشاركة 12 ألف مستطلع لفهم طوايا «الجيل المحروم»

الشباب العربي يريد قائداً قوياً ودوراً أكبر للدين
TT

الشباب العربي يريد قائداً قوياً ودوراً أكبر للدين

الشباب العربي يريد قائداً قوياً ودوراً أكبر للدين

مفاجآت عدّة وإجابات غير متوقعة، تحملها الدراسة التي أجرتها مؤسسة «فريدريش إيبرت» الألمانية على 12 ألف شاب وشابة من العالم العربي، تتراوح أعمارهم بين 16 و30 عاماً. فهؤلاء أبدوا رغبة في أن تتحمل الدولة المزيد من المسؤوليات في رعايتهم، لكنهم في الوقت نفسه غير راغبين في الانخراط في الأحزاب السياسية. وهم ينظرون إلى السياسة على أنها رديف للفساد والانتهازية، ولا يحبّذون أن يكونوا جزءاً منها. لكن الأكثر لفتاً للانتباه، هو أن الشباب العربي لا يرى الديمقراطية عنصراً حاسماً في صلاح الحكم، بقدر ما يبحث عن القائد القوي الذي يمكن أن ينجو بالسفينة. ومما يدعو إلى الاهتمام هو اعتبار الأغلبية الساحقة من الشباب، في البلدان التي أجريت فيها الاستطلاعات، أن الدين يجب أن يلعب دوراً أكبر في تسيير الحياة. ومن المفارقات، أن الأبحاث التي ترصد الجوع وتصف جيلاً بأكمله بالحرمان، تظهر هي نفسها أن الشباب العربي مفعم بالأمل، وأنه مقبل على الحياة، رغم أنه لا يشعر بالرضا عن واقعه، وهذا أمر في غاية الأهمية.

بعد المأزق جاء الحرمان

نقاط أساسية لفهم توجهات الشباب العربي، تطلعاته، رغباته، بواطنه، وما يجول في خاطره؟ وهو ما لا نعرفه بوضوح بسبب غياب الدراسات، أو تشتتها، وربما عدم توفيرها للجمهور العريض. من هنا تأتي أهمية هذه الدراسة الاستطلاعية التي شارك فيها 11 باحثاً وباحثة من ألمانيا، وشملت 11 دولة عربية، هي: الأردن، والجزائر، ومصر، والعراق، واليمن، ولبنان، وليبيا، والمغرب، وفلسطين، والسودان وتونس، إضافة إلى اللاجئين السوريين في لبنان. تمت المقابلات مع المستطلعين، بين عامي 2021 و2022، أي بعد وباء كورونا. حرَّرها كلٌ من يورغ غرتل، ودافيد كروير وفريدريكا ستوليس. وأصدرت «دار الساقي» الدارسة في كتاب من 500 صفحة بترجمة دكتورة شيماء مرزوق، حمل عنواناً دالاً هو «الجيل المحروم». وكانت دراسة أولى قد أجرتها المؤسسة بين عامي 2016 - 2017 رصدت من خلالها توجهات الشباب بعد ثورات الربيع العربي، صدرت في كتاب بعنوان «مأزق الشباب»، بينما تأتي الدراسة الجديدة بعد خمس سنوات، لترصد التغيرات بعد الموجة الثانية للحراك الشعبي عام 2018 الذي شاهدناه في لبنان، والجزائر والسودان.

محاور أساسية

تنقسم الدراسة إلى أربعة محاور رئيسية، تتفرع منها عناوين عدة. المحور الأول حول «الحرمان» والفقر. أما المحور الثاني، فهو حول «الأزمات المتعددة» التي يعاني منها الشباب مثل الجوع والعنف والهجرة، والبيئة. أما المحور الثالث، فهو عن «التوجهات الشخصية» للشباب من خلال الأسرة والتعليم والقيم الفردية والجمعية والدين. في حين يكشف المحور الرابع عن طبيعة «العلاقات الاجتماعية» ومستوى الالتزام الاجتماعي للشباب ونظرتهم للمؤسسات ومدى ثقتهم بها، وصولاً إلى رصد تطلعاتهم وأحلامهم على المستويين الشخصي والجماعي من خلال الإعلام ووسائل التواصل، كذلك السياسة والمشاركة المدنية والآمال والتوقعات.

فيما يخص التدين تظهر الدراسة الميدانية أن غالبية الذين سئلوا يشعرون بأنهم أكثر تديناً اليوم عما كانوا عليه قبل خمس سنوات. وتربط الدراسة بين هذه النتائج، وازدياد الإحساس بعدم اليقين، الذي يعيشه الشباب في مجتمعات متقلبة تعاني أزمات اقتصادية وحروباً وتهديدات مباشرة للحياة. وقد قال الليبيون والمغاربة والأردنيون، إنهم الأكثر تديناً من ذي قبل بعلامة وصلت إلى 8 من 10، في حين انخفضت العلامة التي أعطاها الشباب لتدينهم في لبنان وتونس، لكنها بقيت 6 درجات من 10.

قال أكثر من ثلثي الشباب المستطلعين إنهم غير مهتمين على الإطلاق بالسياسة. وهم حين يتحدثون عن هذا الموضوع فإنما يربطونه في «المقام الأول بالسياسة الحزبية الرسمية» في بلادهم، ولا يحيلون في حديثهم إلى الانخراط في خدمة المجتمع. وهذه النظرة تنبع من الإحباط العام الذي يعانيه الشباب بعد الأزمات المتلاحقة التي عاشتها بلادهم.

الثقة بالقبيلة والجيش

يرغب أكثر من ثلثي المشاركين في أن تلعب الدولة دوراً أكبر في تسيير الحياة اليومية. والنسبة الأكبر جاءت من لبنان 88 في المائة والأدنى من الجزائر 50 في المائة؛ ما يدل على إحساس بغياب الدولة في لبنان، وتدخلها الشديد في الجزائر، بينما يرغب فقط 7 في المائة من المستطلعين، في أن تؤدي الدولة دوراً أقل. والثقة متدنية بالمؤسسات السياسية والقانونية، وانخفضت أكثر عما كانت عليه قبل خمس سنوات، بينما يحظى الجيش بالثقة الأكبر، خصوصاً في الدول ذات الانتماءات القبلية. ففي ليبيا واليمن بعد اشتعال الحروب، يقول الشباب إنهم يثقون بقبائلهم أكثر من ثقتهم بدولتهم. وحين يُسألَون عن النظام السياسي الذي يرغبون فيه، نجد أن نسبة المطالبين بنظام ديمقراطي، قد انخفضت عما كانت عليه قبل خمس سنوات، وعبرت الغالبية عن حاجتها إلى «رجل قوي يحكم البلاد».

ويرغب ثلثا الشباب المسلمين الذين شملهم الاستطلاع، في أن يؤدي الإسلام دوراً أكبر في الحياة العامة. وقد زادت النسبة عما كانت عليه قبل خمس سنوات بمقدار عشر نقاط، وهو تحول ملموس ولافت. وصلت نسبة الذين يريدون دوراً أكبر للدين في فلسطين إلى 90 في المائة، وفي الأردن إلى 84 في المائة، وتحظى - بحسب الدراسة - أفكار الجماعات الإسلامية بشعبية بين الشباب. وهذا يظهر أكثر بين الذين لم يغادروا بلادهم منه عند الذين قضوا وقتاً خارج أوطانهم. كما أنها رغبة موجودة بنسبة أكبر عند الطبقة المتوسطة، التي عبر 70 في المائة منها عن رغبتهم في رؤية الدين يلعب دوراً أبرز في حياتهم، بينما انخفضت النسبة إلى 62 في المائة عند الطبقة الفقيرة أو الغنية. مع ذلك، تبقى نسبة عالية جداً قياساً إلى مجتمعات أخرى.

مفعمون بالأمل لا بالرضا

ومقارنة بالدراسة التي أجريت منذ خمس سنوات، ورغم الظروف الصعبة التي استجدت بقي الشباب محتفظاً بالأمل، وهو أمر مثير للاهتمام. باستثناء النازحين السوريين في لبنان واللبنانيين الذين انخفض بينهم قليلاً الشعور بالأمل، فإن عدد المتشائمين لم يرتفع في العالم العربي، بالقدر الذي يمكن تصوره. على العكس، نصف الجزائريين متفائلون وأكثر من الثلثين في تسع دول أخرى. رغم حالة عدم اليقين الشديدة التي تعيشها بلادهم، يبقى الشباب العربي متفائلاً في رؤيته للمستقبل. ففي جميع الدول التي أجري فيها الاستطلاع، 58 في المائة من الشباب يميلون إلى التفاؤل، و15 في المائة فقط هم من عبروا عن تشاؤمهم، وثلثا الذين سئلوا، قالوا إنهم «واثقون تماماً» أو «إلى حدٍ ما» من تحقيق رغباتهم وطموحاتهم المهنية. لكن هذا لا يعني أن الشباب يشعرون بالرضا عن أوضاعهم والحياة التي يعيشونها، فالتفاوت الطبقي والبطالة والنزاعات المسلحة كلها مصدر قلق، مع ذلك، فإن الشباب في مصر مثلاً رغم معدلات الفقر العالية، أكثر رضا من دول أكثر غنى مثل العراق أو الجزائر، واللاجئون السوريون في لبنان رغم أوضاعهم الحرجة أكثر رضا عن معاشهم من اللبنانيين أنفسهم. ويأتي السودان، حتى في دراسة أجريت قبل الحرب، في مؤخرة اللائحة.

الإعلام ينقل الأخبار السيئة

لا مفاجأة في أن 90 في المائة من المستطلعين يمتلكون هاتفاً ذكياً، وإن انخفضت النسبة قليلاً في اليمن والسودان. لكن الثقة بوسائل الإعلام التقليدية، لا تتجاوز في المتوسط 14 في المائة حين يتعلق الأمر بالمواضيع السياسية، أما أعلى نسبة ثقة فهي في المغرب ولا تتجاوز 26 في المائة. وعكس المتوقع، الثقة بوسائل التواصل ليست أفضل حالاً في ما يتعلق بمواضيع السياسة؛ إذ تبقى عند 16 في المائة. وعلى أي حال، ثلاثة أرباع الشباب يحصلون على معلوماتهم من وسائل التواصل، ويرون وسائل الإعلام بشكل عام، أدواتٍ لنقل الأخبار السيئة.

ورغم الكلام الكثير على الدور السياسي لوسائل التواصل وأهميتها التعليمية، وتعزيزها فرص الحصول على العمل، فإن هذه الدراسة تبين أن الشباب العرب يستخدمون هذه الأدوات بشكل أساسي للتواصل مع عائلاتهم وأصدقائهم، وبدرجة ثانية للاسترخاء وملء وقت الفراغ. وعلى الأرجح أن وسائل التواصل تهدئ الشباب ولا تشحن ثورتهم وغضبهم.

الإيمان أولاً

وحين طُلب من المستطلعين وضع علامة على عشرة فيما يخص إنجازات الحياة التي يريدون تحقيقها، جاء الإيمان بالله على رأس اللائحة، تلاها العثور على شريك ذي ثقة، ثم الشعور بالأمان، تلتها الصحة والمثابرة. ثم نجد الاستقلال المادي والالتزام بقانون الشرف والعار، في الخانة نفسها، وجاء في آخر اللائحة إنجازات من صنف المشاركة في السياسة أو إرضاء الآخرين، أو امتلاك السلطة، أو الانقياد للمشاعر الذاتية.

أما الهجرة بالنسبة للشباب العربي، فهي ليست فقط لأسباب اقتصادية ومالية، بل تحولت في بعض البلدان نوعاً من العادة، وتسجل الدراسة تغيراً في وجهتها؛ إذ لم تعد الدول الغربية هي الهدف الأول، وحلّ مكانها دول الخليج العربي بنسبة 14 في المائة، مقابل 9 في المائة لأوروبا، 6 في المائة إلى آسيا، و3 في المائة إلى أميركا الشمالية ودول جنوب الصحراء.

وتنمو الرغبة في الهجرة في كل من تونس، ولبنان وسوريا لتصل إلى 20 في المائة ومستقرة عند 5 في المائة في مصر والمغرب.

شارك في الدراسة الاستطلاعية 11 باحثاً وباحثة من ألمانيا وشملت11 دولة عربية

لكن هذه الرغبة لا تشهد نموا يذكر في مصر والمغرب؛ إذ لا يتجاوز معدل 5 في المائة، مقارنة بتونس ولبنان وسوريا، التي يتضاعف فيها معدل الرغبة المؤكدة في الهجرة ويقترب من نسبة 20 في المائة.

ويُعدّ الأردن الاستثناء الوحيد من بين دول المنطقة التي شملتها الدراسة، الذي يُسجَّل به تراجعٌ كبيرٌ في معدل الرغبة المؤكدة في الهجرة لدى الشباب، وهو ما يجد تفسيره في إحساس الشباب بأن لديه فرصاً في بلاده، وبأنه لا يشعر بدرجة إقصاء أو تهميش كبيرة.

كما يرصد الباحثون ظهور نوع من ثقافة «الاعتياد على الهجرة» لدى الشباب في مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بيد أن الدراسة تسجل أيضاً تحولاً مهماً في البلدان أو المناطق المقصودة لدى الشباب، اعتماداً على تجاربهم الشخصية في الهجرة. إذ تأتي دول الخليج العربي في المقدمة بنسبة 14 في المائة، مقابل 9 في المائة بأوروبا، وبنسبة 6 في المائة في آسيا، ونسبة 3 في المائة في أمريكا الشمالية ودول جنوب الصحراء.

وشارك في الدراسة 11 باحثاً وباحثة من ألمانيا من تخصصات أكاديمية وحقول متعددة من مناهج العلوم الاجتماعية، كما تمت الاستفادة مما يزيد على مائتي عنوان كتاب ودراسة لباحثين ومراكز دراسات ومؤسسات دولية، حول أوضاع الشباب في العالم العربي.

ويمزج مؤلفو الدراسة في أبحاثهم بين أدوات البحث التجريبي والواقعي لأوضاع الشباب الشخصية والمجتمعية والتحليل الموضوعي للظواهر والسياقات التي يعيشون فيها محلياً وإقليمياً. وهو ما يضفي على هذا العمل البحثي ثراءً في المعلومات والمعطيات عن تضاريس حياة الشباب في الدول العربية، مدعمةً بعشرات الرسوم البيانية، ونظرة تحليلية معمقة لاتجاهات التطور في الأفكار والقيم والعلاقات في المجتمعات العربية.

وتتبع الدراسة عملاً بحثياً سابقاً كان بحجم أقل تم إنجازه في سنتي 2016 و2017؛ وهو ما يشكل أرضية مناسبة برأي المشرفين على الدراسة لإجراء مقارنات واستنتاج اتجاهات تطور الأوضاع في المجتمعات العربية.


مقالات ذات صلة

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

كتب «القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب «تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

أعلنت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، الاثنين، القائمة القصيرة للدورة الثامنة، التي تضم 5 مجموعات قصصية.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم.

منى أبو النصر (القاهرة)

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض
TT

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة، على نحو يعزز مكانته الإقليمية والعالمية منذ بدايته الأولى عام 1969. وتنطلق الدورة الـ57 في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 3 فبراير (شباط) المقبل تحت شعار شديد الدلالة مقتبس عن قول مأثور لنجيب محفوظ وهو «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قروناً».

ووصف وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو النسخة الجديدة بأنها «الأضخم في تاريخ المعرض وستحطم أرقاماً قياسية غير مسبوقة» بمشاركة 1547 دار نشر من 83 دولة، بإجمالي 6637 عارضاً، كما يضم البرنامج الثقافي 400 فعالية أدبية، و100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية، بمشاركة 170 ضيفاً عربياً وأجنبياً، وحضور أكثر من 1500 مثقف ومبدع، عبر قاعات متعددة، من بينها قاعة المؤتمرات التي تستضيف 10 فعاليات في اليوم الواحد لأول مرة.

جدل التاريخ والهوية

وبعيداً عن لغة الأرقام، وعد الوزير في مؤتمر صحافي جمهور المعرض بـ«نسخة استثنائية ذات هوية متفردة ومختلفة، تستلهم روح الإبداع محلياً وإنسانياً، وتفتح آفاقاً أوسع للحوار والمعرفة، ليظل المعرض مساحة حية تلتقي فيها الكلمة بالفكر، والكتاب بالإنسان، لا سيما أنها تأتي عقب حدث عالمي تمثل في افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي أعاد توجيه أنظار العالم إلى مصر وحضارتها العريقة وتاريخها الممتد، وهو ما انعكس على توجه المعرض وبرنامجه الثقافي، حيث يحتفي هذا العام بالهوية المصرية ويعيد قراءة التاريخ بوصفهما مصدراً أصيلاً للإبداع والمعرفة».

ومن جانبه، أكد أحمد مجاهد، الرئيس التنفيذي للمعرض، أن الاحتفاء بالأديب الكبير نجيب محفوظ بعدّه «شخصية المعرض» يتجسد في برنامج متكامل يشمل ندوات فكرية، وعروضاً سينمائية، وأنشطة فنية، من بينها معرض «نجيب محفوظ بعيون العالم»، الذي يضم 40 لوحة فنية لفنانين من مختلف دول العالم، بالتعاون مع الجمعية المصرية للكاريكاتير.

كما أوضح أن «شخصية معرض كتاب الطفل» هذا العام هي الفنان الكبير محيي الدين اللباد، ويتم الاحتفاء بمسيرته عبر ندوات متخصصة، ومعرض لأعماله، وأنشطة تفاعلية للأطفال، وإعادة طباعة عدد من كتبه، إلى جانب إصدار كتاب تذكاري يوثق مسيرته الإبداعية.

مبادرات جديدة

ويشهد المعرض في نسخته المرتقبة، عدة مبادرات جديدة منها «مكتبة لكل بيت»، التي تهدف إلى إعادة الكتاب ليكون جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية داخل البيوت المصرية والعربية، حيث تضم المبادرة مجموعة مختارة من 20 مؤلفاً متنوعاً من أهم ما أصدرته قطاعات وزارة الثقافة، إلى جانب «حقيبة نجيب محفوظ» التي تشمل 15 إصداراً من أبرز أعماله، في إطار دعم القراءة وإتاحة المعرفة للجميع.

واحتفاءً بتراث مصر غير المادي، يشهد المعرض للمرة الأولى إقامة مخيم «أهلنا وناسنا» الذي يقدم التراث الثقافي غير المادي لمحافظات مصر، إلى جانب الصالون الثقافي وجناح الطفل والبرنامج الفني المتنوع، ليؤكد معرض القاهرة الدولي للكتاب أنه رسالة ثقافية متجددة إلى العالم، تعكس الإيمان بدور الثقافة في بناء الوعي، وترسيخ الهوية، وتعزيز الحوار الإنساني.

ومن بين المبادرات الجديدة كذلك إطلاق «جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية» التي تُمنح باسم وزارة الثقافة المصرية، وبرعاية أحد البنوك الوطنية، بقيمة 500 ألف جنيه، وميدالية ذهبية تذكارية. ومن المنتظر أن يتم تنظيم حفل افتتاح فني كبير لأول مرة على مسرح «المنارة» بحي «مدينة نصر» بعنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية»، احتفاءً بمئوية ميلاده، إلى جانب حفل ختام فني بعنوان «غنا القاهرة»، يتضمن تسليم جوائز المعرض، والإعلان عن الفائز بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى.

دعم رقمي للجمهور

وفي إطار جهود دعم جمهور المعرض وتوفير خدمات ميسرة تجعل من زيارتهم تجربة أكثر إمتاعاً، تم استحداث تطبيق موبايل ذكي يهدف إلى تنظيم الجهود الميدانية داخل المعرض، ضمن مبادرات برنامج «أنا متطوع» حيث يعد التطبيق منصة رقمية متكاملة توفّر للزوار مجموعة من الخدمات الذكية، من بينها خريطة تفاعلية لدور النشر، وإمكانية البحث عن عناوين الكتب ومعرفة أماكن الناشرين، إلى جانب عرض أجندة الفعاليات والأنشطة الثقافية اليومية.

كما يتيح التطبيق تحديد أماكن تمركز المتطوعين ومكاتب الاستعلامات، وتقديم تنبيهات لتجنّب مناطق الازدحام، خاصة عند بوابات الدخول. وعلى صعيد الدعم الميداني، يوفّر التطبيق آلية مباشرة لطلب مساعدة المتطوعين، والإبلاغ عن المشكلات أو حالات الطوارئ، وطلب الإسعاف، بما يضمن سرعة الاستجابة ورفع مستوى الأمان والتنظيم داخل المعرض. ويأتي إطلاق التطبيق استجابةً للزيادة المتواصلة في أعداد زوار المعرض خلال السنوات الأخيرة، وحرصاً على توظيف الحلول الرقمية الحديثة في دعم العمل التطوعي، وتعزيز كفاءة المتطوعين بعدّهم أحد الأعمدة الأساسية لنجاح المعرض.

حضور روماني

وتحل دولة رومانيا «ضيف شرف» الدورة الجديدة من المعرض في إطار الاستعداد للاحتفال بمرور 120 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين مصر ورومانيا عام 2026، حيث سيتم تنظيم 30 فعالية على مدار 13 يوماً، بمشاركة 60 ضيفاً من رومانيا، من بينهم 15 فناناً، و10 دور نشر رومانية، ورؤساء جامعات، إلى جانب مشاركة شخصيات رفيعة المستوى، من بينهم وزير الثقافة الروماني في حفل الافتتاح.


«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي
TT

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه - دار نشر الجامعة الأميركية في بيروت، 2026 - هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل، ويتعامل معه كخطاب قابل للفهم، مشروط بالمعرفة والسياق وحال الرائي، ومحكوم بقواعد وآداب للسائل والمسؤول. والكتاب، كما تُبرز مقدّمته، يتحرّك بين ضبط الأصول والانشغال بالتفصيلات التي تُنزل الرؤيا إلى العالم المحسوس، فيبدو الحلم صدى لعلاقات الإنسان بما حوله.

و تُقدّم المقدّمة تمييزاً بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة، وتفريعاً للأولى إلى «رؤيا تدبير» و«رؤيا تبشير» و«رؤيا إلهام»، وللثانية إلى «رؤيا هِمّة» و«رؤيا حديث نفس». ويظهر الاهتمام بألا تكون العبارة استسهالاً، إذ تتكرَّر الإشارة إلى أنّ اختلاف الناس وأحوالهم ينعكس على التأويل، والرؤيا لا تُنتَزع من سياق الرائي انتزاعاً. كما يتوقَّف الكتاب عند فكرة تداول علم التعبير وترجماته، ويَذكر ترجمة حنين بن إسحاق (260/873) لكتاب أرطيميدروس الأفسسي (القرن الثاني للميلاد)، في إشارة إلى تاريخ أطول لحضور تفسير الأحلام وتحوّلاته.

أما متنه، فمبنيّ على أبواب واسعة تمتد من «أصول الرؤيا وفصولها ومعرفة صدقها من كذبها» (الباب الأول)، إلى «في المسائل المتفرّقة التي سقطت من أماكنها فأثبتناها في هذا الموضع ليتمّ الكتاب بها إن شاء الله تعالى» (الباب التاسع والخمسون). وبين هذين الحدّين يتوزَّع العالم كلّه تقريباً على شبكة من العناوين، منها أبواب في رؤية الله تعالى والجنة والنار والملائكة والصراط والميزان ويوم القيامة (الباب الثالث)، وفي الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرعد والبرق والمطر والثلج والبرد والرياح والغبار والغمامة وما أشبهها (الباب الرابع)، وفي البحار والأودية والأنهار والحَبّ واللؤلؤ والماء والسفينة (الباب الخامس)، وفي النور والظلمة والنار والسراج والشمع والجمرة (السادس)، وفي الجبال والتلال والرمال والمغاور والتراب والآجر والجص والحائط (السابع). ثم ينفتح المتن على تفاصيل العمران والدور والبساتين والحمّامات والطواحين والسلالم (التاسع)، وعلى العطر وأنواعه مثل المسك والعنبر والكافور والعود والصندل وماء الورد والأدهان الطيبة والزعفران (العاشر).

ويتقدَّم الفهرس إلى موضوعات تمسّ الجسد والعبادة والسلطة والمعرفة. فنقرأ باباً في الغسل والوضوء والتيمّم والأذان والإقامة والصلاة والركوع والسجود والحج والغزو والصدقة والزكاة ونحوها (الثاني عشر)، وباباً في رؤية القاضي والخليفة والفقيه والإمام والحاكم والخطيب والمؤذن والطبيب والمريض والمكيال والميزان والقبّان (الثالث عشر)، إلى باب في القلم والدواة واللوح والمحبرة والمنشور والصك والكرّاسة (الرابع عشر). وتتتابع الأبواب لتشمل «جماعة الناس وأعضاءهم وأيديهم وأرجلهم... وما يرى فيهم من زيادة أو نقصان» (الخامس عشر)، ثم «الأبواب والعُقَد والخروج من موضع ضيق... والمفاتيح... والفرش والبُسُط» (السادس عشر)، ثم ما يتصل بالنار والدخان والرماد والشرار والأتون والتنانير والكوانين والقدور (السابع عشر)، وصولاً إلى أبواب في الطعام والشراب والكواميخ والأدوية والألبان والسموم والقيء والإسهال (الرابع والعشرون)، وفي الجواهر والدراهم والدنانير والفلوس والصُّفر والنحاس (الخامس والعشرون)، وفي الثياب والخفّ والنعل والخواتيم (السادس والعشرون)، وفي الحبل والغزل والقيد والخيط والشبكة والإبرة والقطن (السابع والعشرون).

ولا يكتفي المتن بما هو مألوف من الموجودات، فيُخصّص مساحة واسعة للحيوانات والهوام، من السباع والطيور والأسماك والسرطان ودواب الماء (الأبواب 40–49) إلى الحيات والعقارب والهوام وسمومها ولسعتها (الخمسون)، ثم أبواب في رؤية الجنّ والأبالسة والشياطين والسحرة والكهنة والأصنام (الحادي والخمسون). ويقترب الكتاب أيضاً من المجال الاجتماعي والرمزي، فنقرأ باباً في «الرؤيا التي تدل على طول أعمار الملوك وحُسن حالهم ورؤية الرئيس والسلطان... والاستدلال بالأسماء على الخير والشر» (الثالث والخمسون)، وآخر في «التماثيل والأصباغ والاختتان والتزويج والعرس والضيافة والوليمة» (الرابع والخمسون)، ثم باب في «العبادة والشكر لله والاستغفار والحمد والتسبيح وقراءة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم» (الخامس والخمسون). ويُختم الفهرس بباب في الزلزلة والرجفة والخسف والمسخ والطليق والخلع والوقوع في الماء والنار والسيل وعباراتها (السادس والخمسون)، وباب في رؤية النصارى والمجوس واليهود والبيعة والكنيسة والمقبرة والنواقيس وبيوت النيران (السابع والخمسون)، وباب في «أسقاط البيت...»، بما فيه من مراوح وغرابيل وقوارير، وغيرها من الأوعية (الثامن والخمسون).

إلى جانب المتن، يقدّم التحقيق خريطةً دقيقة للمخطوطات التي نُقل عنها النصّ، ويذكر أنها محفوظة في مؤسّسات متعدّدة، منها مكتبة أسعد أفندي (يرمز إليها بـ«س»، وتُعدّ أقدم ما رجع إليه التحقيق، وتقع في 72 ورقة، نحو 20 سطراً في الصفحة)، ومخطوطة توب كابي (يرمز إليها بـ«ك» في 75 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع استعمال أربعة ألوان للمداد)، ومخطوطة جامعة إسطنبول (يرمز إليها بـ«ط» في 58 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع إبراز العناوين والرموز باللون الأحمر)، ومخطوطة جامعة برنستون (يرمز إليها بـ«ب» في 61 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، بالأسود والأحمر)، ومخطوطة تشستر بيتي (يرمز إليها بـ«ت» في 86 ورقة، 15 سطراً في الصفحة، مع حواشٍ)، إضافةً إلى «مخطوطة جوروم» (يرمز إليها بـ«ج» في 61 ورقة، بإطار ذهبي، و19 سطراً في الصفحة). وتكشف المقدّمة كذلك عن علاقات النسخ ببعضها عبر رسم توضيحي، وعن ملاحظات تتّصل بالجمع بين الأبواب في بعض النسخ، وبسقوط مواضع أو انتقال الناسخ مباشرة إلى باب تالٍ.

وتتجلَّى قيمة التحقيق في صرامة منهجه، إذ يتّخذ نصّ «س» أساساً، ولا يثبت اختلافات النسخ الأخرى في الهوامش إلا إذا كان هناك خطأ صريح أو تحريف أو تصحيف أو خشية التباس على القارئ. كما يشرح التحقيق أنه رجّح قراءة نسخة على أخرى عند السقط أو النقص أو فساد العبارة، مشيراً إلى ما لا يُغيّر المعنى فلا يُثقل به الهامش. ويضيف إلى ذلك عملاً مُساعداً يسهّل التعامل مع الكتاب، من شرح مفردات غريبة، وتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وإلحاق فهرس للرموز المؤولة، إلى جانب فهارس الآيات والأحاديث والأعلام وقائمة المصادر والمراجع. والأهم، أنّ هذا العمل يُبرز صوراً للمخطوطات، بما يمنح القارئ فرصة رؤية المادة التي عبرت القرون قبل أن تستقرّ في هذا الكتاب، مُظهراً صورةً للنص وهو في حالته الأولى، قبل أن يصير كتاباً بين يدي قارئ اليوم.


«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه
TT

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ (1942 - 2024) وقصصه. وجاء في افتتاحية المجلة التي كتبتها الشاعرة والأكاديمية جوسلين ميشيل ألمايدا: «يُعرف محمد الشارخ عالميّاً بإسهامه في (تعريب التكنولوجيا) من خلال تأسيسه شركة (صخر)، ويمثل دأبه على تطوير أنظمة الكتابة العربيّة والحروف الحاسوبيّة إسهاماً بارزاً في دراسة اللغة العربيّة ونشرها رقميًّا. وليس من المبالغة القول إنّ سعي الشارخ الحثيث فيما يتعلّق بلغته الأمّ يُشكّل إرثاً ثقافيًّا ولغويًّا سيُخلَّد في الذاكرة لقرون».

ومن خلال قراءتها للقصص المترجمة إلى الإسبانية، علقت دوسلين ميشيل ألمايدا قائلة: «تتأرجح تقنيّة الشارخ الأدبيّة بسلاسة بين السرد بضمير المتكلّم والسرد على لسان راوٍ عليم، وفقاً للقصّة، وبواقعيّة شعريّة، من دون أن تصل إلى حدّ الواقعيّة السحريّة، فيُحدث السرد أثراً عميقاً في القارئ من حيث تغيير الواقع من خلال الإدراك أو اكتشاف القارئ لحقيقة الأبطال. وعلى غرار ريموند كارفر أو إرنست همنغواي، يُنمّي الشارخ الطابع الشعريّ لصمت شخصيّاته. على هذا المنوال، تصبح قراءة قصص الشارخ فعلاً إبداعيًّا مشتركاً مع الكاتب، حيث يُسهم خيال القارئ في خلق المعنى الإنسانيّ للتجربة؛ ما يُضفي مزيداً من المتعة على السرد. وتُضفي عناصر مثل بناء الشخصيّات، والاستعارات، والسخرية، والحوار، إيقاعاً يُناسب تطوّر الأحداث في نثر الشارخ، وهو تناغم يمتدّ أيضاً إلى الإطار الجغرافيّ لقصصه».

تضمن ملف مجلة «بانيبال» الخاص عن محمد الشارخ، أجزاء من السيرة الذاتية التي كتبها الشارخ تحت عنوان «محطات من حياتي» (ترجمة ألبارو أبييا)، ومقالات وشهادات لكل من طالب الرفاعي، كاتيا الطويل، سعود السنعوسي، وحسونة المصباحي. بالإضافة إلى ترجمة أربع قصص طويلة وهي «المخاض»، «العزاء»، «الوديعة» و«جاسم الكوفي» قام بترجمتها كل من ماريا لويسا برييتو وإغناثيو غوتييريز دي تيران.

في شهادته التي كتبها تحت عنوان «محمد الشارخ... ماذا أعطته اللغة؟ وماذا أعطاها؟»، يقول الروائي الكويتي سعود السنعوسي: «هنا حكاية قصيرة عن حلمي القديم بأن يكون لدي كتابي الخاص، حينما كنتُ في الرابعة عشرة، وكان مشروع الشارخ (صخر) قد دُشِّن قبل ذلك الوقت بثلاثة عشر عاماً، أي أن كمبيوتر (صخر( في مثل سِني تقريباً... تخيَّل! ولأنه من المستحيل لأي دار نشر أن تطبع كتاباً رديئاً لطفل يجهل أصول الكتابة، ولأن والديَّ أجَّلا حلمي بالكتابةِ خشيةً على تحصيلي العلمي: تكبر وتكتب! فقد أخذت زمام المبادرة طفلاً، وبأصابع مرتعشة كتبت ما كنتُ أحسبه قصصاً عبر لوحة مفاتيح كمبيوتر صديق، وكانت تلك اللوحة تحمل في إحدى زواياها ذلك الشعار الرمادي الذي ارتبط في طفولتنا حول عالم الكمبيوتر السحري، وكان لقائي الأول بكمبيوتر (صخر) ولوحة مفاتيحه العربية. وطبعت قصصي الرديئة على أوراقٍ مرقمة وصنعت لها غلافاً يحمل اسمي وعنوان الكتاب... كتاب من نسخة واحدة، ومنذ ذلك الوقت المبكر في حياتي صار لي كتابي الخاص، كتابي الأول الذي لم يقرأه غيري، كتابي المطبوع عبر كمبيوتر (صخر)».

وكتبت الناقدة اللبنانية كاتيا الطويل عن رواية «العائلة»، وهي الرواية الوحيدة التي كتبها محمد الشارخ قائلة: «يقدّم الشارخ فيما يناهز المائتين وستّين صفحة تفاصيل عائلة سعد بن كعب الناصر ويوميّاتها وتاريخها. عشرة أولاد وتسع بنات يرافقهم السرد، يرافق مراحل نشأتهم ومراحل نضجهم وقصص زواجهم. بين متمرّد ومحافظ، بين مهادن للسلطة وحانق عليها، بين مائل للثقافة الغربيّة ومتمسّك بالعادات العربيّة، تسعة عشر ابناً وبنتاً يرافقهم السرد ويعرّف القارئ بهم في محاولة محمودة من الكاتب لتقديم مختلف الآراء ووجهات النظر في العائلة الكويتيّة والمجتمع الكويتيّ ككلّ».

وتحت عنوان «محمد الشارخ النجم الباقي» كتب طالب الرفاعي: «عُرف الشارخ عربياً وعالمياً بأنه رجل أعمال، لكن ما كان يقبع خلف رجل الأعمال ذاك، كان إنساناً مرهف الحس عاشقاً للقراءة والكتابة وعاشقاً للفن التشكيلي وعاشقاً للسينما، ولقد ترك الرجل خلفه مجاميع قصصية دالة على فكره من جهة ودالة على البيئة المكانية والاجتماعية التي نشأ وترعرع فيها. محمد الشارخ وللطف خلقه لم يكن يزاحم أحداً في كتاباته ولا قدّم نفسه بوصفه كاتباً، لكن هذا لم يكن أكثر من تواضع الأدباء الحقيقي، ولم يكن أكثر من مسلك حياتي طبع حياة الشارخ بأن يكون في الظل أكثر ما يكون في العلن، لكن قدره أن يبقى في العلن ما بقيت اللغة العربية. شخص نذر عمره لها، فأعطته بقاءً أدبياً لم تعطه للكثيرين غيره».ونشرت المجلة مقالة للكاتب التونسي الراحل حسونة المصباحي كان قد كتبها حول قصص محمد الشارخ، قال فيها: «ما إن انتهيت من قراءة قصص محمد الشارخ حتى وجدتني مفتوناً من جديد بفن القصة القصيرة التي كنت أظن أنها دُفنت نهائياً في عالمنا العربي بعد أن أصبح العرب مصابين بـ(هوس الرواية). كما وجدتني راغباً في قراءة المزيد من قصص الشارخ لطرافتها، وانسيابها السريع، وسخريتها المرة، ولغتها الخالية من البلاغة الجوفاء، ومن اللغو، ومن ذلك التصنع البغيض، الذي هو عدو كل الفنون».ومن المواد الأخرى التي نشرتها المجلة في عددها الأخير، نقرأ نصوصاً شعرية وسردية لثلاثة أدباء من سوريا. أجزاء من رواية «الذئاب لا تنسى» للكاتبة لينا هويان الحسن (ترجمة أنخلينا غوتييريز ألمنارا)، وفصول من رواية بشير البكر «بلاد لا تشبه الأحلام» ترجمة أنطونيو مارتينيز كاسترو)، مقاطع طويلة من ديوان الشاعر نوري الجراح «الأفعوان الحجري: مرثية برعتا التدمري لمحبوبته ريجينا» (ترجمة ماريا لويسا برييتو).وكانت لوحة الغلاف، بورتريه لمحمد الشارخ، بريشة الفنان التشيلي توماس بينيفينته.